النص المفهرس

صفحات 421-440

أوشفاء لما في الصدور﴾(١).
﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ (٢).
﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾(٣).
﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٤).
﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾(٥).
قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من
عقال، أو كما قال.
وانظر رقية اللديغ بـ ((الفاتحة)) وما فيها من السر البديع والبرهان
الرفيع. وتأمل قوله وَ له في بعض أدعيته: ((وأن تجعل القرآن ربيع
قلبي وجلاء حزني، وشفاء صدري))(٦) فيكون له بمنزلة الدواء الذي
يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله.
وفي حديث عند ابن ماجه مرفوعاً: خير الدواء القرآن.
وها هنا أمر ينبغي أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم: وهو أن
الآيات والأذكار والأدعية التي يستشفى بها، ويرقى بها، هي في نفسها
نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره،
فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل(٧)، أو لعدم قبول المحل
(١) سورة يونس، الآية ٧٧ .
(٢) سورة النحل، الآية ٦٠.
(٣) سورة الإسراء، الآية ٨٢.
(٤) سورة الشعراء، الآية ٨٠.
(٥) سورة فصلت، الآية ٤٤.
(٦) رواه الإمام أحمد.
(٧) فيكون كسيف قاطع في يد ضعيف أو جبان.
- ٤٢١ -

المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في
الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة
لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن
الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك
القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان
الدواء في نفس فعالة، وهمة مؤثرة أثر في إزالة الداء.
[الاستشفاء بالدعاء]
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه،
وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه
بأن يكون دعاء لا يجيبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب
وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من
الإجابة: من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب،
واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد روى الحاكم حديث: واعلموا أن
الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه(١).
ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه
ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن،
وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب، والجمعية بالكلية على
المطلوب، وصادف وقتاً من أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير، مع
الخضوع والانكسار، والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة
ورفع اليدين، والبداءة بالحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة/
(١) وكذا رواه الترمذي وقال: غريب، وضعفه النووي والعراقي والحافظ.
- ٤٢٢ -

والتسليم على سيدنا محمد، بعد التوبة والاستغفار والصدقة، وألح في ٢٩٢/ب
المسألة، وأكثر التملق والدعاء، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والتوجه
إليه بنبيه * فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً، لا سيما إن دعاه
بالأدعية التي أخبر وَ لّ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم
الأعظم.
ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في
كل ما ينوب الإنسان.
[الاستشفاء بالرقى]
وأما الرقى (١)، فاعلم أن الرقي بالمعوذات من أسماء الله تعالى،
هو الطب الروحاني، وإذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل
الشفاء بإذن الله تعالى، لكن لما عزَّ هذا النوع(٢)، فزع الناس إلى
الطب الجسماني .
وفي البخاري، من حديث عائشة، (أنه وَلّ كان ينفث(٣) على
نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات وهي الفلق والناس
والإخلاص) فيكون من باب التغليب(٤)، أو المراد الفلق والناس(٥).
(١) الرُقى: جمع رقية، اسم للمرة من التعويذ.
(٢) أي قل لقلة أهله.
(٣) أي ينفخ نفخاً لطيفاً أقل من التفل.
(٤) أي أطلق على سورة الإخلاص اسم التعويذ، وهو الذي اعتمده الحافظ
ابن حجر.
(٥) ويكون ذلك مجازاً، من باب تسمية الجزء باسم الكل، أو بناء على أن أقل
الجمع اثنان .
- ٤٢٣ -

وكذلك(١) كل ما ورد في التعويذ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وقل
رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾(٢).
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود:
أن رسول الله وَ لو كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقى إلا
بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا
يصح حديثه. وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية
بالفاتحة .
وأما حديث أبي سعيد عند النسائي: كان رَّ يتعوذ من الجان
وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما، وحسنه
الترمذي، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على
الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا
عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
واختلفوا في كونها(٣) شرطاً، والراجح أنه لا بد من اعتبارها.
وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك: (كنا نرقي في
(١) أي من الطب الروحاني.
(٢) سورة المؤمنون، الآية ٩٧.
(٣) أي اجتماع الثلاثة.
- ٤٢٤ -

الجاهلية، فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا
علي رقاكم، لا بأس بالرقى إذا لم يكن فيه شرك).
وله من حديث جابر: (نهى رسول الله وَله عن الرقى، فجاء
آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقي
بها من العقرب، قال: فاعرضوها علي، قال: فعرضوا عليه، قال: ما
أرى بأساً، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه)
وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها،
ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى
يؤدي إلى الشرك فإنه يمتنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى
الشرك فيمنع احتياطاً. والشرط الأخير لا بد منه.
وقال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران
ابن حصين: (لا رقية إلا من عين أو حمة(١))(٢).
وأجيب: بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى
الرقية، فيلحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مسّ ونحو ذلك،
لاشتراكهما في كونهما ينشآن عن أحوال شيطانية من إنس أو جن،
ويلحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية.
وقد وقع عند أبي داود من حديث أنس مثل حديث عمران وزاد: (أو
دم)، وفي مسلم من حديث أنس أيضاً (رخص رسول الله وَالهر في
الرقى من العين والحمة والنملة) وفي حديث آخر (والأذن)، ولأبي
(١) الحمة: هي السم وتطلق على إبرة العقرب للمجاورة، وقد تسمى إبرة
الزنبور حمة .
(٢) رواه البخاري موقوفاً على عمران، وكذا رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب
موقوفاً عليه، لكن رواه أبو داود وصححه الحاكم من حديث أنس عن
النبي ◌َّل .
- ٤٢٥ -

وَ لاه قال: (ألا تعلمين
داود من حديث الشفاء بنت عبدالله أن النبي
هذه - يعني حفصة - رقية النملة؟).
والنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد.
وقيل: المراد بالحصر يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع، كما قيل:
لا سيف إلا ذو الفقار (١).
١/٢٩٣
/ وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء،
والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما.
وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن معسود،
رفعه (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
والتمائم: جمع تميمة وهي خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا
في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات.
والتِوَلَة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففاً - شيء كانت المرأة
تستجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر.
وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع
من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه. فقد
ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله
تعالى. ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله سبحانه وتعالى،
والالتجاء إليه سبحانه في كل ما يقع وكل ما يتوقع.
وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم
(١) الذي في (ط، ش): لا سيف أقطع إلا ذو الفقار.
- ٤٢٦ -

وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق
وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين
والاستعانة بهم، والتعوذ من مردتهم، ويقال إن الحية لعداوتها للإنسان
بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية
بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي
بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى
ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف
معناه ليكون بريئاً من الشرك.
وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة.
وقال القرطبي : الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه،
فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.
الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثوراً
فیستحب .
الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من
المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من
المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه،
فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب
كالحلف بغير الله تعالى.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن
يرقي بكتاب الله تعالى، وبما يعرف من ذكر الله تعالى. فقلت: أيرقي
أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله
وبذكر الله. انتهى.
- ٤٢٧ -

وفي الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة:
ارقيها بكتاب الله. قال النووي وقال القاضي عياض: واختلف قول
مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم، وبالجواز قال الشافعي والله
أعلم.
وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد
الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر
الناس القديم.
رقية الذي يصاب بالعين
روى مسلم عن ابن عباس قال: (قال رسول الله وَاليه: العين
حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)(١).
أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهي من جملة ما تحقق
کونه (٢) .
قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من
المبتدعة لغير معنى، لأن كل شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى
قلب حقيقة، ولا إلى فساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر
الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا
وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة.
وقد استشكل بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل
العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟
وأجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل
(١) أخرجه مسلم برقم ٢١٨٨ .
(٢) أي وجوده بالفعل.
- ٤٢٨ -

من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نقل عن بعض من
كان معياناً أنه قال: / إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من ٢٩٣/ب
عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد،
ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى
العين الرمداء فیرمد.
وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن تنبعث من عينيه
قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر
الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه. وإن الذي يتمشى
على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها
الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر
حقيقة أو لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن
ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة
غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه،
فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد
أخطأ بدعوى القطع، ولكنه جائز أن تكون عادة ليست ضرورية ولا
طبيعية، انتهى .
وهو كلام سديد. وليس المراد بالتأثير المعنى الذي تذهب إليه
الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون.
وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه: أكثر من يموت بعد قضاء الله
وقدره بالنفس(١). قال الراوي: يعني العين.
وقد أجرى الله تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في
(١) وكذا أخرجه البخاري في التاريخ والطيالسي والحكيم الترمذي، قال
الحافظ: بسند جيد.
- ٤٢٩ -

الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل
فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند
رؤية من يخافه. وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف
قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات
لشدة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح،
والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن
بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها
الخبيثة .
والحاصل: أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصوراً على
الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد
الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى
والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي
يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن - لا وقاية له(١)
- أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما عاد على صاحبه كالسهم
الحسي. انتهى ملخصاً من فتح الباري وغيره.
قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة، فمن
التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي،
ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل
شيطان وهامَّة(٢)، ومن كل عين لامة(٣).
ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر،
(١) جملة حالية من البدن.
(٢) بشد الميم: ما له سم يقتل كالحية، وجمعها: هوام.
(٣) أي مصيبة بسوء.
- ٤٣٠ -

من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما
يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن
شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق
بخير يا رحمان(١).
وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله :
اللهم بارك عليه. كما قال ◌َّ لعامر بن ربيعة لما عاين سهل بن
حنيف: ألا برَّكت(٢) عليه(٣).
ومما يدفع به إصابة العين: قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله (٤).
ومنها رقية جبريل للنبي وقّ كما رواه مسلم: (بسم الله أرقيك
من شر كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد. الله
يشفيك، بسم الله أرقيك).
وعنده أيضاً من حديث عائشة: كان جبريل يرقي النبي وَلّ إذا
اشتكى: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر كل حاسد
إذا حسد، ومن شر كل ذي عين.
وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: (العين حق، ولو كان
شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم (٥) فاغسلوا).
(١) زاد المعاد ١٦٨/٤.
(٢) في (ط، ب): باركت.
(٣) سيأتي بعد قليل أنه من رواية أحمد والنسائي.
(٤) كما قال تعالى: ﴿ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله .. ﴾ والحديث عند
البزار وابن السني عن أنس.
(٥) طلب منكم غسل الأعضاء أيها المتهمون كما سيأتي شرحه ورقمه عند مسلم
٢١٨٨ .
- ٤٣١ -

١/٢٩٤
/ وظاهر الأمر الوجوب، وحكى فيه المازري خلافاً وصحح
الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة
بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا
أولى.
ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن
حجر: وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي (١):
أن أباه (٢) حدثه أن النبي وَ ل خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا
كانوا بشعب الحرار (٣) من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض
حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم
ولا جلد مخبأة (٤)، فلبط سهل - أي صرع - وسقط إلى الأرض. فأتى
رسول الله وَل فقال: هل تتهمون من أحد؟ قالوا: عامر بن ربيعة،
فدعا عامراً، فتغيظ عليه، فقال: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا
رأيت ما يعجبك برَّكت. ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه
ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك
الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح ففعل
ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
قال المازري: المراد بـ ((داخلة إزاره)) الطرف المتدلي الذي يلي حقوه
(١) سقط من قلم المصنف قول الحافظ: وصححه ابن حبان من طريق الزهري
عن أبي أمامة بن سهل.
(٢) الضمير يعود على أبي أمامة - الذي سقط ذكره من قلم المصنف - ، وأبوه
هو سهل بن حنيف.
(٣) في ط: الخرار.
(٤) يعني أن جلد سهل كجلد المخبأة المكنونة التي لا تراها العيون ولا تبرز
للشمس فتغيرها .
- ٤٣٢ -

الأيمن، قال: وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل:
أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل أراد وركه لأنه معقد الإزار.
رأيت مما عزي لخط شيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي: قال ابن
بكير عن مالك: أنه كناية عن الثوب الذي يلي الجسد.
وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا
أصابته عين من أحد جاء للعائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه
فيتمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده
اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده
اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل
يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب
على قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه الأيسر، ثم
يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى
فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره ولا يوضع القدح
بالأرض، ثم يصب ذلك الماء المستعمل على رأس المصاب بالعين من
خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى، انتهى
قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من
جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه.
وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل الله ورسوله
أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه
أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك،
ويسمون ما هذا سبيله: الخواص.
قال ابن القيم: ومن علاج ذلك والاحتراز منه، ستر محاسن من
- ٤٣٣ -
1

يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوي في كتاب شرح
السنة: أن عثمان بن عفان رأى صبياً مليحاً، فقال: دسموا نونته لئلا
تصيبه العين، ثم قال في تفسيره، ومعنى دسموا نونته: أي سودوا
نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصغير.
٢٩٤ / ب
وذكر عن أبي عبدالله(١) الساجي (٢) أنه كان في بعض أسفاره
للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان في الرقة رجل عائن قل ما نظر
إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبدالله: احفظ ناقتك من العائن، فقال
ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبدالله،
فجاء إلى رحله / فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله
فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى. فقال: دلوني عليه، فوقف
عليه فقال: بسم الله حَبْس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس،
رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل
ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو
حسير. فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها. انتهى.
وفي حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضى
عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون
مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل
الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه
بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الإصابة بالعين قد تقتل.
[عقوبة العائن]
وقد اختلف في جريان القصاص بذلك:
(١) في (أ) سقطت كلمة: أبي.
(٢) أبو عبدالله سعيد بن يزيد الساجي - بسين مهملة وجيم - نسبة إلى الساج
الخشب.
- ٤٣٤ -

فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئاً ضمنه، ولو قتل فعليه
القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك
كالساحر عند من لا يقتله كفراً. انتهى.
ولم تتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه وقالوا: إنه
لا يقتل غالباً ولا يعد مهلكاً. وقال النووي في ((الروضة)): ولا دية فيه
ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص
ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط لها، كيف ولم يقع منه
فعل أصلاً، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة، وأيضاً: فالذي ينشأ
عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك
المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين،
انتھی .
قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر،
فإنه في معناه، والفرق بينهما عسر.
ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع
العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان
فقيراً رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه
عمر من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع أكله
من حضور الجماعة. قال النووي: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف
من غيره تصريح بخلافه.
ذکر رقية النبي ﴾﴾﴾ التي کان یرقي بها
عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك،
فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول
- ٤٣٥ -

اللّهِ الَله؟ قال: بلى، قال: قل اللهم رب الناس، مذهب الباس،
اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً. رواه
البخاري .
وقوله: ((مذهب(١) الباس)): بغير همزة للمواخاة، أصله الهمز.
وفي قوله ((لا شافي إلا أنت)) إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء
والتداوي إن لم يصادف تقدير الله وإلا فلا ينجع.
وقوله ((لا يغادر)) - بالغين المعجمة - أي لا يترك.
وفي البخاري أيضاً عن مسروق عن عائشة: أن النبي ◌َّ كان
يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس أذهب
الباس، واشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر
سقما).
وقوله ((يمسح بيده)) أي على الوجع.
وقوله ((إلا شفاؤك)» بالرفع بدل من موضع: لا شفاء.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله والقر كان يرقي ويقول:
امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت. رواه
البخاري أيضاً.
وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، أنه شكا إلى
رسول الله وَ﴿ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي ◌َّ: ضع
يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاثاً، وقل سبع
مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر.
(١) كذا في ط، وهو موافق لما قدمه من نص الحديث، وفي النسخ: أذهب،
قال الشارح، قاله تبعاً للفتح. أي لفتح الباري [م].
- ٤٣٦ -

وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة.
١/٢٩٥
ذكر طبه وَّر من الفزع والأرق / المانع من النوم.
عن بريدة قال: شكا خالد(١) إلى النبي وَلل فقال: يا رسول
الله، ما أنام الليل من الأرق، فقال ◌َله: إذا أويت إلى فراشك فقل:
اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما
أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم
جميعاً أن يفرط(٢) علي أحد منهم أو يبغي علي، عزَّ جارك، وجل ثناؤك
ولا إله غيرك. رواه الترمذي (٣).
ذكر طبه وَلّر من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى
في المسند مرفوعاً: ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا
إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا
آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها (٤).
قال في الهدي النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب
وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق
العبد بمعرفتهما تسلى عن المصيبة.
(١) أي: ابن الوليد.
(٢) أي: يعتدي.
(٣) قال مخرج أحاديث زاد المعاد: في سنده الحكم بن ظهير وهو متروك. وقال
الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي ٢١١/٤ .
(٤) رواه أحمد ومسلم ومالك وأصحاب السنن، وقول المصنف في المسند: أي
المتصل.
- ٤٣٧ -

أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك الله عز وجل حقيقة، وقد
جعله الله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من
المستعير.
الثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا
وراء ظهره، ويجيء ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا
عشيرة، ولكن(١) بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد
ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه
ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
قال: ومن علاجه أن يطفىء نار مصيبته ببرد التأسي بأهل
المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو
حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن
أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً أساءت دهراً، وإن
متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملأت داراً حبرة (٢) إلا ملأتها عبرة،
ولا سرته بيوم سرورٍ، إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود: لكل
فرحة ترحة(٣)، وما ملىء بيت فرحاً إلا ملىء ترحاً (٤).
ذكر طبه وَلّر من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب.
عن ابن عباس (أن رسول الله وسلم كان يقول عند الكرب: لا
(١) أي ولكن يجيء بالحسنات ..
(٢) أي نعمة وسعة. وهي في زاد المعاد: خيرة.
(٣) الترح: الهم.
(٤) زاد المعاد ١٨٩/٤.
- ٤٣٨ -

إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله
إلا الله رب السماوات (١) ورب العرش الكريم).
وقوله ((عند الكرب)) أي عند حلول الكرب.
وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب.
وعنده أيضاً: (كان إذا حزبه أمر) - وهي بفتح المهملة والزاي
وبالموحدة - أي هجم عليه أو غلبه.
قال الطبري: معنى قول ابن عباس ((يدعو))، وإنما هو تهليل
وتعظم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء،
كما عند عبد بن حميد ((كان إذا حزبه أمر قال .. )) فذكر الذكر المأثور،
وزاد: ثم دعا. قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن
إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له،
وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن
عيينة وقد سئل عن الحديث الذي فيه ((أكثر ما كان يدعو به النبي وَل
بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) الحديث(٢). فقال سفيان:
هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي وَ ل عن ربه عز وجل: من
شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. وقال أمية
ابن أبي الصلت في مدح عبدالله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضك الثناء
(١) في (ط، ش): السماوات السبع. ولفظ السبع لا وجود له في الصحيحين.
والحديث عند البخاري برقم ٦٣٤٥ و٦٣٤٦ وعند مسلم برقم
٢٧٣٠ [٣].
(٢) رواه ابن أبي شيبة عن علي مرفوعاً.
- ٤٣٩ -

فهذا مخلوق حين نسبه إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف
بالخالق(١).
ثم إن حديث ابن عباس هذا - كما قاله ابن القيم - قد اشتمل
٢٩/ب على توحيد الإلهية والربوبية/ ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم،
وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز،
ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش الذي هو
سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه
الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا
له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص
وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم
القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من
الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت
تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف(٢)
تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب
أولى وأحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف
التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق،
وخرج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور
من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند
أبي نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي قد سعي به إلى السلطان
فسجن، فرأيت النبي 18ّ في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه
(١) عن فتح الباري ١٤٧/١١ .
(٢) المعنى: أنت تجد المريض كيف تقوى طبيعته على دفع المرض إذا ورد عليه
ما يسره.
- ٤٤٠ -