النص المفهرس

صفحات 341-360

[أفضل صيغ الصلاة]
وقد استدل العلماء بتعليمه وَالر لأصحابه هذه الكيفية بعد
سؤالهم عنها، بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه
إلا الأشرف الأفضل.
ويترتب على ذلك: أنه لو حلف أن يصلي على النبي ◌َّ أفضل
الصلاة، فطريق البر أن يأتي بذلك، هكذا صوبه النووي في
((الروضة))، بعد ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي أنه قال: يبر
إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون. قال
النووي: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية - يعني
في خطبة ((الرسالة)) له - ولكن بلفظ ((غفل)) بدل ((سها)).
وقال الأذرعي: ((إبراهيم)) المذكور كثير النقل من تعليقة القاضي
حسين، ومع ذلك فالقاضي قال في طريق البر؛ أن يقول: اللهم صل
على محمد كما هو أهله ويستحقه، وكذا نقله البغوي في تعليقه.
ولو جمع بينها فقال ما في الحديث، وأضاف إليه أثر الشافعي،
وما قاله القاضي لكان أشمل. ولو قيل: إنه يعمد إلى جميع ما
اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكراً يحصل به البر لكان
حسناً.
[الترحم عليه ◌َليّ]
وعن ابن مسعود، أن رسول الله وَ ل قال: إذا تشهد أحدكم في
الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل
- ٣٤١ -

محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك
حميد مجيد، رواه الحاكم(١).
وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي
وَ له، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال:
اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال له رسول الله
وَلَى : (لقد تحجرت(٢) واسعاً)(٣).
١/٢٨٠
وحكى القاضي عياض عن جمهور/ المالكية منعه (٤) قال: وأجازه
أبو محمد بن أبي زيد. انتهى.
وسيأتي ما في ذلك من البحث إن شاء الله تعالى في المقصد
التاسع عند الكلام على التشهد.
[صيغة صلاة علي رضي الله عنه]
وعن سلامة الكندي أن علياً كان يعلم الناس الدعاء - وفي
لفظ: يعلم الناس الصلاة على رسول الله وَ له - فيقول: اللهم داحي
المدحوات، وبارئ المسموكات، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي
بركاتك، ورأفة تحننك، على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق،
والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما
(١) اغتر قوم بتصحيحه فوهموا، لأنه من رواية يحيى بن السباق وهو مجهول عن
رجل مبهم. قاله المصنف في المقصد التاسع.
(٢) أي ضيقت، فهو من الحجر بمعنى: المنع.
(٣) رواه الترمذي وغيره.
(٤) جاء في (ط) هنا: إلا أنه ضعيف عندهم.
- ٣٤٢ -

حمّل فاضطلع بأمرك بطاعتك، مستوفزاً في مرضاتك، واعياً لوحيك،
حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورى قبساً لقابس آلاء
الله، تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب، بعد خوضات الفتن
والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات
الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم
الدين، وبعيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له في
عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير
مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول، اللهم
أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره،
واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، ومرضي المقالة، ذا منطق عدل،
وخطة فصل، وبرهان عظيم. حديث موقوف، رواه الطبراني لكن قال
الحافظ ابن كثير: في سنده نظر، قال: وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج
المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف، ولم يدرك علياً، كذا قال.
وقوله: ((داحي المدحوات)): أي باسط الأرضين، وكل شيء
بسطته ووسعته فقد دحوته .
((وبارئ المسموكات)): أي خالق السماوات، وكل شيء رفعته
وأعلیته فقد سمكته.
((والدافع لجيشات الأباطيل)): أي المهلك لما نجم وارتفع منها
وفار. وأصل ((الدمغ)) من الدماغ، دمغه: أصاب دماغه، و((جيشات))
من جاش إذا ارتفع.
((واضطلع)): افتعل من الضلاعة، وهي القوة.
((وأورى قبساً لقابس)): أي أظهر نوراً من الحق لطالبه.
- ٣٤٣ -

((وآلاء الله)): نعم الله.
((تصل بأهله)): أي أهل ذلك القبس وهو الإسلام والحق أسبابه،
وأهله المؤمنون.
((وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم)): أي هديت
بعد الكفر والفتن لموضحات الأعلام.
((ونائرات)) و((المنيرات)): الواضحات، يقال: نار الشيء، وأنار
إذا وضح .
((وشهيدك يوم الدين)): يريد الشاهد على أمته يوم القيامة.
((وبعيثك نعمة)): أي مبعوثك، فعيل بمعنى مفعول.
«وافسح له): أي وسع له.
((وفي عدنك)): أي في جنة عدن.
((والمعلول)): من العلل وهو الشرب بعد الشرب، يريد أن
إعطاءه مضاعف، كأنه يعل به عباده، أي: يعطيهم عطاء بعد عطاء.
((وأعل على بناء الناس)» وفي رواية: البانين، أي ارفع فوق
أعمال العاملین عمله.
((وأكرم مثواه)): أي منزله.
((ونزله)): رزقه.
((والخطة)): بضم الخاء المعجمة، الأمر والقصة.
((والفصل)): القطع.
- ٣٤٤ -

[صيغة صلاة ابن مسعود]
وعن عبدالله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله وعليه
فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه،
فقالوا له علمنا، قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك
على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك
ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاماً محموداً،
يغبطه فيه الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد،
كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. حديث
موقوف، رواه ابن ماجه.
[صيغ أخرى]
وعن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله وجل اله قال: من
صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد [الصدق](١) المقرب / عندك ٢٨٠/ب
يوم القيامة، وجبت له شفاعتي. رواه الطبراني. قال ابن كثير:
وإسناده حسن ولم يخرجوه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله اَ له: من سره أن يكتال
بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد
النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على
إبراهيم إنك حميد مجيد، رواه أبو داود.
وعن طاووس: سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة
محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى،
(١) في (ط، ش).
- ٣٤٥ -

كما آتيت إبراهيم وموسى. رواه إسماعيل القاضي. قال ابن كثير:
وإسناده جيد قوي صحيح.
[مواطن الصلاة عليه او]
وأما المواطن التي تشرع فيها الصلاة عليه وقاية :
فمنها: التشهد الأخير، وهي واجبة فيه، كما قدمنا، وفي وجوبها
في التشهد الأول قولان، أظهرهما المنع، لبنائه على التخفيف، بل
[هي](١) سنة، وفي استحباب الصلاة على الآل في التشهد الأول
القولان، وفي وجوبها في الأخير رأيان (٢): أصحهما المنع، بل هي سنة
تابعة، وأقلها اللهم صل على محمد، وكذا: صلى الله على محمد،
وأقلها على الآل: وآله. وقال في ((الكفاية)) بإعادة ((على))(٣).
ومنها: خطبة الجمعة، وكذا غيرها من الخطب، فلا تصح
خطبتا(٤) الجمعة إلا بها، لأنها عبادة، وذكر الله فيها شرط، فوجب
ذكر الرسول فيها كالأذان والصلاة، وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
ومنها: عقب إجابة المؤذن، لما رواه الإمام أحمد عن عبدالله بن
عمرو بن العاصي، أن رسول الله وَ لقر قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا
مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى
الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا
(١) في (ط، ش).
(٢) في الأصل: بابان.
(٣) أي يقول: وعلى آله.
(٤) في ط: خطبة.
- ٣٤٦ -

تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله
لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة). وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي من حديث كعب بن علقمة، وذكره بلفظ ((الرجاء)) وإن كان
متحقق الوقوع أدباً وإرشاداً منه وتذكيراً بالخوف، وتفويضاً إلى الله
بحسب مشيئته، وليكون الطالب للشيء بين الرجاء والخوف.
وقوله: ((حلت عليه الشفاعة)) أي وجبت، وقيل غشيته ونزلت
به .
تنبيه: قال شيخنا في ((المقاصد الحسنة)): حديث ((الدرجة
الرفيعة)) المدرج فيما يقال بعد الأذان، لم أره في شيء من الروايات،
وأصل الحديث عند أحمد والبخاري والأربعة عن جابر مرفوعاً: (من
قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة
القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي
وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة: قال وكأن من زادها اغتر بما
وقع في بعض نسخ ((الشفاء)) من حديث جابر المشار إليه، لكن مع
زيادتها في هذه النسخة المعتمدة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك
فيها، ولم أرها في سائر نسخ الشفاء، بل في الشفاء عقد لها فصلاً في
مكان آخر ولم يذكر فيه حديثاً صريحاً، وهو دليل لغلطها. انتهى والله
أعلم.
ومنها: أول الدعاء وأوسطه وآخره، لما روى أحمد من حديث
جابر: أن رسول الله وَ لقوله قال: (لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن
الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإذا احتاج إلى شراب
شرب، أو الوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلوني في أول الدعاء
وأوسطه وآخره)
- ٣٤٧ -

١/٢٨١
ومنها: وهو من أكدها، عقب دعاء القنوت، لما رواه أحمد وأهل
السنن، وابن جرير وابن حبان والحاكم، من حديث أبي الجوزاء، عن
الحسن بن علي قال: علمني رسول الله وَلخير كلمات أقولهن في الوتر:
(اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن
توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا
يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، [ولا يعز من عاديت](١)
تباركت / ربنا وتعاليت) وزاد النسائي في سننه: وصلى الله على
النبي (٢)، وسيأتي في المقصد التاسع البحث في ذلك إن شاء الله
تعالى.
ومنها: أثناء تكبيرات العيدين، لما روى إسماعيل القاضي أن ابن
مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة فقال: إن
هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبدالله: تبتدئ فتكبر
تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي على النبي ◌َّر، ثم
تدعو(٣) وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر
وتفعل مثل ذلك، ثم نقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتكبر وتحمد ربك
وتصلي على النبي ◌َّة، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع.
فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن. قال ابن كثير: إسناده
صحيح (٤).
ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه، لما رواه أحمد عن
(١) زيادة في (ب، ط) قال الشارح: زاد الطبراني في الكبير (ولا يعز من
عادیت).
(٢) هذه الزيادة غريبة غير ثابتة، أي ضعيفة.
(٣) في (أ): تدعوه.
(٤) هو موقوف وليس له حكم الرفع.
- ٣٤٨ -

فاطمة (١) قالت: كان رسول الله و ◌َليل إذا دخل المسجد صلى على محمد
ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج
صلى على محمد ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب
فضلك(٢).
ومنها: في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى
التكبيرات، وبعد الأولى أولى، وأن يصلي على النبي وَلّر بعد الثانية،
ويدعو للميت بعد الثالثة، وبعد الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره
ولا تفتنا بعده. وفي ذلك حديث رواه الشافعي والنسائي (٣).
ومنها: عند التلبية، لما رواه الشافعي والدارقطني عن القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن
يصلي على النبي ◌ََّ على كل حال.
ومنها: عند الصفا والمروة، لما روى إسماعيل القاضي عن عمر
ابن الخطاب أنه قال: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعاً، وصلوا عند
المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت
فكبروا سبع تكبيرات، تكبيراً بعد حمد لله وثناء عليه، وصلاة على
النبي وَالر ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك. قال ابن كثير:
إسناده حسن جيد قوي.
ومنها: عند الاجتماع والتفرق، لما روى الترمذي (٤) عن أبي
(١) فاطمة الزهراء بنت النبي
(٢) وكذا رواه أبو داود والنسائي.
(٣) لكن في إسناده ضعف كما قال الخيضري.
(٤) فيه صالح بن التوأمة ضعيف عن أبي هريرة.
- ٣٤٩ -

هريرة أن رسول الله وسلّ قال: ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه
ولم يصلوا على نبيه إلا كان عليه ترة(١)، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر
لهم.
وروى إسماعيل القاضي عن أبي سعيد قال: ما من قوم يقعدون
ثم يقومون ولا يصلون على النبي عليه إلا كان عليهم حسرة وإن
دخلوا الجنة لما يرون من الثواب(٢).
ومنها: عند الصباح والمساء، لما روى الطبراني من حديث أبي
الدرداء مرفوعاً. من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً،
أدركته شفاعتي يوم القيامة(٣).
ومنها: عند الوضوء، لحديث ابن ماجه عن سهل بن سعد
قال: قال رسول الله وَ الر: لا وضوء لمن لم يصل على النبي ومثليه(٤).
ومنها: عند طنين الأذن، لحديث أبي رافع عند ابن السني
مرفوعاً: إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني، وليصل علي وليقل ذكر الله
من ذكرني بخير(٥).
ومنها: عند نسيان الشيء، لحديث أبي موسى المديني، بسند فيه
(١) هي النقص أو التبعة أو الحسرة.
(٢) أبعد المصنف النجعة في العزو، فقد روى النسائي عن أبي سعيد عن النبي
حَلّه (لا يجلس قوم مجلساً ثم لا يصلون فيه على رسول الله إلا كان عليهم
حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب).
(٣) رواه بإسنادين الجيد منهما فيه انقطاع.
(٤) الحديث ضعيف كما في الفتح.
(٥) قال السخاوي: سنده ضعيف، وقال العقيلي لا أصل له، وقال ابن
الجوزي: موضوع. قال الحافظ الهيثمي: إسناد الطبراني في الكبير حسن.
- ٣٥٠ -

ضعف، عن أنس يرفعه: إذا نسيتم شيئاً فصلوا علي تذكروه إن شاء
الله تعالى.
ومنها: بعد العطاس، كما ذهب إليه أبو موسى المديني وجماعة،
ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى،
كالأكل والشرب والوقاع ونحو ذلك.
ومنها: عند زيارة قبره الشريف، لحديث أبي داود عن أبي
هريرة: أن رسول الله وَالر قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي
روحي حتى أرد عليه السلام.
٢٨١/ب
وروی/ ابن عساكر: من صلى علي عند قبري سمعته.
وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة وليلتها، فعن أوس بن أوس
الثقفي قال: قال رسول الله وَله: من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه
خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فاكثروا علي
من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله،
وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت - يعني: وقد بليت - قال: إن
الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، رواه أحمد وأبو داود
والنسائي. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان
والدارقطني .
قال الحافظ ابن كثير: وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة
عن النبي ◌َ لّ الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم
الجمعة، ولكن في إسناده ضعف.
فإن قلت: ما الحكمة في خصوصية الإكثار من الصلاة عليه وعليه
يوم الجمعة وليلتها؟
- ٣٥١ -

أجاب ابن القيم بأن رسول الله وَ التّ سيد الأنام، ويوم الجمعة
سيد الأيام، فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى،
وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده وَليد ،
فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم
فإنها تحصل لهم يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في
الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيدهم في الدنيا،
ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم،
وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده
وأداء القليل من حقه ◌َلّ أن يكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم
وليلته .
[فضيلة الصلاة عليه (وَلَو]
وأما فضيلة الصلاة عليه وسلّ فقد ورد التصريح بها في أحاديث
قوية، لم يخرج البخاري منها شيئاً، أمثلها ما أخرجه مسلم من حديث
أبي هريرة، عن النبي ◌َّل (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها
عشراً).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرج رسول الله وَليه
لحاجة، فلم يجد أحداً يتبعه، فأتاه عمر بمطهرة من خلفه، فوجد النبي
مل * ساجداً، فتنحى عنه حتى رفع النبي وَ لّ رأسه، فقال: أحسنت يا
عمر حين وجدتني ساجداً فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من
صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، ورفعه
عشر درجات. رواه الطبراني [وقال الترمذي: هذا حديث حسن
- ٣٥٢ -

صحيح](١) قال ابن كثير: وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء
المقدسي في كتابه ((المستخرج على الصحيحين)).
وعن أبي طلحة أن رسول الله وَلفيروس جاء ذات يوم والسرور يرى
في وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال:
إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك عز وجل يقول:
إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم
عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً، قال: بلى، رواه
الدارمي وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائي، واللفظ له.
وعن عامر بن ربيعة، أن رسول الله وسلّم قال: من صلى على
صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلي علي، فليقلَّ عبد من ذلك أو
ليكثر. رواه أحمد وابن ماجه من حديث شعبة.
وعن عبدالله بن عمرو بن العاصي: من صلى على رسول الله
وَلجر صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقلَّ عبد من
ذلك أو لیکثر، رواه أحمد.
والتخيير بعد الإعلام بما فيه الخيرة في المخير فيه على جهة
التحذير من التفريط في تحصيله، وهو قريب من معنى التهديد.
وروى الترمذي، أن أبي ابن كعب قال: يا رسول الله، إني أكثر
الصلاة عليك(٢) فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت:
الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف؟
قال: ما شئت وإن زدت/ فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ قال: ما ١/٢٨٢
(١) زيادة في (ط، ب، د).
(٢) لفظ ((عليك)) ليس في (ط، ش).
- ٣٥٣ -

شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال:
إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك. ثم قال: هذا حديث حسن.
صَلى الله
وَلِّ]
[السلام عليه
فهذا ما يتعلق بالصلاة، وأما السلام فقال النووي: يكره إفراد
الصلاة عن السلام، واستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية، يعني قوله
تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليماً﴾(١).
وتعقبوه: بأن النبي وَلّ علم أصحابه التسليم قبل تعليمهم
الصلاة، كما هو مصرح به في قولهم: يا رسول الله قد علمنا كيف
تسلم عليك فكيف نصلي عليك، وقوله و لتر بعد أن علمهم الصلاة
والسلام: كما قد علمتم، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة عليه.
لكن قال في فتح الباري: إنه يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم
أصلاً، أما لو صلى في وقت، وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً.
[ ]
[السلام على غير النبي
وقال أبو محمد الجويني من أصحابنا: السلام بمعنى الصلاة، فلا
يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي عليه
السلام، سواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به
فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا
مجمع علیه انتھی.
(١) سورة الأحزاب، الآية ٥٦ .
- ٣٥٤ -

وقد جرت عادة بعض النساخ أن يفردوا علياً وفاطمة رضي الله
عنهما بالسلام، فيقولوا: عليه أو عليها السلام من دون سائر الصحابة
في ذلك، وهذا وإن كان معناه صحيحاً لكن ينبغي أن يساوي بين
الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم
والتكريم، والشيخان وعثمان أولى بذلك منهما، أشار إليه ابن كثير.
[الصلاة على غير النبي ( [*]
وأما الصلاة على غير النبي وَّ فاختلف فيها.
وأخرج البيهقي بسند واه من حديث بريدة رفعه: لا تتركن في
التشهد الصلاة علي وعلى أنبياء الله .
وأخرج إسماعيل القاضي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة
صلوا على أنبياء الله
وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس رفعه: إذا صليتم علي
فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني(١).
وثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبي وَلّ . أخرجه ابن
أبي شيبة من طريق عثمان عن عكرمة عنه قال: ما أعلم الصلاة تنبغي
على أحد من أحد إلا على النبي وَلّر. وسنده صحيح.
وحكي القول به عن مالك، وجاء نحوه عن عمر بن عبد
العزيز.
وقال سفيان: يكره أن يصلي إلا على نبي.
(١) إسناده ضعيف، كما قال الحافظ.
- ٣٥٥ -

وعن بعض شيوخ مذهب مالك: لا يجوز أن يصلي إلا على
محمد .
قالوا(١): وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة
على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به.
وخالفه يحيى بن يحيى (٢) فقال: لا بأس به، واحتج بأن الصلاة
دعاء بالرحمة، فلا تمنع إلا بنص أو إجماع.
[الصلاة على غير الأنبياء]
وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كان على سبيل التبعية كما
تقدم في الحديث: اللهم صل على محمد وآل محمد ونحوه، فهو جائز
بالإجماع. وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم.
فقال قائلون بجواز ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هو الذي
يصلي عليكم وملائكته﴾(٣) وبقوله: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم
ورحمة﴾ (٤)، وبقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها وصلِّ عليهم﴾(٥)، وبحديث عبدالله بن أبي أوفى قال: كان رسول
(١) أي عياض وغيره.
(٢) يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي، فقيه مجاب الدعوة، قليل
الحديث، له أوهام، روى موطأ مالك توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين على
الصحيح .
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٤٣ .
(٤) سورة البقرة، الآية ١٥٧ .
(٥) سورة التوبة، الآية ١٠٣ .
- ٣٥٦ -

الله * إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي
بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. أخرجه الشيخان.
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة،
لأن هذا قد صار شعاراً للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم،
فلا يقال أبو بكر صلى الله عليه وسلم. أو: قال علي صلى الله عليه
وسلم، وإن كان المعنى صحيحاً، كما لا يقال: [قال](١) محمد عز
وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً، لأن هذا من شعار ذكر الله عز وجل.
وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم،
ولهذا لم يثبت شعاراً لآل أبي أوفى. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون(٢): لا يجوز ذلك، لأن/ الصلاة على غير الأنبياء ٢٨٢/ب
قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم،
فلا يقتدى بهم في ذلك.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو
كراهة التنزيه، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها النووي في
كتاب ((الأذكار)، ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون، أنه مكروه
كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.
(١) في (أ، ب، د).
(٢) هو تأييد لقول الجمهور.
- ٣٥٧ -

الفصل الثالث
في ذكر محبة أصحابه وَ الر وآله وقرابته وأهل بيته وذريته
[حب آل البيت والقرابة]
قال الطبري: اعلم أن الله تعالى لما اصطفى نبيه وَير على جميع
من سواه، وخصه بما عمه به من فضله الباهر وحباه، أعلى ببركته من
انتمى إليه نسباً أو نسبة، ورفع من انطوى عليه نصرة وصحبة، وألزم
مودة قرباه كافة بريته، وفرض محبة جملةٍ أهل بيته المعظم وذريته، فقال
تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾(١).
ويروى أنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء؟
قال: علي وفاطمة وابناهما(٢). وقال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾(٣).
[المراد بآل البيت]
وقد اختلف في المراد بأهل البيت في هذه الآية:
فروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت في
نساء النبي وَلَد.
(١) سورة الشورى، الآية ٢٣ .
(٢) قال الولي العراقي، في إسناده حسين الأشقر شيعي مختلف فيه.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
- ٣٥٨ -

وروى ابن جرير عن عكرمة، أنه كان ينادي في السوق ﴿إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قال: نزلت في نساء
النبي وَلد .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعني: ما في الآية نص في دخول
أزواجه وَ له لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه
قولاً واحداً، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح .
وقيل: المراد النبي ◌ِّر.
قال عكرمة: من شاء باهلته(١) أنها نزلت في نساء النبي وَل .
فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن ففي هذا نظر(٢)،
فإنه قد ورد في ذلك أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. فروى
الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله بَ ير جاء ومعه علي
وحسن وحسين آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى علياً
وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على
فخذه ثم لف عليهم ثوبه - أو قال: كساءه - ثم تلا هذه الآية ﴿إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ وقال:
اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق. زاد في رواية ابن جرير،
فقلت: وأنا يا رسول الله من أهلك، قال: وأنت من أهلي. قال
واثلة: وإنها أرجى ما أرتجي.
وعن أم سلمة أن رسول الله وعليه كان في بيتها، إذ جاءت
(١) أي لاعنته، بأن يجعل اللعنة عل الكاذب.
(٢) هذا قول ابن كثير.
- ٣٥٩ -

فاطمة ببرمة فيها خزيرة(١)، فدخلت عليه بها، فقال: ادعي زوجك
وابنيك، قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا
يأكلون من تلك الخزيرة، وتحته كساء، قالت: وأنا في الحجرة أصلي،
فينزل الله عز وجل هذه الآية ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به
ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي
وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، قالت: فأدخلت رأسي
من البيت فقلت وأنا معكم يا رسول الله فقال: إنك إلى خير، إنك
إلى خير. رواه أحمد وفي إسناده من لم يسم وبقية إسناده ثقات.
وقوله: ((حامتي)) بالتشديد، أي خاصتي.
وعن أبي سعيد قال قال رسول الله وَله: نزلت هذه الآية في
خمسة: فيَّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ﴿إنما يريد الله ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ رواه ابن جرير، ورواه
أحمد في المناقب، والطبراني.
١/٢٨٣
وعن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله وَالـ / خطيباً،
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر
مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي عز وجل فأجيبه، وإني تارك فيكم
ثقلين: أولهما كتاب الله عز وجل، فيه الهدى والنور، فتمسكوا بكتاب
الله عز وجل، وخذوا به، وحث فيه ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي،
أذكركم الله عز وجل في أهل بيتي، ثلاث مرات. فقيل لزيد: من
أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى، إن نساءه من أهل
(١) في (أ، ش): خريرة. قال الشارح: بخاء معجمة ثم راء فتحتية فراء، ما
يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة.
- ٣٦٠ -