النص المفهرس
صفحات 221-240
الوحي، والملائكة رسل الله إليه، وشبه الفضل به بالزيت وهو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي. وعلى قول: ((المؤمنين))، فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنتها. وعلى قول: ((الإيمان والقرآن))، أي مثل الإيمان والقرآن في صدر المؤمنين وفي قلبه كمشكاة. وأما الضمير على قول المؤمنين في قراءة أبي المذكورة في بعض التفاسير، ففيه إشكال من حيث الإفراد، وعن أبي: هو عائد على المؤمنين، وفي قراءته: مثل نور المؤمنين، وفي رواية عنه: مثل نور من آمن به . وعن الحسن: يعود على القرآن والإيمان. - ٢٢١ - النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾(١). وقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾(٢). وقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين﴾(٣). قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب . وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٤). يعني: من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغاً إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة / ما أطاع إلا الله، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾(٥) فإن من أعماه ١/٢ (١) سورة الأنفال، الآية ٢٠. (٢) سورة آل عمران، الآية ١٣٢. (٣) سورة آل عمران، الآية ٣٢. (٤) سورة النساء، الآية ٨٠ . (٥) تتمة الآية قبلها. - ٢٢٢ - الله عن الرشد وأضله عن الطريق فإن أحداً من الخلق لا يقدر على إرشاده . وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله تعالى، وأيضاً وجب أن يكون معصوماً في جميع أفعاله(١)، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: ﴿واتبعوه﴾(٢)، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى. [و](٣) قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ الآية (٤). وهذا عام في المطيعين لله من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية في هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان. وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله وَ لجر كان شديد الحب لرسول الله صلقر قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله وَالخير عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بي وجع، غير أني إذا لم أرك (١) في (ش): أحواله. (٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٨. (٣) في (د). (٤) سورة النساء، الآية ٦٩. - ٢٢٣ - اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك، لأني إذا دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذٍ لا أراك أبداً، فنزلت هذه الآية(١). وذكر ابن أبي حاتم عن أبي الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قدْ متَّ لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية. وذكر عن عكرمة مرسلاً، قال: أتى فتى النبي وَلّ فقال: يا رسول الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله * : أنت معي في الجنة. وذكر فيها أيضاً روايات أخر ستأتي إن شاء الله تعالى في مقصد محبته وَ لاء . لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول هذه الآية يجب أن يكون شيئاً أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى. (١) قال الشيخ ولي الدين: هذا ذكره الثعلبي في تفسيره بلا إسناد ولا راو، وحكاه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي، وروى الطبراني في معجمه الصغير عن عائشة وابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن الشعبي وابن جرير عن سعيد بن جبير كل منهم يحكي عن رجل فذكر مثل قصة ثوبان ونزول الآية فيه. انتهى. - ٢٢٤ - ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ أنه يكفى الاكتفاء بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿من يطع الله﴾ أي في كونه إلهاً، وطاعة الله في كونه إلّاً هي معرفته والإقرار بجلالته وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه تنبيهاً على أمرين عظيمين من أحوال المعاد. فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، فكل من كانت هذه الأنوار(١) في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب، وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني: أن الله تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل (٢)، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع النبيين [والصديقين والشهداء والصالحين(٣)]. ٢٦٠ /بـ وليس / المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم في الجنة (١) في ط: الأمور. (٢) في (ط، ش): الجسيم. (٣) زيادة في (ش) وكلمة ((والصديقين)) في (ط). - ٢٢٥ - بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية، وقد ثبت وصح عنه وَ الر أنه قال: (المرء مع من أحب)(١)، وثبت عنه أيضاً أنه قال: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا نزلتم منزلاً إلا وهم معكم حبسهم العذر)(٢)، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح(٣) لا بمجرد البدن، فهي بالقلب لا بالقالب، ولهذا كان النجاشي معه وَ ل *. ومن أقرب الناس إليه، وهو بين النصارى بأرض الحبشة، وعبدالله بن أبي من أبعد الخلق عنه، وهو معه في المسجد، وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمراً من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون مع الرسول وَلّ وأصحابه رضي الله عنهم، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم. وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾(٤). وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ وقال تعالى: ﴿يحببكم الله﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، (١) أخرجه الشيخان. (٢) أخرجه البخاري، وكان ذلك حين رجوعه وَلير من غزوة تبوك. (٣) في (أ) بالسير والروح، وفي (ط) بالسير بالروح. (٤) سورة آل عمران: الآية ٣١. - ٢٢٦ - فجعل سبحانه اتباع رسوله وَل مشروطاً بمحبتهم الله، وشرطاً لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم الله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله وعليه فدل على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان شيء عنده أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ألبتة ولا يهديه الله، قال الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾(١)، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصاً من كتاب ((مدارج السالكين))، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته القادم . وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾(٢). (١) سورة التوبة، الآية ٢٤. (٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٨. - ٢٢٧ - أي إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول واتباعه، تنبيهاً على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو في الضلالة، فكل ما أتى به الرسول وَلهل يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل. وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا﴾(١) يعني القرآن، فالإيمان به وَّل ﴿ واجب متعين على كل أحد، لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه، قال تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً﴾ (٢) أي ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين، / وإنا أعتدنا للكافرين سعيراً. ١/٢٦١ وقال تعالى: ﴿فلا وبك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية (٣). معناه: فوربك، كقوله: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين) و((لا)) مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما في ﴿لئلا يعلم﴾، ولا يؤمنون جواب. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول في جميع أموره، ويرضى بجميع ما حكم به، وينقاد له ظاهراً وباطناً، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، كما ورد في الحديث: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)(٤)، وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول (١) سورة التغابن، الآية ٨. (٢) سورة الفتح، الآية ١٣ . (٣) سورة النساء، الآية ٦٥. (٤) قال النووي: حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح . الحديث الحادي والأربعين من ((الأربعين النووية)) [م]. - ٢٢٨ - وَ الر لا يكون مؤمناً، وعلى أنه لا بد من حصول الرضى بحكمه في القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن في القلب بأن الذي يحكم به وَل هو الحق والصدق، فلا بد من الانقياد باطناً وظاهراً، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته وليه . ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره. وقوله: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت﴾ مشعر بذلك، لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضي ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليماً كلياً، قاله الإمام فخر الدين. وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكي في جمع الجوامع. - ٢٢٩ - ٦ النوع الثامن فيما يتضمن الأدب معه وَله [عدم التقدم بين يديه] قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾(١). فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر الله تعالى بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند [كل](٢) ذي عقل سليم . قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله وَلقر بشيء، حتى يقضيه الله تعالى على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون رسول الله وَليه . وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى. وانظر أدب الصديق - رضي الله عنه - معه رَّ في الصلاة(٣)، (١) سورة الحجرات، الآية ١. (٢) زيادة في ط . (٣) رواه مالك والشيخان . - ٢٣٠ - إذا تقدم بين يديه كيف تأخر وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله وَليل، كيف أورثه مقامه والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك، سعياً إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي . [عدم رفع الصوت عنده] ومن الأدب معه ◌َل# أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾(١). قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن (٢) لا يتكلم المؤمن عنده رَليّة- كما يتكلم العبد عند سيده، لأن العبد داخل في قوله تعالى: ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾ لأنه للعموم، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي وَله كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض. قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (٣)، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي وَله، ولو علم العبد أن بموته ينجو/ سيده لا يلزمه ٢٦١/ب أن يلقي نفسه في التهلكة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي وَلّ، فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لأن عند خلل القلب (١) سورة الحجرات، الآية ٢ . (٢) ((ينبغي أن)) سقطت من ط. (٣) سورة الأحزاب، الآية ٦. - ٢٣١ - مثلاً لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي ور لهلك هو أيضاً بخلاف العبد والسيد، انتهى. واعلم أن في الرفع والجهر استخفافاً قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة. وروي أن أبا بكر رضي الله عنه، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وأن عمر رضي الله عنه كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار ما كان يسمع النبي ◌َّ بعد هذه الآية حتى يستفهمه(١). وقد روي أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكاً في مسجد رسول الله وَ لّ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قوماً فقال: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ ومدح قوماً فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم) الآية، وذم قوماً فقال: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ الآية. وإن حرمته ميتا كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر. وإذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجباً لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به(٢). (١) في البخاري (كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ◌َّ حين قدم عليه ركب بني تميم فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية، قال ابن الزبير فكان عمر لا يسمع رسول الله * بعد هذه الآية حتى يستفهمه .. ) (٢) هذه الفقرة من قوله: ((وإذا كان)) وردت هنا في المخطوطات، وجاءت في (ط، ش) قبل ثلاث فقرات أي قبل قوله: ((((اعلم)) ومكانها في المخطوطات أحسن . - ٢٣٢ - [طريقة خاصة في دعائه] ومن الأدب أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضاً، قال تعالى(١): ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾(٢) وفيه قولان للمفسرين. أحدهما: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوفير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي دعاؤكم الرسول. والثاني: إن المعنى، لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه إياكم، وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته واله . [استئذانه] ومن الأدب معه وَلّ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد، أو رباط، لم يذهب أحد مذهباً في حاجة له حتى يستأذنه، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾(٣). فإذا كان هذا مذهباً مقيداً لحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في (١) هذه الآية لم تذكر في ط. (٢) سورة النور، الآية ٦٣. (٣) سورة النور، الآية ٦٢ . - ٢٣٣ - تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، دقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾(١). [عدم استشكال قوله] ومن الأدب معه روسيا أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء بقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه، وهو عين الجراءة عليه. [التسليم والانقياد له] ومن(٢) الأدب معه وَّ كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه [صاحبه](٣) معقولاً، أو يسميه شبهة، أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، انتهى ملخصاً من ((المدارج))(٤)/ والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه وَلّ فلتراجع. ١/٢٦٢ (١) سورة النحل، الآية ٤٣ . (٢) في (أ، ش): ورأس. (٣) في ش. (٤) أي كتاب ((مدارج السالكين)) لابن القيم. - ٢٣٤ - النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه والت ترفيعاً لشأنه قال الله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾(١) لما قال المشركون: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾(٢)، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يسب حبيبه تولى بنفسه - منتصراً له - جوابه، فهنا تولى الحق سبحانه وتعالى جوابهم بنفسه منتصراً له، لأن نصرته تعالى أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده. فأقسم تعالى بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته أعداؤه الكفرة به وتكذيبهم له بقوله: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون، هو أو هم؟ وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث يتساوى الخلق كلهم في العلم به. وقال تعالى: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾(٣). ولما رأى العاصي بن وائل السهمي النبي ◌َّ يخرج من المسجد (١) سورة القلم، الآية ١ - ٢. (٢) سورة الحجر، الآية ٦. (٣) سورة التكوير، الآية ٢٢ . - ٢٣٥ - وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي قالوا: من ذا الذي كنت تحدث معه، قال: ذلك الأبتر، يعني النبي وَّر، وكان قد توفي ابن لرسول الله وَلقر من خديجة، فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ (١) أي عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير. ولما قالوا: ﴿أفترى على الله كذباً﴾ (٢) قال الله تعالى: ﴿بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد﴾ (٣). ولما قالوا: ﴿لست مرسلاً﴾ (٤) أجاب الله تعالى عنه فقال: ﴿يس، والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين﴾(٥). ولما قالوا ﴿أثنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾ رد الله تعالى عليهم فقال: ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين) فصدقه ثم ذكر وعيد خصمائه فقال: ﴿إنكم لذائقو العذاب الأليم﴾ (٦). ولما قالوا: ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾(٧) رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾(٨). (١) سورة الكوثر، الآية ٣. (٢) سورة سبأ، الآية ٨. (٣) سورة سبأ، الآية ٨. (٤) سورة الرعد، الآية ٤٣ . (٥) سورة يس، الآيات ١ - ٣. (٦) سورة الصافات، الآيات ٣٦ - ٣٨. (٧) سورة الطور، الآية ٣٠. (٨) سورة يس، الآية ٦٩. - ٢٣٦ - ولما حكى الله عنهم قولهم: ﴿إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون﴾ سماهم الله تعالى كاذبين بقوله: ﴿فقد جاءوا ظلماً وزوراً﴾(١). وقال: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض﴾(٢). ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال الله تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين﴾ (٣) الآية . ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾(٤) قال الله تعالى: تكذيباً لهم ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾(٥). ولما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر﴾ (٦) قال الله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ (٧) تسلية له عليه الصلاة والسلام. ولما قالوا: محمد قلاه ربه، رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٨) . (١) سورة الفرقان، الآية ٤. (٢) سورة الفرقان، الآية ٦. (٣) سورة الشعراء، الآية ٢١٠ . (٤) سورة الأنفال، الآية ٣١. (٥) سورة الإسراء، الآية ٨٨. (٦) سورة المدثر، الآية ٢٤. (٧) سورة الذاريات، الآية ٥٢. (٨) سورة الضحى، الآية ٣. - ٢٣٧ - ولما قالوا: ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾(١) قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ (٢). ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته إلا النكاح، رد الله تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾(٣). ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر بقولهم الذي حکی الله عنهم: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً﴾ (٤) وجهلوا أن / التجانس يورث التآنس، وأن ٢٦٢/ب التخالف يورث التباين. قال الله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً﴾(٥) أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر. فما أجل هذه الكرامة، وقد كانت الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿یا قوم ليس بي ضلالة﴾(٦)، وقول هود ﴿ليس بي سفاهة﴾(٧) وأشباه ذلك. (١) سورة الفرقان، الآية ٧. (٢) سورة الفرقان، الآية ٢٠. (٣) سورة النساء، الآية ٥٤ . (٤) سورة الإسراء، الآية ٩٤. (٥) سورة الإسراء، الآية ٩٥. (٦) سورة الأعراف، الآية ٦١. (٧) سورة الأعراف، الآية ٦٧ . - ٢٣٨ - النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ودية [مشكلات](١) متشابهات [﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾] قال الله تعالى: ﴿وجدك ضالاً فهدى﴾(٢). اعلم أنه قد اتفق العلماء على أنه رّيّ ما ضل لحظة واحدة قط، وهل هو جائز عقلاً على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قبل النبوة؟ قالت المعتزلة: هو غير جائز عقلاً لما فيه من التنفير. وعند أصحابنا: أنه جائز في العقول، ثم يكرم الله من أراد بالنبوة، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبي، قال الله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (٣) قاله الإمام فخر الدین. (١) لم ترد في (أ، ش) والأفضل عدمها لأن المشكلات ليست في الآيات وإنما في فهمنا لها [المحقق]. (٢) سورة الضحى، الآية ٧ . (٣) سورة النجم، الآية ٢. - ٢٣٩ - وقال الإمام أبو الفضل اليحصبي في ((الشفاء)): والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على [أسرار](١) إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة، ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحداً نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل. ثم قال: وقد استبان لك بما قررناه ما هو الحق من عصمته وله عن الجهل بالله وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلاً وإجماعاً، وقبلها سمعاً ونقلاً، ولا بشيء مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعاً، عقلاً وشرعاً، وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله، قصداً وغير قصد، واستحالة ذلك عليه شرعاً وإجماعاً، ونظراً وبرهاناً، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعاً، وتنزيهه عن الكبائر إجماعاً، وعن الصغائر تحقيقاً، وعن استدامة السهو والغفلة [والشهوة](٢)، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد الضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبي وَله، أو يجوز أو يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هو عليه، ولا ينزهه عما لا يجوز أن يضاف إليه، فيهلك من حيث لا يدري، (١) زيادة في (ب، ط) وهي ليست في الشفاء وهو الأصل المنقول عنه انظر الشفاء ٢٥٧/٢ . (٢) زيادة في (أ، ط). - ٢٤٠ -