النص المفهرس
صفحات 121-140
بعد أخرى، لأنه عمل كثير، ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟ هذا كلام الخطابي، وهو باطل، ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في صحيح مسلم: ((فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها)) وقوله في رواية غير مسلم: ((خرج حاملاً أمامة وصلى)) وذكر الحديث. وأما قصة الخميصة فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد، وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم القيامة، والله أعلم، انتهى (١). وكان ليّ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب على ظهره، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره. [الحركة في الصلاة] وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة. قال جابر: بعثني رسول الله وَلَّ لحاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، رواه مسلم. وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي وَل / وهو يصلي، فسلمت عليه، فأومأ برأسه، رواه البيهقي. ٣٣٧/أ وكان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزها (١) انتهى كلام النووي، وانظرفتح الباري ٥٩٠/١ و٤٢٩/١٠ [م]. - ١٢١ - بيده فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما. رواه البخاري. وكان وَله لا يلتفت في صلاته. وفي البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله وَّر عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وروى أبو داود من حديث سهل بن الحنظلية: أنه وَلّ قال يوم حنين: من يحرسنا الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: اركب، فركب فرساً له، فقال: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، فلما أصبحنا ثُوِّب(١) بالصلاة، فجعل ◌َّهُ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال: أبشروا قد جاء فارسکم . فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف، وقريب منه قول عمر - رضي الله عنه - إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد، ونظيره التفكير في معاني القرآن واستخراج كنوز العلم منه. وكان وَلّ يصلي فعرض له الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه وخنقه حتی سال لعابه علی یدیه(٢). وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي وَيّ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني يبكي، وفي رواية: ولصدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء. رواه أحمد. ولم يكن ◌َلّ يغمض عينيه في صلاته. (١) أي نودي . (٢) الحديث في الصحيحين والنسائي. - ١٢٢ - وعن أنس قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال وَله: أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي. رواه البخاري . ولو كان يغمض عينيه لما عرضت له في صلاته، وقد اختلف الفقهاء في كراهيته، والحق أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع كأن يكون في قبلته زخرفة أو غيرها مما يشغل قلبه فلا يكره التغميض قطعاً بل ينبغي أن يكون مستحباً في هذه الحالة. [الوسوسة في الصلاة] وقد كانت صلاته وَ له متوسطة، عارية عن الغلو كالوسوسة في عقد النية، ورفع الصوت بها، والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سراً، وتطويل ما السنة تخفيفه، كالتشهد الأول، إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلي بداء الوسوسة، عافانا الله منها. وهي نوع من الجنون، وصاحبها بلا ريب مبتدع مستنبط في أفعاله وأقواله شيئاً لم يفعله النبي وَلّر، ولا أحد من أصحابه. وقد قال ◌َله: إن خير الهدي هدي محمد وَله، وشر الأمور محدثاتها(١)، وعنه: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ومما نسب لإمام الحرمين: الوسوسة نقص في العقل، أو جهل بأحكام الشرع. ومن غرائب ما يقع لهؤلاء الموسوسين، أن بعضهم يشتغل (١) رواه مسلم وغيره. - ١٢٣ - بتكرير الطهارة حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ومنهم من يشتغل بالنية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما تفوته ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أن لا يزيد على هذه التكبيرة ثم يكذب. ثم من العجب أن بعضهم يتوسوس في حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعاً وأدركه، فمن لم يحصل له النية في القيام الطويل حال فراغ باله، فكيف حصلت له في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة. ومنهم من يكثر التلفظ بالتكبير، حتى يشوش على غيره من المأمومين، ولا ريب أن ذلك مكروه، ومنهم من يزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عينيه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ومنهم من یغسل عضوه غسلاً يشاهده وببصره، ويكبر ويقرأ بلسانه، ٣٣٧/ب ويسمع بأذنه، ويعلمه بقلبه، ومع ذلك يصدق الشيطان في إنكاره / یقین نفسه وجحده لما رآه ببصره، وسمعه بأذنه. وقد سأل رجل أبا الوفاء بن عقيل فقال: إني أكبر وأقول ما كبرت، وأغسل العضو في الوضوء وأقول ما غسلته، فقال ابن عقيل: دع الصلاة فإنها لا تجب عليك، فقال له: كيف ذلك؟ فقال لأن النبي ◌ّ 8* قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، ومن يكبر ثم يقول ما كبرت فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه الصلاة. فمن أراد التخلص من هذه البلية فليتبع سنة نبيه وَل﴿ السنية، ويقتدي بملته الحنيفية، فإن غلبه الأمر وضاقت عليه المسالك فليتضرع إلى الله ويبتهل إليه في كشف ذلك. - ١٢٤ - الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته آلڼ [معاني ((القنوت))] ليعلم أن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء والتسبيح، والخضوع. كما قال تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض كل له قانتون﴾(١). وقال تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً﴾ الآية(٢). وقال تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾(٣). والمراد به هنا: الدعاء في محل مخصوص من القيام. [نصوص في مشروعية القنوت] وعن أنس قال: بعث النبي بَلّ سبعين رجلاً يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم، وعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقتلوهم، فدعا عليهم النبي ◌َّ شهراً في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت، قال عبد العزيز بن صهيب: فسأل رجل أنساً عن القنوت أبعد الركوع أو عند فراغ القراءة؟ قال: بل عند فراغ القراءة. (١) سورة الروم، الآية ٢٦. (٢) سورة الزمر، الآية ٩. (٣) سورة التحريم، الآية ١٢ . - ١٢٥ - وفي أخرى: قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب وفي أخرى، قنت شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول: عصية عصت الله ورسوله. وفي أخرى: بعث رسول الله وَل سرية يقال لهم: ((القراء)) فأصيبوا، فما رأيت رسول الله وَ لقر وجد(١) على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهراً في صلاة الفجر. هذه روايات(٢) البخاري ومسلم. وللبخاري: كان القنوت في المغرب والفجر. وفي رواية أبي داود والنسائي: قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وفي أخرى: قنت شهراً ثم تركه. وفي أخرى للنسائي: قنت شهراً يلعن رعلاً وذكوان ولحيان. وعن ابن عباس: قنت وَلّ شهراً متتابعاً، في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمّن من خلفه. رواه أبو داود. وعن ابن عمر: أنه سمع رسول الله مل* إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً، بعد ما يقول: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))، فأنزل الله عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾(٣). رواه البخاري . (١) أي حزن . (٢) كذا في المخطوطات، وفي (ط، ش): رواية. (٣) سورة آل عمران، الآية ١٢٨. - ١٢٦ - وعن أبي هريرة: لما رفع وَلّ رأسه من الركعة الثانية، قال: اللهم أنجح الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وفي رواية: في صلاة الفجر. وفي رواية: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ رواه البخاري ومسلم. وعن البراء: كان ◌َّ يقنت في الصبح والمغرب. رواه مسلم والترمذي ولأبي داود: في صلاة الصبح ولم يذكر المغرب. وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت، قد صليت خلف رسول الله وَليره وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب - ها هنا بالكوفة خمس سنين - أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث(١). رواه الترمذي وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة. رواه الدارقطني. [آراء العلماء في القنوت] قال بعض العلماء: والصواب أنه وَّ قنت وترك، وكان / تركه ٣٣٨/ أ للقنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، والدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم وخلصوا من الأسر (١) يحتمل أن يكون مراده أنه لم يكن من أول فرض الصلاة وإنما حدث بعد الهجرة . - ١٢٧ - وأسلم من دعا عليهم فجاؤوا تائبين، وكان قنوته لعارض. فلما زال العارض ترك القنوت . ولم يكن مختصاً بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في صحيحه عن أنس، وذكره مسلم عن البراء، وصح عن أبي هريرة أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاة من صلاة رسول الله وَليل إنه كان يقنت في الركعة الأخيرة من الصبح بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده))، وقال: ابن أبي فديك: ولا ريب أن رسول اللّه ◌َو فعل ذلك ثم تركه. فهذا رد على القائل بكراهة القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة . وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه، ويقولون فعله سنة، وتركه سنة، ولا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة، من قنت فقد أحسن ومن ترك فقد أحسن. انتهى. [مذهب الشافعي في القنوت] ومذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - أن القنوت مشروع في صلاة الصبح دائماً، في الاعتدال من ثانية صلاة الصبح، لما رواه أنس: ما زال رسول الله وَّيه يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. رواه أحمد وغيره. قال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ، منهم الحاكم والبيهقي، وأبو عبد الله محمد بن علي البلخي، وفي البيهقي العمل بمقتضاه عن الخلفاء الأربعة . - ١٢٨ - وقال بعضهم: أجمعوا على أنه وَّ قنت في الصبح، ثم اختلفوا: هل تركه؟ فيتمسك (١) بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. انتهى. وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَّ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الصبح يرفع يديه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت الخ ... فقال ابن القيم - في زاد المعاد -: ما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحاً أو حسناً، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت، انتهى. وهذا الحديث رواه الحاكم وصححه، ورُدَّ عليه، كما قاله ابن القيم، وقد اتفقوا على ضعف عبد الله بن سعيد. [نص دعاء القنوت] وعن ابن عباس: كان ◌َّ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: ((اللهم اهدني فيمن هديت))، أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل. والصحيح: أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص، بل يحصل بكل دعاء . وفيه وجه أنه لا يحصل إلا بالدعاء المشهور وهو: ((اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)) رواه أبو داود والترمذي (١) كذا في المخطوطات، وفي (ط، ش) فنتمسك. - ١٢٩ - والنسائي من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ◌َ ي كلمات أقولهن في الوتر فذكره. وإسنادهم صحيح، قال البيهقي: قد صح أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح وقنوت الوتر، انتهى. وقوله: ((فإنك تقضي)) بالفاء. وبالواو في قوله: ((وإنه لا يذل)) ((وربنا)) قبل ((وتعاليت)) إلا أن الفاء لم تقع في رواية أبي داود. وزاد البيهقي بعد قوله: ((إنه لا يذل من واليت)) ولا يعز من عادیت. وزاد ابن أبي عاصم في كتاب التوبة: نستغفرك اللهم ونتوب إليك. [الصلاة على النبي وَخلال بعده] وتسن الصلاة على رسول الله و38َ في آخره، لأن النسائي قد رواه من حديث الحسن بسند صحيح أو حسن، كما قاله في شرح ((المهذب)) ولفظه ــ أي النسائي -: وصلى الله على النبي. وجزم في ((الأذكار)) باستحباب الصلاة على الآل والسلام. وخالفه صاحب ((الإقليد)) (١) فقال: أما ما وقع في كتب أصحابنا ٣٣٨/ب من زيادة ((وسلم)) وما يعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج/ والأصحاب فكل ذلك لا أصل له. قلت: وعبارة النووي في ((الأذكار)): يستحب أن يقول عقب هذا الدعاء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم. فقد جاء في حديث النسائي بإسناد حسن، وصلى الله على النبي. انتهى. (١) هو التاج بن الفركاح، وكان معاصراً للنووي. - ١٣٠ - وتعقب: بأن لفظ الدعوى خلاف الدليل، ويزيد عليه ذكر الآل والتسلیم . نعم وقعت الزيادة عند ((الرافعي)) و((الروياني)) معزوة لحديث الحسن بن علي، عند النسائي(١) لكنها ليست عنده في رواية أحد من الرواة عنه، على أن لفظ ((وصلى الله على النبي)) زائد على رواية الترمذي، وهي زيادة غريبة غير ثابتة لأجل عبد الله بن علي، أحد رواته، لأنه غير معروف، وعلى تقدير أن يكون هو عبد الله بن علي ابن الحسن بن علي، فهو منقطع، لأنه لم يسمع من جده الحسن بن علي، فقد تبين أنه ليس من شرط ((الحسن)) لانقطاعه أو الجهالة راويه، ولم تجبر الزيادة بمجيئها من وجه آخر، وحينئذ فقد تبين شذوذها على ما لا يخفى. نعم: أصل الحديث إلى آخر ((وتعاليت)) حسن لاعتضاده برواية الترمذي وغيره، بخلاف الزيادة، إذ لم تجىء في غيره، وحيث سننا الصلاة على الآل عى ما جزم به النووي فينبغي عدها في القنوت بعضاً(٢). [من أحكام القنوت] قال في ((المجموع)) عن البغوي: ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وهو ظاهر على ما صححه فيه، وفي تحقيقه في باب ((سجود السهو)) من أن الاعتدال ركن طويل، أما على ما صححه فيهما في ((صلاة الجماعة)) من أنه قصير، وهو ما في ((المنهاج)) و((الروضة)) فقد يقال القياس البطلان، لأن تطويل الركن القصير عمداً مبطل. ويجاب: يحمل ذلك على غير محل القنوت، إذ البغوي نفسه (١) قوله ((عند النسائي)) ليس في آ. (٢) ((بعضا)) لم ترد في آ. ومعناها: بعضاً من أبعاض القنوت. - ١٣١ - القائل بكراهة الإطالة قائل بأن تطويل الركن القصير مبطل عمده. ويسن للمنفرد والإمام برضى المحصورين، الجمع في قنوت الوتر بين القنوت السابق وبين قنوت عمر، وهو: ((اللهم إنا نستعينك)) الخ، والأولى تأخيره عن القنوت السابق. ویسن رفع يديه، رواه البيهقي بإسناد جيد. قال في ((المجموع)): وفي سن مسح وجهه بهما وجهان: أشهرهما: نعم، وأصحهما: لا، قال البيهقي: ولا أحفظ في مسحه هنا عن أحد من السلف شيئاً. وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة. ومسح غير الصدر كالصدر مكروه. وقال النووي في ((الأذكار)): اختلف أصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه: أصحها: يستحب رفعهما ولا يمسح الوجه، والثاني: يرفع ويمسح، والثالث: لا يمسح ولا يرفع، واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا ذلك مکروه. انتھی ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية للاتباع. رواه البخاري. قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهره بالقراءة، فإن سمعه المأموم أمن كما كانت الصحابة يؤمنون خلف رسول الله وَله في ذلك. رواه أبو داود بإسناد حسن. ويوافقه في الثناء سراً أو يسكت، لأنه ثناء أو ذكر لا يليق به التأمين، والدعاء يشمل الصلاة على النبي فيؤمن فيها: صرح به الطبري . - ١٣٢ - وإن لم يسمع المأموم قنوت الإمام قنت معه سراً كبقية الأذكار والدعوات، ولا قنوت لغير وتر وصبح، إلا لنازلة من خوف أو قحط أو وباء أو جراد أو نحوها، فيستحب أن يقنت في مكتوبة غير الصبح، لا منذورة، وصلاة جنازة ونافلة. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أنه 53ير جهر بالقنوت في النازلة. انتهى ملخصاً من شرح البهجة لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، مع زيادة من غيره، والله أعلم. - ١٣٣ - الفصل الرابع في سجوده وحماية للسهو في الصلاة ٣٣٩ / أ [التعريف بالسهو] / اعلم أن السهو هو الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره، قاله الأزهري . وفرق بعضهم - فيما حكاه القاضي عياض - بين السهو والنسيان من حيث المعنى، وزعم أن السهو جائز في الصلاة على الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بخلاف النسيان، قال: لأن النسيان غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل، فكان النبي وَلّل يسهو في الصلاة ولا يغفل عنها، وكان يشغله عن حركات الصلاة ما هو في الصلاة شغلاً بها لا غفلة عنها، انتهى. قال ابن كيكلدى: وهو ضعيف من جهة الحديث ومن جهة اللغة، أما من جهة الحديث فلما ثبت في الصحيحين من قوله والت : ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون))، وأما من جهة اللغة فقول الأزهري الماضي، ونحوه قول الجوهري وغيره. وقال في النهاية: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، وهو فرق حسن دقيق، وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع من النبي بَّل غير مرة، والسهو عن الصلاة الذي ذم الله فاعله. وقد كان سهوه وماله من إتمام نعم الله تعالى على أمته، وإکمال دینهم - ١٣٤ - ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في الموطأ - الآتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى -: إنما أنسى أو أنسى لأسن، فكان وَ لّ ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة . [حكم سجود السهو] واختلف في حكمه: فقال الشافعية والمالكية: مسنون كله، وعن المالكية قول آخر: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة التفصيل بين الواجبات، فيجب لتركها سهواً، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطل عمده. وعن الحنفية: واجب كله، وحجتهم قوله وَّ في حديث ابن مسعود عند البخاري ((ليسجد سجدتين)) والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله وَّر، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله وَالر صلوا كما رأيتموني أصلي. انتهى [السجود قبل التسليم] وقد ورد عنه وَّ السجود على قسمين: الأول: السجود قبل التسليم : فعن الأعرج عن عبد الله بن مالك بن بحينة أنه قال: صلى بنا رسول الله وَل ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد - ١٣٥ - سجدتين وهو جالس ثم سلم. رواه البخاري. وفي رواية له عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن بحينة أيضاً أنه قال: إن رسول الله والار قام من اثنتين من الظهر، لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك. وفي روايته أيضاً عن الأعرج عنه، أن رسول الله وَلخير قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. ورواه مسلم أيضاً. وزاد الضحاك عن الأعرج - عند ابن خزيمة - بعد قوله: ((ثم قام فلم يجلس)) فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي رواية الترمذي: قام في الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يـ ـسلم. وفي هذا: مشروعية سجود السهو، وأنه سجدتان. فلو اقتصر على سجدة واحدة ساهياً لم يلزمه شيء، أو عامداً بطلت صلاته لأنه تعمد الاتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. وأنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام، ولا حجة فيه، ٣٣٩/ ب في كون جميعه كذلك، نعم يرد على من / زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية . واستدل به أيضاً على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسه المأموم. - ١٣٦ - وأن سجود السهو لا تشهد بعده، وأن محله آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهد ساهياً أعاد عند من يوجب التشهد الأخير وهم الجمهور. وفيه أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به ميل - كما في رواية ابن خزيمة - فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي . [السجود بعد السلام] عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله اليه الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبي ◌َّيّ لأصحابه أحق ما يقول هذا؟ قالوا نعم. فصلى ركعتين أخراوين ثم سجد سجدتين. قال سعد: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم وتكلم ثم صلى ما بقي منها، وسجد سجدتين وقال: هكذا فعل النبي ◌َّ. رواه البخاري . وقوله: ((صلى بنا رسول اللّه ◌َ له)) ظاهر في أن أبا هريرة حضر القصة . وحمله الطحاوي على المجاز، فقال المراد به: صلى بالمسلمين. وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر وقبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين. لكن اتفق أئمة الحديث - كما نقله ابن عبد البر وغيره - على أن - ١٣٧ - الزهري وهم في ذلك، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عمير، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي وَلقر بمدة لأنه حدث بهذا الحديث بعد النبي ## كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سلمي، واسمه الخرباق، كما سيأتي، فلما وقع عند الزهري بلفظ ((فقام ذو الشمالين)) وهو يعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصة وقعت قبل بدر. وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الأخرى وهي قصة ذي اليدين، وهذا محتمل في طريق الجمع. وروى البخاري أيضاً عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله وَر إحدى صلاتي العشي - قال محمد بن سيرين: وأكثر ظني العصر - ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَان(١) الناس، فقالوا قصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ◌َّ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد، فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر. وعن ابن عمران بن حصين أن رسول الله وَ له صلى العصر فسلم من ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر صنيعه (١) هم أوائل الناس خروجاً، وهم أصحاب الحاجات غالباً. - ١٣٨ - وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم وهو من أفراده لم يروه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود. و((الخرباق)) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحدة، وآخره قاف، هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر، وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو كناية عن طولهما بالعمل أو البذل. ٣٤٠ / أ قال الحافظ ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة، وإن كان قد جنح ابن خزيمة ومن تبعه / إلى تعدد هذه القصة، والحامل لهم على ذلك الخلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه ◌َّ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا: أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة. فأما الأول فقد حكى كيكلدى العلائي أن بعض شيوخه حمله على المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ◌ّر عن ذلك، واستفهم النبي وَّل الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة. انتهى. وعن معاوية بن حُديج - بضم الحاء المهملة آخره جيم - أن رسول الله وَل صلى يوماً فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؟ فرجع فدخل المسجد، فأمر - ١٣٩ - بلالاً فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. رواه أبو داود والبيهقي في سننهما، وابن خزيمة في صحيحه، وعين الصلاة المغرب. وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ◌ّ﴾ في هذه القصة طلحة بن عبيد الله، ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، والسهو منه وَلّ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر. وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله وَله انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام وَالر فصلى اثنتين أخريين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده للصلاة أو أطول، ثم رفع . وفي رواية سلمة بن علقمة، قلت لمحمد - يعني ابن سيرين - في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي . قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ ((القيام)) وقد استشكل بأنه وَ ◌ّ كان قائماً. وأجيب: بأن المراد بقوله: ((فقام)) أي اعتدل، لأنه كان مستنداً إلى الخشبة كما مرَّ. - ١٤٠ -