النص المفهرس
صفحات 321-340
[حكمة الصوم وفضيلته] اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن خسيس عاداتها، وحبسها عن شهواتها، وفطامها(١) عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم: (٢) (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فهو (٣) لي وأنا أجزي به). فأضافه تعالى إليه أضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: أناقة الله﴾(٤) مع أن العالم كله له سبحانه. وقيل(٥): لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبوداً لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرها. قال في شرح تقريب الأسانيد: واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها. (١) في ط: وفطمها. (٢) ورواه البخاري أيضاً (٣) في (ا، ب): هو. (٤) سورة الشمس، الآية ١٣ . (٥) أي: وقيل في وجه ذلك. - ٣٢١ - وقيل: لأن الصوم بعيد عن الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو، وغير ذلك من العبادات الظاهرات، قال في فتح الباري: معنى النفي في قولهم ((لا رياء في الصوم)) أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها. انتهى . وعن شداد بن أوس مرفوعاً: من صام يرائي فقد أشرك. رواه البيهقي . وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ. وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، قال القرطبي معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي. أو لكون ذلك من صفات الملائكة، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، بخلاف غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، ولذا قال في بقية الحديث: (وأنا ٣٧٠/أ أجزي / به) وقد علم بأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده. والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام الشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، لكن وقع في - ٣٢٢ - رواية عند ابن خزيمة ((يدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي))، وأصرح منه ما روي ((من الطعام والشراب والجماع من أجلي)). وللصيام تأثير عجيب في حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾(١) وقال مليار - كما في البخاري(٢) : - (الصوم جُنة) هي بضم الجيم، الوقاية والستر، أي: ستر من النار. وبه جزم ابن عبد البر، وفي النهاية: أي يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، وقال القاضي عياض: من الآثام. وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً. وقد اختلف: هل الصوم أفضل أم الصلاة؟ فقيل الصوم أفضل الأعمال البدنية، لحديث النسائي عن أبي أمامة قال: أتيت النبي وَل فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر آخذه عنك قال: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له)، والمشهور تفضيل الصلاة، وهو مذهب الشافعي وغيره، لقوله وسلم: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) رواه أبو داود وغيره. ثم إن الكلام في صيامه وَلر على قسمين: (١) سورة البقرة، الآية ١٨٣. (٢) وكذا رواه مسلم. - ٣٢٣ - 1 الْقِسْمُ الأوّل في صيامه وقآخر شهر رمضان وفيه فصول : الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده وَي فيه [تسمية رمضان وفرضية صيامه] اعلم أن ((رمضان)) مشتق من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمي الربيعان(١) لموافقتهما زمن الربيع. أو لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع . ورمضان أفضل الشهور، كما حكاه الأسنوي عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام. قال النووي: وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدلیل صحیح. انتهى . وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل (١) في المخطوطات: الربيعين، وهو صحيح على اعتباره المفعول الثاني لـ (سمی)) . - ٣٢٦ - صوم رمضان، وفي وجه - وهو قول الحنفية - أول ما فرض [يوم](١) عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتي أدلة الفريقين في الكلام على صوم عاشوراء أن شاء الله تعالى. وقد كان فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة - كما تقدم - فتوفي سيدنا رسول الله وَّ وقد صام تسع رمضانات. [رمضان وأعمال الخير] ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع الجود والبركات لأن نعم الله فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول الله وله يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات، من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف ويخص به من العبادات ما لا يخص به غيره من الشهور، وكان جوده وَلّ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضاً، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة / ٣٧٠/ ب وفي حديث ابن عباس عند الشيخين، قال: (كان النبي أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صل*هل حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة). فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهي مدارسة القرآن، حصل له ◌َر المزيد في الجود. والمرسلة: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من (١) في ط . - ٣٢٧ - الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده وَية، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. ووقع عند الإمام أحمد في آخر هذا الحديث (لا يسأل شيئاً إلا أعطاه). وتقدم في ذكر سخائه ◌َّال# مزيد لذلك. [القرآن في رمضان] وقد كان ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يتعاهده وَ ر في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه وَ له عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها. قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي ◌َّل بالقرآن في شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفاً لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضاً وإحكاماً. وفي المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي وسلم أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين(١) من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان(٢). وقد دل الحديث على استحباب مدراسة القرآن في رمضان، والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه. (١) كذا في ش والمسند، وفي المخطوطات: لست من، وفي ط: لست بقين. (٢) المسند ٤ /١٠٧. - ٣٢٨ - وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وَعليه وبين جبريل كانت ليلاً، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان ليلاً، لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر. [استقبال رمضان] وقد كان ◌َّ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ولفظه قال: كان(١) النبي ◌َّل يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم [الخير الكثير](٢). قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان. وروي أنه تمَّي ◌ّ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. رواه الطبراني(٣) وغيره من حديث أنس (٤). وكان ◌َليّ إذا رأى هلال رمضان قال: هلال رشد وخير، هلال رشد وخير(٥)، آمنت بالذي خلقك، رواه النسائي من حديث أنس. (١) في ط: كنا مع النبي. (٢) في (ط، ش). (٣) في ط: الطبري. (٤) ضعفه البيهقي وغيره. (٥) في (أ، د) كرر هذه الجملة مرة ثالثة. - ٣٢٩ - وروي أنه * كان يقول إذا دخل شهر رمضان: اللهم سلمني من رمضان، وسلم رمضان لي، وسلمه مني. أي: سلمني منه حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره. وسلمه لي: حتى لا يغم هلاله علي في أوله وآخره، فيلتبس عليّ الصوم والفطر، وسلمه مني: أن تعصمني من المعاصي فيه. وهذا منه وَل تشريع لأمته (١). (١) كلمة ((لأمته)) سقطت في ط. - ٣٣٠ - الفصل الثاني في صيامه وَّله برؤية الهلال عن عائشة (كان ◌َله/ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من ٣٧١/أ غيره(١)، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام). رواه أبو داود. وقال ◌َله: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ علیکم فاقدروا له) رواه مسلم. قوله: (فإن غم عليكم)) أي: حال بينكم وبينه غيم. ((فاقدروا له)) من التقدير، أي: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً، ويؤيده قوله في الرواية السابقة: ((فإن غم عليه وَلّ عد ثلاثين)) وهو مفسر لـ ((اقدروا له)) ولهذا لم يجتمعا في رواية. ويؤكده رواية: ((فاقدروا له ثلاثين))(٢). قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله وَيقول: ((اقدروا)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. انتهى. (١) أي يجتهد في الوصول إلى العلم بهلاله. (٢) رواية لمسلم عن ابن عمر. - ٣٣١ - وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة، وجمهور السلف والخلف. وفيه دليل: أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. وقال الإمام أحمد بن حنبل في طائفة: أي اقدروا له تحت السحاب، فيجوزون صوم ليلة الغيم عن رمضان، بل قال أحمد بوجوبه . وقال ابن سريج(١) وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قنيبة وآخرون معناه: قدروا بحساب المنازل. (١) في (ا، ب): شريح. - ٣٣٢ - الفصل الثالث في صومه وَ بشهادة العدل الواحد عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله وَالر أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وصححه ابن حبان . وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله و لر فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله، قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا، رواه أبو داود والترمذي والنسائي . والمراد في قوله وَلّ في الحديث السابق: ((إذا رأيتموه)) رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميع الناس رؤية عدل على الأصح في مذهبنا. وهذا في الصوم، وأما في الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوزه بعدل. قال الأسنوي: إذا قلنا بالعدل الواحد في الصوم فلا خلاف أنه لا يتعدى إلى غيره، فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا يحل به الدين المؤجل، ولا يتم به حول الزكاة، كذا أطلقه الرافعي هنا نقلاً عن البغوي، وأقره وتبعه عليه في الروضة، - ٣٣٣ - وصورته: فيما إذا سبق التعليق على الشهادة، فإن وقعت الشهادة أولاً، وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق فإن الطلاق والعتق يقعان. كذا نقله القاضي حسين في تعليقه عن ابن سريج(١) وقال الرافعي: في الباب الثاني من كتاب الشهادات: إنه القياس، انتھی . (١) في المخطوطات: شريح. - ٣٣٤ - الفصل الرابع فيما كان يفعله وَله وهو صائم [الحجامة] عن ابن عباس: أن رسول الله وَلّر احتجم وهو صائم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي . واعلم أن الجمهور على عدم الفطر بالحجامة مطلقاً. وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً. وقال بقول أحمد، من الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان . ونقل الترمذي عن الزعفراني(١): أن الشافعي علق القول به / ٣٧١/ب على صحة الحديث. قال الترمذي: كان الشافعي يقول ذلك ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة. انتهى. (١) الحسين بن علي بن يزيد البغدادي، الفقيه الإمام في اللغة، قال في التقريب، صدوق فاضل. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. - ٣٣٥ - وقال الشافعي في ((اختلاف الحديث))(١) بعد أن أخرج حديث شداد ((كنا مع رسول الله صل ﴿ في زمان الفتح، فرأى رجلاً يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان. فقال - وهو آخذ بيدي -: أفطر الحاجم والمحجوم)) ثم ساق حديث ابن عباس ((أنه بَّر احتجم وهو صائم)) قال: وحديث ابن عباس أمثلهما إسناداً(٢)، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلى احتياطاً، والقياس مع حديث ابن عباس. والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة، انتهى. وأول بعضهم حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أن المراد به أنهما سيفطران، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾(٣)، أي ما يؤول إليه. ولا يخفى بعد هذا التأويل. وقال البغوي في ((شرح السنة)) معناه: أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فإنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه، وأما المحجوم فإنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. وقيل: معنى أفطرا: فعلا مكروهاً وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة. وقال ابن حزم: صح حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد ((أرخص النبي صل8ّ في الحجامة للصائم)) وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجماً أو محجوماً. انتهى. (١) اسم كتاب. (٢) حديث ابن عباس متفق عليه، وحديث شداد فيه كلام. (٣) سورة يوسف، الآية ٣٦. - ٣٣٦ - والحديث المذكور(١) أخرجه النسائي وابن خزيمة والدار قطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس عند الدارقطني ولفظه ((أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر ابن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله وَ له فقال: أفطر هذان، ثم أرخص رسول الله وَلير بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم)). ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك. ومن أحسن ما ورد في ذلك، ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله وَ ل قال: نهى النبي ◌َّل عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه. وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بلفظ ((عن أصحاب محمد وَل قالوا: إنما نهى النبي ◌َّيل عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف)) أي لئلا يضعف. انتهى ملخصاً من فتح الباري والله أعلم. [التقبيل والاكتحال والسواك] وقالت عائشة: (كان ◌َ له يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت). رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. قالت: (وكان أملككم لإربه)(٢) أي لحاجته، تعني أنه كان غالباً لهواه. قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء، يعنون به الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: (١) أي حديث أبي سعيد ((أرخص .. )). (٢) متفق عليه . - ٣٣٧ - أحدهما أنه الحاجة يقال فيها؛ الأُرَب، والإرْب، والإربة والمأربة، والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، انتھی . فمذهب الشافعي والأصحاب: أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح عند أصحابنا. وقوله: ((فضحكت)) (١) قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف هذا، وقيل: تعجبت من نفسها، إذ حدثت بمثل هذا مما يستحي من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، وقد يكون خجلاً لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهاً على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ في الثقة بها، أو سروراً بمكانتها من النبي وَل ومحبته لها. ١/٣٧٢ وقد / روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام في هذا الحديث: فضحكت فظننا أنها هي. وروى النسائي عنها قالت: أهوى إليَّ النبي ◌َّ ليقبلني فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم فقبلني. وقد روى أبو داود عن عائشة أن النبي وَير كان يقبلها ويمص لسانها، يعني وهو صائم. وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها. وكان ◌َ لا يكتحل بالإثمد وهو صائم(٢). رواه البيهقي من رواية (١) الرواية، ثم ضحكت. (٢) قال أبو حاتم: حديث منكر. - ٣٣٨ - محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده. ثم قال: إن محمداً هذا ليس بالقوي، وثقه الحاكم وأخرج له في مستدركه. وقالت أم سلمة: كان ◌َله يصبح جنباً من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضي. رواه البخاري ومسلم. قال القرطبي: في هذا الحديث فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز، الثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها: ((من غير الاحتلام)) إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان لاستثنائه معنى. وردًّ: بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه. وأجيب: بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام. وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمداً يفطر. انتهى. وقال عامر بن ربيعة: رأيته ◌َله يستاك وهو صائم مالا أعد ولا أحصي. رواه أبو داود والترمذي. - ٣٣٩ - الفصل الخامس في وقت إفطاره وَ لتر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله وَليل في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: يا بلال انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً، قال: انزل فاجدح لنا، قال فنزل فجدح فأتى به فشرب النبي وَلّر ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم . والجدح - بجيم ثم حاء مهملة - خلط الشيء بغيره. والمراد: خلط السويق بالماء وتحریکه حتى يستوى. ومعنى الحديث: أنه وَلَّ وأصحابه كانوا صياماً، فلما غربت الشمس أمره ول # بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي تبقى معه بعد غروب الشمس، فظن أن الفطر لا يحصل إلا بعد [ذهاب](١) ذلك،، واحتمل عنده أنه وَ لّ لم يرها(٢)، فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إن عليك نهاراً، لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى قوله في الرواية (١) ليست في الأصل وهي في النسخ. (٢) في (ط، ش): يرهما، أي الضياء والحمرة. - ٣٤٠ -