النص المفهرس
صفحات 141-160
وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: ((ليس في حديث أبي هريرة)) أنه ورد في حديث غيره. وهو كذلك: فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي وَلّ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فرواية أشعث شاذة. لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله. أخرجه ابن / أبي شيبة. انتهى ملخصاً من فتح ٣٤٠/ب الباري . وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: صلى لنا رسول الله وَلّ صلاة العصر، فسلم في ركعتين(١)، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت، فقال رسول الله وَله: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان (١) كذا نص مسلم رقم الحديث ٩٩ من كتاب المساجد. وفي المخطوطات: سقط ذكر صلاة العصر، وفي ط: فسلم من ركعتين صلاة العصر، وفي ش فسلم من ركعتين. - ١٤١ - عن ابن سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. وهذا يؤيد من قال لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام، والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وقال أبو داود: لم يقل أحد: ((كبر ثم كبر)) إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان ◌َله يستند إليه قبل اتخاذ المنبر. وإنما وقع الاستفهام ((هل قصرت الصلاة؟)) لأن الزمان كان زمان النسخ . وقوله: ((فقال: لم أنس ولم تقصر)) صريح في نفي النسيان ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة ((كل ذلك لم يكن))، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني بأن لفظة ((كل)) إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفياً لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: ((بلى قد نسيت)) لأنه لما نفى الأمرين وكان مقرراً عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر. وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي السهو، وهذا الحديث يرد عليهم - يعني حديث ابن مسعود - فإن فيه ((إنما أنا بشر - ١٤٢ - مثلكم أنسى كما تنسون))(١). وإن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلاً بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: (لم أنس ولم تقصر)) ثم تبين أنه نسي. ومعنى قوله: ((لم أنس)) أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقاً، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله ((لم أنس)) نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم تضعيفه، ويكفي فيه قوله في هذه الرواية: ((بلى قد نسيت)) وأقره على ذلك. وقيل: قوله: ((لم أنس)) على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول. وتعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم بلفظ ((صلى رسول الله وَل﴿ فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، والصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قالوا فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث (١) من قوله: قال ابن دقيق العيد .. إلى هنا سقط من الأصل. - ١٤٣ - في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين. ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: ((إنما أنا بشر مثلكم)) ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له، حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: ((كما تنسون)). وبهذا الحديث أيضاً يرد قول من قال ((معنى قوله لم أنس)) إنكار اللفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: ((لا أنسى ولكن أنسى لأسن)) وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: بئسما لأحدكما أن يقول نسيت آية كذا وكذا(١). وقد تعقبوا هذا أيضاً بأن حديث ((لا أنسى)) لا أصل له، فإنه ٣٤١/أ من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث / الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن الفرق بينهما واضح جداً. وقيل: إن قوله ((لم أنس)) راجع إلى السلام، أي سلمت قصداً بانياً على اعتقادي أني صليت أربعاً، وهذا جيد، وكأن ذا اليدين فهم العموم فقال: ((بلى قد نسيت))، وكأن هذا القول أوقع شكاً احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلاً ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل (١) هو في الصحيحين بلفظ قريب. رقمه في البخاري ٥٠٣٢و ٥٠٣٩ وعند مسلم برقم ٢٣٠ من كتاب صلاة المسافرين. - ١٤٤ - المسؤول مغايراً(١) لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارضاً باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به. وفيه: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحداً، وامتنع في العادة غفلتهم عن ذلك أنه لا يقبل خبره. وفيه: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهواً. وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص. وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه مثلاً في الصبح، والذين قالوا بجواز البناء مطلقاً قيدوه بما إذا لم يطل الفصل. وفيه: أن الكلام سهواً لا يقطع الصلاة، خلافاً للحنفية، واستدل به على أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها. وتعقب: بأنه بَ له لم يتكلم إلا ناسياً، وأما قول ذي اليدين له: ((بلى قد نسيت)) وقول الصحابة له: ((صدق ذو اليدين)) فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه، فتكلموا ظناً أنهم ليسوا في صلاة . كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم تكلموا بعد قوله وَئله: لم تقصر. وأجيب: بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومؤوا، كما عند أبي داود في (١) كذا في النسخ حيث نصبها على الحال. وفي ش ((مغاير)) وصفا لأمر. [م]. - ١٤٥ _ رواية ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز سائغ، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية، وهو قوي، أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق وبعضهم قال بالإشارة. لكن یبقی قول ذي الیدین: ((بلی قد نسيت)). ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جواباً للنبي وَّر، وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب: بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد، وهو حي، بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة، والظاهر: أن ذلك من خصائصه . وعن عبد الله أن رسول الله وَ ل صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلماً لم يقل فيه: ((بعدما سلم)) وعبد الله هذا هو ابن مسعود. [آراء المذاهب في السجود بعد التسليم] ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام. وقد اختلف في ذلك : فقال مالك والمزني، وأبو ثور - من الشافعية - بالتفرقة إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، في الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده. وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره، للجمع بين - ١٤٦ - الخبرين، قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها . وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها فيعم الحكم جميع محالها فلا یتخصص إلا بنص. / وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيماً للشيطان فقط ٣٤١/ب ممنوع، بل هو جبر أيضاً لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح. وأيضاً فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان . وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي ◌ُّ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم. وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام. وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود هذا. وتعقب: بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: - ١٤٧ - هل زيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة، لأنه كان زمان توقع النسخ. وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة. وهي: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)). وبه تمسك الشافعية . وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي . وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في ((النهاية)) الخلاف في الإجزاء عن المذهب: واستبعد القول بالجواز. ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله . ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد سجدتان للجميع. والجمهور: أنه يسجد للسهو في التطوع كالفرض . - ١٤٨ - الفصل الخامس فيما كان ◌َّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها [ما يسن عقب الصلاة] عن ثوبان: كان النبي ◌َّ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. رواه مسلم. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك. وقد ثبت أنه ◌َّ كان إذا صلى أقبل على أصحابه(١). فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف، فقد كان وقلّ يسرع الانفتال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن شماله. وقال ابن مسعود: رأيته وَلّ كثيراً ينصرف عن يساره، رواه الشيخان . وقال أنس: أكثر ما رأيته ◌َّلو ينصرف عن يمينه. رواه مسلم. وقالت أم سلمة: كان إذا سلم مكث في مكانه يسيراً، قالت: فنرى - والله أعلم - لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. رواه البخاري. (١) روى البخاري وغيره عن سمرة: كان و ﴿ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه. - ١٤٩ - [الدعاء بعد الصلاة] وقالت عائشة: كان لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. رواه مسلم. وهذا الحديث يتمسك به من قال إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع. والجواب: إن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره وهل جالساً على هيئته قبل السلام إلا بمقدار أن يقول ما ذكر. وكان يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ٣٤٢/أ لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. رواه / الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة . وكان يقول بأعلى صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير. وعن سعد أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله اَلّ كان يتعوذ بهن دبر الصلوات (اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر) رواه البخاري. وعن زيد بن أرقم: كان رسول يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم - ١٥٠ - ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله نور السماوات والأرض، الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أکبر. رواه أبو داود وأحمد. [رأي ابن القيم في الدعاء بعد الصلاة] ورأيت في كتاب ((الهدي)) لابن القيم: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء للمنفرد والإمام والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي صل أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخصص بعضهم بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي وله ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً عن السنة بعدهما. قال: وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو الأليق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه. ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ◌ّل بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر الوارد بعد المتكوبة، لا لكونه دبر المكتوبة، انتهى. - ١٥١ - [مناقشة ابن القيم] وقد كان في خاطري من دعواه ((النفي مطلقاً)) شيء لما سيأتي، ثم رأيت شيخ مشايخنا إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر تعقبه فقال: وما ادعاه من النفي مطلقاً مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي وَلّ قال له: يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أخرجه أبو داود والنسائي . وحديث زيد بن أرقم: سمعته وَّ يدعو في دبر الصلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء .. أخرجه أبو داود والنسائي . وحديث صهيب رفعه: كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللهم أصلح لي ديني .. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك. ثم قال: فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به السلام إجماعاً، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال؛ جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد ٣٤٢/ب استمرار استقبال / المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا - ١٥٢ - انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتھی . [من أحكام الإمامة] وكان ◌َّ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس، وإذا رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود. وقال أبو مسعود البدري: كان ﴿ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم. رواه مسلم. وقال ابن عباس: قام رسول الله وّل يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني(١) كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري ومسلم. [الاقتداء بالإمام الجالس] قال أنس: سقط وَلّ عن فرس، فَجُحِش(٢) شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعداً، فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، حتى قال: وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون(٣). زاد بعض الرواة: وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً. رواه البخاري ومسلم. قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري (٤): (١) كذا في المخطوطات. وفي (ط، ش): يعدلني. (٢) أي: خدش، وقيل هو فوق الخدش. (٣) كذا في (ط، ش) قال الشارح: بالواو في جميع طرق حديث أنس. وفي المخطوطات: أجمعين. (٤) أي نقلاً عن شيخه الحميدي المذكور. - ١٥٣ - قوله: ((وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالساً والناس خلفه قياماً(١) لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ◌َّ انتهى. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائماً، واحتجوا بأنه منَّ صلى في مرض موته بعد هذا قاعداً، وأبو بكر والناس خلفه قياماً. وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الإمام، والنبي وَلّ مقتد به، لكن الصواب أن النبي ◌ّ كان هو الإمام. (١) بالنصب على الحال. - ١٥٤ - الباب الثاني في ذكر صلاته وَليلة الجمعة [فضل يوم الجمعة] عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي ◌َّه بمرآة بيضاء فيها نكتة (١) سوداء، فقال النبي -18- ما هذا؟ فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، الناس لكم فيها تبع - اليهود والنصاري - ولكم فيها خير ، ولكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب(٢) له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي ◌َّل# يا جبريل: وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس وادياً أفيح(٣) فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله(٤) منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزمرد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب(٥)، فيقول الله تعالى: أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون (١) كذا في النسخ والذي في مسند الشافعي: وكنة، وهي النقطة في الشيء. كما قال الشارح. (٢) في (ط، د): استجاب. (٣) أي واسعا. (٤) الضمير يعود إلى الكثيب. (٥) قال الشارح: كذا في النسخ، والذي في المسند: على ذلك الكثيب. - ١٥٥ - يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم فيه من الخير، وفيه استوى ربك على العرش. رواه الشافعي في مسنده. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة . وروى البيهقي في الدعوات من حديث أنس: كان وَال* إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، وكان يقول ليلة الجمعة: ليل أغر ويوم الجمعة يوم أزهر(١). وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في ((الهدي النبوي)) لا أطيل بذكرها سيما وليس من غرضي. وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، ٣٤٣/أ وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة / مزية على سائر الأيام. وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى . وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّ- أنه قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتو الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غداً، والنصارى بعد غد، رواه البخاري. (١) ضعفه البيهقي ثم النووي وغيرهما. فمن قال: لم يصح في فضل رجب غيره لم يصب. - ١٥٦ - وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: نحن الآخرون ونحن السابقون. أي الآخرون زماناً، والأولون منزلة. والمراد باليوم: يوم الجمعة. وقوله: ((بيد)) - بفتح الباء الموحدة، وأسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة - أي: غير. وإذا عرف هذا، فقوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾(١) أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافاً على نبيهم في ذلك اليوم لأجله . فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم يوم الجمعة، فكان الفراغ يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيداً لنا، فهذان اليومان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيداً؟ فالجواب: إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه والله أعلم(٢). (١) سورة النحل، الآية ١٢٤. (٢) قال البيضاوي: لأن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة، فالعبادة فيه أولى، ولأنه تعالى خلق في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان وفي يوم الجمعة أوجد الإنسان نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهم. - ١٥٧ - قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل - والله أعلم - أنه فرض عليهم يوم الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه بشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة. كذا قال، لكن قد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: ((إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم)). وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾(١) وهم القائلون ﴿سمعنا وعصينا﴾(٢). ويحتمل قوله ((فهدانا الله له)) بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله وجل اله وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوماً نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة. واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾(٣). وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم (١) سورة البقرة، الآية ٥٨. (٢) سورة البقرة، الآية ٩٣. (٣) سورة الجمعة، الآية ٩. - ١٥٨ - رسول الله صل المدينة أسعد بن زرارة. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي ◌َّ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، ولذلك جمّع بهم أول ما قدم / ٣٤٣/ب المدينة. انتهى . [وقت صلاة الجمعة] وقال ابن إسحاق: لما قدم مل* المدينة أقام بقباء، في بني عمرو ابن عوف، يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسيس مسجده(١). وكان ◌َّ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، وفي رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة - يعني الجمعة - وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري ومسلم: كنا نصلي معه وَلّر الجمعة ونقيل بعد الجمعة. [حكم خطبة الجمعة] ثم اعلم أن الخطبة شرط في انعقاد الجمعة، لا تصح إلا بها، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر. (١) لم أفرد لهذه الفقرة عنواناً خاصاً لأنها ستتكرر بعد قليل. [م]. - ١٥٩ - [الأذان لصلاة الجمعة] ولم يكن يؤذن في زمانه وحصل على المنار(١)، وبين يديه(٢)، وإنما كان بلال يؤذن وحده بين يديه و له إذا جلس على المنبر، كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم. وعبارة البرهان المرغيناني من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام المنبر جلس، وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول اللّه وَير إلا هذا الأذان. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي عند آذان جلوس الخطبة، وهو المعهود، فلما كان عثمان وكثروا أمر بأذان قبله على الزوراء، ثم نقله هشام إلى المسجد، وجعل الآخر بين يديه. انتهى. ونحوه قال ابن عبد الحق في ((تهذيب الطالب)). وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. فقال شارحوه - الفاكهاني وغيره -: يعني الأذان الثاني في الإحداث وهو الأول في الفعل، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: الأول هو الثاني، والثاني هو الأول ومنشؤه ما تقدم. انتهى . وعبارة الزركشي - كغيره من الشافعية -: ويجلس الإمام على المستراح يستريح من تعب الصعود، ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه، فإن التأذين كان حين يجلس رسول اللّه وَير، ولم يكن قبله أذان، فلما كان زمن عثمان وكثر الناس، أمرهم بالتأذين ثانياً، ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن، انتهى . (١) أي المئذنة . (٢) المقصود من العبارة نفي الجمع بين الأمرين، وإلا فالأمر الثاني كان يفعل [المحقق]. ..... - ١٦٠ -