النص المفهرس

صفحات 321-340

وملائكته﴾(١)، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي وَّر من ذلك
أرفع مما يليق بغيره. والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم
النبي ◌َّر والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحليمي في ((الشعب))، معنى الصلاة على النبي
تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد، عظم محمداً، والمراد
تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة
بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى
هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾ ادعوا ربكم بالصلاة عليه.
انتهى .
ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن
يدعى لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به.
وما تقدم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ
الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى، وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين
بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير
الأنبياء، واختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى
قولنا: اللهم صل على محمد: ارحم محمداً، أو ترحم على محمد، جاز
لغير الأنبياء، وكذا لو كان بمعنى البركة، وكذلك الرحمة، لسقط
الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ويمكن الانفصال عنه بأن ذلك وقع بطريق التعبد فلا بد من
الاتيان به، ولو سبق الاتيان بما يدل عليه.
(١) سورة الأحزاب، الآية ٤٣ .
- ٣٢١ -

فإن قلت: في أي وقت وقع الأمر بالصلاة عليه وَ ظله ؟
فالجواب - كما قال أبو ذر الهروي -: أنه وقع في السنة الثانية من
الهجرة، وقيل ليلة الإسراء، وقيل: إن شهر شعبان شهر الصلاة على
رسول الله و18َ، لأن آية الصلاة - يعني ﴿إن الله وملائكته يصلون
على النبي﴾ نزلت فيه. والله أعلم.
[فائدة الصلاة عليه وَلَه]
صَلىالله
قال الحليمي: والمقصود بالصلاة عليه وَله التقرب إلى الله تعالى
بامتثال أمره تعالى، وقضاء حق النبي ◌َّ علينا.
وتبعه ابن عبد السلام، فقال في الباب الثامن من كتابه المسمى
((بشجرة المعارف)): ليست صلاتنا على النبي وَ لّ شفاعة له، فإن مثلنا
لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا
عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله - لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا -
إلى الصلاة عليه.
وذكر نحوه عن الشيخ أبي محمد المرجاني.
وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي
عليه، لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النية، وإظهار المحبة،
والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة والاليه .
[حكم الصلاة عليه وَالر]
واختلف في حكم الصلاة عليه - صلوات الله وسلامه عليه -
على أقوال
- ٣٢٢ -

أحدها: أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به
الإجزاء مرة.
الثاني: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد، قاله القاضي أبو
بكر بن بكير من المالكية(١)، وعبارته - كما قاله القاضي عياض -:
افترض الله تعالى على خلقه أن يصلوا على نبيه ملل ويسلموا تسليماً،
ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل
عنها .
الثالث: تجب كل ما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية،
والحليمي، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي: إنه الأحوط، وكذا
قاله الزمخشري. واستدلوا لذلك بحديث: (من ذكرت عنده فلم يصل
علي / فمات فدخل النار فأبعده الله) أخرجه ابن حبان من حديث أبي ٢٧٦/ب
هريرة. وحديث: (رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل علي) رواه
الترمذي من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم. وحديث (شقي عبد
ذكرت عنده فلم يصل علي) أخرجه الطبراني من حديث جابر. لأن
الدعاء بـ((الرغم والإبعاد والشقاء)) يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك
من علامات الوجوب. ومن حيث المعنى: إن فائدة الأمر بالصلاة عليه
مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فتتأكد إذا ذكر.
واستدلوا أيضاً: بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم
كدعاء بعضكم بعضاً﴾(٢) فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كآحاد
الناس.
(١) محمد بن أحمد. هو من كبار أصحاب القاضي إسماعيل، ومن الفقهاء
الثقات، له كتاب أحكام القرآن وغيره، ولي القضاء وتوفي سنة خمسين
وثلاثمائة .
(٢) سورة النور، الآية ٦٣ .
- ٣٢٣ -

وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها:
أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو
مخترع.
ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلي عليه،
وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر بآية فيها ذكره رول # في القرآن،
وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان في ذلك من
المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة المطهرة بخلافه، ولكان
الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به.
وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب
الصلاة كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن
أحد من الصحابة أنه خاطب النبي وَّ فقال: يا رسول الله صلى الله
عليك، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى.
وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد
ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة:
فلا دلالة على تكرر وجوب ذلك بتكرر ذكره وَله في المجلس الواحد،
انتهى ملخصاً، والله أعلم.
الرابع: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مراراً. حكاه
الزمخشري .
الخامس: في كل دعاء، حكاه أيضاً.
السادس: أنها من المستحبات، وهو قول ابن جرير الطبري،
وادعى الإجماع على ذلك، واحتج على ذلك مع ورود صيغة الأمر
بذلك، بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، أن
- ٣٢٤ -

ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى يكون تارك ذلك عاصياً، فدل على أن
الأمر فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة.
قال في فتح الباري: وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره
الإجماع على مشروعية ذلك في الصلاة، إما بطريق الوجوب، وإما
بطريق الندب، ولا يعرف عن السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه
ابن أبي شيبة والطبراني عن إبراهيم النخعي أنه كان يرى أن قول
المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته مجزئ
عن الصلاة، ومع ذلك: إنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة.
السابع: تجب في العمر مرة في الصلاة أو غيرها، ككلمة
التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية .
الثامن: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، ونقل ذلك عن
أبي جعفر الباقر.
التاسع: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق بن
راهويه .
العاشر: تجب في القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام
التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه.
واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن
خزيمة والحاكم عن أبي مسعود البدري: (أنهم قالوا يا رسول الله: أما
السلام عليك فقد عرفناه، فكيف / نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك ١/٢٧٧
في صلاتنا فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ..
الحديث. ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في
التشهد، الذي كان قد علمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن.
- ٣٢٥ -

وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ورواه الشافعي في
مسنده عن أبي هريرة بمثله.
وقد احتج بهذه الزيادة(١) جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة،
والبيهقي، الإيجاب الصلاة عليه وَلَ [في التشهد](٢) بعد التشهد وقبل
السلام .
وقال الشافعي في الأم: فرض الله الصلاة على رسول الله وَليه
بقوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليماً﴾ ولم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه
في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي وَلقر بذلك: أخبرنا إبراهيم بن
محمد، حدثنا صفوان بن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة أنه قال: يا رسول الله، كيف نصلي عليك - يعني في الصلاة -
قال: تقولون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على
إبراهيم الحديث. أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني سعيد بن إسحاق
ابن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة
عن النبي وَلّ أنه كان يقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم الحديث.
قال الشافعي: فلما روي أن النبي ◌ّلير كان يعلمهم التشهد في
الصلاة، وروي أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة، لم يجز أن
نقول: التشهد في الصلاة واجب والصلاة فيه غير واجبة.
(١) يعني قوله ((في صلاتنا)).
(٢) في (ب، د، ط).
- ٣٢٦ -

[مناقشة رأي الإمام الشافعي]
وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:
أحدها: ضعف إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، والكلام فيه
مشهور(١).
الثاني: على تقدير صحته فقوله في الأول: يعني في الصلاة، لم
يصرح بالقائل ((يعني))(٢).
الثالث: قوله في الثاني(٣): ((أنه كان يقول في الصلاة)) وإن كان
ظاهره أن المراد الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله في
الصلاة، أي في صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قوي، لأن أكثر
الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة
لا عن محلها.
الرابع: ليس في الحديث ما يدل على تعيين ذلك في التشهد،
خصوصاً بينه وبين السلام.
وقد أطنب قوم من متأخري المالكية وغيرهم في التشنيع على
الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة وزعم أنه تفرد بذلك.
(١) جاء في الأصل هنا: ((إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق
المدني، متروك من السابعة مات سنة أربع وثمان [كذا في الأصل] وقيل
إحدى وتسعين)). واعتقد أن هذه الترجمة كانت حاشية بين الأسطر على
الأصل المنقول منه فأدخلها الناسخ في الأصل ظناً منه أنها استدراك، ولذا
وضعتها في الحاشية. [م].
(٢) حتى يعلم هل هو ممن يقبل تفسيره أم لا .
(٣) أي الحديث الثاني.
- ٣٢٧ -

وحكى الإجماع على خلافه جماعة، منهم أبو جعفر الطبري
والطحاوي وابن المنذر والخطابي(١).
وحكى القاضي عياض في الشفاء مقالاتهم. وقد عاب عليه غير
واحد، وقالوا: كان ينبغي سكوته عنها، لأن مبنى تأليفه ((الشفاء)) على
كمال المبالغة في تعظيمه وَير، وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة
عليه في الصلاة من غرض المبالغة في تعظيمه، وقد استحسن هو
القول بطهارة فضلاته، مع أن الأكثر على خلافه، لكنه استجاده لما فيه
من الزيادة في تعظيمه، وكيف ينكر القول بوجوب الصلاة عليه وهو
من جنس الصلاة ومقتضياتها، وإذا شرع السلام فيها على نفس المصلي
وعلى عباد الله الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين؟
وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعي، كالحافظ
عماد الدين بن كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام والحفاظ أبي
الفضل بن حجر، وتلميذه شيخنا الحافظ (٢) والعلامة أبي أمامة بن
النقاش (٣) وغيرهم ممن يطول عدهم.
واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ،
فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود،
وأبو مسعود البدري وجابر بن عبدالله، / ونقله أصحاب الشافعي عن
عمر بن الخطاب، وابنه عبدالله، ومن التابعين: الشعبي، فيما رواه
البيهقي كما سيأتي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل.
٢٧٠/ب
(١) ((الخطابي)) سقط من ط.
(٢) أي السخاوي.
(٣) لم يرد ذكر النقاش في (ا، ش).
- ٣٢٨ -

وأخرج الحاكم - بسند قوي - عن ابن مسعود قال: يتشهد
الرجل ثم يصلي على النبي وَّ ثم يدعو لنفسه. قال الحافظ ابن
حجر: وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن
النبي ◌َّ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء
ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء، دل
على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من
تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي [وادعى](١)
مثل ما ذكره القاضي عياض قال، وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه
له النبي وَلا ليس فيه ذكر الصلاة عليه.
وفي جزء الحسن بن عرفة، وأخرج (٢) المعمري (٣) في عمل اليوم
والليلة (٤) عن ابن عمر - بسند جيد - قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة
وتشهد وصلاة عليّ.
وأخرج البيهقي في الخلافيات - بسند قوي - عن الشعبي، وهو
من كبار التابعين، قال: كنا نُعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله، يحمد ربه ويثني عليه ثم يصلي على النبي ◌َّ ثم يسأل
حاجته .
وفي حديث أبي جعفر، عن ابن مسعود، مرفوعاً: من صلى
(١) في (ط، ش).
(٢) في ش: وأخرجه.
(٣) الحافظ العلامة الحسن بن علي بن شبيب البغدادي. قال الخطيب كان من
أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب ينفرد بها،
صدوق، مات سنة خمس وتسعين ومائتين.
(٤) كذا في الأصل: وفي النسخ: عمل يوم وليلة.
- ٣٢٩ -

صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه. قال الدارقطني:
والصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: لو صليت
صلاة لم أصل فيها على النبي وَلّه وعلى أهل بيته لرأيت أنها لا تتم،
لكن راويه عن أبي جعفر جابر الجعفى وهو ضعيف. كذا في الشفاء.
وقد وافق الشافعي من فقهاء الأمصار أحمد في إحدى الروايتين
عنه، وعمل به أخيراً، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي(١)، فيما ذكره
الحافظ ابن كثير، وأوجب إسحاق بن راهويه الإعادة مع تعمد تركها
دون النسيان، والمشهور عن أحمد أنها تبطل بتركها عمداً أو سهواً،
وعليه أكثر أصحابه، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في
الصلاة عليه: صلى الله عليه وسلم، كما علمهم أن يقولوا لما سألوه،
كما ذكره ابن كثير، ووافق الخرقي(٢) إسحاق في التقييد بالعمد دون
السهو.
والخلاف أيضاً عند المالكية كما ذكره ابن الحاجب في سنن
الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد
أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام الإمام ابن المواز(٣) وبه صرح
عنه ابن القصار(٤)، وعبد الوهاب(٥)، كما في الشفاء بلفظ: إنه يراها
(١) الحافظ، شيخ الشام، قال أبو حاتم صدوق. مات سنة إحدى وثمانين
ومائتين، وله تصانيف.
(٢) أبو القاسم عمر بن الحسين البغدادي، شيخ الحنابلة، الفقيه صاحب
المختصر، وكان له تصانيف كثيرة أودعها ببغداد وسافر فاحترقت.
(٣) محمد بن إبراهيم الاسكندري، كان راسخاً في الفقه والفتيا، مجتهداً في
المذهب، انتهت إليه رئاسة المالكية بمصر. مات سنة تسع وستين ومائتين.
(٤) علي بن أحمد البغدادي، قاضيها الفقيه الأصولي، له تصانيف، مات سنة
ثمان وتسعين ثلاثمائة .
(٥) عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، أحد الأعلام وأئمة المالكية =
- ٣٣٠ -

فريضة في الصلاة كقول الشافعي، قال: وحكى أبو يعلى العبدي(١)
عن المذهب فيها ثلاثة أقوال في الصلاة: الوجوب، والسنة، والندب.
ورأيت مما يعزى للقاضي أبي بكر بن العربي في ((سراج المريدين)): قال
ابن المواز والشافعي: الصلاة على النبي ◌ُّر من فرائض الصلاة وهو
الصحيح. انتهى .
وقد يلزم القائل من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر
كالطحاوي، ونقله السروجي في شرح الهداية عن أصحاب المحيط
والعقد والتحفة من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره
وَ في آخر التشهد في قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله، لكن لهم
أن يلتزموا ذلك ولا يجعلونه شرطاً في صحة الصلاة.
ولم يخالف الشافعي أحد من أصحابه في ذلك. بل قال بعض
أصحابنا بوجوب الصلاة على الآل، كما حكاه البندنيجي والدارمي،
ونقله إمام الحرمين والغزالي قولاً عن الشافعي، قال الحافظ ابن كثير:
والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، والقول بوجوبه
ظهور للحديث.
وأما مخالفة الخطابي من أصحاب الشافعي / فلا يعتد به لمقتضى ١/٢٧٨
الآمر المحمول على الوجوب إجماعاً، وأولى أحواله الصلاة ولا مانع من
احتمال كونه مراداً. وأما قوله: ولا أعلم له فيها قدوة، فيقال عليه: لا
= المجتهدين في المذهب، تحول إلى مصر لضيق حاله. مات سنة اثنتين
وعشرين وأربعمائة.
(١) أبو يعلى أحمد بن محمد العبدي إمام المالكية بالبصرة، له تصانيف، وكان
مشهوراً بإمامة وتقدم وصلاح.
- ٣٣١ -

ريب أن الشافعي قدوة يقتدى به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له
فيه إلى غيره.
وأما قوله في ((الشفاء)): والدليل على أنها ليست من فروض
الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه. ففيه
نظر، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن
ذلك ليس بواجب، وأنى يوجد ذلك؟
وأما قوله: وقد شنع الناس عليه - يعني الشافعي - في هذه
المسألة جداً، فلا معنى له، وأي شناعة في ذلك؟ ولم يخالف فيه نصاً
ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحة راجحة. بل القول بذلك من محاسن
مذهبه، ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلق الله
في الصلاة التي هي رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار
شارعها والثناء عليه أولى بالتشنيع.
وأما نقله الإجماع فقد تقدم ما فيه.
وأما قوله: إن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود، فلم يقل به
أحد، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس كما سيأتي إن شاء الله
تعالى في مقصد عباداته.
وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي
وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن
عبيد قال: سمع النبي ◌َّ رجلاً يدعو في صلاته، لم يحمد الله ولم
يصل على النبي ◌َّي فقال: عجل هذا، ثم دعاه إليه فقال: إذا صلى
أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي بَّر ثم
لیدع بما شاء.
- ٣٣٢ -

قلت: ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعي وسره الساري، أن
القاضي عياضاً ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذي من غير أن
يطعن في سنده بعد قوله: ((فصل في المواطن التي تستحب فيها الصلاة
على النبي (وَ﴾ ويرغب)) من ذلك: في تشهد الصلاة، وذلك بعد
التشهد وقبل الدعاء.
وهذا الحديث - كما ترى - من أعظم الأدلة لنا.
فإن قال قائل: ليس لكم فيه دلالة لأنه قال: سمع فيه رجلاً
يدعو في صلاته، ولم يقل في تشهده.
فيجاب: بأنه يلزم على هذا أن القاضي عياضاً ساقه في غير
محله، لأنه عقد الفصل - كما قدمته ــ لبيان مواطن استحباب الصلاة.
ثم قال: ومن ذلك في تشهد الصلاة.
وفي ((مصابيح)) البغوي، من حديث فضالة بن عبيد هذا ما يدل
على أنه كان في التشهد، ولفظه: قال دخل رجل فقال اللهم اغفر لي
وارحمني، فقال رسول الله وَلقوله: عجلت أيها المصلي، إذا صليت
فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل عليّ، ثم ادعه.
وفي قوله: ((عجلت)) استلواح فوات الكمال عن الحقيقة المجزئة،
إذ لو كانت مجزئة لما حسن اللوم والتعليم بصيغة الأمر، فإن قيل إنه
في مقام تعليم المستحبات إذ لو كان في الواجبات لأمره بالإعادة، كما
أمر المسيء صلاته، فيجاب: بأن في قوله هذا غنية عن الأمر بالإعادة،
لأنه حيث علمه ما هو الواجب علم قطعاً أنه لم يأت به أولاً فلم يكن
آتياً به فوجبت إعادته، وهم أهل الفهم والعرفان.
فإن قال: إن قوله ((فقعدت)) يحتمل أن يكون عطفاً على مقدر،
تقديره: إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله .
- ٣٣٣ -

فيجاب: بأن الأصل عدمه، وإنما هو عطف على المذكور، أي:
إذا كنت في الصلاة فقعدت للتشهد فاحمد الله، أي أثن عليه بقولك،
التحيات لله الخ والله أعلم.
وقال الجرجاني من الحنفية وغيره: لو كانت فرضاً للزم تأخير
البيان عن وقت الحاجة، لأنه مَّ علمهم التشهد وقال: فليتخير من
الدعاء ما شاء، ولم يذكر الصلاة عليه.
وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ.
وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: قد ورد هذا
الصحيح بلفظ: ثم ليتخير/، و((ثم)) للتراخي، فدل على أنه كان هناك
شيء بين التشهد والدعاء، انتهى.
٢٧٨ /ب
وقد أطنب الشيخ أبو أمامة بن النقاش في تفسيره في الانتصار
للشافعي في هذه المسألة، مما يطول ذكره، فالله يثيبه على قصده
الجمیل.
[صفة الصلاة عليه {َ*]
وأما صفة الصلاة عليه وَليّ، (فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى
قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي وَل
خرج علينا، فقلنا يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف
نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى
آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) رواه البخاري
ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي .
- ٣٣٤ -

فإن قلت: كيف يطابق قوله: (اللهم صل على محمد) قوله: (كما
صليت على آل إبراهيم)؟
أجاب القاضي عياض: بأن ((آل)) مقحم، كما في قوله {وَالّ في
أبي موسى: (إنه أعطي مزماراً من مزامير آل داود)، ولم يكن له آل
مشهور بحسن الصوت.
وقد روى هذا الحديث ابن أبي حاتم بلفظ: لما نزلت ﴿إن الله
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا
تسليماً﴾(١) قال: قلنا يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول(٢): وعلينا معهم.
وعن أبي حميد الساعدي: (أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي
عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت
على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على
[إبراهيم وعلى](٣) آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (٤) رواه الإمام أحمد(٥)
(١) سورة الأحزاب الآية ٥٦ .
(٢) أي يزيد المصلي ((وعلينا معهم)) رجاء بركة اللحاق بهم.
(٣) في (ط، ب، د).
(٤) نص الحديث عند أحمد (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت
على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل
إبراهيم إنك حميد مجيد) المسند ٤٢٤/٥.
(٥) قال الشارح، وكذا رواه البخاري ومسلم كلاهما من طريق مالك، وهو في
الموطأ، فقصر المصنف في العزو.
- ٣٣٥ -

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: (أتانا رسول الله وَل ◌ُ ونحن في
مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك،
فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله وَلقر حتى تمنينا أنه لم
يسأله، ثم قال رسول الله وَلير: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما
باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد،
والسلام كما قد علمتم، رواه مالك ومسلم وغيرهما .
[وجه التشبيه بالصلاة على إبراهيم]
فإن قلت: ما موقع التشبيه في قوله: (كما صليت على إبراهيم)،
مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به؟ والواقع هنا عكسه، لأن محمداً
وَ الر وحده أفضل من إبراهيم ومن آل إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف
إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل
من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره.
فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة:
منها: أنه وَلّ قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم.
وقد أخرج مسلم حديث أنس: أن رجلاً قال للنبي وَّةُ: يا خير
البرية، قال: ذاك إبراهيم.
وتعقب: بأنه لو كان كذلك لغير صيغة الصلاة عليه بعد أن
علم أنه أفضل.
ومنها: أنه قال ذلك تواضعاً، وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك
الفضيلة .
ومنها: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا
- ٣٣٦ -

للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى
نوح﴾(١)، وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان،
ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿وأحسن كما
أحسن الله إليك﴾(٢)، ورجح هذا القول القرطبي في ((المفهم)).
/ومنها: أن قوله: (اللهم صل على محمد) مقطوع عن التشبيه، ٢٧٩
فيكون التشبيه(٣) متعلقاً بقوله: (وعلى آل محمد)
وتعقب: بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف
يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله.
ويمكن الجواب عنه: بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع
الصفات التي كانت سبباً للثواب.
وقد نقل العمراني (٤) في ((البيان))(٥) عن الشيخ أبي حامد أنه
نقل هذا الجواب عن نص الشافعي. واستبعد ابن القيم صحة ذلك
عن الشافعي، لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا
الكلام المستلزم هذا التركيب الركيك البعيد من كلام العرب، كذا
قال. وتعقبه الحافظ ابن حجر(٦) فقال: ليس التركيب المذكور ركيكاً،
(١) سورة النساء، الآية ١٩٣.
(٢) سورة القصص، الآية ٧٧ .
(٣) قوله ((فيكون التشبيه)) سقط من (أ).
(٤) الإمام يحيى بن سالم من بني عمران من اليمن، نشر العلم ببلاده، توفي
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة .
(٥) اسم شرح العمراني على المهذب.
(٦) في (ش): ابن كثير.
- ٣٣٧ -

بل التقدير: اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت
الخ، فلا يمتنع الشبيه بالجملة الثانية.
ومنها: رفع المقدمة المذكورة أولاً، وهي أن المشبه به يكون أرفع
من المشبه، وأن ذلك ليس مطرداً، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل
بالدون، كما في قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾(١)، وأين يقع نور
المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئاً
ظاهراً واضحاً للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا: لما كان
تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع
الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما
حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله
(في العالمين) أي كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في
العالمين، ولهذا لم يقع (في العالمين) إلا في ذكر إبراهيم دون ذكر آل
محمد على ما وقع في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي
مسعود الأنصاري الذي ذكرته.
وهذا معنى قول الطيبي: وليس التشبيه المذكور من باب إلحاق
الناقص بالكامل، لكن من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.
وقال النووي: أحسن الأجوبة ما نسب إلى الشافعي: أن
التشبيه لأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع.
وقال ابن القيم - بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع
بالمجموع -: وأحسن منه أن يقال: هو ◌َل# من آل إبراهيم، وقد ثبت
ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل
(١) سورة النور، الآية ٣٥.
- ٣٣٨ -

إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾(١) قال: محمد من آل إبراهيم،
فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصاً بقدر ما صلينا
عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموماً، فيحصل لآله ما يليق بهم،
ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم.
وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من
المطلوب بغيره من الألفاظ.
وقال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت
إبراهيم: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾(٢) وقد
علم أن محمداً وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال: قولوا
اللهم أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما
أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما
ختم به الآية وهو قوله إنك حميد مجيد.
ومما يعزى للعارف الرباني أبي محمد المرجاني أنه قال: وسر قوله
وسلم: (كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم) ولم يقل: كما
صليت على موسى، لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان التجلي له
بالجلال، فخر موسى صعقاً، والخليل إبراهيم كان التجلي له بالجمال،
لأن المحبة والخلة من آثار التجلي بالجمال، / فلهذا أمرهم صلوات الله ٢٧٩/ب
وسلامه عليه أن يصلوا عليه كما صلى على إبراهيم، فيسألوا له التجلي
بالجمال، وهذا لا يقتضي التسوية فيما بينه وبين الخليل صلوات الله
وسلامه عليهما، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلي بالوصف الذي
تجلى به للخليل عليه الصلاة والسلام، فالذي يقتضيه الحديث المشاركة
(١) سورة آل عمران، الآية ٣٣.
(٢) سورة هود، الآية ٧٣.
- ٣٣٩ -

في الوصف الذي هو التجلي بالجمال، ولا يقتضي التسوية في المقامين
ولا الرتبتين، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب
مقاميهما، وإن اشتركا في وصف التجلي بالجمال، فيتجلى لكل واحد
منهما بحسب مقامه عنده، ورتبته منه ومكانته، فيتجلى للخليل عليه
الصلاة والسلام بالجمال بحسب مقامه، ويتجلى لسيدنا محمد دَاله
بالجمال بحسب مقامه، فعلى هذا يفهم الحديث. انتهى.
[المقصود بـ((آل محمد))]
فإن قلت: ما المراد بآل محمد في هذا الحديث؟
فالجواب: إن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص
عليه الشافعي، واختاره الجمهور، ويؤيده قوله وقّ للحسن بن علي:
(إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)(١)
وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته.
وقيل: المراد بهم جميع الأمة أمة الإجابة. حكاه أبو الطيب
الطبري عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده
القاضي حسين بالانقياد منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده ما
رواه تمام في فوائده، والديلمي عن أنس قال: سئل رسول الله ولاين :
من آل محمد؟ فقال: كل تقي من أمة محمد، زاد الديلمي: ثم قرأ:
﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾(٢)، وإسنادهما ضعيف، لكن ورد ما يشهد
لذلك في الصحيحين كحديث (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما
ولبي الله وصالح المؤمنين). انتهى ملخصاً.
(١) رواه أحمد والطبراني بإسناد قوي.
(٢) سورة الأنفال، الآية ٣٤.
- ٣٤٠ -