النص المفهرس

صفحات 81-100

فقال: صليت وراء رسول الله ومه وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحداً
منهم يقرأ ببسم الله.
ويحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفي الجهر إلى دليل
له، وإن لم يكن من مباحثنا.
[من أدلة القائلين بالجهر بها]
وقد ذكر له الشارح(١) دليلاً، وأرشد شيخنا - يعني الحافظ ابن
حجر - لما يؤخذ منه ذلك.
بل قال: إن قول نعيم المجمر ((صليت وراء أبي هريرة فقرأ
ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين،
وقال الناس: آمين، وكان كلما سجد وإذا قام من الجلوس في الاثنتين
يقول الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم
صلاة برسول الله (َ ليه)) أصح حديث ورد فيه، ولا علة له.
وممن صححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه النسائي والحاكم،
وقد بوب عليه النسائي: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
ولكن تعقب الاستدلال به، لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد
بقوله ((أشبهكم)) في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، لا سيما وقد
رواه عنه جماعة غير نعيم بدون ذكر البسملة.
وأجيب: بأن نعيماً ثقة، فزيادته مقبولة، والخبر ظاهر في جميع
الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصه. ومع ذلك فيطرقه
أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة حال مخافتته لقربه منه(٢).
(١) أي الألفية العراقي.
(٢) أي ومع ذلك فلا يخالف رواية الجماعة عنه بدون البسملة.
- ٨١ -

٣٣٠/ ب
وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في تصنيف له في الفاتحة: /
روى الشافعي بإسناده [وكذا رواه الحاكم في مستدركه](١) أن معاوية
قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر عند
الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا
معاوية سرقت الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم، أين التكبير عند
الركوع والسجود، فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير. ثم قال
الشافعي: وكان معاوية سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن
الجهر بالتسمية والتكبير كان كالأمر المقرر عن كل الصحابة من
المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه.
انتھی
وهو حديث حسن أخرجه الحاكم في صحيحه والدارقطني وقال:
إن رجاله ثقاة.
ثم قال الإمام بعد: وقد بينا أن هذا - يعني الإنكار المتقدم -
يدل على أن الجهر بهذه الكلمة كالأمر المتواتر فيما بينهم.
وكذا قال الترمذي عقب إيراده، بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة
حديث معتمر بن سليمان عن اسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي
خالد الوالبي الكوفي عن ابن عباس قال: كان النبي ◌َّ يفتتح
الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.
ووافقه على تخريجه الدارقطني، وأبو داود وضعفه. بل وقال
الترمذي: ليس إسناده بذاك. والبيهقي في المعرفة، واستشهد له
بحديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان
(١) زيادة في (ط، د).
- ٨٢ -

رسول الله وَ ل يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بها صوته الحديث،
وهو عند الحاكم في مستدركه أيضاً، ما نصه (١):
وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي وَّر منهم:
أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين رووا
الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي. انتهى (٢).
[تحقيق المسألة]
وقال الشيخ أبو أمامة بن النقاش: والذي يروم تحقيق هذه
المسألة ينبغي أن يعرف أن هذه المسألة بعلم القراءات أمس، وذلك
أن من القراء الذين صحت قراءتهم وتواترت عن النبي وَل#9 من كان
يقرأ بها آية من الفاتحة وهم: حمزة وعاصم والكسائي وابن كثير
وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من لا يعدها آية من الفاتحة
کابن عامر، وأبي عمرو، ونافع في رواية عنه.
وحكم قراءتها في الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على
قراءة من جعلها من أم القرآن لزمه فرضاً أن يقرأ بها. ومن قرأ على
قراءة من لم يرها من أم القرآن فهو مخير بين القراءة والترك.
فحينئذ الخلاف فيها كالخلاف في حرف من حروف القرآن،
وكلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته ولا على منفيه.
ولا ريب أن النبي وَالر تارة قرأ بها، وتارة لم يقرأ بها، هذا هو
الإنصاف.
(١) كلمة (ما نصه)) هي مقول قوله: ((وكذا قال الترمذي)) الذي ورد في مطلع
الفقرة التي قبل هذه. وما بينهما اعتراض.
(٢) أي كلام شارح الألفية.
- ٨٣ -

ثم قال: والمستيقن الذي يجب المصير إليه، أن كلا من العملين
ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراءات السبع
كلها حق مقطوع بها من عند الله، وليست هذه أول كلمة ولا أول
حرف اختلف في إثباته وحذفه، وقلَّ سورة من القرآن ليس فيها
ذلك، كلفظ ((هو)) في سورة الحديد ﴿هو الغني الحميد﴾(١)، ولفظ ((من))
في سورة التوبة، في قوله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾(٢)،
وألفات عديدة، وواوات، وهاءات كذلك، وكل هذا من نتيجة كون
القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا هو الذي يدلك على بطلان قول
من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلاف الناس فيها، وقولِه: إن
الاختلاف لا يثبت معه قرآن(٣)، فما أدري ما هذا الظن.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي يريحك من تلك التقريرات من
الجانبین .
ثم قال: ولا ريب أن الواقع من النبي ◌َّ كلا الأمرين، من
الجهر والإسرار، فجهر وأسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره،
وقد صح في الجهر أحاديث، لا مطعن فيها لمنصف نحو ثلاثة
أحاديث(٤)، كما أنه قد صح في الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها
لعارٍ(٥) من العصبية، ولا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبي :
(١) قرأ بعضهم ﴿ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد﴾ وقرأ بعضهم ﴿فإن الله
الغني الحميد﴾.
(٢) هذه قراءة ابن كثير، وقراءة غيره بدون ((من)).
(٣) هذا إشارة إلى قول أبي بكر بن العربي: يكفيك أنها ليست من الفاتحة
اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه.
(٤) هذه الجملة سقطت من ط.
(٥) عارٍ: أي خالٍ.
- ٨٤ -

٣٣١ /أ
كان الجهر فقط، انتهى.
وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر اسم الإمام / الشافعي
وغلب ذكره؟ فقال: أرى ذلك بإظهار اسم الله في البسملة لكل
صلاة(١). انتھی
الفرع الثالث
في ذكر قراءته وَ ية الفاتحة وقوله آمين بعدها
كان النبي وّ إذا قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال:
آمين، ومد بها صوته، وفي رواية: وخفض بها صوته، رواه
الترمذي(٢).
وفي رواية أبي داود: ورفع بها صوته، وفي رواية له: جهر
بآمين .
وقال ابن شهاب: وكان ◌َّ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ جهر بآمين،
أخرجه السراج.
ولابن حبان من رواية الزبيدي عن ابن شهاب: كان إذا فرغ
من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: آمين.
وللحميدي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه بلفظ:
إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾.
(١) علوم الشافعي وورعه وتقواه أجل من أن يقصر سبب ظهوره على إظهار
مسألة مختلف فيها قديماً وحديثاً، بل قصره عليها كالتنقيص له والله أعلم.
(٢) خطأ البخاري رواية: خفض بها صوته.
- ٨٥ -

ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حجر نحو
رواية الزبيدي .
وفيه رد على من أومأ إلى النسخ فقال: إنما كان ◌َّ يجهر بآمين
في ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر
الأمر.
الفرع الرابع
في ذكر قراءته عليه بعد الفاتحة في صلاة الغداة
[أحاديث في الموضوع]
عن أبي برزة: كان اَلَه يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى
المائة. رواه النسائي(١).
وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي وَ لّ يقرأ في الفجر
والليل إذا عسعس) رواه مسلم.
وفي رواية النسائي: أنه مَّ قرأ في الفجر ﴿إذا الشمس
كورت﴾
وعن جابر بن سمرة كان ◌َّ يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن
المجيد﴾ ونحوها، وكانت قراءته بعد تخفيفاً. رواه مسلم.
[القراءة ببعض السورة]
وعن عبد الله بن السائب قال: صلى ◌َّير الصبح بمكة، فاستفتح
(١) ورواه الشيخان معاً أيضاً.
- ٨٦ -

سورة المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى - شك
الراوي، أو اختلف عليه - أخذت النبي مَّل سعلة فركع. الحديث
رواه مسلم.
قال النووي: فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض
السورة. وكرهه مالك. انتهى
وتعقب: بأن الذي كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة
مختاراً، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه. وكذا يرد
على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذاً من قوله:
حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كلاً من الموضعين
يقع في وسط آية، نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل.
وأدلة الجواز كثيرة: وفي حديث زيد بن ثابت أنه محلّ قرأ
الأعراف في الركعتين (١)، وأمَّ أبو بكر بالصحابة في صلاة الصبح
بسورة البقرة قرأها في الركعتين (٢). وهذا إجماع منهم. وقرأ(٣) في
الصبح ﴿إذا زلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما، قال الراوي: فلا أدري
أنسي أم قرأ ذلك عمداً. رواه أبو داود.
[القراءة في صبح الجمعة]
وكان ◌َّ يقرأ في صبح الجمعة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة، و﴿هل أتى
على الإنسان حين من الدهر) رواه البخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة.
(١) رواه ابن خزيمة وأصله في الصحيح.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر.
(٣) أي النبي وََّ .
- ٨٧ -

وإنما كان يقرؤهما كاملتين، وقراءة بعضهما خلاف السنة.
وإنما كان يقرأ بهما لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق
آدم، ودخول الجنة والنار، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك يقع يوم
الجمعة. ذكره ابن دحية في ((العلم المشهور)) وقرره تقريراً حسناً، كما
أفاده ابن حجر.
قال: وقد ورد في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته وحصل على
قراءتهما في صبح الجمعة. أخرجه الطبراني، ولفظه ((يديم ذلك)) وأصله
في ابن ماجه لكن بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقاة، لكن صوب أبو
حاتم إرساله .
قال: وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على
حديث الباب: ((ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائماً اقتضاء
قوياً))، وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصاً في
المداومة، لكن الزيادة المذكورة نص في ذلك، ولهذه الزيادة شاهد من
٣٣١/ب حديث ابن عباس / بلفظ: ((كل جمعة)) أخرجه الطبراني في الكبير.
وأما تعيين السورة للركعة فورد من حديث علي - عند الطبراني -
بلفظ: كان رسول الله وَلّل يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم
الجمعة ﴿ألم تنزيل﴾، وفي الركعة الثانية ﴿هل أتى على الإنسان﴾(١).
[قراءة السجدة في الصلاة]
وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السجدة في الصلاة(٢):
(١) على المؤلف مؤاخذة. فالتعيين وارد في حديث أبي هريرة عند مسلم من
طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة.
(٢) قال باستحباب السجدة يوم الجمعة أكثر العلماء، من الصحابة والتابعين
والشافعي وأحمد، وكره مالك في ((المدونة)) أن يقرأ بسورة فيها سجدة.
- ٨٨ -

فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال
القرطبي : وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث.
وقيل لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين
الجهرية والسرية، لأن الجهرية يؤمن معها التخليط. لكن صح من
حديث ابن عمر (١) أنه مَّ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر
فسجد بهم فيها. رواه أبو داود والحاكم، فبطلت التفرقة .
ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال
ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهية مطلقاً فيأباه الحديث، لكن إذا
انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحياناً لتندفع، فإن
المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض
الأوقات. انتهى
وقال صاحب ((المحيط)) من الحنفية: يستحب قراءتها في صبح يوم
الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزىء
غيره .
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه
وَالثّ سجد لما قرأ سورة ﴿الم تنزيل﴾ في هذا المحل، إلا في كتاب
((الشريعة)) لابن أبي داود(٢) من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن
(١) قال الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري: في تصحيحه نظر
والصواب أنه ضعيف، لأن في إسناده عند أبي داود رجلاً مجهولاً يدعى
أمية، كما نص على ذلك أبو داود في رواية الرملي عنه ونبه عليه الشوكاني
في نيل الأوطار [فتح الباري ٣٧٨/٢] [م].
(٢) كذا في ش وفي فتح الباري ٣٧٩/٢، وفي بقية النسخ: لأبي داود. وأما
ابن أبي داود فهو عبدالله ابن الحافظ الكبير سليمان بن الأشعث
السجستاني .
- ٨٩ -

ابن عباس قال: غدوت على النبي ◌َّ يوم الجمعة في صلاة الفجر،
فقرأ سورة فيها سجدة فسجد، الحديث، وفي اسناده من ينظر في
حاله. انتهى
وعن علي عند الطبراني في الأوسط: أن رسول اللّه وَ لقر سجد في
الصبح يوم الجمعة في ﴿الم تنزيل﴾، وهذه الزيادة حسنة (١) تدفع احتمال
أن يكون قرأ السورة ولم يسجد.
الفرع الخامس
في ذكر قراءته وية في صلاتي الظهر والعصر
عن أبي قتادة قال: كان رسول الله وَله يقرأ في الظهر في الأوليين
بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا
الآية أحياناً، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية،
وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. رواه البخاري ومسلم.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: كأن السبب في تطويله الأولى
على الثانية أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في
الثانية حذراً من الملل. انتهى
وروى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى في آخر هذا الحديث:
فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر أي نقدر - قيام رسول
الله وَلّ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من
(١) في قوله: ((حسنة)) نظر فإن الحافظ قال: في إسناده ضعف وتبعه المصنف في
شرح البخاري .
- ٩٠ -

الظهر قدر ﴿الم تنزيل﴾ السجدة، وفي رواية: في كل ركعة قدر ثلاثين
آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرناه في
الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر،
وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك. رواه مسلم.
وعن جابر بن سمرة: كان مَلّ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى،
وفي رواية بـ(سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي العصر نحو ذلك. الحديث
رواه مسلم .
وعنه: كان ◌َّ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج،
والسماء والطارق، رواه أبو داود والترمذي .
وعن البراء: كنا نصلي خلفه ◌َّ الظهر فنسمع منه الآية بعد
الآيات من لقمان والذاريات. رواه النسائي.
قال ابن دقيق العيد: فيه جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار
دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في
السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في
الجهرية. وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على باقيها.
ويحتمل أن يكون الرسول وَللس كان يخبرهم عقب الصلاة دائماً أو غالباً
بقراءة السورتين، وهو بعيد جداً. انتهى
وعن أنس: قرأ ◌َّ في الظهر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل
أتاك حديث الغاشية﴾ رواه النسائي.
/ وعن أبي سعيد: كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب
إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي وَلخير في
الركعة الأولى. رواه مسلم.
٣٣٢ /١
- ٩١ -

الفرع السادس
في ذكر قراءته وقدالر في صلاة المغرب
عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعته وّ يقرأ في المغرب
بالمرسلات عرفاً. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي
والنسائي، وفي رواية: إنها لآخر ما سمعت من رسول الله وَله.
وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب: أنها آخر صلاته وَل
ولفظه: ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله تعالى. أورده البخاري في
باب الوفاة .
وعنده في باب ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) من حديث عائشة:
أن الصلاة التي صلاها النبي ◌َّ بأصحابه في مرض موته كانت
الظهر.
وجمع بينهما: بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد،
والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما رواه النسائي.
لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب في هذا
الحديث بلفظ: خرج إلينا رسول الله وَ ليل وهو عاصب رأسه في مرضه
فصلى المغرب. الحديث رواه الترمذي .
ويمكن حمل قوله: ((خرج إلينا)) أي من مكانه الذي هو راقد فيه
إلى من في البيت فصلى بهم فتلتئم الروايات(١).
(١) أقول: هذا الجمع غير واضح، ولا تعارض بين الحديثين، فأم الفضل
تتحدث عن صلاة جهرية سمعت فيها القراءة بالمرسلات، وعائشة تتحدث
بشكل عام، والذي يغلب على الظن أنه وُّ صلى المغرب في يوم من أيام
مرضه ثم لم يستطع صلاة العشاء والفجر مع الجماعة ثم صلى الظهر في =
- ٩٢ -

وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله وعليه يقرأ في
المغرب بالطور. رواه البخاري ومسلم. زاد مسلم في ((الجهاد)): وكان
جبير بن مطعم جاء في أسارى بدر. وزاد الاسماعيلي: وهو يومئذ
مشرك. وللبخاري في ((المغازي)): وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.
وللطبراني: وأخذني من قراءته الكرب، ولسعيد بن منصور: فكأنما
صدع قلبي .
وفي قوله: ((سمعته وَّر)) دليل على الجهر بها، والله أعلم.
وعن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ
في المغرب بقصار المفصل؟ وقد سمعتُ النبي ◌َّه يقرأ بطولى
الطوليين (١). رواه البخاري.
زاد أبو داود: قلت وما طولي الطوليين؟ قال: الأعراف.
وفي رواية النسائي من حديث عائشة أنه والر صلى المغرب
بسورة الأعراف فرقها في ركعتين.
وعن عبد الله بن عتبة: قرأ وَلخير في صلاة المغرب بـ (حم))
الدخان. رواه النسائي .
وهذه الأحاديث في القراءة مختلفة المقادير، لأن ((الأعراف)) من
السبع الطوال، و((الطور)) من طوال المفصل، و((المرسلات)) من
أوساطه. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص
على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل، إلا حديثاً في ابن ماجه عن
= اليوم الثاني معهم فكانت صلاة المغرب آخر صلاة جهرية، وكانت صلاة
الظهر آخر صلاة بشكل عام [المحقق].
(١) تثنية طولى، تأنيث أطول.
- ٩٣ -

ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص. ومثله لابن حبان عن
جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه
معلول، قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه، وأما حديث جابر بن
سمرة ففيه سعد بن السماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في
الركعتين بعد المغرب.
واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبي
هريرة قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله مَ لّ من فلان، قال
سليمان: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار
المفصل. رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره.
وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، لكن في الاستدلال به نظر،
نعم حديث رافع أنهم كانو ينتضلون(١) بعد صلاة المغرب يدل على
تخفيف القراءة فيها.
وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: أنه وَلَ كان أحياناً يطيل
القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على
المأمومين، وليس في حديث جبير دليل على أن ذلك تكرر منه، وأما
٣٣٢/ب حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك / لكونه أنكر على مروان
المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي وَئيل
واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه - فيما يظهر -
المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من
النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه سي كان يقرأ في الصحة
(١) أي يلعبون بالنضال، أي السهام.
وجاء في (ط ب) يتنفلون، وهو تحريف كما قال الشارح.
- ٩٤ -

بأطول من المرسلات، لكونه كان في حال شدة مرضه، وهو مظنة
التخفيف .
وهو يرد على أبي داود ادعاء نسخ التطويل في المغرب، لأنه روى
عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب
بالقصار قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة.
وكيف تصح دعوى النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة
صلاها بهم قرأ بالمرسلات.
قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الاختلاف المباح، فجائز
للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا
كان إماماً استحب له أن يخفف القراءة. انتهى.
والراجح عند النووي: أن المفصل من الحجرات إلى آخر
القرآن، والله أعلم.
الفرع السابع
في ذكر ما كان له يقرأ في صلاة العشاء
عن البراء: كان ◌َّيّ يقرأ في العشاء ﴿والتين والزيتون) فما
سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه وصّلد. رواه البخاري ومسلم.
[الدعاء بعد بعض الآيات]
وكان وَلّ إذا أتى على آية عذاب وقف وتعوذ، رواه الترمذي من
حديث حذيفة(١) .
(١) وهو في مسلم والسنن الأربع ومسند أحمد.
- ٩٥ -

وكان إذا قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: سبحان ربي
الأعلى، رواه أحمد وأبو داود من رواية ابن عباس.
وقال ◌َله: (من قرأ منكم ﴿والتين والزيتون) فانتهى إلى ﴿أليس
الله بأحكم الحاكمين﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن
قرأ ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ فانتهى إلى قوله: ﴿أليس ذلك بقادر على أن
يحيي الموتى﴾ فليقل: بلي، ومن قرأ ﴿والمرسلات عرفاً﴾ فبلغ ﴿فبأي
حديث بعده يؤمنون﴾ فليقل: آمنا بالله) رواه أبو داود، والترمذي إلى
قوله ((وأنا على ذلك من الشاهدين)).
[السكتات في الصلاة]
وكان وَلّ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة وعنها سأله أبو
هريرة(١)، ويسكت بعد الفاتحة، ويسكت ثالثة بعد قراءة السورة،
وهي سكتة لطيفة جداً حتى يترادَّ إليه النفس، ولم يكن يصل القراءة
بالركوع .
وأما السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح، وأما
الثانية فلأجل قراءة المأموم الفاتحة، فينبغي تطويلها بقدرها. ذكره في
زاد المعاد.
وعن سمرة بن جندب: سكتتان حفظتهما من رسول الله وعليه :
إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا
قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت
حتی یتراد(٢) إليه نفسه. رواه الترمذي .
(١) مر ذكر ذلك في الفرع الأول.
(٢) أي يتراجع.
- ٩٦ -

الفرع الثامن
في ذكر صفة ركوعه
صَلى الله
وسلم
عن أبي حميد الساعدي: كان رسول الله مهله إذا قام إلى الصلاة
رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فذكر الحديث، إلى أن قال: ثم
یکبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على
ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصوب(١) رأسه ولا يقنع(٢). رواه أبو داود
والدارمي(٣).
الفرع التاسع
في مقدار ركوعه
صَلىالله
وسيلة
عن ابن جبير قال سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء
أحد بعد رسول الله وَالر أشبه صلاة برسول الله صل من هذا الفتى
- يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فخررنا ركوعه عشر تسبيحات،
وسجوده عشر تسبیحات. رواه أبو داود.
وعن البراء: كان ركوع النبي ◌َّ وسجوده، وبين السجدتين،
وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء. رواه
البخاري ومسلم .
قال النووي: هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا
(١) أي يخفض.
(٢) أي لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره.
(٣) جاء في حديث عائشة المتفق عليه (وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم
يصوبه ولكن بين ذلك) [م].
- ٩٧ -

فقد ثبت في الحديث تطويل القيام، فإنه كان يقرأ في الصبح بالستين
آية إلى المائة، وفي الظهر بـ (الم) السجدة، وأنه كانت تقام الصلاة
٣٣٣/أ فيذهب الذاهب / إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع إلى أهله فيتوضأ
ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ
ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بالطور والمرسلات. وفي
البخاري: بالأعراف، فكل هذا يدل أنه كانت في إطالة القيام أحوال
بحسب الأوقات. انتھی(١).
وقال ابن القيم: مراد البراء أن صلاته وَ ل كانت معتدلة، فكان
إذا أطال القراءة أطال القيام والركوع والسجود، وإذا خفف خفف
الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، وهديه
وَالر الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. انتهى.
الفرع العاشر
في ذكر ما كان يقوله في الركوع والرفع منه
[ما يقول في الركوع]
عن عائشة: كان ◌َليّ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن. رواه
البخاري ومسلم.
ومعنى ((يتأول القرآن)): يعمل بما أمر به في قوله تعالى: ﴿فسبح
(١) حديث البراء واضح، ولكن فهم بعضهم من قوله ((ما خلا القيام والقعود))
أن المقصود بالقيام الاعتدال، وبالقعود: الجلوس بين السجدتين، فكان
قول النووي إيضاحاً لذلك [المحقق]
- ٩٨ -

بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً﴾ فكان ◌َل ليه يقول هذا الكلام
البديع في الجزالة المستوفي ما أمر به في الآية.
وعنها: كان وَلّ يقول في ركوعه: سبوح قدوس رب الملائكة
والروح. رواه البخاري.
وعن حذيفة أنه رَّ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم،
وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وكان ◌َّر إذا رفع ظهره من الركوع
قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء
الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. رواه مسلم.
[ما يقول في الاعتدال]
قال النووي: يبدأ - يعني المصلي - بقوله: ((سمع الله لمن حمده))
حين الشروع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائماً، ثم
يشرع في ذكر الاعتدال وهو: ربنا ولك الحمد الخ.
قال: وفي هذا الحديث دلالة للشافعي وطائفة: أنه يستحب
لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين ((سمع الله لمن حمده))
و((ربنا ولك الحمد)) في حال انتصابه في الاعتدال. لأنه ثبت أنه عليه
فعلهما جميعاً. وقد قال رَّه: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه
البخاري. انتهى .
وقال ابن القيم: كان ◌َلّ إذا استوى قائماً قال: ربنا ولك
الحمد، وربما قال: وربنا لك الحمد، وربما قال: اللهم ربنا لك
الحمد. صح عنه ذلك كله، وأما الجمع بين ((اللهم)) و((الواو)) فلم
یصح. انتھی .
قلت: وقع في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - في رواية
- ٩٩ -

الأصيلي - مرفوعاً: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم
ربنا ولك الحمد. فجمع بين ((اللهم)) و((الواو)) وهو يرد على ابن القيم
كما ترى.
وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: كأن إثبات ((الواو))
دال على معنى زائد، لأنه يكون التقدير: ربنا استجب، أو ما قارب
ذلك، ولك الحمد، فيكون الكلام مشتملاً على معنى الدعاء، ومعنى
الخبر، وإذا قيل بإسقاط (الواو)) دل على أحد هذين. انتهى.
وقال ابن العراقي: إسقاط ((الواو)) حكاه عن الشافعي ابن
قدامة وقال: لأن ((الواو)) للعطف، وليس هنا شيء يعطف عليه. وعن
مالك وأحمد في ذلك خلاف.
وقال النووي: كلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على
وجه الجواز وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
انتھی
وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا رفع رأسه
من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء
الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما
٣٣٣/ب قال العبد - وكلنا لك عبد - اللهم(١) لا مانع لما أعطيت / ولا معطي
لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. رواه مسلم.
قوله: ((ملء السماوات وملء الأرض)): أي حمداً لو كان أجساماً
لملأ السماوات والأرض.
(١) كذا في المخطوطات بذكر ((اللهم)) وفي (ط ش) بدونها. قال الشارح: هما
روايتان في مسلم.
- ١٠٠ -