النص المفهرس
صفحات 161-180
وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله وَل وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث(١) على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة . وفي رواية له أيضاً: أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق (٢) . وعند ابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول اللّه وَله وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله ((أذانين)) يريد: الأذان والإقامة تغليباً أو لاشتراكهما في الإعلام. وللنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي وَّل على المنبر، فإذا نزل أقام . وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب(٣): فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للإمام الشافعي من هذا الوجه. قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما، لأنه باعتبار كونه مزيداً يسمى ثالثاً، وباعتبار كونه مقدماً على الأذان والإقامة يسمى أولاً. وأما قوله في رواية البخاري: ((إن التأذين الثاني))، فمتوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. وقال الشيخ خليل في ((التوضيح)): واختلف النقل: هل كان (١) هذا على اعتبار ((الإقامة)) أذانا. [م]. (٢) أي أن الثاني في الإحداث هو الأول بالفعل. (٣) عند ابن خزيمة. - ١٦١ - يؤذن بين يديه و له، أو على المنار؟ الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم عن مالك في ((المجموعة)). ونقل ابن عبد البر في ((كافيه)) عن مالك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم. وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة، وكذلك نقل صاحب ((تهذيب الطالب)) والمازري. وفي ((الاستذكار)): إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن ٣٤٤/أ يكون الأذان يوم الجمعة بين يدي / الإمام كان في زمنه رَله وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام. قال: وهذا قول من قل علمه، ثم استشهد بحديث السائب بن يزيد المروي في البخاري السابق، ثم قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدي النبي ◌َّ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. انتهى. والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قاله المهلب. قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن إسحاق عند الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالاً كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات. والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك، لكونه كان حيئنذ خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد. - ١٦٢ - وفي تفسير جويبر عن الضحاك عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارج المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ◌َّ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد. وقد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع: بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذاناً وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة . فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به: لم يكن في زمنه وَ®، لأن كل ما لم يكن في زمنه وقَلل يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسناً، ومنها ما يكون غير ذلك. ثم إن فعل عثمان رضي الله عنه كان إجماعاً سكوتياً لأنهم لم ينكروه عليه. انتھی(١). (١) عن فتح الباري بتقديم وتأخير ٣٩٣/٢ - ٣٩٥. - ١٦٣ - [أول جمعة وأول خطبة] وأول جمعة جمعها النبي ◌َّ بأصحابه - كما قدمناه في حديث الهجرة - في بني سالم بن عوف، في بطن وادٍ لهم، فخطبهم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها: الحمد لله أحمده، وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوٍ من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالاً بعيداً، أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه، فإن تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوَّف ذلك يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، هو الذي صدق قوله ٣٤٤/ب وأنجز وعده لا خلف له / فإنه يقول: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً - ١٦٤ - عظيماً، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وسخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم كتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره، وغيره . [من أحكام الخطبة] وقد كان ◌َله يخطب متوكئاً على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجه: أنه * كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا، وعند أبي داود بإسناد حسن: أنه وَلّر قام متكئاً على قوس أو عصا. قالوا: والحكمة في التوكؤ على نحو السيف، الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة مريد الجهاد. ونازع فيه العلامة ابن القيم في ((الهدي النبوي)) وقال: إن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي. كذا قاله، والله أعلم(١). (١) وقال ابن القيم: لم يحفظ أنه وَ لّ توكأ على سيف. وكثير من الجهلة يظن = - ١٦٥ - وكان ◌َّ إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه(١). وكان وَلّ يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، رواه مسلم من رواية جابر بن سمرة. وفي رواية له: كانت له وسلّ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ویذکر الناس. وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان ◌َلّ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب. قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم من علماء الأمصار: الخطبة قائماً. ونقل غيره عن أبي حنيفة: أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب. وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء وصحت الخطبة. وعن الباقين: أن القيام شرط، يشترط للقادر كالصلاة، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة، وبمواظبته ولي على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس. ولأن الذي نقل عنه الجلوس، وهو معاوية، كان معذوراً، فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي: أن = أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى قيام الدين به. وهو جهل قبيح .. (١) قال الحافظ: سنده ضعيف جداً، وقال الزيلعي: واه، وقال ابن أبي حاتم : موضوع. -١٦٦ - معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه. واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة النبي ◌َّ على ذلك، [مع قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي](١). وكان وَليه يقول بعد الثناء: ((أما بعد)) كما قاله البخاري. وكان وَ لّ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول بعثت وأنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد الحل وشر الأمور محادثاتها، وكل بدعة ضلالة. ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ وعليّ. رواه مسلم(٢) والنسائي من حديث جابر. [من أقواله ◌َجَر في خطبه] وفي رواية(٣): كانت خطبته وَّل يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه. وفي أخرى (٤): كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد(٥) الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي (١) في (ط، ش) وليست في المخطوطات. (٢) رواه مسلم في كتاب الجمعة برقم ٤٣. (٣) في مسلم. (٤) عند مسلم أيضاً. (٥) الذي في مسلم (يهده) الحديث رقم ٤٥ من كتاب الجمعة. - ١٦٧ - له، وخير الحديث كتاب الله. ثم ذكر نحو ما تقدم. ٣٤٥/أ وعن / أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن رسول الله وَ ليل يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم. وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ◌َّ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياماً، شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله وَّر متوكئاً على قوس، أو قال: عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا. رواه أحمد ومسلم. وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله وَله يقرأ على المنبر ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾(١). رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله وَليل يوم الجمعة فقال: توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكراً للموت، وأكرمكم أحسنكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكن القبور، والتأهب ليوم النشور، رواه (٢). ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصراً بنحوه. (١) سورة الزخرف، الآية ٧٧ . (٢) كذا في الأصل بياض بعد رواه الأولى. قال الشارح: ورواه البيهقي. - ١٦٨ - وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي وَلّ: الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما(١) فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه(٢). وعنده أيضاً عنه قال: بلغنا عن رسول الله وَّ أنه كان يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، يريد الله أمراً، ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله عز وجل. وقال جابر: كان ◌َّ إذا خطب يوم الجمعة يقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين محافتين، أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل المات، والذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وَله خطب يوماً فقال: ألا إن الدنيا عرض وعن عمرو أن النبي (١) هذا التعبير من خصائصه وَله. لأنه ورد في حديث مسلم قوله رَ طل: ((بئس الخطيب أنت)) لمن قال ذلك. (٢) من قوله: ((نسأل الله .. )) الظاهر أنه من كلام الزهري. - ١٦٩ - حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون(١) على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه. [الإنصات للخطبة] واختلف: هل يجب الإنصات، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة، أم لا؟ (٢). وعن الشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على الثاني، والثاني هو الأرجح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين. وعن أحمد / أيضاً روايتان. ٣٤٥/ب وعنهما أيضاً: التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها . وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعهما إلا عن قليل من التابعين. (١) كذا في (ش، د) وفي بقية النسخ: معرضون. (٢) ذهب الجمهور إلى منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ولو لم يسمعها، للحديث المتفق عليه: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت . - ١٧٠ - [تحية المسجد وصلاة الجمعة] ودخل سليك(١) الغطفاني، وهو ◌َّ يخطب، فقال له وَلَه: صليت؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين. رواه البخاري ومسلم وأبو داود. واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد . وتعقب: بأنها واقعة عين (٢) لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد - عند أهل السنن -: جاء رجل - والنبي ◌َّ يخطب - في هيئة بذة، فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحض الناس على الصدقة الحديث ... فأمره بأن يصلي ركعتين ليراه بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه، وورد أيضاً ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان وهو قوله وَلّر السليك في آخر الحديث: لا تعودن لمثلها، ومما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس. فهذا ما اعتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية، وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه وَ الر قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجيزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به . (١) في (ا، ب): أبو سليك. قال الشارح: والصواب حذف ((أبو)). (٢) أي قضية معينة. - ١٧١ - ومما يدل على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدق، معاودته عليه بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه وَ لّ عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضاً. ولأحمد وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة . وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حق العامد العالم، أما الجاهل والناسي فلا، وحال هذا الداخل محمولة في المرة الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخيرتين على النسيان. والحامل للمانعين (١) على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات والاستماع للخطبة . وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك وغيره من أدلة المانعين بما يطول ذكره، ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ◌َّ في حديث أبي قتادة: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) متفق عليه. قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَليل وهو يخطب: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين)) متفق عليه. ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة (١) أي المانعين من أداء تحية المسجد أنهم وجدوا حديث سليك معارض بالأمر بالإنصات والاستماع للخطبة [م]. - ١٧٢ - سليك ولفظه بعد قوله: ((فاركعهما وتجوز)) ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما)). قال النووي: هذا نص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحاً فيخالفه. وقال العارف أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى وقد قال قوم: إنما أمره وَلّ بسنة الجمعة التي قبلها ومستندهم قوله / رَله في قصة سليك - عند ابن ماجه - ((أصليت ركعتين قبل أن ٣٤٦/أ تجيء؟)) لأن ظاهره: قبل أن تجيءمن البيت، ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقب: بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقاً، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((قبل أن تجيء)) أي إلى الموضع الذي أنت فيه الآن، وفائدة الاستفهام، احتمال أن يكون صلاهما في مؤخر المسجد ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة، ويؤيده: أن في رواية مسلم ((أصليت الركعتين؟)) بالألف واللام، وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها فيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. [مقدار الخطبة والصلاة والقراءة] وكانت صلاته وَّليل الجمعة قصداً، وخطبته قصداً. رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة. زاد في رواية أبي داود: يقرأ بآيات من القرآن ويذكر الناس. وله في أخرى: كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وعن عمرو بن حريث أنه وَل ◌ّ خطب وعليه عمامة سوداء قد - ١٧٣ - أرخى طرفها بين كتفيه. رواه مسلم. قال ابن القيم في الهدي: وكان ◌َ﴿ إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ◌َّيهر فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ویأمرهم بالإنصات. انتهى. وينظر في قوله: ((ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر))(١). وكان ◌َه يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، و﴿إِذا جاءك المنافقون﴾ في الثانية. رواه مسلم والترمذي وأبو داود. والحكمة في قراءته وَيقوم بسورة الجمعة، اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك، مما فيه من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك. وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيه من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أکثر من اجتماعهم فيها. وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم: وكان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ (سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. (١) فإنه مخالف لما مر أنه كان يخطب متوكئاً على قوس أو عصا، كيف وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب أخذ عصاه فتوكأ عليها وهو على المنبر. هذا قول الشارح. أقول: هذا النظر في غير مكانه فإن ابن القيم لم ينف القوس والعصا وإنما نفى السيف [المحقق]. - ١٧٤ - [العدد الذي تنعقد به الجمعة] وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولاً: أحدها - تصح من الواحد، نقله ابن حزم(١) الثاني - اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر. الثالث اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد والليث. الرابع - ثلاثة معه، عند أبي حنيفة وسفيان الثوري. الخامس - سبعة، عند عكرمة. السادس - تسعة، عند ربيعة. السابع - اثنا عشر، عند ربيعة أيضاً في رواية . الثامن - مثله غير الإمام، عند إسحاق. التاسع - عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر - ثلاثون، كذلك، الحادي عشر - أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحراراً، بالغين عقلاء، مقيمين لا يطعنون صيفاً ولا شتاء إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة. وحجة الشافعي: ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي(٢) حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له، قال فمكث كذلك / حيناً لا يسمع الأذان في ٣٤٦/ب (١) هذه الجملة سقطت من ط . (٢) كذا في (ب، ش) وكذلك في الدارقطني، وفي النسخ: قائداً أبي. - ١٧٥ - الجمعة إلا فعل ذلك، فقلت له: يا أبت، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: يا بني، هو أول من جمّع بالمدينة، قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. خرجه الدارقطني. وروى البيهقي عن ابن مسعود: أنه وَّرُ جمّع بالمدينة وكانوا أربعین رجلاً. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري - نفع الله بوجوده - قال في ((المجموع)): قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا يجوز بأقل منه. قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر، فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفي مسلم: ((انفضوا في الخطبة)) وفي رواية البخاري ((انفضوا في الصلاة)) وهي محمولة على الخطبة جمعاً بين الأخبار. انتهى الثاني عشر - أربعون غير الإمام عند الشافعي أيضاً، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر - خمسون، عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر ابن عبد العزيز وطائفة . - ١٧٦ - الرابع عشر - ثمانون، حكاه الرازي . الخامس عشر - جمع كثر بغير حصر. ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله في فتح الباري . - ١٧٧ - الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه [تفسير الآية الكريمة] قال الله تعالى له وَله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾(١) أي بالقرآن، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن. والهجود في اللغة: النوم، وعن أبي عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلي بالليل، وعن الأزهري: الهاجد: النائم، وقال المازري: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله وَ له . وقوله: (نافلة لك) أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: (فتهجد) أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجباً، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة للنبي وَلّ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف. وقيل معناه: زيادة لك خاصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو وَلّر يقع خالصاً له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها رَّ سوى المتكوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، ولهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوباً (١) سورة الإسراء، الآية ٧٩. - ١٧٨ - محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات. وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في هذه السورة، تعني ﴿يا أيها المزمل﴾ فقام نبي الله وَله وأصحابه حولاً، حتى أنزل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة(١). وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهداً لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة. وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل / ٣٤٧/أ وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه وله؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص(٢). [استمراره ◌َارُ في تهجده] وقالت عائشة: قام ◌َلر حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك (١) رواه مسلم برقم ٧٤٦ . (٢) للإمام الشافعي. - ١٧٩ - ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، قالت: فلما بدن وكثر شحمه وَ لّ صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم. والفاء في قوله: ((أفلا أكون)) للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي؟ فلا(١) أكون عبداً شكوراً، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكراً، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الأنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه(٢) إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لا يعلم، فضلاً عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى . ومحل ذلك - كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبي ◌َّ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه وقل قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره وَّ فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله ومثل: (خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا). انتهى . لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصاً إذا كبر، فيقول: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلاً لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجاً يؤول به إلى ترك (١) في (ط، ب): أفلا. (٢) ((لأنه)) سقطت من (ط، آ). - ١٨٠ -