النص المفهرس
صفحات 501-520
البرودة، وكذا للقمل وما في معنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى. وتعقب قوله: ((لما فيه من البرودة)) بأن الحرير حار. والصواب: أن الحكمة فيه إنما هي لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل. وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخناً للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه. وقال الرازي: الابريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، يربي اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفىء وملابس الكتان والحرير والقطن تدفىء ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير ليس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة، لأن الحكة - كما قدمته - لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص وَلو لهما في الحرير لمداواة الحكة. ذكر طبه ◌َّ من السم الذي أصابه بخيبر تقدم في غزوتها قصة اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر / عن الزهري، عن عبد الرحمن بن ٣٠٦/ب كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبي وملفر شاة مصلية بخيبر، فقال: ما هذه؟ قالت: هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل. فأكل النبي وَلّر وأكل أصحابه، ثم قال: أمسكوا، ثم قال للمرأة: - ٥٠١ - هل سميت هذه الشاة؟ قالت من أخبرك؟ قال: هذا العظم، لساقها، وهو في يده، قالت: نعم، قال: لم؟ قالت: أردت إن كنت كاذباً أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبياً لم يضرك. قال: فاحتجم النبي وَ لتر ثلاثاً على كاهله. وقد ذكروا في علاج السم أنه يكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء الكلي، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حاراً، فإن القوة السمية تسري في الدم، فتبعثه في العروق والمجاري، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغاً تاماً لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه. ولما احتجم برَّ احتجم على الكاهل، لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجاً كلياً بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلاً وشرفاً. - ٥٠٢ - النوع الثالث في طبه وَالر بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية ذكر طبه وَ له من القرحة والجرح وكل شكوى عن عائشة أن رسول الله وسل ◌ّ كان يقول للمريض: بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا(١). وفي رواية: كان يقول في الرقية [بسم الله](٢) تربة أرضنا، وريقة(٣) بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا. رواه البخاري. وفي رواية لمسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث(٤). وقوله: ((تربة أرضنا)) خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا. وقوله: ((يشفى سقيمنا)): ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء (١) رواه البخاري. وهذه الرواية لم ترد في ط. (٢) في ش. (٣) الريق: الرضاب وماء الفم. (٤) تتمته: ثم رفعها وقال: بسم الله .. فذكره. - ٥٠٣ - للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية. قال النووي: معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به على الموضع العليل أو الجرح قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح. وقال القرطبي : زعم بعض الناس أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرىء الموضع الذي به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع . وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله وَله. وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة. وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلاً في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب / أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئاً منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها. ١/٣٠٧ وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأنه - ٥٠٤ - تضرع بلسان الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. وقال النووي: وقيل المراد ((بأرضنا)) أرض المدينة لبركتها، و((بعضنا)) رسول الله وَل﴿ لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصاً. وفيه نظر(١). وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي: أن النبي ◌َّ دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: اكشف الباس رب الناس، ثم أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه. قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي . ذكر طبه وَله من لدغة العقرب: عن عبدالله بن مسعود قال: بينا رسول الله وَل يصلي إذا سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله وصله وقال: لعن الله العقرب، ما تدع نبياً ولا غيره، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى رسول الله وَّر من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع بماء فيه ملح. وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة، التي هي مجامع التوحيد، وفي المعوذتين (١) إذ لا دليل على التخصيص. - ٥٠٥ - استعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً. ولهذا أوصى وضّيّ عقبة بن عامر أن يقرأهما عقب كل صلاة. رواه الترمذي. وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: ما تعوذ المتعوذون بمثلهما(١). وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعاً لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة ما يجذب السموم ويحللها، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل وَّ الماء والملح لذلك. ذكر الطب من النملة وهي بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن ملة تدب عليه وتعضه. وفي حديث مسلم عن أنس أنه وَله رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة. وروى الخلال أن الشفاء بنت عبدالله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي وَ ال# وكانت بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، وأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحداً، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: ترقي بها على عود (١) رواه أبو داود بلفظ (يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما) برقم ١٤٦٣ [م]. - ٥٠٦ - سبع مرات، وتقصد به مكاناً نظيفاً وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة(١). ذكر طبه وَله من البثرة روى النسائي عن بعض أزواج النبي وه لر قال: عندك ذريرة (٢)؟ قلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: اللهم مطفىء الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عني، فطفئت. ذكر طبه وَ له من حرق النار روى النسائي عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدراً، فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي إلى النبي ◌َّ ، فقال: أذهب الباس رب الناس، قال: وأحسبه قال: واشف أنت الشافي وتفل. ذكر طبه وَله بالحمية وهي قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله . فالأولى: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى / وقف مرضه ٣٠٧/ب عن التزايد، وأخذت القوى في دفعه. (١) أخرجه أبو نعيم. (٢) المخاطب عائشة، كما في التقريب. والذريرة: نوع من الطيب. - ٥٠٧ - والأصل في الحمية قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾(١) فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد. وقد قال بعض أفاضل الأطباء: رأس الطب الحمية. والحمية للصحيح عندهم في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه(٢)، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض. والفاكهة تضر الناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي وَ لّر وبين يديه خبز وتمر، فقال: ادن وكل، فأخذت تمراً فأكلت، فقال أتأكل تمراً وبك رمد؟ فقلت يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله وَالله . ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر. وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل علي رسول الله حَر ومعه علي، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال(٣) معلقة، فقام رسول الله ◌َلو يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق النبي وَّل يقول لعلي: إنك ناقه، حتى كف. قالت: وصنعت شعيراً وسلقاً فجئت به فقال وَل* لعلي: من هذا أصب فإنه أنفع لك، رواه ابن ماجه. (١) سورة النساء، الآية ٤٣. (٢) أي الذي برىء من المرض لكنه في عقبه. (٣) أشجار عنب. - ٥٠٨ - وإنما منعه وَلّ من أكله من الدوالي لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء، لكي يمتنع تزايده وانتشاره . قال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيراً مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة يتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناوله ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء. ولهذا أقر النبي وَلّ صهيباً وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففي هذا الحديث - يعني حديث صهيب - سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضرراً مما لا يشتهيه عن جوع صادق وإن كان نافعاً في نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك بالعكس. ذكر حمية المريض من الماء عن قتادة بن النعمان أن رسول الله و لير قال: إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. قال الترمذي حديث حسن غريب. وروى الحميدي مرفوعاً: لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم. - ٥٠٩ - وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعاً: من شرب الماء على الريق انتقصت قوته. وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف. ذكر أمره والر بالحمية من الماء المشمس خوف البرص روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص(١). وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعاً من حديث عامر عن النبي رَالر ، وهو ضعيف. وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر. ١/٣٠٨ فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعاً خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطاً: أن يكون في البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفي الأواني المنطبعة (٢) على الأصح دون الحجر / والخشب ونحوهما. واستثني النقدان لصفائهما. وقال الجويني بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطعاً، وأن يكون الاستعمال في البدن لا في الثوب، وأن يكون مستعملاً حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة في الأصح، في الروضة وصحح في الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب - كما قاله الجيلي - أن يكون رأس الإناء منسداً لتنحبس الحرارة، وفي شرح المهذب أنها(٣) (١) إسناده صحيح . (٢) التي تتأثر وتمتد تحت المطرقة كحديد ونحاس. (٣) أي كراهة المشمس. - ٥١٠ - شرعية يثاب تاركها وقال في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبري: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووي في الروضة عدم الكراهة مطلقاً، وحكاه الروياني في البحر عن النص(١). ذكر الحمية من طعام البخلاء عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله وَ له قال: طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء. رواه التنيسي عن مالك في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في الأحكام. ذكر الحمية من داء الكسل روى أبو داود في المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنه رآه مضطجعاً في الشمس، قال يونس فنهاني وقال: بلغني أن رسول الله وَ ل قال: إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين. ذكر الحمية من داء البواسير عن الحسن قال قال رسول الله وَ له لا يجامعن أحدكم وبه حقن(٢) خلاء، فإنه يكون منه البواسير، رواه أبو أحمد والحاكم. (١) أي نص الإمام الشافعي. (٢) أي احتباس بول زائد محوج إلى الخروج إلى الخلاء. - ٥١١ - ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بانغماس الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَالتر قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء(١). وفي رواية أبي داود (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فلیغمسه کله). وفي رواية الطحاوي: فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء. وفي قوله ((كله)) دفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا(٢): لم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء. وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعاً: عمر الذباب أربعون ليلة. والذباب كله في النار إلا النحل. وسنده لا بأس به. قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيباً له بل ليعذب أهل النار به، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفاداً، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكان ألحت عليه ذبابة. وقال (١) رواه البخاري. (٢) الحافظ ابن حجر في فتح الباري. - ٥١٢ - الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه. ذكر أمره وَله بالحمية من الوباء النازل في الإناء بالليل بتغطيته عن جابر قال: قال رسول الله وَالل غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء. رواه مسلم في صحيحه . قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية. ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي(١) قال: نهى رسول الله وَّل أن نسترضع الحمقاء، فإن اللبن يشبه(٢). وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعاً: الرضاع يغير الطباع(٣). وعند ابن حبيب أيضاً مرفوعاً: أنه نهى عن استرضاع / ٣٠٨/ بـ الفاجرة . وعن عمر بن الخطاب: أن اللبن ينزع لمن تسترضع. (١) مجهول ويقال هو مولى عمرو بن العاص. (٢) أي يورث شبهاً بين الرضيع والمرضعة. (٣) فيه صالح بن عبد الجبار. قال في الميزان: أتى بخبر منكر جداً وساق هذا الحديث. وفيه عبد الملك بن مسلمة ضعيف. - ٥١٣ - [الحمية من البرد ] وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد فإنه قتل أبا الدرداء. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه. فإن كان وارداً فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبي دهراً. انتھی . وأما ما اشتهر أيضاً: أصل كل داء البردة، فقال شيخنا(١): رواه أبو نعيم والمستغفري معاً في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام: ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين. ولأبي نعيم أيضاً من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبدالله ابن علي بن زحر عن ابن عباس مرفوعاً مثله. ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رفعه: أصل كل داء من البردة. وقد قال الدارقطني عقب حديث أنس من علله: (٢) عباد بن منصور عن الحسن من قوله(٣)، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشري في ((الفائق)) من كلام ابن مسعود. قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة ((البردة)) يعني بإسكان الراء، والصواب ((البردة)) يعني بالفتح، وهي التخمة، (١) السخاوي في المقاصد. (٢) سقط من قلم المصنف هنا (وقد رواه) وهو ثابت عند شيخه. (٣) أي من قول الحسن أي ليس مرفوعاً [م]. - ٥١٤ - لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من ((برد) إذا ثبت وسكن. وقد أورد أبو نعيم مضموماً لهذه الأحاديث، حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن ميناء عن أبي هريرة رفعه: استدفئوا من الحر والبرد. وكذا أورد المستغفري مع ما عنده منها حديث اسحاق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: إن الملائكة لتفرح بفراغ البرد عن أمتي، أصل كل داء البرد. وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكي عن اللغويين في كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى. - ٥١٥ - الفصل الثاني في تعبيره ال# الرؤيا [حقيقة الرؤيا] يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك. وأما ((الرؤيا)) بوزن فعلى - وقد تسهل الهمزة - فهي ما يراه الشخص في منامه . قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد على بد ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليطاً. وذهب أبو بكر بن الطيب(١): إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائراً مثلاً، وليس هذا إدراكاً، فوجب أن يكون اعتقاداً، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربي: والأول أولى، والذي ذكره ابن الطيب من قبيل المثل (٢) فالإدراك يتعلق به لا بأصل الذات. (١) هو الباقلاني. (٢) في ش: التمثيل. - ٥١٦ - وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا(١) إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره. وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فساداً من الأول، لكونه تحكماً لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش (٢) فيها. قال(٣): والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان/، فإذا خلقها جعلها علماً على أمور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف. وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة ١/٣٠٩ (١) كذا في النسخ بالإفراد، وفي ش: الروايا. قال في القاموس: جمعها رؤى [م]. (٢) في ش: لا انتقاش. (٣) أي المازري، فما زال الكلام نقلاً عنه. - ٥١٧ - الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله. [حدیثان ضعیفان] وأخرج الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه قال: لقي عمر علياً فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول الله وسلم يقول: ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلىء نوماً إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي صدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب. قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف(١). وذكر ابن القيم حديثاً مرفوعاً غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به في المنام. ووجد الحديث للترمذي في ((نوادر الأصول)) من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والسبعين (٢)، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه، وفي سنده جند ابن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة. [قول الحكيم الترمذي] قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾(٣) أي في المنام. (١) أي لم يصرح الحاكم بأنه صحيح. (٢) في ش: والتسعين. (٣) سورة الشورى، الآية ٥١ . - ٥١٨ - ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضاً: وكل الله بالرؤيا ملكاً اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثلاً، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغفلته عنها. الرؤيا الصالحة جزء من النبوة وفي البخاري من حديث أنس: أن رسول الله وَل ◌ّه قال: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة). والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلطه عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزءاً من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه وَّ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق . - ٥١٩ - ٣/ب وتعقب بقول مالك - كما حكاه ابن عبد البر - أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب. ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة . وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعاً صوته لا يسمى مؤذناً، وفي حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات). وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعاً: (لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا)، وفي حديث/ ابن عباس عند مسلم وأبي داود: (أنه وُ لّ كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقاً به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقوله: ((من الرجل الصالح)) لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) كذا في أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبي هريرة (جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)، وعنده أيضاً من حديث ابن عمر (جزء من سبعين جزءاً)، وعند الطبراني: جزء من ستة وسبعين، وسنده ضعيف، وعنه عن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت - ٥٢٠ -