النص المفهرس

صفحات 101-120

ومعنى ((سمع الله لمن حمده)): أي أجاب، يعني: أن من حمد الله
تعالى متعرضاً لثوابه استجاب الله له، فأعطاه ما تعرض له، فأنا أقول
ربنا لك الحمد ليحصل ذلك.
وقوله: ((أهل)): منصوب على النداء.
وقوله: ((وكلنا لك عبد)) بالواو، يعني: أحق قول العبد: لا
مانع لما أعطيت الخ. واعترض بينهما قوله: ((وكلنا لك عبد))، ومثل
هذا الاعتراض قوله تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم
بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى﴾(١) على قراءة من قرأ ((وضعَتْ))
بفتح العين وإسكان التاء.
و((الجد) بفتح الجيم، الغنى أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه،
وإنما ينفعه الإيمان والطاعة، وقيل غير ذلك والله أعلم.
وفي رواية ابن أبي أوفي - عند مسلم -: كان ◌َلَّ يقول بعد قوله
((من شيء)): اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد.
الفرع الحادي عشر
في ذكر صفة سجوده 8* وما يقول فيه
كان 8* إذا انتهى من ذكر قيامه عن الركوع يكبر، ويخرّ
ساجداً، ولا يرفع يديه(٢).
وقد روي أنه رَّر كان يرفع يديه أيضاً، وصححه بعض الحفاظ
كابن حزم، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ((كان يكبر في كل
(١) سورة آل عمران، الآية ٣٦.
(٢) دل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما.
- ١٠١ -

خفض ورفع)) إلى قوله: ((كان يرفع يديه في كل خفض ورفع)) وهو
ثقة، ولم يفطن لسبب غلطه، ووهم فصححه. نبه عليه في زاد المعاد.
وكان وَلا يضع يديه قبل ركبتيه(١). رواه أبو داود، ثم جبهته
وأنفه(٢).
وقال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة واليدين
والركبتين وأطراف القدمين. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن
عباس.
قال النووي: فينبغي للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء
كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً، فأما الجبهة فيجب
وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو
تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي
ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة عليهما معاً لظاهر الحديث، وقال
الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال فيه
((سبعة)) فلو جعلا عضوين لصارت ثمانية .
وكان وَ لّ إذا سجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه.
رواه الشيخان .
وقالت ميمونة: جافى بين يديه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين
یدیه لمرت. رواه مسلم.
(١) جاء في السنن عن وائل بن حجر قال (رأيت النبي وسلم إذا سجد وضع
ركبتيه قبل يديه) ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على
الآخر من حيث السنة. لكن قال ابن حجر في بلوغ المرام حديث أبي
هريرة أقوى من حديث وائل لأن له شاهداً من حديث ابن عمر.
(٢) هذه الجملة ليست في ش.
- ١٠٢ -

ولم يذكر عنه وَّ أنه سجد على كور عمامته، ولم يثبت عنه ذلك
في حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في المصنف عن
أبي هريرة: كان ◌َّ يسجد على كور عمامته، وهو من رواية عبد الله
ابن محرز، وهو متروك. وذكر أبو داود في المراسيل أنه وم له رأى رجلاً
يصلي فسجد بجبينه وقد اعتم فحسر ◌ُّ عن جبهته.
وكان ◌َّ يقول في سجوده: (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه
وجله، أوله وآخره، علانيته وسره) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقوله: ((دقه وجله)) بكسر أولهما، أي قليله وكثيره.
وعن عائشة قالت: (فقدت رسول الله وَلير ليلة من الفراش،
فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود، وهما
منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك،
وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت
كما أثنيت على نفسك) رواه مسلم .
قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه
وَسـ
استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته،
والرضى / والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما ٣٣٤/ أ
صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه، ومعناه:
الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) أي لا أطيقه ولا آتي عليه،
وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء
بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك.
وقوله: ((أنت كما اثنيت على نفسك)): اعتراف بالعجز عن
- ١٠٣ -

تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة
دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك كله لله تعالى المحيط
بكل شيء جملة وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء
عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء أثني به عليه - وإن كثر
وطال وبولغ فيه - فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر،
وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى .
وها هنا فائدة لطيفة ذكرها بعض المحققين، في نهيه وَلة عن
قراءة القرآن في الركوع والسجود(١)، وهي أن القرآن أشرف الكلام،
وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب
مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام
والانتصاب أولى به والله أعلم.
وروى أبو داود: أنه وَلّ سجد على الماء والطين(٢).
وكان ◌َلّ يرفع رأسه من السجود مكبراً غير رافع يديه، ثم يجلس
على رجله اليسرى وينصب اليمنى.
وكان ◌َيّ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه
سكوناً بيناً، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره(٣).
قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية من كل ركعة
(١) هو في الموطأ ومسلم من حديث علي.
(٢) كان ذلك صبح ليلة القدر، والحديث في الصحيحين والنسائي وابن
ماجه ..
(٣) نص الحديث (عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ◌َ له يصلي فإذا كان في
وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوى قاعداً) فليس ما ذكر المصنف لفظ
الحديث لا في البخاري ولا في غيره.
- ١٠٤ -

يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة.
وكان وَّ يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني
وعافني وارزقني. رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس.
الفرع الثاني عشر
في ذكر جلوسه ملة للتشهد
كان وَية إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب
الیمنی. رواه مسلم.
قال النووي: معناه يجلس مفترشاً، وفيه حجة لأبي حنيفة ومن
وافقه: أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشاً سواء فيه جميع الجلسات.
وعند مالك: يسن متوركاً بأن يخرج رجله اليسرى من تحته
ويفضي بوركه إلى الأرض.
وقال الشافعي رحمه الله: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشاً
إلا الجلسة التي يعقبها السلام. والجلسات عند الشافعي أربع:
الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام،
والجلسة للتشهد الأولى، والجلسة للتشهد الأخير، والجميع يسن
مفترشاً إلا الأخيرة، ولو كان على المصلى سجود سهو فالأصح أن
يجلس مفترشاً في تشهده فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. هذا
تفصيل مذهب الشافعي .
واحتج أبو حنيفة: بإطلاق حديث عائشة هذا.
واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح
- ١٠٥ -

البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر
الصلاة، وحمل حديث عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير
لیجمع بين هذه الأحاديث. انتهى .
فليتأمل مع قول ابن القيم في الهدي: إنه لم ينقل أحد عنه وله
أن هذا(١) كان صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحداً قال
به. انتهى (٢)
وقال أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحابه وَله: أنا أعلمكم
٣٣٤/ب بصلاة رسول الله وَالر، قالوا: فاعرض .. / فذكر الحديث إلى أن
قال: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى
وقعد متوركاً على شقه الأيسر ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا كان
يصلي، رواه أبو داود والدارمي .
وفي رواية لأبي داود: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه
اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه إلى الأرض
وأخرج قدميه من ناحية واحدة. الحديث.
وكان ◌َ﴿ إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته
اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين(٣)
وأشار بالسبابة (٤).
(١) أي الافتراش.
(٢) وجه التأمل أن أبا حميد صرح بأنه رأى النبي وم لم يفعل ذلك في صحيح
البخاري .
(٣) أي قبض الوسطى والبنصر والخنصر على وسط الكف مع وضع الإبهام على
أنملة الوسطى .
(٤) رواه مسلم من حديث ابن عمر.
- ١٠٦ -

وفي رواية مسلم: وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى
التي تلي الإبهام ويدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها.
وفي حديث ابن الزبير عنده أيضاً: كان يشير بها ولا يحركها.
الحديث(١).
وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر: مد مرفقه اليمنى على
فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها
ويدعو.
وكان ◌َل يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي
سجوده وفي التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده.
الفرع الثالث عشر
صَلى الله
وسلم
في ذكر تشهده
[نص التشهد]
كان ◌َلّ يتشهد دائماً في هذه الجلسة [الأخيرة](٢)، ويعلم
أصحابه أن يقولوا: (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله) رواه مسلم من رواية ابن عباس.
(١) جاء هذا الحديث في ش في هذا المكان، وفي النسخ بعد حديث أبي داود
الذي يليه وقد بين الشارح أن الحديث في مسلم ولذا كان وضعه هنا هو
الواجب لقوله: ((عنده أيضاً)).
(٢) في (ط، ش).
- ١٠٧ -

وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة ((المباركات)) لا تشهد ابن
مسعود، وإن قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى (١). وعبارة الشافعي
فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي جواباً
لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: ((فإنا نرى الرواية اختلفت فيه
عن النبي ◌َّلو، فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن
قال: فلما رأيته واسعاً وسمعته - يعني حديث ابن عباس - صحيحاً،
ورأيته أكثر لفظاً من غيره - يعني من المرفوعات - أخذت به غير معنف
لمن أخذ بغيره ((هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعلم
عند الله .
وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن
مسعود(٢) أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة.
وقال مالك - رحمه الله -: تشهد عمر بن الخطاب(٣) الموقوف
عليه أفضل، لأنه علمه للناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على
تفضيله .
[حكم قراءة التشهد]
ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة والثاني واجب.
(١) نقل القاضي عياض تشهد ابن مسعود على أنه هو الذي اختاره الشافعي،
وهو سبق قلم منه.
(٢) ونصه ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة
الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا
الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)).
(٣) ونص تشهد عمر: التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات الصلوات الله،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله.
- ١٠٨ -

وجمهور المحدثين: أنهما واجبان.
وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل
الصلاة بتركه .
وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان.
وعن مالك رواية بوجوب الأخير.
وقد كان رَلّ يأتي بالتشهدين.
[من معاني التشهد]
وفي الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتني عائشة
قالت: هذا تشهد رسول الله وَله: التحيات لله والصلوات والطيبات،
السلام عليك أيها النبي رحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وهو مثل حديث ابن مسعود سواء. رواه البيهقي بإسناد جيد.
قال النووي: في هذا الحديث فائدة حسنة وهي أن تشهده وَل
بلفظ تشهدنا(١). انتهى .
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه (٢) يشير إلى رد ما وقع في
الرافعي: أنه ر كان يقول في التشهد: وأشهد أني رسول الله، / ٣٣٥/أ
وتعقبوه بأنه لم يرو(٣) كذلك صريحاً.
نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خفَّت
(١) أي فكان يقول: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(٢) أي النووي.
(٣) في (ط، د): يرد.
- ١٠٩ -

أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال وَّ: أشهد أن لا إله إلا الله
وأني رسول الله(١).
ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي: علمهم أن يفردوه ◌َليه
بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ،
وهو خطاب لبشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك
من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله
: ((السلام عليك أيها النبي)) مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه
السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية
النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟
أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي
علمه للصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله: إن
المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم في الدخول في
حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن
ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم
الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة
الله وبركاته. انتهى
وقال الترمذي الحكيم: في قوله: ((السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين)): من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في
صلاتهم فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.
وقال القفال في فتاويه: وترك الصلاة يضر جميع المسلمين، لأن
(١) الخلاصة أنها قيلت في مواطن ليس التشهد منها.
- ١١٠ -

المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في
التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة
مقصراً في خدمة الله وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة
المسلمين. ولذلك عظمت المعصية(١) بتركها .
واستنبط منه السبكي: أن في الصلاة حقاً للعباد مع حق الله
تعالى، وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين، من مضى ومن يجيء
إلى يوم القيامة، لوجوب قوله فيها: ((السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين)). انتهى .
[حكم الصلاة عليه وَليل بعد التشهد]
وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه مَ لي بعد التشهد الأخير،
وما في ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه وعلي(٢)
وعن الطبراني مرفوعاً، عن سهل بن سعد: لا صلاة لمن لم
يصل على نبيه، وكذا عند ابن ماجه والدارقطني.
وعن ابن مسعود الأنصاري - عند الدارقطني -: من صلى صلاة
لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه.
[هل يترحم عليه وَّةَ؟]
وعن أبي مسعود: أن رسول الله وَ ل قال: إذا تشهد أحدكم في
الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً
(١) في ط: المصيبة .
(٢) في المقصد السابع.
- ١١١ -

وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
إنك حميد مجيد. رواه الحاكم.
واغتر قوم بتصحيحه فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق(١)،
وهو مجهول عن رجل مبهم، وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال:
حذار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة(٢) وترحم، فإنه قريب من
البدعة، لأنه ور علمهم كيفية الصلاة بالوحي، ففي الزيادة على ذلك
استدراك عليه. انتهى .
قال الحافظ ابن حجر: وابن أبي زيد ذكر ذلك في الرسالة في
صفة التشهد، لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: اللهم صل على
محمد وآل محمد، فزاد: وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد
وآل محمد الخ.
فإن كان إنكاره ذلك لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من
ادعى أنه لا يقال: وارحم محمداً، مردودة لثبوت ذلك في عدة
أحاديث أصحها في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته)).
قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستنداً، فأخرج الطبري (٣) في
تهذيبه (٤)، من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: ((من قال
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم
(١) في (ط، د) ابن أبي السباق.
(٢) كذا في ط، وفي النسخ: زيادته.
(٣) في (ا، ب) الطبراني. وهو تصحيف.
(٤) هو كتاب ((تهذيب الآثار)) لمحمد بن جرير الطبري.
- ١١٢ -

وعلى آل إبراهيم، شهدت له / يوم القيامة وشفعت له)) ورجال سنده ٣٣٥/ب
رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصي،
الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول، وهذا كله فيما يقال
مضموماً إلى السلام أو الصلاة.
وقد وافق ابنَ العربي الصيدلانيُ من الشافعية على المنع. ونقل
القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً، وقال القرطبي في
((المفهم)): إنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره.
ففي ((الذخيرة)) من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإيهامه
النقص، لأن الرحمة غالباً إنما تكون لفعل ما يلام عليه.
وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي
وَالر أن يقول: رحمه الله، لأنه مَّ قال: ((من صلى علي)) ولم يقل: من
ترحم علي، ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه
خص بهذا اللفظ تعظيماً له. فلا يعدل عنه إلى غيره. انتهى .
[الصلاة عليه ◌َير بعد التشهد]
وأخرج أبو العباس السراج عن أبي هريرة: أنهم قالوا يا رسول
الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على
إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وفي حديث بريدة رفعه: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك
وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم .
ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي: على محمد
النبي الأمي .
- ١١٣ -

وفي حديث أبي سعيد: على محمد عبدك ورسولك كما صليت
على إبراهيم. ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم.
وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: اللهم صل على محمد
النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته .
ووقع في آخر حديث ابن مسعود: في العالمين إنك حميد مجيد.
قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث
الصحيحة، فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد
وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
وبارك ... مثله، ويزيد في آخره: في العالمين.
وقال في ((الأذكار)) مثله، وزاد: عبدك ورسولك بعد قوله: محمد
في ((صل)) ولم يزدها في ((بارك)).
وقال في ((التحقيق والفتاوى)): مثله، إلا أنه أسقط النبي
الأمي .
وقد تعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع
اختلاف كلامه .
وقال الأذرعي: لم يُسبق إلى ما قاله، والأظهر أن الأفضل لمن
تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول - كما ثبت - هذا مرة وهذا
مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة،
وسبقه إلى معنى ذلك ابن القيم.
[الدعاء في الصلاة]
وقد كان ◌َّ يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب
- ١١٤ -

القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا
وفتنة المات، اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم)). فقال له قائل: ما
أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب
ووعد فأخلف. رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة.
قال ابن دقيق العيد: ((فتنة المحيا)): ما يعرض للإنسان مدة
حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها - والعياذ بالله
تعالى - أمر الخاتمة عند الموت، و((فتنة الممات)): يجوز أن يراد بها الفتنة
عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يكون المراد بها: فتنة
القبر، ولا يكون مع هذا الوجه متكرراً مع قوله: ((عذاب القبر))، لأن
العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.
وروى الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)» عن سفيان الثوري:
أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إني أنا
ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل.
وقد استشكل دعاؤه وم لر بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر.
وأجيب بأجوبة، منها أنه قصد التعليم لأمته، ومنها: أن المراد
السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ / بالله لأمتي، ومنها:
سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف الله، وإعظامه
والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرير الطلب مع
تحقيق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات، ورفع الدرجات، وفيه
تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا
يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.
٣٣٦/ أ
وأما الاستعاذة من فتنة الدجال، مع تحققه أنه لا يدركه فلا
- ١١٥ -

إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون
ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر
عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، الحديث، والله أعلم.
وعن ابن عباس: أن رسول الله وَ ل ◌ّ كان يقول بعد التشهد:
اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر،
وأعوذ بك من فتنة الدجال الأعور، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات.
رواه أبو داود.
وعن علي بن أبي طالب: أن النبي وَلّ كان يقول ما بين التشهد
والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما
أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر،
لا إله إلا أنت. رواه مسلم وغيره.
وفي رواية له: وإذا سلم قال: اللهم اغفر لي ما قدمت ...
الخ
ويجمع بينهما: بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج
الطريقين واحد.
وأورده ابن حبان بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا
ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام
وبعده، وسيأتي الجواب عما استشكل في دعائه وَليقوم بهذا الدعاء في
أدعيته وَ لّ إن شاء الله تعالى.
[مواضع الدعاء في الصلاة]
وحاصل ما ثبت عنه وَلّ من المواضع التي كان يدعو بها في
داخل صلاته ستة مواطن :
- ١١٦ -

الأول - عقب تكبيرة الإحرام، كما في حديث أبي هريرة في
الصحيحين: اللهم باعد بيني وبين خطاياي. الحديث ونحوه.
الثاني - في الركوع، كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان
يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم
اغفر لي.
الثالث - في الاعتدال من الركوع، كما في حديث ابن أبي أوفى
عند مسلم: أنه كان يقول بعد قوله: ((من شيء بعد)) اللهم طهرني
بالثلج والبرد والماء البارد.
الرابع - في سجوده، وهو أكثر ما كان يدعو فيه، وأمر به،
الخامس - بين السجدتين: اللهم اغفر لي ... الخ
السادس - في التشهد .
وكان أيضاً يدعو في القنوت، وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة
سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وتقدم كل ذلك، والله أعلم.
الفرع الرابع عشر
في ذكر تسليمه ولة من الصلاة
[هديه رَ في التسليم]
کان یڼ یسلم عن يمينه وعن شماله حتی یری بیاض خده. رواه
مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه.
وفي حديث ابن مسعود: كان ◌َل ◌ّ يسلم عن يمينه وعن يساره،
السلام عليكم ورحمة الله. رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى
- ١١٧ -

بياض خده، وفي رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ها هنا،
وبياض خده من ها هنا. الحديث.
وهذا كان فعله الراتب. رواه عنه خمسة عشر صحابياً، وهم:
عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، ووائل
ابن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر،
وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك
الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو ثور، وعدي بن
عمرو(١).
هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور.
[مذهب مالك في التسليم]
ومذهب مالك في طائفة: المشروع تسليمة .
ودليل مذهبنا ما تقدم. وأما ما روي أنه امير كان يسلم تسليمة
واحدة تلقاء وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح، وأجود ما في ذلك
حديث عائشة أنه وَلّ كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم،
يرفع بها صوته حتى يوقظنا، وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه
٣٣٦/ب في قيام الليل، / والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوا في
الفرض والنفل، وحديث عائشة ليس هو صريحاً في الاقتصار على
تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها،
ولم تنف الأخرى بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدماً على رواية
من حفظها وضبطها، وهم أكثر عدداً وأحاديثهم أصح، والله أعلم.
(١) صوابه: ابن عميرة، كما في الإصابة وغيرها.
- ١١٨ -

[حكم التسليم]
واختلف في التسليم :
فقال مالك والشافعي وأحمد، وجمهور العلماء: إنه فرض لا
تصح الصلاة إلا به .
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: سنة، لو ترك صحت
صلاته. وقال أبو حنيفة: لو فعل منافياً للصلاة من حدث أو غيره في
آخرها صحت صلاته، واحتج بأنه وَ ل لم يعلمه الأعرابي حين علمه
واجبات الصلاة .
واحتج الجمهور بحديث أبي داود (مفتاح الصلاة الطهور
وتحليلها التسليم)(١).
[من هديه وصخلل في الصلاة]
وكان ◌َّ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. رواه أحمد.
وكان لا يجاوز بصره إشارته(٢)، وكان قد جعل الله قرة عينه في
الصلاة كما قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة رواه النسائي.
ولم يكن يشغله وَ لّ ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين، مع
كمال إقباله وقربه من ربه وحضور قلبه بین یدیه.
وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي
فيتجوز في صلاته مخافة أن يشق على أمه. رواه البخاري وأبو داود
والنسائي .
(١) وكذا رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه.
(٢) أي أصبعه السبابة التي يشير بها.
- ١١٩ -

[حمل الطفل أثناء الصلاة]
وكان يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع(١)
على عاتقه. رواه مسلم وغيره.
قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي - رحمه الله - ومن وافقه
أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض
والنفل للإمام والمأموم والمنفرد.
وحمله أصحاب مالك - رحمه الله - على النافلة، ومنعوا جواز
ذلك في الفريضة .
وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: ((يؤم الناس)) صريح أو كالصريح
في أنه كان في الفرض. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم
أنه خاص به رَلَّ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها مردودة ولا دليل
عليها ولا ضرورة إليها(٢)، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك،
وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه من
النجاسة معفو عنها لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة
على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا
تبطلها إذا قلَّت أو تفرقت، وفعله وَلَ للجواز، وتنبيهاً على هذه
القواعد التي ذكرتها.
وهذا يرد ما ادعاه أبو سليمان الخطابي: أن هذا الفعل يشبه أن
يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها كانت تتعلق به مح ير فلم
يدفعها، فإذا قام بقيت معه، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة
(١) هي بنت زينب بنت النبي امَثية.
(٢) نفي الضرورة لا دليل عليه، وبيان الجواز لا يمنع أنه كان لضرورة [م].
- ١٢٠ -