النص المفهرس

صفحات 301-320

نُحلت بما يلقون من بينهم وحدي
تشكي المحبون الصبابة ليتني
فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها
[٥ - كثرة ذكره {وَلا]
ومن علامات محبته وَ لّ كثرة ذكره، فمن أحب شيئاً أكثر من
ذكره .
١/٢٧٣
ولبعضهم: المحبة دوام الذكر/ للمحبوب، ولآخر: ذكر "
المحبوب على عدد الأنفاس.
ولغيره: للمحب ثلاث علامات: أن يكون كلامه ذكر
المحبوب، وصمته فكراً فيه، وعمله طاعة له.
وقال المحاسبي: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق
الدوام، لا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون، وقد أجمع الحكماء على أن
من أحب شيئاً أكثر من ذكره(١)، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب
المحبين لا يريدون به بدلاً ولا يبغون عنه حولاً، ولو قطعوا عن ذكر
محبوبهم لفسد عيشهم، وما تلذذ المتلذذون بشيء ألذ من ذكر
المحبوب. انتهى .
فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات،
وانقطت أوهامهم عن عارض دواعي الشهوات، ورقت إلى معادن
الذخائر وبغية الطلبات، وربما تزايد وجد المحب، وهاج الحنين وباح
(١) هو حديث مرفوع رواه أبو نعيم والديلمي عن عائشة.
- ٣٠١ -

الأنين، وتحركت المواجيد، وتغير اللون، واستبسلت(١) الجوارح، وفتر
البدن واقشعر الجلد، وربما صاح، وربما بكى، وربما شهق وربما وَله (٢)
وربما سقط، ولسيدي محمد وفا:
باح المحب بما تخفي ضمائره
إذا أباح دم المهجور هاجره
لما جرى بالذي تخفي سرائره
أيكتم الحب صب باح مدمعه
ودمعه في أماقيه خواطره
كأنما قلبه أجفان مقلته
يا جيرة الجزع هل من جيرة لفتى
عليه في حكمه قد جار جائره
من الغرام به تعلو منابره
آه وكم لي على خطب الهوى خطب
تخفى البدور إذا لاحت بوادره
مهفهف أبلج بدر على غصن
مورد آسه تزهو أزاهره(٣)
مطرز الخد بالريحان في ضرج
منضر الحسن قد قلت نظائره
مكمل الخلق ما تحصى خصائصه
وربما زاد الوجد على المحب فقتله.
أول نقد أثمان المحبة بذل الروح، فما للمفلس الجبان وسَوْمها؟!
بدم المحب يباع وصلهم، تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا
كسدت فينفقها بالنسيئة المعسرون، لقد أسيمت (٤) للعرض في سوق
من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون(٥)،
(١) في (ش): واسترسلت.
(٢) أي ذهب عقله.
(٣) في (ط، ش): زواهره.
(٤) في (أ): اتسمت.
(٥) في (ط) المبطلون .
- ٣٠٢ -

وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمناً فدارت السلعة بينم
ووقعت في يد ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾(١).
[لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى،
فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون
في الشهود، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قل إن كنتم تحبون
الله فاتبعوني يحببكم الله﴾(٢)، فتأخر أكثرهم وثبت أتباع الحبيب في
أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، بتزكية ﴿يجاهدون في
سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾(٣)، فتأخر أكثر المحبين وقام
المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فهلموا
إلى بيعة ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ (٤)، فلما
عرفوا عظمة ذلك المشتري وفضل الثمن وجلالة من أجري على يده
عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأناً عظيماً، فرأوا من أعظم
الغبن أن يبيعوها بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي،
من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم
العقد وسلموا المبيع قيل لهم؛ قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا،
رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا
في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله
من فضله﴾(٥)](٦).
(١) سورة المائدة، الآية ٥٤ .
(٢) سورة آل عمران، الآية ٣١.
(٣) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(٤) سورة التوبة، الآية ١١١.
(٥) سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
(٦) هذه الفقرة ليست في الأصل، وقد وردت في النسخ الأخرى، ولكنها =
- ٣٠٣ -

فذكره سير جلاء قلوبنا، وشفاء صدورنا، وحلاوة ألسنتنا في
جميع الحالات، على اختلاف الأوقات والساعات، يتشرَّف بذكره في
جميع العبادات، وفي الجمع والجماعات، والخطب والصلوات، وسائر
التقلبات والتصرفات، حتى في المعاطاة والمبايعات، وعقود المصالحات،
واستفتاح المعاقدات والمعاهدات، وخصوصاً عند الأذكار والدعوات،
فإن بها وُلُوجِها في أبواب الإجابات(١).
صَلىالله
[٦ - تعظيمه عند ذكره
ومن علامات محبته بَ له تعظيمه عند ذكره، وإظهار الخشوع
والخضوع والانكسار(٢) مع سماع اسمه، فكل من أحب شيئاً خضع
له، كما كان كثير من الصحابة بعده إذا ذكروه خشعوا واقشعرت
جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين فمن بعدهم يفعلون
ذلك محبة وشوقاً وتهيباً وتوقيراً.
قال أبو إبراهيم التجيبي (٣): واجب على كل مؤمن متى ذكره،
أو ذكر عنده، أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ في
هيبته وإجلاله، بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما
أدبنا الله به.
= وردت في (د) وكذلك وردت هي والفقرة التي قبلها في (ش) قبل ذلك
عقب فقرة (نصر دینه)).
(١) هذه الفقرة وردت في الأصل فقط ولم ترد في بقية النسخ.
(٢) كلمة ((الانكسار)) سقطت من ط.
(٣) إسحاق بن إبراهيم التجيبي نسبة إلى تجيب قبيلة من كنده، الإمام في
الحدیث.
- ٣٠٤ -

وكان أيوب السختياني(١) إذا ذكر النبي ◌ُّ بكى حتى نرحمه.
وكان جعفر بن محمد(٢) كثير الدعاية والتبسم، فإذا ذكر النبي
وَل اصفر لونه.
وكان عبد الرحمن / بن القاسم (٣) إذا ذكر النبي وَله ينظر إلى ٢٧٣/ب
لونه كأنه قد نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم .
وكان عبدالله بن الزبير إذا ذكر عنده النبي وَلّ بكى حتى لا
یبقی في عينيه دموع.
وكان الزهري من أهنأ الناس وأقربهم (٤)، فإذا ذكر عنده النبي
فكأنك ما عرفته ولا عرفك.
دَله
وكان صفوان بن سليم(٥) من المتعبدين المجتهدين (٦)، فإذا ذكر
عنده النبي ◌َّ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه.
(١) أبو بكر البصري ثقة ثبت عن كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى
وثلاثين ومائة.
(٢) جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه.
(٣) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(٤) أي أقربهم إلى الناس بالتودد.
(٥) صفوان بن سليم، ثقة عابد من رجال الجميع مات سنة اثنتين وثلاثين
ومائة .
(٦) في ط: المتهجدين.
- ٣٠٥ -

وكان قتادة(١) إذا سمع الحديث، أخذه البكاء والعويل
والزويل (٢) .
أشار إلى ذلك القاضي عياض (٣).
[٧ - الشوق إلى لقائه (وَلٌ]
ومن علامات محبته وَي كثرة الشوق إلى لقائه، إذ كل حبيب
يحب لقاء حبيبه. ولبعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وعن
معروف الكرخي (٤): المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات، أو
مشاهدة أسرار الصفات، فيرى بلوغ السؤل ولو بمشاهدة الرسول.
ولهذا كانت الصحابة رضي الله عنهم إذا اشتد بهم الشوق وأزعجتهم
لواعج المحبة قصدوا رسول الله وَله واشتفوا بمشاهدته، وتلذذوا
بالجلوس معه والنظر إليه والتبرك به وتاليه .
وعن عبدة بنت خالد بن معدان(٥): ما كان خالد يأوي إلى
فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله وَّيه وإلى أصحابه من
(١) قتادة بن دعامة التابعي المفسر المشهور.
(٢) الزويل: القلق والانزعاج.
(٣) في الشفاء، في الفصل الثالث (حرمته وتوقيره وَ(18) من الباب الثالث من
القسم الثاني. ٩١/٢. والذي في الشفاء عن عامر بن عبدالله بن الزبير
وليس عن عبدالله كما ذكر المصنف هنا [المحقق].
(٤) من المشايخ الكبار، شيخ السلسلة، أستاذ السري السقطي، وكان أحمد بن
حنبل وابن معين يختلفان إليه ويسألانه ولم يكن في علم الظاهر مثلهما،
مات سنة مائتين.
(٥) خالد بن معدان عابد ثقة روى له الستة، مات سنة ثلاث ومائة.
- ٣٠٦ -

المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن
قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم.
ولما احتضر بلال نادت امرأته، واحَرَباه(١)، فقال: واطرباه،
غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه.
إذا ذاق المحب طعم المحبة اشتاق وتأججت نيران الحب
والطلب في قلبه، ويجد الصبر عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل:
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد(٢)
وعن زيد بن أسلم(٣): خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ليلة يحرس فرأى مصباحاً في بيت فإذا عجوز تنفش صوفاً وتقول:
على محمد صلاة الأبرار صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قواماً بكاء بالأسحار يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
تعني النبي ◌ُّ﴾، فجلس عمر يبكي، ثم قام إلى باب خيمتها
فقال: السلام عليكم، ثلاث مرات فقال لها: أعيدي علي قولك،
فأعادته بصوت حزين، فبكى وقال لها: وعمر لا تنسينه يرحمك الله،
فقالت: وعمر فاغفر له يا غفار.
ويحكى أنه رؤيت امرأة مسرفة على نفسها، بعد موتها، فقيل
(١) في (ب، د) واحزناه، وحَرَباه: من الحرب: النهب فكأنها لتفجعها نهبت
وسلبت.
(٢) في (ش): فإنه مذموم.
(٣) ثقة عالم، من رجال الجميع مات سنة ست وثلاثين ومائة.
- ٣٠٧ -

لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي، قيل: بماذا؟ قالت بمحبتي للنبي
وَ* وشهوتي النظر إليه، فنوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا
فنستحي أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين من يحبه.
[٨ - حب القرآن]
ومن علامات محبته وَيّ حب القرآن الذي أتى به، واهتدى به
وتخلق به، وإذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله
ورسوله فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من
التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن
من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه، كما قيل:
فلم هجرت كتابي
إن كنت تزعم حبي
ـه من لذيذ خطابي
أما تأملت ما في
ويروى أن عثمان بن عفان قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من
١/٢٧٤ كلام الله/، وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه.
قال النبي وَ لّ لعبد الله بن مسعود: اقرأ علي، قال: أقرأ عليك،
وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فاستفتح وقرأ
سورة النساء حتى بلغ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك
على هؤلاء شهيدا﴾(١) قال: حسبك، فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله
رَ *تذرفان من البكاء. رواه البخاري.
وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه، قال الله تعالى:
(١) سورة النساء، الآية ٤١ .
- ٣٠٨ -

﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما
عرفوا من الحق﴾(١).
قال صاحب ((عوارف المعارف)) - أذاقنا الله حلاوة مشربه -: هذا
السماع هو السماع الحق، الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان،
محكوم لصاحبه بالهداية، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين،
فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزناً، والحزن حار، وتارة يثير
شوقاً، والشوق حار، وتارة يورث(٢) ندماً، والندم حار، فإذا أثار
السماع هذه الصفات، من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين بكى
وأبكى، لأن الحرارة والبرودة إذا اضطربتا عصرتا ماء، فإذا ألَّ السماع
بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره في الجسد ويقشعر منه الجلد، قال
الله تعالى: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾(٣)، وتارة يعظم
وقعه ويتصوب أثره - أي يقصد (٤) - نحو الدماغ فتندفق منه العين
بالدمع، وتارة يتصوب أثره إلى الروح، فتموج منه الروح موجاً،
ويكاد يضيق عنه نطاق القالب، فيكون(٥) من ذلك الصياح
والاضطراب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الأحوال.
وقد كان ابن عمر، رضي الله عنهما، ربما مر بآية في ورده
فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب
مريضاً.
(١) سورة المائدة، الآية ٨٣.
(٢) في (ط): يثير.
(٣) سورة الزمر، الآية ٢٣ .
(٤) في (ط): يصعد.
(٥) أي يوجد.
- ٣٠٩ -

وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعري
يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون.
فلمحبي السماع القرآني من الوجد والذوق واللذة والحلاوة
والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني، فإذا رأيت الرجل ذوقه
ووجده وطربه ونشأته(١) في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي
سماع الألحان دون سماع القرآن كما قيل: نقرأ عليك الختمة وأنت
جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشواني، فاعلم أن هذا
من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله ورسوله، أدام الله لنا
حلاوة محبته، ولا سلك بنا في غير سبيل سنته، بمنه ورحمته.
[٩ - حب السنة]
ومن علامات محبته بَ ل محبة سنته، وقراءة حديثه، فإن من
دخلت حلاوة الإيمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلام الله تعالى، أو
من حديث رسوله وَّل تشربتها روحه وقلبه ونفسه، ويقول:
أشم منك نسيماً لست أعرفه أظن لمياء جرت فيك أرداناً(٢)
فتعمه تلك الكلمة وتشمله، فتصير كل شعرة منه سمعاً، وكل
ذرة منه بصراً، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل ويقول:
لي حبيب خياله نصب عيني سره في ضائري مدفون(٣)
إن تذكرته فكلي قلوب أو تأملته فكلي عيون
(١) أي زيادته في الطرب.
(٢) لمياء: صفة لأنثى قامت بشفتها اللمى، وهي سمرة تستحسن، والأردان:
جمع ردن: ثوب خز وغزل.
(٣) في (ش): مكنون.
- ٣١٠ -

فحينئذ يستنير قلبه، ويشرق سره، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق
عند ظهور البراهين، ويرتوي بري عطف محبوبه، الذي لا شيء أروى
لقلبه من عطفه عليه، ولا شيء أشد للهيبه وحريقه من إعراضه عنه،
ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم من
العذاب الجسماني، كما/ أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى وسماع خطابه ٢٧٤/ب
ورضاه وإقباله أعظم من النعيم الجسماني، لا حرمنا الله ذوق حلاوة
هذا المشرب.
◌َ ]
[١٠ - محبة ذكره
ومن علامات محبته ويله أن يلتذ محبه بذكره الشريف ويطرب
عند سماع اسمه المنيف، وقد يوجب له ذلك سكراً(١) يستغرق قلبه
وروحه وسمعه.
وسبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة إدراك
المحبوب وَس1، فإذا كانت المحبة قوية وإدراك هذا المحبوب قوياً كانت
اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين. فإن كان العقل قوياً مستحكماً
لم يتغير لذلك(٢)، وإن كان ضعيفاً حدث السكر المخرج له عن
حکمه(٣).
وقد حدوا السكر بأنه: سقوط التمالك في الطرب، كأنه يبقى في
السكران بقية يلتذ بها ويطرب، فلا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن
یفنى معها .
(١) حالة تشبه حالة السكران.
(٢) هذا هو المسلك الصحيح الذي كان عليه جيل الصحابة فلم يذكر عن
واحد منهم أنه خرج إلى ذلك الحد الذي يسمونه السكر. [م].
(٣) أي المخرج للعقل عما يليق به.
- ٣١١ -

وقد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث
يختلط كلامه وتتغير أفعاله، بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة
شارب الخمر.
وربما قتله سكر هذا الفرح بسبب طبيعي، وهو انبساط دم
القلب وهلة واحدة انبساطاً غير معتاد، والدم هو حائل الحار
الغريزي، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت.
ومن هذا قول سكران الفرح - بوجود راحلته في المفازة بعد أن
استشعر الموت -: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه،
وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب، فصور في نفسك حال فقير معدم،
عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمناً
مطمئناً، كيف تكون سكرته؟ أو من غاب عنه غلامه بمال عظيم مدة
سنين، حتى أضرَّ به العدم، فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله،
وقد کسب أضعافه، كيف تكون سكرته؟
ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة
بالإنشادات بالصفات النبوية المغربة المعربة(١) إذا صادفت محلاً قابلاً
فلا تسأل عن سكرة السامع، وهذا السكر يحدث عندها من جهتين:
إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر منها العقل، الثانية: أنها
تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته، فتحصل بتلك الحركة والشوق
والطلب مع التخيل للمحبوب واحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى
القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تغمر القلب، فتجتمع لذة
الألحان ولذة الأشجان، فتسكر الروح سكراً عجيباً أطيب وألذ من
سكر الشراب، وتحصل له به نشأة ألذ من نشأة الشراب.
(١) المغربة: من أغرب إذا أتى بشيء غريب، والمعربة: من أعرب، أي المبينة.
- ٣١٢ -

وقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أن الله تعالى يقول لداود: مجدني
بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: كيف وقد
أذهبته فيقول: أنا أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش ويمجده، فإذا
سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة(١).
وأعظم من ذلك: إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه
لهم، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذي يغنيهم لذة رؤيته
عن رؤية الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة،
وهذه صفة لا تلج كل أذن، وصيب لا تحيا به كل أرض، وعين لا
يشرب منها كل وارد، وسماع لا يطرب عليه كل سامع، ومائدة لا
يجلس عليها كل طفيلي، أشار إليه في المدارج.
[اجتماع الحب والمعصية]؟
فمن اتصف بهذه العلامات التي ذكرتها فهو كامل المحبة لله
ورسوله، ومن خالف بعضها فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها
بدليل قوله ﴿ للذي حده في الخمر - لما لعنه بعضهم وقال: ما أكثر
ما يؤتى به - فقال ◌َله: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله(٢)، فأخبر أنه
يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر عنه.
وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهي
عن لعنه، وثبوت الأمر بالدعاء له.
وفيه أنه لا تنافي بين ارتكاب النهي / وثبوت محبة الله ورسوله في ١/٢٧٥
(١) أي شغلهم صوته عما هم فيه من النعيم.
(٢) رواه البخاري.
- ٣١٣ -

قلب المرتكب، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله
ورسوله(١). ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة الله ورسوله في قلب
العاصي مقيداً بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد،
فكفر عن ذنبه المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى بتكرار
الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب منه ذلك الحب، نسأل الله
العفو والثبات على محبته وسلوك سنته برحمته ومنّه.
[درجة المحبة ودرجة الخلة]
تنبيه: قد اختلف العلماء، أيما أرفع درجة المحبة أو درجة الخلة؟
فحكى القاضي عياض: أن بعضهم جعلهما سواء، فلا يكون
الحبيب إلا خليلاً، ولا الخليل إلا حبيباً، لكنه خص إبراهيم بالخلة
ومحمداً وَله بالمحبة، وقال بعضهم: درجة الخلة أرفع واحتج بقوله مَليّ :
(لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر)(٢) فلم يتخذه وقد
أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة. انتهى.
وهذا هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من
معنى الخلة، لكن يرد ما روي في قصة الإسراء في مناجاته وَلجه لربه
تعالى حيث قال له تعالى: يا محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت
إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، فقال له تعالى: ألم أعطك خيراً
من هذا .. إلى قوله: واتخذتك حبيباً، أو ما في معناه، رواه البيهقي.
بنحوه، وهذا يعطي (٣) أن درجة المحبة أرفع.
(١) هذه الجملة سقطت من ش.
(٢) متفق عليه.
(٣) في ش: يقتضي.
- ٣١٤ -

وقد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة على الخلة بفروق كثيرة،
ذكر القاضي عياض في الشفاء منها نقلاً عن الإمام أبي بكر بن فورك
عن بعض المتكلمين نبذة:
منها: أن الخليل يصل بالواسطة، من قوله تعالى: ﴿وكذلك
نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾(١)، والحبيب يصل إليه
به، من قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾(٢).
ومنها: أن الخليل قال: ﴿ولا تخزني﴾(٣)، والحبيب قيل له: ﴿يوم
لا يخزي الله النبي﴾ (٤).
ومنها: أن الخليل قال في المحنة: ﴿حسبي الله﴾، والحبيب قيل
له: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾(٥).
ومنها: أن الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع، من
قوله: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾(٦)، والحبيب
الذي مغفرته في حد اليقين، من قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من
ذنبك وما تأخر﴾(٧).
وفي كتابي ((تحفة السامع والقاري بختم حجج البخاري)) وجوه
أخر غير ما حكاه القاضي عياض.
(١) سورة الأنعام، الآية ٧٥.
(٢) سورة النجم، الآية ٩.
(٣) سورة الشعراء، الآية ٨٧.
(٤) سورة التحريم، الآية ٨.
(٥) سورة الأنفال، الآية ٦٤.
(٦) سورة الشعراء، الآية ٨٢.
(٧) سورة الفتح، الآية ٢ .
- ٣١٥ -

وفي كلها نظر واضح كما بينته في حاشية الشفاء، وذلك أن
مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكون في حد ذاتيهما، يعني باعتبار
مدلولي ((خليل)) و((حبيب)) وما حكاه القاضي عياض، وذكرته في
التحفة، يقتضي تفضيل ذات محمد عليّ على ذات إبراهيم عليهما
الصلاة والسلام. لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك.
لأنا نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة. إذ لا يسلب عن
إبراهيم عليه الصلاة والسلام وصف المحبة لا سيما والخلة أخص من
المحبة، ولا يسلب عن نبينا وَّل وصف الخلة لا سيما وقد ثبت في
حديث أبي هريرة قول الله تعالى له: (إني اتخذتك خليلاً)(١).
وقد قام الإجماع على فضل نبينا وَ لَّ على جميع الأنبياء، بل هو
أفضل خلق الله تعالى مطلقاً(٢).
٢٧٥/ب
/ وأما قوله: إن الخليل يصل بالواسطة فلا يفيد غرضاً في هذا
المقام الذي هو بصدده، وليس المراد به قطعاً إلا الوصول إلى المعرفة،
إذ الوصول الحسي يمتنع على الله تعالى.
وأما قوله: والحبيب يصل إليه به، فالوصول إلى الله تعالى لا
یکون إلا به حبيباً كان أو خلیلاً.
وأما قوله: الخليل هو الذي تكون مغفرته في حد الطمع الخ ..
فإنه لا يصح أن يكون على جهة التفسير للخليل، ولا تعلق له بمعناه.
وقصارى ما ذكره: أنه يعطي تفضيل نبينا ◌َّر على إبراهيم عليه
(١) عن أبي هريرة في المعراج، أقول: وفي الترمذي (إن صاحبكم خليل
الرحمن) [م].
(٢) في (ب): على الإطلاق.
- ٣١٦ -

الصلاة والسلام في حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في
ذلك من وصف المحبة والخلة. والحق: أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل
من المحبة .
قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل
من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمداً حبيب الله فمن جهله. فإن
المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة.
قال: وقد أخبر النبي ◌َّليل أن الله اتخذه خليلاً، ونفى أن يكون
له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب
وغيرهم. وأيضاً فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب
الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين، وخلته خاصة
بالخليلين. قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله.
انتھی .
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرحه لبردة الأبوصيري:
وزعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة وقال: محمد حبيب الله
وإبراهيم خليل الله. وضعف: بأن الخلة خاصة، وهو توحيد
المحبة (١)، والمحبة عامة، قال الله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾(٢)
قال: وقد صح أن الله اتخذ نبينا خليلاً فقال: إن الله اتخذني خليلاً كما
اتخذ إبراهيم خليلاً(٣). انتهى.
تنبيه (٤): والخليل مشتق من الخلة - بالفتح - وهي الحاجة، أو
(١) في (ب، د) وهو توحيد المحب، وفي (ط، ش): وهي توجد المحبة.
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٢٢ .
(٣) رواه ابن ماجه.
(٤) هذا التنبيه لم يرد إلا في مخطوطة الأصل، وقد ذكر قبل التنبيه الذي سبقه =
- ٣١٧ -

من الخلة - بالضم - وهي المودة الحاصلة، أو من الخلل، قال ثعلب:
سمي خليلاً لأن مودته تتخلل القلب، وأنشد:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا
وقال الراغب: الخلة - بالفتح -: الاختلال العارض للنفس، إما
لشهرتها بشيء أو لحاجتها إليه، ولهذا فسَّر الخلة بالحاجة، والخلة -
بالضم - إما لأنها تتخلل النفس أو تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس
فتؤثر فيها تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها.
= هنا. وإنما أخرته لانفراد نسخة الأصل به ولارتباط معناه بالتنبيه الآخر
فناسب أن يذكر بعده [المحقق].
-٣١٨ -

الفصل الثاني
في حكم الصلاة عليه والتسليم
فريضة وسنة(١) وفضيلة وصفة ومحلا
[معنى الصلاة]
قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾(٢).
قال أبو العالية: معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند
الملائكة، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء.
قال في فتح الباري: وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله
تعالى عليه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له
من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
وعن ابن عباس: أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة.
وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان(٣) قال: صلاة الله
مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار.
(١) كلمة (وسنة) في (ط، ش).
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٥٦ .
(٣) مقاتل بن حيان البلخي: صدوق فاضل روى له مسلم وأصحاب السنن،
والذي كذبه وكيع هو مقاتل بن سليمان. مات قبيل الخمسين ومائة بأرض
الهند. قاله الحافظ.
- ٣١٩ -

وقال الضحاك بن مزاحم: صلاة الله رحمته، وفي رواية عنه:
مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنه
يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها.
وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على
استدعاء الرحمة.
وتعقب: بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله سبحانه
وتعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾(١)، ولذلك فهم
الصحابة المغايرة من قوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ حتى
سألوه عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر ((الرحمة)) في تعليم السلام،
حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأقرهم
النبي ◌ّله، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم، قد علمتم ذلك
في السلام.
وجوز الحليمي أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر.
وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فصلاته
على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم
الرحمة، فهي التي وسعت كل شيء.
١/٢٧٦
/ وحكى القاضي عياض، عن بكر القشيري أنه قال: الصلاة
على النبي ◌ّلهول من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي
رحمة. وبهذا يظهر الفرق بين النبي وَليل وبين سائر المؤمنين حيث قال
الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾،
وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هو الذي يصلي عليكم
(١) سورة البقرة، الآية ١٥٧.
- ٣٢٠ -
٠