النص المفهرس

صفحات 1-20

المحوَ اهُبِ الَّذِيَة
بِالْمِنَجّ الْمُجَمَّدِيَّة
تَأليفُ
العَلَامَةِ أحَمد بن محمّ القْطلاِي
(٨٥١ - ٩٢٣هـ)
الجزء الرابع
تحقيق
صَالح أحمَد الشَّابِى
المكتب الإسلامي

جميع الحقوق محفوظَةْ
الطبعة الثانية مزيدة ومنقّىَ
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
المكتب الإسلامي
بيروت: ص.بَ: ١١/٣٧٧١ - هاتف: ٤٥٦٢٨٠ (٠٥)
دمَثْق: ص.بُ: ١٣٠٧٩ - هاتف: ١١١٦٣٧
عَمَّان: ص. ب: ١٨٢٠٦٥ - هاتف: ٤٦٥٦٦٠٥

المواهب اللَّيَّة
بِالْمِنَحّ الْمُحَمَّدِيَّة
الجزء الرابع

ثاني

المقصِّد التّاسِع
في
لطيفة من عباداته
(صلى الله عليه وسلم)

[تمهيد عام ]
[العبادة مدى الحياة ]
قال الله تعالى مخاطباً له وَل: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك
بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى
يأتيك اليقين﴾(١).
فأمره تعالى بعبادته حتى يأتيه الموت، وهو المراد بـ ((اليقين))،
وإنما سمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن.
فإن قلت: ما الفائدة في قوله: ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ وكان قوله:
﴿واعبد ربك﴾ كافياً في الأمر بالعبادة؟
أجاب القرطبي تبعاً لغيره: بأنه لو قال: ﴿واعبد ربك﴾ مطلقاً ثم
عبده مرة واحدة كان مطيعاً، ولما قال: ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ أي اعبد
ربك في جميع زمان حياتك ولا تمل ولا تخل لحظة من لحظات الحياة
من هذه العبادة. كما قال العبد الصالح: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حياً﴾(٢).
وهذا مصير منه إلى أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهي
مسألة معروفة في الأصول اختلف فيها.
(١) سورة الحجر، الآيات ٩٧ - ٩٩.
(٢) سورة مريم، الآية ٣١.
- ٧ -

[مسألة أصولية: حكم المطلق]
وهي: هل الأمر المطلق يفيد التكرار، أو المرة الواحدة، أو لا
يفيد شيئاً منها؟ على مذاهب:
الأول: أنه لا يفيد التكرار ولا ينافيه، بل إنما يفيد طلب فعل
المأمور به من غير إشعار بالمرة أو المرات، لكن المرة ضرورية لأجل
تحقيق الامتثال، إذ لا توجد الماهية بأقل منها، وهذا مختار الإمام(١) مع
نقله له على الأقلين، ورجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يفيد التكرار مطلقاً، كما ذهب إليه الاستاذ أبو
إسحاق الإسفرايني وأبو حاتم القزويني، فإن عيَّن للتكرار أمداً
استعوبه، وإلا استوعب زمان العمر، لكن بحسب الإمكان، فلا
يستوعب زمن قضاء الحاجة والنوم وغيرهما من الضروريات.
الثالث: أنه يدل على المرة، حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح
((اللمع)) عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وغيرهم. وإن علق بشرط أو
صفة اقتضى التكرار بحسب تكرار المعلق به، نحو ﴿وإن كنتم جنباً
فاطهروا﴾ (٢) و﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة
جلدة﴾(٣)، انتهى ملخصاً من شرح العلامة أبي الحسن الأشموني
لنظمه جمع الجوامع للعلامة ابن السبكي.
[معنى الآية]
وقد روي جبير بن نفير(٤) مرسلاً أن النبي وَ لّ قال: ما أوحي
(١) أي إمام الحرمين.
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
(٣) سورة النور، الآية ٢.
(٤) تابعي ثقة جليل ولأبيه صحبة مات سنة ثمانين.
-٨ -

إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح
بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. رواه
البغوي في شرح السنة وأبو نعيم في الحلية عن أبي مسلم الخولاني(١).
وقد أمر الله نبيه *. في هذه الآية بأربعة أشياء: التسبيح
والتحميد والسجود والعبادة.
واختلف العلماء في أنه كيف صار الإقبال على مثل هذه
الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن.
فحكى الإمام فخر الدين الرازي عن بعض المحققين أنه قال:
إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء
عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية
حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا
يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن
والغم. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى
الطاعات، كأنه يقول: تجب علي عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو
ألقيتني في المكروهات.
[الصبر على العبادة]
وقال تعالى: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته﴾(٢).
فأمره تعالى ﴿ بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار
والإبلاغ.
(١) الزاهد العابد الشامي، تابعي كبير ثقة، رحل إلى النبي وَّ فلم يدركه
وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية .
(٢) سورة مريم، الآية ٦٥.
- ٩ -

فإن قلت: لمَ لم يقل: واصبر على عبادته، بل قال: ﴿واصطبر
لعبادته﴾؟
فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القِرْن(١) في قولك
للمحارب: اصطبر لقرنك أي: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه.
٣٢٠/ب والمعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها / قاله الفخر
الرازي وكذا البيضاوي.
[تصحيح فهم صوفي خاطىء]
وقال تعالى: ﴿ولله غيب السماوات والأرض وإليه يُرجَع الأمر
کله فاعبده وتوكل عليه﴾(٢).
فأول درجات السير إلى الله عبودية الله تعالى، وآخرها التوكل
عليه، وإذا كان العبد لا يزال مسافراً إلى ربه لا ينقطع سيره إليه ما
دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغني عنه ألبتة، ولو
أتى بأعمال الثقلين جميعاً، وكلما كان العبد إلى ربه أقرب كان جهاده
إلى الله أعظم، قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾(٣) ولهذا
كان النبي ◌َّ أعظم الخلق اجتهاداً وقياماً بوظائف العبادة، ومحافظته
عليها إلى أن توفاه الله تعالى. وتأمل أصحابه رضي الله عنهم فإنهم
كانوا كلما ترقوا من القرب مقاماً عظم جهادهم واجتهادهم.
ولا يلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال:
((القرب الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة
(١) في ط: القرآن، وهو تصحيف.
(٢) سورة هود، الآية ١٢٣ .
(٣) سورة الحج، الآية ٧٨ .
- ١٠ -

ويريح الجسد والجوارح من كد العمل)). زاعماً بذلك سقوط التكليف
عنه. وهؤلاء أعظم كفراً وإلحاداً، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم
استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي أماني
النفس وخدع الشيطان. فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام
يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة ما دام قادراً عليه.
[هل تعبد وَ لَه بشرع من قبله؟]
وقد اختلف العلماء: هل كان مَّر قبل بعثته متعبداً بشرع من
قبله أم لا؟
فقال جماعة: لم يكن متعبدأ بشيء، وهو قول الجمهور، واحتجوا
بأنه لو كان كذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة، إذ كان من
مهم أمره، وأولى (١) ما اهتُبِل (٢) به من سيرته، ولفخر به أهل تلك
الشريعة، ولاحتجوا به عليه، ولم يؤثر شيء من ذلك.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلاً، قالوا: لأنه يبعد أن يكون
متبوعاً من عرف تابعاً. والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى.
وذهب آخرون إلى الوقف في أمره مل وترك قطع الحكم عليه
بشيء من ذلك، إذ لم يحل الوجهين منها العقل، وهذا مذهب الإمام
أبي المعالي إمام الحرمين وكذا الغزالي والآمدي.
وقال آخرون: كان عاملاً بشرع من قبله. ثم اختلفوا: هل
يتعين ذلك الشرع أم لا؟ فوقف بعضهم عن التعيين وأحجم، وجسر
بعضهم على التعيين وصمم، ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع
(١) كذا في ش، وفي النسخ: فأولى، وسقطت الكلمة من ب.
(٢) أي اعتني واهتم به .
- ١١ -

فقيل نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى.
فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة. والأظهر فيها ما ذهب إليه
القاضي أبو بكر (١)، وأبعدها مذاهب التعيين، إذ لو كان شيء من
ذلك لنقل - كما قدمناه - ولم يخف جملة، ولا حجة لهم في أن عيسى
عليه السلام آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعده، إذ لم يثبت
عموم دعوة عيسى، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا
وَله. انتهى ملخصاً من كلام القاضي عياض، وهو كلام حسن بديع،
لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقي منها شيء، فقد
قيل شريعة آدم أيضاً، وهو محكي عن ابن برهان، وقيل جميع
الشرائع. حكاه صاحب ((المحصول)) من المالكية.
وأما [قول](٢) من قال: إنه * كان على شريعة إبراهيم،
وليس له شرع منفرد به، وأن المقصود من بعثته وَلّ إحياء شرع
إبراهيم، وعول في إثبات مذهبه على قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن
اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾(٣) فهذا قول ساقط مردود، لا يصدر مثله إلا
عن سخيف العقل كثيف الطبع.
وإنما المراد بهذه الآية الاتباع في التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم
عليه السلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: ﴿أن
اتبع﴾ كان المراد منه ذلك. ومثله قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده﴾(٤) وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ولم يكن له
(١) أي الباقلاني، وهو قول الجمهور.
(٢) في ط، ش.
(٣) سورة النحل، الآية ١٢٣ .
(٤) سورة الانعام، الآية ٩٠.
- ١٢ -

شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب. على قول من يقول / إنه ليس ٣٢١/أ
برسول. وقد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية وشرائعهم
مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من
التوحيد وعبادة الله تعالى.
فإن قيل: النبي بَّ إنما نفى الشرك وثبت التوحيد بناء على
الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعاً لأحد، فيمتنع حمل
قوله: ﴿أن اتبع﴾ على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي يصح
حصول المتابعة فيها.
أجاب الفخر الرازي: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته
في كيفية الدعوة (١) إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق
والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو
الطريقة المألوفة في القرآن.
وقد قال صاحب الكشاف: لفظة ((ثم)) في قوله: ﴿ثم أوحينا
إليك﴾ تدل على تعظيم منزلة رسول الله والر واجلال محله، فإن أشرف
ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول
الله وَ لّ ملته، من قِبَل أن هذه اللفظة دلت على تباعد النعت في المرتبة
على سائر المدائح التي مدحه الله بها، انتهى.
ومراده بالمدائح : المذكورة في قوله: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله
حنيفاً ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط
مستقيم، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾(٢).
(١) كذا في ش، وهو الصواب، وفي النسخ: الدعوى.
(٢) سورة النحل، الآية ١٢٠ .
- ١٣ -

وقال ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف
تلك العبادة؟ وأي أنواعها هي؟ وعلى أي وجه فعلها؟ يحتاج ذلك
لنقل. ولا استحضره الآن. انتهى.
وقال شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري: لم تجىء في
الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده رَلير، لكن روى ابن إسحاق
وغيره أنه وهيّ كان يخرج إلى حراء في كل عام شهراً من السنة يتنسك
فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من
المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف
بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر.
قال(١): وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع: وهي
الانعزال عن الناس، كما صنع إبراهيم عليه السلام باعتزاله قومه
والانقطاع إلى الله تعالى، فإن ((انتظار الفرج عبادة))، كما رواه علي بن
أبي طالب مرفوعاً(٢)، وينضم إلى ذلك الأفكار، وعن بعضهم: كانت
عبادته وَّة في حراء التفكر. انتهى.
وقد آن أن أشرع فيما قصدته على النحو الذي أردته. وقد
اقتصرت من عباداته على سبعة أنواع:
(١) أي البلقيني.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي والديلمي.
- ١٤ -

النّوع الأوّل
في الطهارة
وفيه فصول:
- ١٥ -

الفصل الأول
في ذكر وضوئه يتمالتر وسواكه
ومقدار ما كان يتوضأ به
أعلم أن الوضوء، بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ
به، على المشهور فيهما، وهو مشتق من الوضاءة، وسمي به لأن المصلي
يتنظف به فيصير وضيئاً.
[النية في الوضوء]
وقد استنبط بعض العلماء - كما حكاه في فتح الباري - إيجاب
النية في الوضوء من قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾(١)
لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها. ومثله
قوله: إذا رأيت الأمير فقم، أي، لأجله.
وقال ابن القيم: لم يروَ أنه وَّ كان يقول في أول وضوئه نويت
رفع الحدث ولا غيرها، لا هو ولا أصحابه ألبتة، ولم يروَ عنه لا
بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى
قالت: أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روي عنه وَليو، وأما كونه
أتي بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في ((المعالم)): اعلم أنا إذا
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
- ١٧ -

أردنا أن نقول في أمر من الأمور: هل فعله الرسول وَله؟ قلنا في إثباته
طرق :
الأول: أنا إذا أردنا أن نقول إنه وَالر توضأ مع النية والترتيب،
٣٢١/ب قلنا: لا شك أن / الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم
الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول
عمره، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، ولم يثبت عندنا أنه أتى
بالوضوء العاري عن النية والترتيب، والشك لا يعارض اليقين، فثبت
أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، فوجب أن يجب علينا مثله.
والطريق الثاني: أن نقول: لو أنه وال ترك النية والترتيب وجب
علينا تركه للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا
ترکه ثبت أنه ما تركه، بل فعله.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعاً (إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
قال البخاري: ((فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة
والحج والصوم والأحكام)).
وأشار بذكر(١) الوضوء إلى خلاف من لم يشترط فيه النية، كما
نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما. وحجتهم: أنه ليس عبادة
مستقلة، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة.
ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية.
واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة
(١) في ط: بذلك.
- ١٨ -

المصرحة بوعد الثواب عليه، فلا بد من قصد يميزه ليحصل الثواب
الموعود به.
[حكم النية في الأعمال]
وقوله: (إنما الأعمال بالنيات). ليس المراد منه نفي ذات العمل
لأنه قد يوجد بغير نية، بل المراد نفى أحكامها كالصحة والكمال.
ولكن الحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن
اللفظ دل على نفي الذات بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما
منع الدليل نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة.
قال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا: صحة
الأعمال، والذين لم يشترطوها قدروا: كمال الأعمال. ورجح الأول لأن
الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى.
وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية،
وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل، وأما المقاصد فلا
اختلاف بينهم في اشتراط النية لها. ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها
للوضوء كما تقدم، وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضاً.
نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل كما هو معروف في
مبسوطات الفقه.
وأما قوله - أي البخاري - ((فدخل فيه الإيمان))، فتوجيه دخول
النية في الإيمان على طريقة البخاري: أن الإيمان عمل، وأما الإيمان
بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب، من خشية الله
وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة لله فلا تحتاج إلى نية تميزها،
لأن النية إنما تميز العمل لله عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال
كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحمية.
- ١٩ -

وقوله أيضاً: ((والأحكام)) أي المعاملات التي يدخل فيها
الاحتياج إلى المحاكمات فتشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها،
وكل صورة لم تشترط فيها النية فذلك لدليل خاص(١).
[قاعدة في اشتراط النية]
وقد ذكر ابن المنير ضابطاً - لما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه -
فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب
فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتقاضته الطبيعة
قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى
آخر يترتب عليه الثواب.
قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط
التفرقة .
قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا
يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منوياً، ومتى فرضت
النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي.
وأما الأقوال، فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن: أحدها،
التقرب إلى الله تعالى فراراً من الرياء، والثاني: التمييز عن الألفاظ
١/٣٢٢ المحتملة لغير / المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق
اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢).
[متى فرض الوضوء؟]
وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء:
(١) عن فتح الباري ١٣٥/١ - ١٣٦.
(٢) فتح الباري ١٣٦/١.
- ٢٠ -