النص المفهرس
صفحات 281-300
وضمخ(١) لسان الذكر منك بطيبه ألا يا محب المصطفى زد صبابة علامة حب الله حب حبيبه ولا تعبأن بالمبطلين فإنما وكذلك كل حب في الله والله، كما في الصحيحين، عن أنس أن رسول الله وَله قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)، فعلق ذوق الإيمان بالرضى بالله رباً(٢)، وعلق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله، فمن رضي الله رباً رضيه الله له عبداً. ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله تعالى تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي. وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس، لأن الهدى من الضلال، والخلاص من النار، إنما كان على لسان رسوله. وفي قوله ومَّله: (حلاوة الإيمان) استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح، لأن المريض الصفراوي يجد = الشافعي، ثم اقتفى آثار الصوفية، وعاش ثلاثاً وأربعين سنة ومات سنة ست وسبعین وستمائة . (١) أي لطخ. (٢) جاء في الحديث (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله .. ) - ٢٨١ - طعم العسل مراً، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي، وكلما نقصت القوة شيئاً ما، نقص ذوقه بقدر ذلك. [معنى حلاوة الإيمان] وقال العارف ابن أبي جمرة: واختلف في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء، وحملها قوم على المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه وهم أهل الصفة، أو قال الصوفة(١). قال: والصواب معهم في ذلك والله ٢٦٩/ب أعلم، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به/ لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل. قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل المعاملات، فإنه حكي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة. فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهاً على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وكذلك أيضاً عند موته، أهله يقولون: واكرباه(٢)، وهو يقول: واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابي الذي سُرق فرسه بليل وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من ذلك، ولا ذاك إلا لحلاوة الإيمان التي وجدها محسوسة في وقته ذلك. (١) في الأصل: الصوفية. (٢) في (ط، ش): واحرباه. - ٢٨٢ - ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما وَلّر في بعض مغازيه من قبل العدو، وقد أقبل فرآهما، فكبل الجاسوس القوس ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال: لولا أني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي. ولا ذاك إلا لشدة ما وجد فيها من الحلاوة التي أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح(١). قال: ومثل هذا حكي عن كثير من أهل المعاملات. انتهى. وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيحه في باب ((من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)) بلفظ: ويذكر عن جابر أن النبي وَلو كان في غزوة ((ذات الرقاع)) فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته. وقد وصله ابن إسحاق في المغازي فقال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل عن جابر عن أبيه مطولاً، وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق. قال في فتح الباري، وشيخه ((صدقة)) ثقة، وعقيل - بفتح العين - لا أعرف راوياً عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به البخاري، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق. وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر، وسمى أحدهما: عباد بن بشر الأنصاري، وعمار بن ياسر من المهاجرين، والسورة الكهف. [شرح قوله: ((مما سواهما))] وإنما قال: (مما سواهما) ولم يقل ((من)) ليعم من يعقل ومن لا يعقل : (١) خرج المصنف هذا الحديث في الفقرة التالية. - ٢٨٣ - وفي قوله: (وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: ((ومن يعصهما)) بئس الخطيب أنت(١) فليس من هذا، لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هاهنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي ◌َّ قال في موضع آخر: (ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه)(٢) وقيل: إنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ◌َّ ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب، أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾(٣) فأوقع متابعته مكتنَفة بين قطري محبة العباد لله، ومحبة الله للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل واحد من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا (١) روى مسلم وأبو داود وعن عدي بن حاتم أن خطيباً خطب عند النبي وَلهو فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. فقال وَلخد (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوی). (٢) رواه أبو داود عن ابن مسعود أن النبي ◌َيقر خطب فقال في خطبته: (من يطع الله ورسوله فقد رشد،. ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه). (٣) سورة آل عمران: الآية ٣١. - ٢٨٤ - الرسول وأولي الأمر منكم﴾(١) فأعاد (أطيعوا) في الرسول/، ولم يعده ٢٧٠/ في أولي الأمر، لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصاً من كلام البيضاوي والطيبي، كما في فتح الباري. [ذوق طعم الإيمان] وفي الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)(٢). قال في المدارج: فأخبر أن للإيمان طعماً، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي ◌َّ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعام والشراب أخرى، وبوجدان الحلاوة تارة، كما قال ((ذاق)). وقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)، ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل فقال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى)(٣)، وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، وسيأتي تحقيق الكلام إن شاء الله تعالى في الصوم، في مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام. والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال ◌َله: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)(٤). (١) سورة النساء، الآية ٥٩. (٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم ٥٦، وهو كذلك في النسخ وفي مسلم، وفي (أ): نبياً ورسولاً، وفي (ش) رسولاً ونبياً. (٣) متفق عليه. [م]. (٤) رواه البخاري [م]. - ٢٨٥ - وللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته. وقال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء الله: يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً لأنه لما رضي بالله رباً استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي الله رباً كان له الرضى من الله، وإذا كان له الرضى من الله أوجد له الله حلاوة ذلك ليعلم ما منَّ به عليه، وليعرف إحسانه عليه، ولما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه. وقوله وسلم: (وبالإسلام ديناً) لأنه إذا رضي بالإسلام ديناً فقد رضي به المولى، ولازمُ من رضي بمحمد نبياً أن يكون له ولياً، وأن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه زهداً في الدنيا وخروجاً عنها، وصفحاً عن الجناة وعفواً عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولاً وفعلاً، وأخذاً وتركاً، وحباً وبغضاً، فمن رضي بالله استسلم له، ومن رضي بالإسلام عمل له، ومن رضي بمحمد بَّ تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى بالله رباً ولا يرضى بالإسلام ديناً، أو يرضى بالإسلام ديناً ولا يرضى بمحمد نبياً، وتلازم ذلك بيّن لا خفاء فيه. انتهى ملخصاً. - ٢٨٦ - [حكم محبة الله تعالى] واعلم أن محبة الله على قسمين: فرض وندب. فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصي، والرضى بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم. والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك في عموم الأوقات والأحوال نادر. وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي وَل ◌ّ فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: (ما تقرب / إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه - ٢٧٠/ب وفي رواية: بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه - ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته)(١). ويستفاد من قوله: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي .. ) أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى. (١) رواه البخاري في كتاب الرقائق برقم ٦٥٠٢. - ٢٨٧ - وعلى هذا فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة ولا تنتجها الفرائض؟ وأجيب: بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها، ويؤيده: أن في رواية أبي أمامة ((ابنَ آدم، إنك لا تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك))(١)، أو يجاب: بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة لا لخوف العقاب على الترك، بخلاف الفرائض. وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى ذلك إلى محبة الله تعالى. وقد استشكل أيضاً: كيف يكون الباري جل وعلا ((سمع العبد وبصره)) إلخ . وأجيب بأجوبة : منها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح. ومنها: أن المعنى أن كليته مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. ومنها: أن المعنى، كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه. ومنها: أنه على حذف مضاف، أي: كنت حافظ سمعه الذي (١) رواه الطبراني والبيهقي مرفوعاً. - ٢٨٨ - يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصره كذلك الخ. قاله الفاكهاني . قال(١): ويحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله: وهو: أن يكون بمعنى مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملي، بمعنى: مأمولي، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي، ورجله كذلك. وقال غيره: اتفق العلماء - ممن يعتد بقولهم - على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه تنزل عنده منزلة الآلات التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: ((فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي)). قال: والاتحادية زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، والنجح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة . وعن أبي عثمان الحيري(٢) - أحد أئمة الطريق - قال: معناه كنت (١) أي الفاكهاني. (٢) كذا في جميع النسخ وضبطه الشارح، وفي فتح الباري المنقول عنه: الجيزي . صحب يحيى بن معاذ. قال الخطيب: كان مجاب الدعوة. مات بنيسابور سنة ثمان وتسعين ومائتين. - ٢٨٩ - أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الإسماع وعينه في النظر، ويده في اللمس ورجله في المشي. كذا أسنده عنه البيهقي في ((الزهد)). وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى تصفى (١) من الكدورات، أنه يصير في معنى الحق، تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه، والموحد لنفسه، والمحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدماً صرفاً. وعلى هذه الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله في بقية الحديث (ولئن سألني)، زاد في رواية عبد الواحد (عبدي). انتهى ملخصاً(٢). قال العلامة ابن القيم : تضمن هذا الحديث الشريف الإلهي - الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به - حصر أساب محبته في ١/٢٧١ أمرين، أداء فرائضه، والتقرب إليه / بالنوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوباً لله، فإذا صار محبوباً لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه الله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملك عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه ألبتة، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكاً لزمام قلبه، مستولياً على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى محبه كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن (١) كذا في النسخ كلها، وفي فتح الباري المنقول عنه: يصفى. (٢) عن فتح الباري ٣٤٤/١١. - ٢٩٠ - سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر به، وإن نظر نظر به، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه، وأنيسه وصاحبه. والباء - هنا - باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية (١) لا علمية محضة . قال: ولما حصلت الموافقة من لعبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال: ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) أي كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري، والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به، وفيما يستعيذ بي أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه في إماتة عبده لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا ليعاد إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، انتهى. وقال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلان. أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، أو فاقة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمراً ثم يبدو له فيه (١) أي، حال من أحوال النفس يدركها من قامت به. - ٢٩١ - فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، لأن الله تعالى قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه. والثاني: أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كتردیدي إياهم في قبض نفس عبدي المؤمن، كما روي في قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وما كان من لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى(١). قال: وحقيقة المعنى - على الوجهين - عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه. وقال الكلاباذي ما حاصله: إنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات، يعني باعتبار متعلقها، أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله تعالى في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلاً عن إزالة الكراهة عنه، انتھی (٢). وبالجملة: فلا حياة للقلب إلا بمحبة الله ومحبة رسوله، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته، ففي القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات. (١) قصة موسى متفق عليها من حديث أبي هريرة مرفوعاً. (٢) من قوله ((وقال الخطابي)) عن فتح الباري ٣٤٥/١١ - ٣٤٦ [م]. - ٢٩٢ - قال صاحب المدارج: ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية حتى يعرف الله ويهتدي إليه بطرق توصله إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته، ويزهد في التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارساً على قلبه فلا يسامحه بخطرة/ يكرهها الله ٢٧١/ب تعالى، ولا بخطرة فضول لا تنفعه، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه وذکره، کما قال. وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس في السر خالياً فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه، فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه وأستاذه ومعلمه وشيخه وقدوته، كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديه، فيطالع سيرته ومبادي أموره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك مما منحه الله تعالى، مما ذكرت بعضه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه(١)، فإذا رسخ في قلبه ذلك فتح عليه من ربه بحيث إذا قرأ السورة شاهد قلبه ماذا أنزلت فيه، وماذا أريد بها، وحظه المختص به منها، من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التخلص منها، كما يجتهد في تحصيل الشفاء من المرض المخوف. (١) مدارج السالكين ٢٦٧/٣ - ٢٦٨. - ٢٩٣ - [علامات محبة الرسول ولمحبة الرسول وَلير علامات: [١ - الاقتداء به وَجَد] أعظمها الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته، والوقوف مع ما حدَّ لنا من شريعته. قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾(١) فجعل تعالى متابعة الرسول وسل﴿ آية محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن (٢) متابعة الرسول محبة الله تعالى إياه، وقد قال الحكيم - وهو محمود الوراق - كما أفاده المحاسبي في كتابه ((القصد والرجوع»: تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا العمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وهذه المحبة تنشأ من مطالعة منة الله عليه من نعمه الظاهرة والباطنة، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة. ومن أعظم مطالعة منة الله على عبده منة تؤهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه وَثية ، وأصل هذا نور يقذفه الله تعالى في قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى في نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه، (١) سورة آل عمران، الآية ٣١. (٢) في ط: حسب. - ٢٩٤ - لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول وحنينه أبداً لأول منزل كم منزل في الأرض يألفه الفتى وبحسب هذا الاتباع توجب المحبة والمحبوبية معاً، ولا يتم الأمر إلا بهما، فليس الشأن أن تحب الله، بل الشأن أن يحبك الله، ولا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهراً وباطناً، وصدقته خبراً، وأطعته أمراً، وأجبته دعوة، وآثرته طوعاً، وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم تكن كذلك فلا تتعن(١)، فلست على شيء. وتأمل قوله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ أي الشأن في أن الله تعالى يحبكم، لا في أنكم تحبونه، وهذا لا ينالونه (٢) إلا باتباع الحبيب . وقال المحاسبي في كتاب ((القصد والرجوع)): وعلامة محبة العبد لله عز وجل اتباع مرضاة الله، والتمسك بسنن رسوله وَله، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه، فاستحلى اللسان ذكر الله تعالى وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، فحينئذ/ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد الحر للظمآن الشديد عطشه، فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه ١/٢٧٢ (١) في ط: تتعبن، ومعنى فلا تتعن: فلا تتعب. (٢) في (أ، ط) لا ينالوه. - ٢٩٥ - وسروراً له، وقرة عين في حقه ونعيماً لروحه، يلتذ بها أعظم من اللذات الجسمانية، فلا يجد في أوراد العبادة كلفة. وفي الترمذي عن أنس مرفوعاً: (ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة). وعن ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره ونواهيه، وأفعاله وأخلاقه. وقال أبو إسحاق الرقي(١) - من أقران الجنيد -: علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه وَليه . وعن غيره: ولا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة. فأما من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتلق العلم من مشكاة الرسول وَله بدعواه علماً لدنيا أوتيه فهو من لدن النفس والشيطان، وإنما يعرف كون العلم لدنيا روحانياً بموافقته لما جاء به الرسول عن ربه تعالى، فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني ولدني شيطاني، والمحك هو الوحي، ولا وحي بعد الرسول وَله . وأما قصة موسى مع الخضر فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر، يخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم، والفرق: أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته، ولو كان مأموراً بها لوجب عليه أن يهاجر (١) إبراهيم بن داود القصار، من كبار مشايخ الشام، مات سنة ست وعشرين وثلاثمائة . - ٢٩٦ - إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم، ومحمد رَّليه مبعوث إلى جميع الثقلين، فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه. فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة، فليجدد إسلامه، وليتشهد بشهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلاً عن أن يكون من خاصة أولياء الله تعالى. وإنما هو من أولياء الشيطان وحلفائه ونوابه. والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبي الكريم. عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنة بأمر يختص به صاحبه كما قال علي بن أبي طالب، وقد سئل: هل خصكم رسول الله وَالر بشيء دون الناس؟ فقال: لا، إلا فهما يؤتيه الله عبداً في كتابه. فهذا هو العلم اللدني الحقيقي. فاتباع هذا النبي الكريم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض النفوس، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحیرین . [٢ - الرضى بما شرعه] ومن علامة محبته: أن يرضى مدعيها بما شرعه(١)، حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضى. قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت (١) في ط: شرعه الله، وهو غير موافق للكلام الآتي بعده. - ٢٩٧ - ويسلموا تسليماً﴾(١)، فسلب اسم الإيمان عن من وجد في صدره حرجاً من قضائه ولم يسلم له. قال شيخ المحققين وإمام العارفين، تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي - أذاقنا الله حلاوة مشربه -: في هذه الآية دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم الله ورسوله وَليل على نفسه قولاً وفعلاً، وأخذاً وتركاً، وحباً وبغضاً، ويشتمل ذلك على حكم التكليف وحكم التعريف، والتسليم والانقياد [واجب](٢) على كل مؤمن في کلیھما . فأحكام التكليف، الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد. وأحكام التعريف، هو ما أورده عليك(٣) من فهم المراد. ٢٧٢/ب فتبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان / إلا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره. ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم ووجد الحرج في نفسه، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله وَالثر رأفة وعناية وتخصيصاً ورعاية، لأنه لم يقل: فلا والرب، وإنما قال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) ففي ذلك تأكيد بالقسم، وتأكيد في القسم، علماً منه سبحانه بما النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة سواء كان الحق عليها أو لها، وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله وَلقر، إذ جعل حكمه حكمه، وقضاءه قضاءه، (١) سورة النساء، الآية ٦٥. (٢) زيادة في ط . (٣) في ش: عليه. - ٢٩٨ - فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، والانقياد لأمره، ولم يقبل منهم الإيمان بإلهيته حتى يذعنوا لأحكام رسوله وَطير ، لأنه كما وصفه به ربه ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾(١)، فحكمه حكم الله، وقضاؤه قضاء الله، كما قال: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (٢) وأكذ ذلك بقوله: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾. وفي الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره، وتفخيم أمره وَّ وهي قوله تعالى: ﴿وربك﴾ فأضاف نفسه إليه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ (٣) فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد، وأضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين وتفاوت ما بين الرتبتين. ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم الظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج - وهو الضيق - من نفوسهم في أحكامه منالخير ، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، ووجود الأغيار، فعنه يكون الحرج وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك، إذ نور الإيمان ملأ قلوبهم فاتسعت وانشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله العظيم، مهيأة لواردات أحكامه مفوضة له في نقضه وإبرامه. انتهى (٤). وقال سهل بن عبدالله: من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع (١) سورة النجم، الآية ٣. (٢) سورة الفتح، الآية ١٠ . (٣) سورة مريم، الآية ١ - ٢. (٤) أي كلام ابن عطاء الله من كتابه ((التنوير في إسقاط التدبير)). - ٢٩٩ - الأحوال، ويرى نفسه في ملكه لم يذق حلاوة سنته، لأنه وَ لّ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) وروينا عن سيدنا العارف الكبير أبي عبدالله القرشي أنه قال: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، ولا يبقى لك منك شيء. انتھی . فمن آثر هذا النبي الكريم على نفسه، كشف الله له عن حضرة قدسه، ومن كان معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه. [٣ - نصر دينه وَ لا] ومن علامات محبته وَالر نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار، والحلم والصبر والتواضع وغيرها، مما ذكرته في أخلاقه العظيمة، وتقدم في كلام العارف ابن عطاء الله مزيد لذلك قريباً. فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ بالطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وآثر ذلك على أغراض الدنيا. [٤ - التسلي عن المصائب] ومن علامات محبته والقر التسلي عن المصائب، فإن المحب يجد في هذه المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد في مسها ما يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته، والذوق والوجود شاهد بذلك. فكرب المحبة موجود ممزوج بالحلاوة فإن فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل: - ٣٠٠ -