النص المفهرس
صفحات 261-280
يفعلون﴾(١) والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى ﴿لقد كدت تركن﴾ قالوا: وهو رقمثقة ثبت قلبه ولم يركن. [﴿ولو تقول علينا .. ﴾] وأما قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾(٢) . فالمعنى: لو افترى علينا بشيء من عند نفسه لأخذنا منه باليمين وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه، وقد أعاذه الله من التقول عليه. فإن قلت: لا مرية أنه يعفى للمحب ولصاحب المحاسن والإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع ولا شك أن نبينا مَّل هو الحبيب الأعظم ذو المحاسن والإحسان الأكبر، فما هذه العقوبة المضاعفة والتهديد الشديد الوارد إن وقع منه ما يكره، وكم من راكن إلى أعدائه ومتقول عليه من قبل نفسه لم يعبأ به کأرباب البدع ونحوهم؟ فالجواب: أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة الله، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه بالإنعام وخصه بمزيد القرب والإكرام اقتضت حالته من حفظ مرتبة القرب والولاية والاختصاص أن تراعى مرتبته عن أدنى مشوش (١) سورة البقرة، الآية ٧١. (٢) سورة الحاقة، الآية ٤٦. - ٢٦١ - وقاطع، فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل، فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل أو أخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضاً، فيجتمع في حقه الأمران. وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد بذلك، فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لا يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذهم بما لا يؤاخذ به غيرهم. وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أحدهما أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك عاملته بهذين الأمرين، واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمك عليه اقتضت معاملته بما لم تعامل به من هو دونه من التنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرت إلى محبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه، وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه. وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع، حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج إذا تعداه إلى الزنا الرجم، وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد، وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه وأتم عليه نعمته ولم يجعله مملوكاً لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق - الذي لم يجعل له هذه النعمة - نصف ذلك. فسبحان من بهرت حكمته في خلقه . فللّه سر تحت كل لطيفة فأخو البصائر غائص يتعقل / انتهى ملخصاً. ٢٦٠/ ب - ٢٦٢ - [﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾] وأما قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾(١). فقيل: معناه ما كنت تدري الإيمان على التفصيل الذي شرع لك في القرآن. وقال أبو العالية: هو بمعنى الدعوة إلى الإيمان، لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله تعالى. وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ. حكاه الماوردي والواحدي والقشيري. وقيل: إنه من باب حذف المضاف، أي ما كنت تدري أهل الإيمان، أي من الذي يؤمن، أبو طالب، أو العباس، أو غيرهما. وقيل: المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان، وقد سمى الله الصلاة إيماناً بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(٢) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عاماً والمراد الخصوص. قاله ابن قتيبة وابن خزيمة. وقد اشتهر في الحديث أنه #* كان يوحد الله ويبغض الأوثان ويحج ويعتمر. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن علي قال: قيل للنبي وَّ هل عبدت وثناً قط؟ قال لا، قيل: فهل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما (١) سورة الشورى، الآية ٥٢. (٢) سورة البقرة، الآية ١٤٣. - ٢٦٣ - زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر. وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان . وعن عائشة: كانت قريش ومن دان دينها، وهم الحمس، يقفون بمزدلفة ويقولون: نحن أهل الحرم. رواه الشيخان. وكان رسول الله وَ ل# في الجاهلية يقف بعرفات دونهم توفيقاً من الله تعالى. رواه البيهقي وأبو نعيم من حديث جبير بن مطعم(١). وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل، كحج البيت والختان والغسل من الجنابة، وكان ◌َّ لا يقرب الأوثان ويعيبها، ولا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون مع شركهم، والله أعلم. (١) من قوله ((وعن عائشة)) لم تذكر في (ش). - ٢٦٤ - المقصَِه الشَّابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وأصحابه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلاً وشرفاً لديه. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته وَله [التعريف بالمحبة] اعلم أن المحبة - كما قال صاحب ((المدارج)) - هي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام. واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت(١) منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيه، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبداً بدونها واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها، وهي مطايا القوم التي سراهم في ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قدر الله (١) في ط: خلصت. - ٢٦٧ - يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة، لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون . من لي بمثل سيرك المذلل تمشى رويداً وتجي في الأول أجابوا مؤذن الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح، وبذلوا ١/٢٦ أنفسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان/ بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، ولقد حمدوا عند وصولهم مسراهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح(١). [تعريف المحبة] وقد اختلفوا في تعريف المحبة، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة ترجع إلى اختلاف مقال، وإنما هي اختلاف أحوال، وأكثرها يرجع إلى ثمرتها دون حقيقتها. وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة، من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجداناً لا يمكن التعبير عنه . وهكذا كقول صاحب مدارج السالكين - تبعاً لغيره -: والمحبة لا تحد بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة. (١) عن مدارج السالكين، تحقيق محمد حامد الفقي، ط ٢ ٦/٣ - ٧. - ٢٦٨ - وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الإدراك والمقام والحال. وقد وضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: ((الحاء)) التي هي من أقصى الحلق، و((الباء)) الشفهية التي هي نهايته، فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه. وقد أعطوا ((الحب)) حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها، وأعطوا ((الحِبَّ)) وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من الضمة، وخفة المحبوب وذكره على قلوبهم وألسنتهم . فتأمل هذا اللطف والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأناً ليس لسائر اللغات. [بعض الحدود والتعاريف] وهذه بعض رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها، والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها. فمنها: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وهذا موجبها ومقتضاها . ومنها: محو المحب لصفاته وإثبات المحب(١) لذاته، وهذا من (١) كذا في النسخ، وفي المدارج: المحبوب، وهي في (د): المحَب. - ٢٦٩ - أحكام الفناء في المحبة، وهي أن تمحى صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته، وهذا يستدعي بياناً أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه. ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك(١)، وهو لأبي يزيد، وهو أيضاً من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيا منه(٢)، ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه . ومنها: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك. وهو قريب من الأول لكنه مخصوص بما من المحب. ومنها: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وهو لسهل بن عبدالله، وهو أيضاً حكم المحبة وموجبها. ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء. وهو لسيدنا أبي عبدالله القرشي(٣)، وهو أيضاً من موجبات المحبة وأحكامها. والمراد أن تهب إرادتك وعزماتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه، وتجعلها حبساً في مرضاته ومحابه، ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه، فتأخذه منه له. ومنها: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب، وكمال المحبة (١) في ط: حبك، وفي ش: محبوبك. (٢) واستحيا منه: سقطت من ش. (٣) محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي، من أعيان مشايخ المغرب ومصر، لقي كثيراً من المشايخ وأخذ عنه كثيرون وله كرامات مات ببيت المقدس سنة تسع وتسعين وخمسمائة . - ٢٧٠ - يقتضى ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة . ومنها: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك. وهو للشبلي(١)، ومراده: احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك [ممن](٢) يحبه. ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيرة، وعن المحبوب هيبة، وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل، ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا، وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم. ومنها: ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيشارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سراً وجهراً ثم علمك بتقصيرك في حبه. / قال الجنيد: سمعت الحارث المحاسبي (٣) يقول ذلك. ٢٦٧/ب ومنها: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد بعضهم: فأسكر القوم دور الكأس بينهم لكن سكري نشا من رؤية الساقي ومنها: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على (١) دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس صحب الجنيد، وصار أوحد وقته علماً وحالاً، تفقه على مذهب مالك، وكتب حديثاً كثيراً ثم شغلته العبادة مات ببغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، عن سبع وثمانين سنة. (٢) في (ب، د، ط). (٣) الحارث بن أسد المحاسبي، قيل له ذلك لكثرة محاسبته لنفسه. كان عابداً زاهداً راسخاً في الأصول والفقه والحديث والتصوف. صحب الشافعي، صنف نحو مائتى مؤلف. مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين. - ٢٧١ - الدوام، أما سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن من أحب شيئاً أكثر من ذكره. ومنها: الميل إلى ما يوافق الإنسان، كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم عن الميل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسته، أو يكون حبه لذلك لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، كما رواه أبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ وغيرهما (١)، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفاً فانياً منقطعاً، أو استنقذه من هلكة أو مضرة لا تدوم، فما بالك بمن منحه منحاً لا تبيد ولا تزول ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول. [حب الرسول (وَلَو] وإذا كان المرء يجب غيره على ما فيه من صور جميلة وسيرة حميدة، فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان، فهو السبب لبقاء مهجنا البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، فأي إحسان أجل قدراً وأعظم خطراً من إحسانه إلينا، فلا منة - وحياته(٢) - لأحد بعد الله كما له علينا، ولا فضل لبشر کفضله لدينا. (١) قال السخاوي هو باطل موقوفاً ومرفوعاً، وفي تذكرة ابن عبد الهادي: قال مهنأ سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث فقالا: ليس له أصل وهو موضوع . (٢) هذا قسم ويعود الضمير إلى الله تعالى إذ لا يجوز القسم بغيره تعالى [م]. - ٢٧٢ - فكيف ننهض ببعض شكره، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره، فقد منحنا الله به منح الدنيا والآخرة، وأسبغ علينا نعمه(١) باطنة وظاهرة، فاستحق أن يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، بل لو كان في منبت كل شعرة منا محبة تامة له صلوات الله وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا. وقد روى أبو هريرة أنه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) رواه البخاري. وقدم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد، من غير عكس، وفي رواية النسائي تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد الشفقة، وزاد في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس (والناس أجمعين)(٢)، وفي صحيح ابن خزيمة: (من أهله وماله) بدل (من والده وولده) وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه. ولذا لم يذكر ((النفس)) في حديث أبي هريرة، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص. [معنى محبته ◌َّ] قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع. وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي وَل ◌ّ راجحاً، ومن رجح جانب الأمارة کان حكمه بالعكس. (١) أي الله تعالى. (٢) هي في البخاري ومسلم. - ٢٧٣ - وفي كلام القاضي عياض: أن ذلك شرط في صحة الإيمان، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مراداً، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزماً للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر في الحديث الذي رواه البخاري في ((الأيمان والنذور)) من حديث عبدالله ابن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي وَله: لأنت يا رسول الله ١/٢٦٨ أحب إلي من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال النبي ◌َليّ /: (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ◌َّر (الآن يا عمر)(١). فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط. فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعاً. وفي رواية فقال وَّر: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك. وأما وقوف عمر في أول أمره، واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد وَلّ منه حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا فجواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي وَلّ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من الهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله (الآن يا عمر) أي الآن عرفت فنطقت بما يجب. (١) رواه البخاري برقم ٦٦٣٢ . - ٢٧٤ - [حب الله تعالى] وإذا كان هذا شأن نبينا محمد وَالر عبدالله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على محبة أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها، وإفراده سبحانه وتعالى بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شيء يجب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية(١) إلا له تعالى. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع. [اختبار الحب له وَل و] ومن علامات الحب المذكور لرسول الله وَالهيل أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبي وقلقه أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول الله وَلتر، ومن لا فلا. قال القرطبي: كل من آمن بالنبي وَلهو إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، (١) أي العبادة. - ٢٧٥ - لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي ول ﴿ اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه. وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات، انتهى. فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل في الإسلام إلا بها، والناس متفاوتون في محبته وَ له بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته عليه الصلاة والسلام من النفع الشامل لخير الدارين والغفلة عن ذلك. ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم في هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم. [نماذج من حب الصحابة له ولجو] وقد روى ابن إسحاق - كما حكاه في الشفاء - أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله وله فقالت: ما فعل رسول الله وَاليَ؟ قالوا: خيراً، هو بحمد الله كما ٢٦٨/ب تحبين، / فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تعني: صغيرة. ورواه البيهقي في الدلائل(١)، وذكره صاحب اللباب(٢) بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل محمد ول# وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت بأخيها وابنها وزوجها وأبيها قتلى، لا تدري (١) عبارة (أ): وروى البيهقي في دلائله. (٢) في (ش): البيان. - ٢٧٦ - بأيهم استقبلت، فكلما مرت بواحد منهم صريعاً قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما فعل النبي وَلَه؟ فيقولون: أمامك، حتى ذهبت إلى رسول الله بالقر فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب. وكذا رواه ابن أبي الدنيا بنحوه مختصراً(١). وقال عمرو بن العاص: ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢). وقال علي بن أبي طالب: كان رسول الله وَلّ أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة(٣) - بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وتشديد النون - من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً(٤). وروي - مما ذكره القاضي عياض - أن رجلاً أتى النبي وَال فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر (١) في (ب، ط): في جزء. (٢) أخرجه مسلم في حديث طويل. (٣) في (ب): ابن أبي الدثنة. (٤) رواه البيهقي عن عروة. - ٢٧٧ - حتى أجيء فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾(١) فدعا به فقرأها عليه(٢). قال(٣): وفي حديث آخر: كان رجل عند النبي وَلَه ينظر إليه لا يطرف، فقال: ما بالك؟ فقال: بأبي أنت وأمي، أتمتع بالنظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله الآية. وذكره البغوي في تفسيره(٤) بلفظ: نزلت - أي الآية - في ثوبان مولى رسول الله وَ ل، وكان شديد الحب لرسول الله وَ له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله وَله: ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله، ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً، فنزلت هذه الآية، وكذا ذكره الواحدي في ((أسباب النزول))، وعزاه للكلبي (٥) عن ثوبان. (١) سورة النساء، الآية ٦٩. (٢) رواه الطبراني في الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس. (٣) أي عیاض. (٤) بلا عزو. (٥) في (ش، د)، وعزاه الكلبي. - ٢٧٨ - وقال قتادة (١): قال بعض أصحاب النبي وَلّ: كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله الآية. وذكره ابن ظفر في ((ينبوع الحياة))(٢) بلفظ: إن عامر الشعبي(٣) قال: إن رجلاً من الأنصار أتى النبي وَلّ فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أن آتيك فأراك لرأيت أن أموت أو قال أن سوف أموت، وبكى الأنصاري، فقال له رسول الله وَله: ما أبكاك؟ قال: بكيت أن ذكرت أنك ستموت ونموت، / فترفع مع النبيين، ونكون نحن إن دخلنا الجنة دونك، فلم يحر النبي ◌َّيه إليه، بمعنى أي: لم يرجع إليه بقول، فأنزل الله الآية. ١/٢٦٩ قال(٤): وذكر مقاتل بن سليمان مثل هذا، وقال: هو عبدالله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي رأى الأذان. وذكر أيضاً: أن عبدالله ابن زيد هذا كان يعمل في جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبي وَ لّ قد توفي فقال اللهم أذهب بصري حتى لا أدري بعد حبيبي محمد أحداً، فكف بصره. [حب الله ورسوله] واعلم أنه لا يمكن أن يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه إحدى المحبتين (١) كما أسنده ابن جرير. (٢) اسم تفسيره، وقد أسنده البيهقي أيضاً. (٣) عامرَ بالنصب بدون ألف على لغة ربيعة، وقد أثبت الألف في ط. (٤) أي ابن ظفر. - ٢٧٩ - فإنهما لا يجتمعان في القلب، والإنسان عند محبوبه كائناً ما كان كما قيل(١): أنت القتيل بأي من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين(٢) فكذلك القلب لا يتسع لحبين(٣)، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شيء سواه، فمن داهن في المحبة أو داجى (٤)، فقد عرض لمدى(٥) الغيرة أوداجاً(٦)، فمحبة الرسول بمَّه - بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء - لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله . وقد حكي عن أبي سعيد الخراز - مما ذكره القشيري في رسالته - أنه قال: رأيت النبي ◌َّير في المنام، فقلت: يا رسول الله اعذرني فإن محبة الله شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك من أحب الله فقد احبني. وقيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه وَّر يقظة، ولابن أبي المجد(٧): (١) هو من قول ابن الفارض. (٢) العضب: هو السيف القاطع. (٣) في ش: لمحبتين، وفي ط: لحبيبين وسقطت منها كلمة: لا يتسع. (٤) المراد: التوصل إلى الشيء بحيلة. (٥) جمع مدية وهي السكين. (٦) جمع ودج، وهي العروق المكتنفة ثغرة النحر. (٧) إبراهيم الدسوقي يرجع نسبه إلى علي بن أبي طالب. تفقه على مذهب = - ٢٨٠ -