النص المفهرس
صفحات 381-400
وهذا كله فيمن رآه في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته وقبل دفنه(١) فالراجح أنه ليس صحابياً، وإلا لعد من اتفق أنه رأى جسده المكرم وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له من الأولياء عنه ◌َ ◌ّ فرآه كذلك على طريق الكرامة كما قدمت مباحثه في خصوصياته ولو من المقصد الرابع، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، وأما من رآه في المنام، وإن كان قد رآه حقاً فذلك فيما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابياً، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة (٢). [الصحابة خير الخلق] وقد أجمع جمهور العلماء من السلف والخلف على أنهم خير خلق الله، وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة المقربين، لما روى البخاري من حديث عبدالله أن النبي ◌َّير قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وله من حديث عمران بن حصين (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً. قال في فتح الباري: والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا (١) كما وقع ذلك لأبي ذويب الهذلي الشاعر - إن صح - كما قال في الإصابة. (٢) لأن النائم لا يضبط ما يقال له، فلو رآه يقظة وأمره بشيء وجب عليه العمل به لنفسه، ولا يعد صحابياً، وينبغي أن يجب على من صدقه العمل به، قاله شيخنا. - ٣٨١ - في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وقال صاحب المحكم: هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال. والمراد بقرن النبي ◌َّير في هذا الحديث الصحابة، وتقدم في أول المقصد الأول حديث (بعثت من خير قرون بني آدم)(١) وفي رواية ٢٨٦/ب بريدة عند أحمد/ (خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم) [آخر من مات من الصحابة] وقد ضبط الأئمة من الحفاظ آخر من مات من الصحابة على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، كما جزم به مسلم، وكان موته سنة مائة على الصحيح، وقيل سنة سبع ومائة، وقيل سنة عشر ومائة، وهو الذي صححه الذهبي، وهو مطابق لقوله وَلو - قبل وفاته بشهر -: (على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد)(٢)، وفي رواية مسلم (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه ليس من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة). وأما ما ذكر أن عكراش بن ذؤيب عاش بعد يوم الجمل مائة سنة فذلك غير صحيح، وإن صح فمعناه أنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة، كما نص عليه الأئمة، وأما ما (١) رواه البخاري. (٢) متفق عليه. - ٣٨٢ - ذكر أيضاً من أمر ((بابارتن)) (١) ونحوه فإن ذلك لا يروج على من له أدنى مسكة من العقل، كما قاله الأئمة. وأما آخر الصحابة موتاً بالإضافة إلى النواحي فقد أفردهم ابن منده . [فضيلتهم فضيلة مجموع أم أفراد؟] وأما قوله: (ثم الذين يلونهم) فهم أهل القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين. واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين. لكن هل هذه الفضيلة بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ والذي ذهب إليه ابن عبد البر هو الأول، كما قدمت ذلك في خصائص هذه الأمة من المقصد الرابع، واحتج لذلك - سوى ما تقدم - بحديث (مثل أمتي مثل المطر، لا يدري آخره خير أم أوله) قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، له طرق(٢) وقد يرتقي بها إلى درجة الصحة. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن (١) قال الذهبي في تجريده: رتن الهندي، شيخ ظهر بعد الستمائة بالمشرق وادعى الصحبة، فسمع منه الجهال، أو لا وجود له، بل اختلق اسمه بعض الكذابين، وإنما ذكرته تعجباً، وقال في الميزان: رتن وما أدراك ما رتن شيخ دجال بلا ريب ظهر بعد الستمائة. (٢) فأخرجه أحمد من حديث عمار، وصححه ابن حبان، وأحمد والترمذي عن أنس، وأبو يعلى عن علي، والطبراني عن ابن عمر. - ٣٨٣ - نفیر- أحد التابعین - بإسناد حسن قال: قال رسول الله گچ: لیدرکن المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير، ثلاثاً، ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها. وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة - رفعه -: (تأتي أيام للعامل فيها أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم) وهو شاهد لحديث (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) لكن حديث (للعامل منهم أجر خمسين منكم) لا يدل على أفضلية غير الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضاً: الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل. صَلىاللّهـ [فضيلة مشاهدته عَلَيَّ ] فأما ما فاز به من شاهد النبي وَلّ من فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، ولا ريب أن من قاتل معه أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئاً من ماله بسببه، لا يعدله أحد في الفضل بعده كائناً من كان، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾(١)، وكذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده. فمحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، وقد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من لم يحصل له ذلك. وبهذا يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة . (١) سورة الحديد، الآية ١٠ . - ٣٨٤ - [طبقات الصحابة] ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف: الأول: المهاجرون، الثاني: الأنصار وهم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، الثالث: من أسلم يوم الفتح . قال ابن الأثير في ((الجامع)): والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل، فإن جماعة من سباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وإنما سباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار، ثم هم بعد ذلك متفاوتون، فرب متأخر في الإسلام أفضل من متقدم عليه، مثل عمر بن الخطاب وبلال ابن رباح. وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيباً على طبقات، وممن قسمهم كذلك الحاكم في ((علوم الحديث)): الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة أول البعث، وهم سباق المسلمين، مثل: خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وبقية العشرة، وقد تقدم الخلاف في أول من أسلم في المقصد الأول. الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، بعد إسلام عمر بن الخطاب حمل النبيِّ وَّه ومن معه من المسلمين إلى دار / الندوة، فأسلم لذلك جماعة من أهل مكة. ١/٢٨٧ الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم من أذى المشركين أهل مكة، منهم: جعفر بن أبي طالب، وأبو سلمة بن عبد الأسد . - ٣٨٥ - الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سباق الأنصار إلى الإسلام، وكانوا ستة، وأصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا اثني عشر، وقد قدمت أسماء أهل العقبتين في المقصد الأول. الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين من الأنصار، منهم: البراء بن معرور، وعبدالله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وعبدالله بن رواحة. الطبقة السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي نَّه بعد هجرته وهو بقباء قبل أن يبني المسجد وينتقل إلى المدينة. الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى. قال رَلير لعمر في قصة حاطب بن أبي بلتعة: (وما يدريك، لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) رواه مسلم. الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة، قال ◌َله: (لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد) رواه مسلم. الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل الفتح، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ومثل بعضهم بأبي هريرة لكن قال الحافظ العراقي، لا يصح التمثيل به، فإنه هاجر قبل الحديبية، عقيب خيبر بل في أواخرها [زمن النبي (وَلاَ](١). الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح، وهم خلق (١) زيادة في (ط، ب)، ولا معنى لها. - ٣٨٦ - كثير، فمنهم من أسلم طائعاً، ومنهم من أسلم كارهاً ثم حسن إسلام بعضهم، والله أعلم بهم. الطبقة الثانية عشر: صبيان أدركوا النبي ◌َّليل ورأوه عام الفتح وبعده في حجة الوداع وغيرهما، کالسائب بن یزید. ثم انقطعت الهجرة بعد الفتح على الصحيح من الأقوال. [عدد الصحابة] وأما عدة أصحابه مَّ، فمن رام حصر ذلك رام أمراً بعيداً، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكثرة من أسلم من أول البعثة إلى أن مات النبي ◌َّر، وتفرقهم في البلدان والبوادي. وقد روى البخاري أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: وأصحاب رسول الله وَليل كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان، لكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده کتبوك. وقد روي أنه سار عام الفتح في عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين في اثني عشر ألفاً، وإلى حجة الوداع في تسعين ألفاً، وإلى تبوك في سبعين ألفاً، وقد روي أنه قبض عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، والله أعلم بحقيقة ذلك. [أفضل الصحابة] ثم إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة إجماعاً أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما. عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمان - ٣٨٧ - رسول الله وَ﴿ل فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان. رواه البخاري(١). وفي رواية عبيدالله بن عمر عن نافع: كنا في زمان النبي وَ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي وخالد فلا نفاضل بينهم. رواه البخاري أيضاً. وقوله: ((لا نعدل بأبي بكر أحداً)) أي لا نجعل له مثيلاً. ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر: كنا نقول - ورسول الله وَالر حي -: أفضل أمة النبي ◌َ ل بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. زاد الطبراني في رواية: فيسمع رسول الله وَ لقر ذلك فلا ينكره. وروى خيثمة بن سليمان في ((فضائل الصحابة)) من طريق سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر: كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس، فيسمع النبي وَّ ذلك فلا ينكره. وفي ذلك تقدیم عثمان بعد أبي بكر وعمر. [عثمان وعلي] وأهل السنة على أن علياً بعد عثمان. وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان. وممن قال به سفيان الثوري . (١) وفي صحيح البخاري عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله وَلقر؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. -٣٨٨ - وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر، ونقل ذلك عن مالك في المدونة، وتبعه جماعة منهم يحيى بن القطان. /وقال ابن معين: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف ٢٨٧/ب لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ولا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم. وقد ادعى ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان خلاف قول أهل السنة أن علياً أفضل الناس بعد الثلاثة . وتعقب: بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله، فالمقطوع به عند أهل السنة: القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر ثم اختلفوا فيمن بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمان، وعن مالك الوقف، والمسألة اجتهادية، ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة . [فضيلة تتمة العشرة] وقال الإمام أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، يعني: طلحة والزبير وسعداً وسعيداً وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة عامر بن الجراح. وقد روى الترمذي عن سعيد بن زيد أنه قال: قال رسول الله وَيّة: (عشرة في الجنة، أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص) فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، - ٣٨٩ - فقال له القوم ننشدك الله، من العاشر؟ فقال: نشدتموني بالله، سعيد ابن زيد في الجنة، يعني نفسه(١). [حديث بئر أريس] وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه خرج إلى المسجد، فسأل عن النبي ◌َّالر فقالوا: وجه هاهنا، فخرجت في أثره حتى دخل بئر أريس(٢)، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله وَ لّ حاجته، فتوضأ فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها(٣)، فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواباً للنبي وَ ﴿ اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت على رسلك ثم ذهبت إلى رسول الله وَالر فقلت: هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول الله وَل يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله وَّر معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول اللّه ◌َل وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني(٤)، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً - يريد أخاه - يأت به، فإذا بإنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر بن الخطاب، فقلت على رسلك، ثم جئت إلى النبي وَلّ فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فقلت: ادخل وبشرك رسول الله وَ له بالجنة، فجلس مع رسول الله اله في (١) قال الشارح: هذا الحديث صحيح له طرق كثيرة. (٢) بستان بالمدينة معروف بالقرب من قباء. (٣) الدكة التي تجعل حول البئر / أو حافة البئر. (٤) قال الحافظ: كان له أخوان، أبو رهم وأبو بردة. - ٣٩٠ - القف عن يساره ودلى رجليه في البئر، فرجعت وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت على رسلك، وجئت إلى النبي وَلّ فأخبرته فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئت فقلت: ادخل ورسول الله وَل يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الصف الآخر. قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. رواه أحمد ومسلم وأبو حاتم وأخرجه البخاري(١). وأخرج أبو داود نحوه عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي قال: دخل رسول الله وَلّ حائطاً من حوائط المدينة، فقال لبلال: أمسك علي الباب، فجاء أبو بكر فاستأذن .. فذكر نحوه. قال الطبراني: وفي حديث أن نافع بن الحارث هو الذي كان يستأذن. وهذا يدل على تكرر القصة، لكن صوب الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر عدم التعدد، وأنها عن أبي موسى، ووَهَّم / القول بغيره(٢). وأنشد لنفسه : ١/٢٨٨ لقد بشر الهادي من الصحب زمرة بجنات عدن كلهم فضله اشتهر أبو بكر عثمان بن عوف علي عمر سعيد زبير سعد طلحة عامر ولأبي الوليد بن الشحة: (١) رواه البخاري برقم ٣٦٧٤ . (٢) فتح الباري ٣٧/٧. - ٣٩١ - بجنة الخلد عمن زانها وعمر أسماء عشر رسول الله بشرهم سعد سعيد علي عثمان طلحة بو بكر ابن عوف ابن جراح الزبير عمر [الأفضلية والمحبة] فإن قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، ولكن محبته لبعضهم تكون أكثر، هل يكون آثماً به أم لا؟ فأجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي: أن المحبة قد تكون الأمر ديني، وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضاً، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل الأمة بعد نبيها وَ # أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، لكنه أحب علياً أكثر من أبي بكر مثلاً، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع والله أعلم. انتهى . [حب الصحابة وعلاماته] وقد روى الطبري في ((الرياض)) وعزاه للملاء في ((سيرته)) عن أنس مرفوعاً، إن الله افترض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ٣٩٢ - كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج، فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج. وأخرج الحافظ السلفي في ((مشيخته)) من حديث أنس مرفوعاً: حب أبي بكر واجب على أمتي. وأخرج الأنصاري عنه أن رسول الله وَ الّ قال: يا أبا بكر، ليت أني لقيت إخواني فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن إخوانك، قال: لا، أنتم أصحابي، إخواني الذين لم يروني، وصدقوا بي وأحبوني(١)، حتى إني لأحب إلى أحدهم من ولده ووالده، قالوا: يا رسول الله، أما نحن إخوانك؟ قال: لا، بل أنتم أصحابي، ألا تحب يا أبا بكر قوماً أحبوك بحبي إياك؟ قال: فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك. فمحبة من أحبه الرسول وس18 كآل بيته وأصحابه رضي الله عنهم علامة على محبة رسول الله وَاليه، كما أن محبته بَّر علامة على محبة الله تعالى. وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم. فمن أحب شيئاً أحب من يحب، وأبغض من يبغض، قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله﴾(٢) فحب آله بيته وَ له وأصحابه وأولاده وأزواجه من الواجبات المتعينات، وبغضهم من الموبقات المهلكات. ومن محبتهم وجوب توقيرهم، ويرهم والقيام بحقوقهم، والاقتداء بهم بأن يمشي على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم، والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال، وحسن الثناء عليهم بأن يذكروا (١) في ط: وأجلوني. (٢) سورة المجادلة، الآية ٢٢ - ٣٩٣ - بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم. فقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه المجيد، ومن أثنى الله عليه فهو واجب الثناء، والاستغفار لهم، قالت عائشة: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله وَل فسبوهم) رواه مسلم. وفائدة المستغفر لهم عائدة عليه . قال سهل بن عبدالله التستري: لم يؤمن بالرسول وصلة من لم يوقر أصحابه ولم يعزَّ أوامره. ومما يجب أيضاً: الإمساك عما شجر بينهم، أي وقع بينهم من ٢٨٠/ ب الاختلاف، / والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة، وضلال الشيعة والمبتدعين، القادحة في أحد منهم، قال رَّ إذا ذكر أصحابي فأمسكوا(١)، وأن يلتمس لهم مما نقل من ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات، ويخرج لهم أصوب المخارج، إذ هم أهل ذلك كما هو في مناقبهم، ومعدود من مآثرهم، مما يطول إيراد بعضه. وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات، فسبهم والطعن فيهم إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية كفر، كقذف عائشة رضي الله عنها، وإلا فبدعة وفسق. قال محصلة: أيها الناس احفظوني في أختاني وأصهاري وأصحابي، لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست مما يوهب(٢). رواه الخِلَعي (٣). (١) رواه الطبراني، وسنده ضعيف كما قال العراقي، وقال ابن رجب: روي من وجوه في أسانيدها كلها مقال. (٢) هذا بعض ما أخرجه الطبراني وابن منده وأورده في الشفاء عن خالد بن سعيد بن العاصي. (٣) الخلعي: أبو الحسن علي بن الحسن. كان فقيهاً شافعياً صالحاً، له تصانيف. مات بمصر في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. - ٣٩٤ - وقال وَلّ: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، من أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه الله (١). رواه المخلص الذهبي(٢). وهذا الحديث - كما قال بعضهم - خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب في حبهم، والترهيب عن بعضهم. وفيه إشارة إلى أن حبهم من الإيمان، وبغضهم كفر، لأنه إذا كان بغضهم بغضاً له كان كفراً بلا نزاع، للحديث السابق (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه). وهذا يدل على كمال قربهم منه بتنزيلهم منزلة نفسه، حتى كأن أذاهم واقع عليه وواصل إليه وَليه. و((الغرض)): الهدف الذي يرمى فيه. فهو نهي عن رميهم مؤكداً ذلك بتحذيرهم الله منه، وما ذاك إلا لشدة الحرمة . وروي مرفوعاً: من سب أحداً من أصحابي فاجلدوه. خرجه تمام في فوائده(٣). (١) رواه الترمذي من حديث عبدالله بن مغفل وفيه عبد الرحمن بن زياد ضعيف في الحفظ وفي الميزان: في الحديث اضطراب. (٢) أبو طاهر محمد بن عبد الرحن الذهبي. (٣) وأخرجه الطبراني في الثلاثة عن علي مرفوعاً: من سب الأنبياء قتل، ومن سب أصحابي جلد. قال في اللسان: رواته كلهم ثقات إلا عبيدالله بن محمد العمري شيخ الطبراني فله مناكير، منها هذا الحديث. - ٣٩٥ - وقال مالك بن أنس وغيره - فيما ذكره القاضي عياض -: من أبغض الصحابة فليس له في فيء المسلمين حق. قال(١): ونزع(٢) بآية الحشر ﴿والذين جاؤوا من بعدهم) الآية(٣). [وقال: من غاظه أصحاب محمد فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ (٤) والله أعلم](٥). (١) أي عیاض. (٢) أي استدل مالك. (٣) سورة الحشر، الآية ١٠ . (٤) سورة الفتح، الآية ٢٩. (٥) زيادة في النسخ لم ترد في الأصل، وقد جاءت الإشارة إليها في حاشية الشرح أيضاً. - ٣٩٦ - المقصِّد الثّامِنْ في طبه ود ل ◌ّ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات [تمهيد] اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما أفاضه الله تعالى عليه من سحائب عوارفه، وأنت إذا تأملت ما منحه الله تعالی به من جوامع الكلم، وخصه(١) به من بدائع الحکم، وحسن سيره، وحكم حديثه، وإنبائه بأنباء القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى مع الخضر، ويوسف مع إخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، وأشباه ذلك، وبدء الخلق، وأخبار الدار الآخرة، وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم، وإعلامهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم وغير ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك فضلاً عما أفاضه من العلم ومحاسن الآداب والشيم، والمواعظ والحكم، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة الواضحات، [والإشارة](٢) إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشاراته حجة، كاللغة والمعاني والبيان والعربية، وقوانين الأحكام الشرعية، والسياسات العقلية، ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف الشاملة (١) في الأصل: وخصَّ. (٢) زيادة في ط . - ٣٩٩ - لمصالح أمته، كالطب والعبارة (١) والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد ... قضيتَ(٢) بأن مجال هذا الباب في حقه وَل ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء،(٣) وأن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء. وهذا المقصد - أعزك الله - يشتمل على ثلاثة فصول: (١) مصدر عبر الرؤيا. (٢) جواب قوله أولاً: وأنت إذا تأملت .. (٣) جمع دليل. - ٤٠٠ -