النص المفهرس

صفحات 301-320

بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ◌َّر، ثم يخلص الدعاء للميت ولا
يقرأ إلا في الأولى.
وفي البخاري عن سعد عن طلحة قال: صليت خلف ابن
عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة، وليس
فيه بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح بذلك في حديث جابر
عند الشافعي بلفظ: وقرأ بأم الكتاب بعد التكبيرة الأولى، كما ذكره
الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي.
وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله وَله على جنازة فقرأ
بفاتحة الكتاب. رواه الترمذي وقال: لا يصح هذا. والصحيح عن
ابن عباس قوله: ((من السنة)) وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين.
ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال.
وعن عوف بن مالك: صلى رسول الله وسلم على جنازة فحفظنا
من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله
ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى
الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً
من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب
القبر ومن عذاب النار. قال عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت
لدعاء رسول الله وَلّر. رواه مسلم.
وعن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله وَلل على رجل
من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحل
جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق،
اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم. رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَله إذا صلى على الجنازة
- ٣٠١ -

قال: اللهم اغفر لحینا ومیتنا وشاهدنا وغائبنا وصغیرنا وکبیرنا، وذكرنا
وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه
على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. رواه أحمد وأبو داود
والترمذي .
وعنه: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: اللهم أنت ربها وأنت
خالقها، هديتها إلى الإسلام، قبضت روحها وأنت أعلم بسرها
وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر لها. رواه أبو داود.
الفرع الثالث
في صلاته بَّر على القبر
عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم(١) المسجد، ففقدها
رسول الله وَ له، فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: أفلا آذنتموني؟ قال:
فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها.
رواه البخاري ومسلم.
زاد ابن حبان فقال في رواية حماد بن سلمة عن ثابت: ((إن هذه
القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم)).
وإشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة، على أن ذلك من
خصائصه وير. ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه
يزيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: ثم أتى القبر فصففنا خلفه
وكبر عليه أربعاً. قال ابن حبان: في ترك إنكاره وَ لفر على من صلى معه
على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن
الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة.
(١) أي تكنسه وتجمع القمامة.
- ٣٠٢ -

وعن عقبة بن عامر: أنه وَلّر خرج يوماً فصلى على أهل أحد
صلاته على الميت، ثم انصرف، وفي رواية: صلى على قتلى أحد بعد
ثمان سنين كالمودع الأحياء والأموات. رواه أبو داود والنسائي .
ورواه الشيخان أيضاً بلفظ: خرج يوماً فصلى على أهل أحد
كصلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال فرط لكم. الحديث.
وفيه: الصلاة على الشهداء في حرب الكفار. وقد اختلف
العلماء في هذه المسألة: فذهب مالك والشافعي / وأحمد وإسحاق ٣٦٧/ب
والجمهور: إلى أن لا يصلي عليهم.
وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزني،
وهي رواية عن أحمد اختارها الخلال.
وحجة الجمهور: أنه وَل ◌ّ لم يصل على قتلى أحد - كما رواه
البخاري في صحيحه عن جابر - وأما هذه الصلاة فالمراد بها الدعاء،
وليس المراد بها صلاة الجنازة المعهودة.
قال النووي: أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت، وأن هذه الصلاة
مخصوصة بشهداء أحد، فإنه لم يصل عليهم قبل دفنهم كما هو المعهود
من صلاة الجنازة، وإنما صلى عليهم في القبور بعد ثمان سنين،
والحنفية يمنعون الصلاة على القبر مطلقاً، ولو كانت الصلاة عليهم
واجبة لما تركها في الأول.
ثم إن الشافعية اختلفوا في معنى قولهم: لا يصلى على الشهيد،
فقال أكثرهم: معناه: تحريم الصلاة عليه، وهو الصحيح عندهم.
وقال آخرون: معناه: لا تجب الصلاة عليه، لكن تجوز.
وذكر ابن قدامة: أن كلام أحمد في الرواية التي قال فيها يصلى
عليهم: يشير إلى أنها مستحبة غير واجبة.
- ٣٠٣ -

[قال ابن القاسم صاحب مالك: إنه لا يصلى على الشهيد فيها
إذا كان المسلمون هم الذين غزوا الكفار، فإن كان الكفار هم الذين
غزو المسلمين فيصلى عليهم](١).
الفرع الرابع
في صلاته وَلّ على الغائب
عن جابر أنه وَّ قال: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش،
فهلم فصلوا عليه، قال: فصففنا فصلى النبي ◌َّل ونحن وراءه. رواه
البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة أنه وَ لّ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه،
وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. رواه الشيخان
أيضاً.
وعند البخاري من طريق ابن عيينة عن ابن جريج: فقوموا
فصلوا على أخيكم أصحمة.
وبهذا الحديث استدل من منع الصلاة على الميت في المسجد،
وهو قول الحنفية والمالكية، لكن قال أبو يوسف: إن أعد مسجد
للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس.
قال النووي: ولا حجة فيه، لأن الممتنع عند الحنفية إدخال
الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد
جازت الصلاة عليه لمن هو داخله.
وقال ابن بزبزة وغيره: استدل به بعض المالكية، وهو باطل،
(١) في (ب، ط) وفي هامش (د) وأشار مصحح شرح الزرقاني إلى وجودها في
بعض النسخ .
- ٣٠٤ -

لأنه ليس فيه صيغة نهى، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى
الأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت(١) أنه وَّ صلى على سهيل بن
بيضاء في المسجد، فيكف يترك هذا التصريح لأمر محتمل، بل الظاهر
أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون
عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدَر
كونه(٢) أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير، والدارقطني في
الأفراد، والبزار، كلاهما(٣) عن أنس أن النبي والفر لما صلى على
النجاشي قال بعض أصحابه(٤): صلى على علج من الحبشة؟ فنزلت
﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم﴾(٥)، الآية،
وله شاهد من حديث أبي سعيد عند الطبراني في معجمه الكبير، وزاد
فيه: إن الذي طعن بذلك كان منافقاً.
وقد قال البخاري: ((باب الصلاة على الجنازة بالمصلى والمسجد))
وروى حديثاً عن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى النبي ◌َّ برجل منهم
وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد.
وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان
لاصقاً بالمسجد النبوي من ناحية المشرق، انتهى فإن ثبت ما قال وإلا
فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين
والاستسقاء، لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان مهيأ للرجم.
ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد
(١) في صحيح مسلم وغيره.
(٢) في (ش) يدركوه، وفي (ب) يذكر أنه.
(٣) أي ثابت وحميد. راويا الحديث عن أنس.
(٤) ستوضح الرواية الآتية أنه كان من المنافقين.
(٥) سورة آل عمران، الآية ١٩٩.
٣٠٥

للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض
الجنائز في المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، واستدل به على
مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد، ويقويه حديث عائشة ((ما
٣٦٨/أصلى وَّ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد)) / أخرجه مسلم، وبه
قال الجمهور.
وحمل المانعون الصلاة على سهيل: بأنه كان خارج المسجد،
والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقاً.
وفيه نظر: لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها
بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه. وقد سلم لها الصحابة
ذلك، فيدل على أنها حفظت ما نسوه.
وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في
المسجد، وأن صهيباً صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية:
ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر، وهذا يقتضي الإجماع على جواز
ذلك.
وقد استدل أيضاً بحديث قصة النجاشي على مشروعية الصلاة
على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور
السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه.
وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك.
وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه
الميت أو ما قرب، لا ما إذا ما طالت المدة، حكاه ابن عبد البر.
وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن في جهة القبلة، فلو كان بلد
الميت مستدبر القبلة مثلاً لم يجز. قال المحب الطبري: لم أر ذلك
لغيره.
- ٣٠٦ -

وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي
بأمور:
منها: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد، فتعينت الصلاة
عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع
موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من
الشافعية .
ومنها: قول بعضهم: إنه كشف له وَلّ عنه حتى رآه، وعبر
عنه القاضي عياض في ((الشفاء)) بقوله: ورفع له النجاشي حتى صلى
عليه، فتكون صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون،
ولا خلاف في جوازها.
قال ابن دقيق العيد: وهذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقبه بعض الحنفية: بأن الاحتمال كاف في مثل هذا، وكأن
مستند هذا القائل ما ذكره الواحدي في أسباب النزول بغير إسناد عن
ابن عباس: كشف للنبي وَلّل عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى
عليه. ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه
وهم لا يظنون إلا أن الجنازة بین یدیه.
ومن الاعتذارات أيضاً: أن ذلك خاص بالنجاشي، لأنه لم يثبت
أنه وَله صلى على ميت غائب غيره. قاله المهلب، وكأنه لم يثبت عنده
قصة معاوية بن معاوية الليثي.
واستند من قال بتخصيص النجاشي بذلك إلى ما تقدم من
إشاعة أنه مات مسلماً أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في
حياته .
- ٣٠٧ -
٩

قال النووي: لو فتح هذا الباب(١) لا نسد كثير من ظواهر
الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله.
وقال ابن العربي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد دَلّل،
قلنا: وما عمل به محمد وَلا تعمل به أمته، يعني لأن الأصل عدم
الخصوصية، قالوا طويت له الأرض، وأحضرت الجنازة بين يديه،
قلنا: إن ربنا لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما
رويتم ولا تخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات
ودعوا الضعاف فإنها سبيل إلى إتلاف ما ليس له تلاف.
وقال الكرماني: قولهم ((رفع الحجاب عنه)) ممنوع، ولئن سلمنا
فكان غائباً عن الصحابة الذين صلوا مع النبي ◌َّ، انتهى ملخصاً
من فتح الباري.
(١) أي باب القول بالخصوص.
- ٣٠٨ -

النَّوَعِ الثَّالِثْ
في ذكر سيرته وَ الر في الزكاة

[معنى الزكاة]
وهي في اللغة: النماء والتطهير.
والمال ينمى بها من حيث لا يرى، وهي مطهرة لمؤديها من
الذنوب، وقيل: ينمى أجرها عند الله تعالى. وسميت في الشرع زكاة
لوجود المعنى اللغوي فيها. وقيل: لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة
إيمانه، وهي قيد النعمة(١)، وسميت الصدقة صدقة لأنها دليل
لتصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه .
[أصناف الأموال الواجب فيها الزكاة]
وقد فهم من شرعه وَل ◌ّ أن الزكاة / وجبت للمواساة، وأن ٣٦٨/ب
المواساة لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب.
ثم جعلها ◌َّة في الأموال النامية، وهي أربعة أصناف:
الذهب والفضة اللذان بهما قوام العالم.
والثاني: الزروع(٢) والثمار.
والثالث: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
والرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها.
(١) أي مقيدة لها ومانعة من زوالها.
(٢) في (ط، ش): الزرع.
- ٣١١ -

[مقدار النصاب]
وحدد مَّ نصاب كل صنف بما يحتمل المواساة:
فنصاب الفضة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنص الحديث
والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالاً، وأما الزروع (١) والثمار فخمسة
أوسق، وأما الغنم فأربعون شاة، والبقر ثلاثون بقرة، والإبل خمس.
ورتب ول# مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال:
فأعلاها وأقلها تعباً الركاز، وفيه الخمس لعدم التعب فيه، ولم
يعتبر له حولاً بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به.
ويليه الزروع والثمار، فإن سقي بماء السماء ونحوه ففيه العشر،
وإلا فنصفه.
ويليه الذهب والفضة والتجارة، وفيها ربع العشر، لأنه يحتاج
إلى العمل فيه جميع السنة.
ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص (٢) بخلاف الأنواع السابقة.
ولما كان نصاب الإبل لا يحتمل المواساة من جنسه أوجب فيها
شاة، فإذا صارت الخمس خمساً وعشرين احتمل نصابها واحداً، فكان
هو الواجب. ثم إنه قدر سنَّ هذا الواجب في الزيادة والنقصان
بحسب كثرة الإبل وقلتها.
وفي كتابه بَلير الذي كتبه في الصدقة ولم يخرجه إلى عماله حتى
قبض: في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمسة عشر
(١) في (ط، ش): الزرع.
(٢) جمع وقص: ما بين الفريضتين من نصب الزكاة مما لا شيء فيه.
- ٣١٢ -

ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض
إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها أبنة لبون إلى خمس
وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة
ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى
تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كانت
الأبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون،
وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت
واحدة فشاتان إلى المائتين، فإن زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه،
إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة شاة،
ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة. رواه أبو داود والترمذي من حديث
سالم بن عبد الله بن عمر.
[زكاة الفطر]
وفرض * زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على
العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها
أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، رواه البخاري ومسلم من
حديث ابن عمر.
وفي رواية أبي داود من حديث ابن عباس، فرض ر18َّ- زكاة
الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
[مستحقو الزكاة]
وقال ◌َله: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات
حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء. رواه أبو داود من حديث زياد
ابن الحارث الصدائي .
- ٣١٣ -

وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس:
أحدهما: من يأخذ لحاجته، فيأخذ بحسب شدة الحاجة
وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن
السبيل .
والثاني: من يأخذ لمنفعته، وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم
والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن
الآخذ محتاجاً، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
[الأنبياء لا زكاة عليهم]
٣٦٩ / أ
واعلم أن الأنبياء لا تجب عليهم الزكاة، لأنهم لا ملك لهم مع
الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما تجب عليك زكاة ما أنت له
مالك، إنما كانوا يشهدون / ما في أيديهم من ودائع الله لهم يبذلونه في
أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه
أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم وتزكيهم بها﴾(١)، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبرؤون
من الدنس، لوجوب العصمة لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على
الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان
التكليف، وذلك بعد البلوغ. وإذا كان أهل المعرفة بالله المشاهدون
لأحدیته لا یشهدون لهم مع الله ملكاً كما هو مشهور من حكاياتهم،
فما ظنك بالأنبياء والرسل، وأهل التوحيد والمعرفة إنما غرفوا من
بحارهم واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصاً من كتاب ((التنوير))
للعارف الكبير أبي الفضل بن عطاء الله الشاذلي، أذاقنا الله حلاوة
مشربه .
(١) سورة التوبة، الآية ١٠٣ .
- ٣١٤ -

[قصة باطلة]
تنبيه: ما حكي أن الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل كانا
جالسين، إذ أقبل شيبان الراعي، فقال أحمد بن حنبل للشافعي: أريد
أن أسأل هذا المشار إليه في هذا الزمن، فقال الشافعي: لا تفعل،
فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسي أربع
سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله،
يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال: فخر أحمد مغشياً
عليه، ثم أفاق فقال: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟
فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أوهما (١) مذهبان؟ فقال:
نعم، أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة شاة، وأما على مذهبنا
فالعبد لا يملك مع سيده شيئاً.
فقد نقل شيخنا في ((المقاصد)) عن ابن تيمية أن ذلك باطل
باتفاق أهل المعرفة، لأن الشافعي وأحمد لم يدركا شيبان الراعي والله
أعلم. انتهى
[الدعاء للمزكي]
وقد كان ◌َلّ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم صل على آل
فلان، فأتاه أبو أوفى بصدقة فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. رواه
البخاري ومسلم.
[تاريخ فرض الزكاة]
واختلف في أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه
(١) في المخطوطات: وهما.
- ٣١٥ -

وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان،
أشار إليه النووي في باب السير من الروضة.
وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه
نظر: لما في حديث ضمام بن ثعلبة، وحديث وفد عبد القيس، ومخاطبة
أبي سفيان مع هرقل وكان في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة .
وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن
حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي وَالقر عاملاً:
فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية، والجزية إنما وجبت في
التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكنه حديث ضعيف لا يحتج
بمثله .
وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة،
واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة،
وفيها: أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن
الرجل: الذي يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، انتهى.
وفي الاستدلال بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن
فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم
تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع
فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفراً فقال:
يأمرنا، يعني أمته، وهو بعيد جداً. وأولى ما حمل عليه حديث أم
سلمة هذا - إن سلم من قدح في إسناده - أن المراد بقول جعفر ((يأمرنا
بالصلاة والزكاة والصيام)) أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون
المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام شهر رمضان، ولا
٣٦٩/ب بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة / ذات النصاب والحول.
-٣١٦ -

ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في
قصة ضمام بن ثعلبه وقوله: ((أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه
الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟)) وكان قدوم ضمام سنة
خمس، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات،
وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك.
ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن
صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته
مدنية بلا خلاف. وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه
والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله وَله
بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا
ولم ينهنا ونحن نفعله. إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا
أبا عمار، الراوي عن قيس بن سعد، وقد وثقه أحمد وابن معين. وهو
دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي
وقوعها بعد فرض رمضان. قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه
الله .
[قبوله {َ﴿ّ الهدية دون الصدقة]
وكان ◌َ لّ يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه البخاري من حديث
عائشة .
وإذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة، فإن قيل صدقة قال
لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم. رواه
البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وقال وَل﴿ لعائشة: هل عندكم شيء فقالت: لا، إلا شيء بعثت
- ٣١٧ -

به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت بها إليها من الصدقة، قال: إنها
بلغت محلها. رواه البخاري ومسلم.
وقوله: ((محلها)) بكسر الحاء، أي زال عنها حكم الصدقة وصارت
حلاً لنا.
وأتى بلحم قد تصدق به على بريرة فقال: هو عليها صدقة،
ولنا هدية، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل بَّ وعلى النار
برمة(١) تفور، فدعا بالغداء، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال:
ألم أر برمة على النار تفور؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق
به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: هو
صدقة عليها، وهدية لنا.
(١) هي القدر.
- ٣١٨ -

النَّوع التَّابع
في ذکر صیامه
صَلَى اللّه
وئيلة