النص المفهرس

صفحات 521-540

عن أنس مرفوعاً: جزء من ستة وعشرين جزءاً. ووقع في شرح مسلم
للنووي وفي رواية عبادة: أربعة وعشرين.
والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووي،
وأكثرها: من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها
إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي ◌َّر أن الرؤيا جزء من
أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعاً على الغيب من وجه ما، وأما
تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة.
وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً،
فقد جعل الله للعالم حداً يقف عنده، فمنه ما يعلم به المراد جملة
وتفصيلاً، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل.
وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل
ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن الله
تعالى أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في
اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة
وأربعين جزءاً، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثاً وعشرين سنة على
الصحيح .
قال ابن بطال: هذا التأويل بعيد من وجهين:
أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثته
والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءاً بغير معنى.
وهذا الذي قاله من الإنكار في هذه المسألة سبقه إليه الخطابي
فقال: كان بعض أهل العلم يقولون في تأويل هذا العدد قولاً لا يكاد
- ٥٢١ -

يتحقق، وذلك أنه * أقام بعد الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، وكان
يوحى إليه في منامه ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة
وأربعين جزءاً من النبوة. قال الخطابي: وهذا وإن كان وجهاً تحتمله
قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يثبت ما ادعاه
خبراً، ولم نسمع فيه أثراً ولا ذكر مدعيه في ذلك خبراً، فكأنه قاله على
سبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً. وليس كل ما خفي علينا
علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمي الجمرات،
فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم
يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا في المناسبات غير
ذلك مما يطول ذكره.
[أصدق الرؤيا]
وعن أبي سعيد عن النبي وَّ قال: أصدق الرؤيا بالأسحار.
رواه الترمذي والدارمي .
وروى مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صَلّ قال: (إذا
اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم
حديثاً).
قال الخطابي في ((المعالم)) في قوله: ((إذا اقترب الزمان)) قولان:
١/٣١٠
أحدهما: أن يكون / معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو
وقت استهوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع
غالباً، قال: والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال
الليل والنهار وإدراك الثمار.
- ٥٢٢ -

والثاني: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة .
وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي
تعتدل فيه الطبائع لا يختص به.
وجزم ابن بطال بأن الثاني هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه
الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: في آخر
الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن.
وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة
الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه
فتتقارب أطرافه .
وقال القرطبي في ((المفهم)): المراد - والله أعلم - بآخر الزمان
المذكور في الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى بن مريم - عليهما
السلام - بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً
بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالاً، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن
ثم قال عقب هذا: وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، وإنما كانت
كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوي إدراكه، وانتقشت فيه
المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق في
يقظته فإنه يستصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقاً، وهذا بخلاف
الكاذب والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطاً
وأضغاثاً، وقد يندر المنام أحياناً، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى
الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصاً.
[آداب الرؤيا]
وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله وَله: (إذا رأى
- ٥٢٣ -

أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها،
وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من
شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره) رواه البخاري .
وفي رواية لمسلم: (ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا
وكره منها شيئاً فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر
بها أحداً، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب).
وقوله: ((فليبشر)) بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة،
من البشرى.
وفي حديث أبي رزين عند الترمذي: ولا يقصها إلا على وادّ . -
بتشديد الدال، اسم فاعل من الود - أو ذي رأي. وفي أخرى(١): ولا
يحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً. وفي أخرى: لا تقص رؤياك إلا على عالم
أو ناصح .
وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: فليحمد الله عليها وليحدث بها.
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد
الله عليها، وأن يبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من
يكره.
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن
يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه،
ولا يذكرها لأحد أصلاً. في البخاري من حديث أبي هريرة خامسة:
وهي الصلاة، ولفظه: (فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد
(١) للترمذي أيضاً.
- ٥٢٤ -

وليقم فليصل. لكن لم يصرح البخاري بوصله، وصرح به مسلم،
وزاد مسلم سادسة: وهي التحول من جنبه الذي كان عليه فقال:
عن جابر رفعه: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره
ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان
عليه .
قال النووي: وينبغي أن تجمع هذه الروايات/ كلها، ويعمل ٣١٠/ب
بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزا في رفع ضررها كما
صرحت به الأحاديث.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لم ير في شيء من الأحاديث
الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة
كافية في دفع شرها. انتهى.
ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قاله القرطبي، لأنه إذا
قام يصلي تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء،
واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله
شرها .
وذكر بعضهم سابعة: وهي قراءة آية الكرسي، ولم يذكر لذلك
مستنداً، فإن أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة(١): (ولا يقربك
شيطان) فيتجه، قال: وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة.
[حكمة ما ورد بشأن الرؤيا]
وحكمة التفل - كما قال القاضي عياض - أمر به طرداً للشيطان
(١) عند البخاري: (إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم
الآية .. ولن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح).
- ٥٢٥ -

الذي حضر الرؤيا المكروهة، تحقيراً له واستقذاراً، وخصت به اليسار
لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد.
وقد ورد التفل والنفث والبصق، قال النووي في الكلام على
النفث على الرقية - تبعاً للقاضي عياض - : اختلف في التفل والنفث،
فقيل: هما بمعنى واحد ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد: يشترط
في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل عكسه. وسئلت
عائشة عن النفث في الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق
معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء
في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه.
قال القاضي: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس
المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من
الذكر والأسماء.
وقال النووي أيضاً: وأكثر الروايات في الرؤيا ((فلينفث)) وهو
النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازاً.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب في الموضعين مختلف،
لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا
طرد الشيطان، وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما
تقدم .
فالذي يجمع الثلاثة، الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق
لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له
بصق .
وأما قوله: ((فإنها لا تضره)) فمعناه - كما قاله النووي - : أن الله
- ٥٢٦ -

تعالى جعل ما ذكر سبباً للسلامة من المكروه المرتب على الرؤيا، كما
جعل الصدقة وقاية للمال.
وأما التحول، فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها.
والحكمة في قوله في الرؤيا الحسنة: ((ولا يخبر بها إلا من يجب))
لأنه إذا حدث بها من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب، إما بغضاً
وإما حسداً، فقد تقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك
حزناً ونكداً، فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك.
[الرؤيا والعابر الأول]
وقد روي من حديث أنس مرفوعاً: الرؤيا لأول عابر. وهو
حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشي، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود
والترمذي وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم عن أبي رزين
العقيلي رفعه: الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت.
وعند الدارمي(١) بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة
قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف في التجارة،
فأتت رسول الله وَّير فقالت: إن زوجي غائب، وتركني حاملاً، فرأيت
في منامي أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاماً أعور، فقال: خير
يرجع زوجك إن شاء الله تعالى صالحاً، وتلدين غلاماً برّاً، فذكرت
(١) عبدالله بن عبد الرحمن السمرقندي، الحافظ، صاحب المسند، شيخ مسلم
وأبي داود والترمذي وغيرهم، ثقة متقن فاضل، مات سنة خمس وخمسين
ومائتین .
- ٥٢٧ -

ذلك ثلاثاً(١)، فجاءت ورسول الله وَالر غائب، فسألتُها(٢) فأخبرتني
١/٣١١ بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين / غلاماً
فاجراً، فقعدت تبكي، فجاء رسول الله وَالتر فقال: مه يا عائشة، إذا
عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما
يعبرها صاحبها(٣).
وعند سعيد بن منصور بن مرسل عطاء بن أبي رباح: جاءت
امرأة إلى رسول الله بهله فقالت: إني رأيت كأن جائزة بيتي (٤)
انكسرت، وكان زوجها غائباً، فقال: رد الله عليك زوجك، فرجع
سالماً، الحديث.
قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله: ((الرؤيا لأول عابر)) إذا كان
العابر الأول عالماً، فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب
بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام ليتوصل
بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب فلا ينبغي
أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده
ويبين ما جهل الأول. هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره.
[من آداب المعبر]
ومن آداب المعبر، ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى
(١) لتتأكد وتطمئن.
(٢) أي سألتها عائشة عن سبب تعدد مجيئها.
(٣) أي العابر الذي تقص عليه.
(٤) أي ساریته.
- ٥٢٨ -

أبي موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا
وشر لأعدائنا. ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع.
وفي حديث ابن زمل عند الطبراني والبيهقي في الدلائل: لما
قص على النبي ◌ََّ رؤياه، فقال ◌َّ: خير تتلقاه وشر تتوقاه، وخير لنا
وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص علي رؤياك.
الحديث، وسنده ضعيف جداً، ويأتي إن شاء الله تعالى.
ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند
غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل، وأن لا يقصها على امرأة،
لكن ثبت أنه سيّ كان إذا صلى الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة
رؤيا، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصون،
وبوب عليه البخاري: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر
عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقص رؤياك
على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على
من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع
الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل الغروب، فإن الحديث دل
على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، فلا يخالف قولهم بكراهة
تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلب(١): تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من
(١) المهلب: أبو القاسم بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي الأندلسي،
من العلماء الراسخين في الفقه والحديث والعبادة، أحيا صحيح البخاري
بالأندلس وشرحه، مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة .
- ٥٢٩ -

الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له
نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه،
وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير ويحذر من
الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فكيف
عنها، وربما كانت إنذاراً لأمر فيكون له مترقباً. قال: فهذه عدة فوائد
لتعبير الرؤيا أول النهار. قاله في فتح الباري.
[آداب الرائي]
وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادق اللهجة،
وأن ينام على وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس،
والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إني
أعوذ بك من سيء الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في
اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير
منسية، اللهم أرني في منامي ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا
جاهل.
[أنواع المرائي]
إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين:
• أضغاث أحلام وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع:
الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع
رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو
ذلك. وروى مسلم عن جابر: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، إني
- ٥٣٠ -

حلمت أن رأسي / قطع وأنا أتبعه، فزجره وَله وقال: لا تخبر بتلعب ٣١١/ب
الشيطان بك في المنام .
الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات
ونحوه من المحال عقلاً.
الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في
المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو ما يغلب على
مزاجه ويقع على المستقبل غالباً، وعن الحال كثيراً، وعن الماضي
قليلاً.
· القسم الثاني: الرؤيا الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء، ومن
تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في
اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، وقد وقع لنبينا نَّ من الرؤيا
الصادقة التي كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد.
قالت عائشة: أول ما بدىء به رسول الله وح لول من الوحي الرؤيا
الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الحديث رواه البخاري .
وفي رواية(١): الرؤيا الصالحة.
وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما
بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص. فرؤيا النبي وَلّ
كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى
الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، فإنه رَّ رأى بقراً تذبح، ورأى
(١) هي للشيخين كالتي قبلها.
- ٥٣١ -

في سيفه ثلماً، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذي في
سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد
ذلك النصر والفتح على الخلق أجمعين.
وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة
بأنها التي لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث
فالصالحة أخص مطلقاً.
وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في ((التعبير القادري)):
الرؤيا الصالحة ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به من لا
يكذب، والصالحة ما فسر.
[درجات الناس في الرؤيا]
وأعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاث درجات:
الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ورؤياهم كلها صدق،
وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما
يحتاج إلى تعبير.
ومن عداهم، يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على
ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة
فالغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار: ويندر في
رؤياهم الصدق جداً، ويشير إلى ذلك قوله وَله: وأصدقهم رؤيا
أصدقهم حديثاً، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
- ٥٣٢ -

وقد وقعت الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي
السجن مع يوسف عليه السلام، ورؤيا ملكهما وغير ذلك.
وقد روى الإمام أحمد مرفوعاً، وصححه ابن حبان من حديث
أبي سعيد: أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب
الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطىء تأويلها، ومن النصف الثاني
يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلاً رؤيا السحر، ولا سيما
عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلاً رؤيا القيلولة،
وعن محمد بن سيرين: رؤيا النهار مثل رؤيا الليل، والنساء مثل
الرجال، وعن القيرواني: أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلاً فهو
لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه.
[من مرائيه {و ◌َلا]
[شرب اللبن]
ومن مرائيه الكريمة وَله: شربه اللبن وتعبره بالعلم، كما في
حديث ابن عمر عند البخاري قال: سمعت رسول الله وسلم يقول:
بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج
من أظفاري، ثم أعطيت فضلي، يعني عمر، قالوا: فما أولته يا رسول
الله؟ قال: العلم.
وفي/ رواية الكشميهني: من أظافيري، وفي رواية صالح بن
كيسان: من أطرافي.
١/٣١٢
وهذه الرؤية يحتمل أن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن
- ٥٣٣ -

تكون علمية، ويؤيد الأول: ما أخرجه الحاكم والطبراني من طريق أبي
بكر بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث: فشربت
حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم، على أنه محتمل
أيضاً(١).
قال بعض العارفين(٢): الذي خلص اللبن من بين فرث ودم
قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن
اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذي ذكره قد يكون خارقاً للعادة
فيكون من باب الكرامة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول النبي وَل اللبن بالعلم اعتباراً
بما بين له أول الأمر حين أتي بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له
جبريل: أخذت الفطرة، انتهى.
وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه
البزار من حديث أبي هريرة رفعه: اللبن في المنام فطرة.
وذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بلبن الإبل،
وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال
حلال وفطرة أيضاً، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان
الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة
مال مع عداوة لذي أمر.
وفي الحديث: أن علم النبي ◌َّ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه،
لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه .
(١) أي محتمل لأن تكون رؤيا علمية.
(٢) هو القاضي أبو بكر بن العربي.
- ٥٣٤ -

وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من
العلم بالله بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ووجه التعبير في
الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما
سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.
[تعبير القميص بالدين]
ومن ذلك رؤيته وَّل# القميص وتعبيره بالدين.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال:
بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ
الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومرَّ عليَّ عمر وعليه قميص يجره.
قالوا: ما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين، رواه البخاري.
وفي رواية الترمذي الحكيم من طريق أخرى في هذا الحديث،
فقال أبو بكر: علامَ تؤول(١) هذا يا رسول الله.
و((الثدي)) بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدي،
بفتح ثم سكون، والمعنى: أن القميص قصير جداً بحيث لا يستر من
الحلق إلى نحو السرة بل فوقها.
وقوله: ((ومنها ما يبلغ دون ذلك)) يحتمل أن يريد به من جهة
السفل، وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة
العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الترمذي الحكيم
المذكورة: فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى
ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه.
(١) في (ش، د): تأولت.
- ٥٣٥ -

ويجوز النصب في قوله ((الدين)) والتقدير: أولته الدين، ويجوز
الرفع .
وفي رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان.
وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة
في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل
فيه قوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾(١).
واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل
على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربي: إنما أول ردَله
القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر القميص
٣١/ب عورة البدن. قال: وأما غير عمر فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي /
يستر قلبه عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصي، والذي كان يبلغ أسفل
من ذلك وفرجه بادٍ هو الذي لم يستر رجله عن المشي إلى المعصية،
والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذي
يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
وأشار العارف ابن أبي جمرة: إلى أن المراد بالناس في الحديث:
المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: والذي يظهر أن المراد
خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل
بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في
ذلك المقام العالي.
قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى في القميص من
حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه، قال: والنكتة في القميص أن
(١) سورة الأعراف، الآية ٢٦.
- ٥٣٦ -

لابسه إذا اختار نزعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس
الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الأثواب، ومن لا فلا،
وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص
العمل.
وفي الحديث: أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة
والكثرة، وبالقوة والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في
اليقظة شرعاً، أعني جر القميص، لما روي من الوعيد في تطويله.
[سواران من ذهب]
ومن ذلك رؤيته ◌َّ السوارين الذهب في يده الشريفة وتعبيرهما
بالكذابين .
روى البخاري عن عبيدالله بن عبدالله قال: سألت عبدالله بن
عباس عن رؤيا النبي ◌َّر التي ذكر فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول
الله وَّ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت أنه وضع في يديّ سواران من
ذهب فقطعتهما وكرهتهما، فأُذِنَ لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين
يخرجان. فقال عبيدالله: أحدهما العنبسي الذي قتله فيروز باليمن،
والآخر مسيلمة .
وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين: بينا أنا نائم إذ أوتيت
خزائن الأرض فوضع في يديّ سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني،
فأوحي إلي أن أنفخهما، فأولتهما الكذابين أنا بينهما، صاحب صنعاء
وصاحب اليمامة .
قال المهلب: هذه الرؤيا ليست على وجهها، وإنما هي ضرب
من المثل، وإنما أول النبي وَلّر السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع
- ٥٣٧ -

الشيء في غير موضعه، فلما رأى في يديه سوارين من ذهب وليسا من
لبسه، لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس
له. وأيضاً: ففي كونهما من ذهب، والذهب منهي عن لبسه، دليل
على الكذب، وأيضاً: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء
يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا، فعرف أنه لا
ينسب إليهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما من
موضعهما.
وقال ابن العربي: كان النبي وَل يتوقع بطلان أمر مسيلمة
والعنسي، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجاً للمنام عليهما، فإن
الرؤيا إذا عبرت خرجت. ويحتمل أن يكون بوحي.
والمراد بـ ((خزائن الأرض)) التي ذكر، ما فتح على أمته من
الغنائم، ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض
التي فيها الذهب والفضة.
وقال القرطبي: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية
النساء، ومما حرم على الرجال، وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال
أمرهما، ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا، أن أهل صنعاء وأهل اليمامة
كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر الكذابان،
وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم
بذلك، فكأن اليدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين،
وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا، والزخرف من أسماء الذهب.
١/٣١٣
وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير/، فإن كان إلى جهة السماء
تعريجاً ناله ضرر، فإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق
من مرضه، وإن كان يطير عرضاً سافر ونال رفعة بقدر طيرانه.
- ٥٣٨ -

[المرأة السوداء الثائرة الرأس]
ومن ذلك: رؤيته وَله المرأة السوداء الثائرة الرأس، وتعبيرها
بنقل وباء المدينة إلى الجحفة.
روى البخاري من حديث عبدالله بن عمر، أن النبي وَلّ قال:
رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة
- وهي الجحفة - فأولت أن وباء المدينة نقل إليها.
وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه
التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما
جمع اسمها، وتأول من ثوران شعرها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج
من المدينة .
وقال القيرواني من أهل التعبير: كل شيء غلبت عليه السوداء
في أكثر وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى
لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء فإنها
أكثر استيحاشاً.
[درع حصينة وبقر تنحر]
ومن ذلك: رؤيته وَالر أنه في درع حصينة وبقراً تنحر وتعبير
ذلك.
عن أبي موسى عن النبي وَلّ قال: رأيت في المنام أني أهاجر من
مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي(١) إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا
(١) أي وهمي واعتقادي. وهي في (١): ذهني.
- ٥٣٩ -

هي المدينة يثرب، ورأيت فيها بقرأً، والله خير، فإذا هم النفر من
المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب
الصدق الذي أتانا(١) بعد يوم بدر. رواه البخاري ومسلم.
وروى الإمام أحمد وغيره عن جابر: أن النبي ◌َّ قال: رأيت
كأني في درع حصينة، ورأيت بقراً تنحر، فأولت الدرع الحصينة
بالمدينة، والبقر بَقْراً.
وهذه اللفظة الأخيرة وهي ((بقر)) بفتح الموحدة، وسكون القاف،
مصدر بقره يبقره بقراً.
ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد
أيضاً والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن
عبيدالله بن عبدالله (٢) بن عتبة عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة
النبي ◌َّ عليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب
الشهادة، ولبسه اللأمة(٣) وندامتهم على ذلك، وقوله مَّ: لا ينبغي
النبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، وفيه: إني رأيت أني في
درع حصينة الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت
الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول.
والمراد بقوله: ((وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق
الذي أتانا الله بعد يوم بدر)) فتح خيبر ثم مكة، أي ما جاء الله به
بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.
(١) سقط من قلم المصنف لفظ الجلالة هنا (الله) وهو ثابت في الصحيحين.
(٢) ابن عبدالله، سقطت من (١).
(٣) الدرع.
- ٥٤٠ -