النص المفهرس
صفحات 161-180
إنك لرسوله﴾(١)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً، قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾(٢) فاستشهد على رسالته بشهادة الله له. وكذلك قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله شهيد بيني وبينكم﴾(٣)، وقوله: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً﴾ (٤) وقوله: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾(٥) وقوله: ﴿محمد رسول الله﴾ (٦)، فهذا كله منه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها وبينها، وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهداً لرسوله. [﴿أرسل رسوله بالهدى﴾] وقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً﴾(٧). فيظهر ظهورين: ظهوراً بالحجة والبيان، وظهوراً بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصوراً. (١) سورة المنافقون، الآية ١ . (٢) سورة الرعد، الآية ٤٣ . (٣) سورة الأنعام، الآية ١٩. (٤) سورة النساء، الآية ١٦٦. (٥) سورة المنافقون الآية ١ . (٦) سورة الفتح، الآية ٢٩. (٧) سورة الفتح، الآية ٢٨ . - ١٦١ - [شاهد الفطرة] ومن شهادته تعالى أيضاً ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم، واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه، فإن الله تعالى فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له، والطمأنينة والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره. ولهذا ندب الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علماً ضرورياً ويقيناً جازماً أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾(١)، فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علماً ضرورياً كسائر الأمور الوجدانية باللذة والألم أنه من عند الله، تكلم به حقاً، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد دولار . فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصاً من مدارج السالكين. [﴿إني رسول الله إليكم﴾] وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾(٢). ففي هذه الآية دلالة على أنه وَ لّ مبعوث إلى كافة الثقلين. (١) سورة محمد، الآية ٢٤. (٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٨. - ١٦٢ - وقالت العيسوية من اليهود- وهم أتباع عيسى الأصبهاني -: إن محمداً صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل. ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية، لأن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب يتناول كل الناس، ثم قال: ﴿إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس. وأيضاً: فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن تقول: كان رسولاً حقاً، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولاً حقاً امتنع الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقاً، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل. وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ من الناس من يقول إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك. أما الأولون فقالوا: دخله التخصيص / من وجهين: ٢٥٠ / ب الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم، وذلك لأنه وله قال: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)) رواه ابن جرير عن ابن عباس(١). والثاني: أنه رسول إلى من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته (١) في (أ، ط) عن ابن عساكر، ولم يذكر الراوي في (د، ش). قال الشارح رواه أحمد وأبو داود والنسائي . - ١٦٣ - وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. وعن أبي هريرة عن النبي وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) رواه مسلم. ومفهومه: أن من لم يسمع به رَّر ولم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح. وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا وعليه. [﴿قد جاءكم رسولنا﴾] وقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل (١)، أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾(٢). خاطب تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمداً خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول. بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال تعالى: ﴿على فترة من الرسل﴾ أي بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله وعيسى بن مريم. وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال النهدي وقتادة في رواية عنه: ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن (١) هذا ما ذكر من الآية في (١، د ) وجاء إتمامها في (ب، ش). (٢) سورة المائدة، الآية ١٩. - ١٦٤ - قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، وعن الشعبي - فيما ذكره ابن عساكر - تسعمائة وثلاث(١) وثلاثون سنة . قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة، قال: وكانت هي الفترة بين عيسى بن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد آخر النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي)) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي(٢) وغيره. والمقصود: أن الله بعث محمداً على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم والنفع به أعم. وفي حديث عند الإمام أحمد مرفوعاً: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل))(٣) وفي لفظ مسلم ((من أهل الكتاب))(٤). فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمداً وَّير فهدى به الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء، والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه. (١) كذا في ش، وجاء في النسخ ((ثلاثة)) وهو غلط. (٢) في ش القاضي، قال: وفي نسخ القضاعي. (٣) المسند ٤ /١٦٢. (٤) رواه مسلم، كتاب الجنة رقم ٦٣. - ١٦٥ - [﴿رسول من أنفسكم﴾] وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾(١). أي: عزيز عليه عنتكم، أي إثمكم بالشرك والمعاصي، حريص عليكم أن تهتدوا. قال الحسن: عزيز عليه أن تدخلوا النار، حريص عليكم أن تدخلوا الجنة، ومن حرصه وَ ر علينا أنه لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا، وفهمنا إياه على قدر منزلته، بل على قدر منزلتنا، وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله : لم يمتحنا بما تعنى العقول به حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم أي لم نتحير ولم نشك فيما ألقاه إلينا. وقال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(٢) ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم. ومن حرصه 8ّ على هدايتنا أنه كان كثيراً ما يضرب المثل ١/٢٥١ بالمحسوس ليحصل / الفهم، وهذه سنة القرآن، ومن تتبع الكتاب والسنة رأى من ذلك العجب العجاب، ولما ساوى الله سبحانه وتعالى بين الناس في حرص رسوله ول على إسلامهم، خص المؤمنين برأفته ورحمته لهم. وقال تعالى: ﴿من أنفسكم﴾ ولم يقل: من أرواحكم، فقيل (١) سورة التوبة الآية ١٢٨. (٢) سورة الأنبياء، الآية ١٠٧ . - ١٦٦ - يحتمل أن يكون مراده: أنه منا بجسده المنفس(١)، لا بروحه المقدس، ويرحم الله القائل: إذا رمت مدح المصطفى شغفاً به تبلد ذهني هيبة لمقامه هوى فيه أحلى من لذيذ منامه فأقطع ليلي ساهر الجفن مطرقاً رؤوف رحيم في سياق كلامه إذا قال فيه الله جل جلاله بمختلفيه نثره ونظامه فمن ذا يجاري الوحي والوحي معجز [توجيه كلام ((الشفاء))] تنبيه: أما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية: ((ثم وصفه بعدُ بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم، ورشدهم وإسلامهم، وشدة ما يعنتهم ويضربهم في دنياهم وأخراهم، وعزته عليه .. ))(٢). فهو وإن كان المقصد صحيحاً، ففي ظاهره شيء، لأنه يوهم أن قوله ((وشدة ما يعنتهم)) معطوف على متعلق المصدر الذي هو ((الحرص)) فيكون مخفوضاً به. ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام، أن الضمير الأول من قوله ((وعزته عليه)) عائد على النبي وَلير، والضمير الثاني عائد على الله عز وجل، فلا تبقى ((الشدة)) إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر. ولا يخفى ما في هذا. (١) قال في هامش ب: أي النفيس، وقال الشارح: أي المكرم. (٢) جاء هذا النص في الفصل الأول من الباب الأول ٥٣/١ تحقيق قره علي وزملائه . - ١٦٧ - وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، أو نحو ذلك من المضافات. والأولى - أو الصواب، إن شاء الله تعالى - أن تكون ((الشدة)) معطوفة على نفس المصدر الذي هو ((الحرص)) ويكون قوله ((وعزته)) معطوفاً على ((وشدة)) والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو ((ما)) في قوله (ما يعنتهم)) والهاء الثانية في ((عليه)) عائدة على النبي وَّر. انتهى. [﴿رحمة للعالمين﴾] وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(١). يجوز أن يكون ((رحمة)) مفعولاً له، أي لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى: راحم. قاله السمين(٢). وقال أبو بكر بن طاهر(٣) - فيما ذكره القاضي عياض -: زين الله تعالى محمداً وَلير بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، انتهى. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب (١) سورة الأنبياء، الآية ١٠٧ . (٢) الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي، النحوي نزيل القاهرة مات سنة ست وخمسين وسبعمائة، له إعراب القرآن وأيضاً تفسير كبير في عدة أجزاء. (٣) ابن مفوز بن أحمد المعافري الشاطبي. - ١٦٨ - أهلك الله من كذبه. ومحمد أخِّر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة. وقال السمرقندي (١): رحمة للعالمين يعني: الجن والإنس. وقيل: لجميع الخلق للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب. فذاته * - كما قيل - رحمة تعم المؤمن والكافر، قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾(٢)، وقال ◌َّ: ((إنما أنا رحمة مهداة)) رواه الدارمي والبيهقي في ((الشعب)) من حديث أبي هريرة(٣). وقال بعض العارفين: الأنبياء خلقوا كلهم من الرحمة، ونبينا وَالر عين الرحمة، ولقد أحسن القائل: سرور حياة الدهر فائدة الدهر غنيمة عمر الكون بهجة عیشه تجلى بها الرحمن في السر والجهر هو النعمة العظمى هو الرحمة التي فبيانه زَّلُ ونصحه رحمة، ودعاؤه واستغفاره رحمة، فرزِقَ ذلك من قبله، وحرمه من رده. / ٢٥١/ب فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟ فالجواب من وجهين: (١) نصر بن محمد الفقيه الحنفي الإمام المشهور، له تصانيف توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة . (٢) سورة الأنفال، الآية ٣٣. (٣) ورواه الحاكم وصححه على شرطهما، وأقره الذهبي. - ١٦٩ - أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند، ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله تعالى: الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة، وقد قال تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركاً﴾(١) ثم قد يكون سبباً للفساد. وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وقد أخر الله تعالى عذاب من كذب نبينا إلى الموت، أو إلى القيامة. لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿ليعذب الله المنافقين﴾(٣)، لأنا نقول: تخصيص العام لا يقدح فيه. وفي ((الشفاء)) للقاضي عياض: وحكى أن رسول الله رحي له قال لجبريل: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت، لثناء الله تعالى عليَّ بقوله عز وجل: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾(٤). انتهى(٥). وذكره السمرقندي في تفسيره بلفظ(٦): وذكر أن النبي ◌َّ قال لجبريل يقول الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فهل أصابك (١) سورة ق، الآية ٩. وقد وردت في المخطوطات و(ط) (وأنزلنا) خطأ. (٢) سورة التوبة، الآية ١٤. (٣) سورة الأحزاب، الآية ٧٣ وقد سقط من المخطوطات و(ط) لفظ الجلالة (الله) خطأ . (٤) سورة التكوير، الآية ٤٠. (٥) قال السيوطي: ولم أجده مخرجاً في شيء من كتب الحديث. (٦) انظر التعليق السابق. - ١٧٠ - من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، أصابني من هذه الرحمة شيء، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك، لثناء الله تعالى عليَّ في قوله: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ . وهذا يقتضي أن محمداً وَّر أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور، خلافاً لمن زعم أن جبريل أفصل واستدل: بأن الله تعالى وصف جبريل بسبعة أوصاف من صفات الكمال في قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾، ووصف محمداً مَّلل بقوله: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾. ولو كان محمد رَّ مساوياً لجبريل في صفات الفضل أو مقارباً له لكان وصف محمداً بمثل ذلك. وأجيب بأنا متفقون على أن لمحمد وَالر فضائل أخرى سوى ما ذكر في هذه الآية، وعدم ذكر الله تعالى لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجمال، وإذا ثبت أن لمحمد وَّلهم فضائل أخر زائدة فیکون أفضل من جبريل. وبالجملة: فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل ألبتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني، وإذا ثبت بالدليل القرآني أنه وَ *و رحمة للعالمين، والملائكة من جملة العالمين، وجب أن يكون أفضل منهم، والله أعلم. [﴿وخاتم النبيين﴾] وقال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبیین﴾(١) . (١) سورة الأحزاب، الآية ٤٠ . - ١٧١ - وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بطريق الأولى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس، كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني. وبذلك وردت الأحاديث عنه القادم : فروى أحمد من حديث أبي بن كعب أن النبي بَّ قال: (مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة فلم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة) ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي، وقال: حديث حسن صحیح . وفي حديث أنس بن مالك مرفوعاً: (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي) رواه الترمذي وغيره. وفي حديث جابر مرفوعاً: (مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، وأنا موضع هذه اللبنة، ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) رواه أبو داود الطيالسي، وكذا البخاري ومسلم. وفي حديث أبي سعيد/ الخدري: (فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة). رواه مسلم. ١/٢٥٢ وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: (وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون). - ١٧٢ - فمن تشريف الله تعالى له ل ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تحذق وتشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات(١)، فكلها محال وضلالة عند أولي الألباب. ولا يقدح في هذا نزول عيسى بن مريم عليه السلام بعده، لأنه إذا نزل كان على دين نبينا وَ لجر ومنهاجه، مع أن المراد: أنه آخر من نبئ. قال أبو حيان: ومن ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله والله أعلم. (١) قال في القاموس: النيرنج: أخذ كالسحر وليس به [م]. - ١٧٣ - النوع الرابع في التنويه به وية في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل قال الله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾(١). وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول مقاله، فلما قال لهم ◌َ # هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكوراً في التوراة والإنجيل. وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته. لكن أهل الكتاب كما قال الله تعالى: يكتمون الحق وهم يعلمون(٢) و﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾(٣)، وإلا فهم - قاتلهم (١) سورة الأعراف، الآية ١٥٧ . (٢) الآية الكريمة ﴿وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ سورة البقرة، الآية ١٤٦ . (٣) سورة المائدة، الآية ١٣ . - ١٧٤ - الله - قد عرفوا محمداً وَي- كما عرفوا أبناءهم، ووجدوه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، لكنهم حرفوهما وبدلوهما ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فدلائل نبوة نبينا وَ لّ في كتابيهما - بعد تحريفهما - طافحة، وأعلام شريعته ورسالته فيهما لائحة، وكيف يغني عنهم إنكارهم، وهذا اسم النبي ◌ِّرَ بالسريانية ((مشفح))(١)، فمشفح، محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: ((شفحا لاها)) إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد، شفحا، فمشفح: محمد، ولأن الصفات التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه، ومخرجه ومبعثه وشريعته وَجه ، فليدلونا على من هذه الصفات له، ومن خرجت(٢) له الأمم من بين يديه، وانقادت له واستجابت لدعوته. ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به؟ على أنا لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، ألم يك فيما أودع الله عز وجل القرآن دليل على ذلك؟ وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره ــ وهو يقرعهم به - دليل على اعترافهم له؟ فإنه يقول: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل). ويقول حكاية عن المسيح: ﴿إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾(٣) (١) كذا في ش بالفاء، وفي (ب، ١): مشفحا، وفي ط (أمشقحاً) وسقطت منها كلمة بالسريانية. (٢) في (ب، ط) خرت. (٣) سورة الصف، الآية ٦. - ١٧٥ - ويقول: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾(١) ويقول: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾(٢)، وكانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسداً وخوفاً على الرياسة. ٢٥/ب ويحتمل / أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه الله من العرب، من نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم، وأظهروا التكذيب، فلعنة الله على الكافرين. وقد كان ◌َّ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوباً وهم لا يجدونه كما ذكر؟! أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعداً، وقد كان غنياً أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم(٣). وقد (٤) أسلم من أسلم من علمائهم كعبدالله بن سلام، وتميم الداري، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى. وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن حمزة ابن عبدالله بن سلام عن جده عبدالله بن سلام: أنه لما سمع بمخرج النبي ◌َّ بمكة، خرج فلقيه، فقال له النبي ◌َّول: أنت ابن سلام عالم أهل يثرب؟ قال: نعم، قال: ناشدتك الله الذي أنزل التوراة على (١) سورة آل عمران، الآية ٧١. (٢) سورة البقرة، الآية ١٤٦ . (٣) في (أ، ط): يوجسهم. (٤) في المخطوطات: وكم. - ١٧٦ - موسى، هل تجد صفتي في كتاب الله؟ قال: انسب ربك يا محمد، فارتج النبي ◌َّ فقال له جبريل: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾ (١)، فقال ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وإن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب (٢) في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة المعوجة(٣)، حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. وقوله: ((ليس بفظ ولا غليظ)) موافق لقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (٤) ولا يعارض قوله: ﴿واغلظ عليهم﴾(٥) لأن النفي محمول على طبعه الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس . الآية . و((قلوباً غلفاً)): أي مغشاة مغطاة، واحدها: أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره. - وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أم الدرداء - امرأة أبي الدرداء - (١) سورة الإخلاص. (٢) أي لا يرفع صوته، وكذلك صخاب. (٣) في (ط، ش): العوجاء. (٤) سورة آل عمران، الآية ١٥٩. (٥) سورة التوبة، الآية ٧٣. - ١٧٧ - قالت: قلت لكعب، كيف تجدون صفة رسول الله وَله في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفاً فيها: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، وأعطي المفاتيح، ليبصر الله به أعيناً عوراً، ويسمع به آذاناً صماً، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف. وفي البخاري: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله وَليل قال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها. النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً)(١). وعند ابن إسحاق: ولا صخب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد ١/٢٥٣ الخمالة، / وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد (١) هو في البخاري برقم ٤٨٣٨. - ١٧٨ - العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قدم الجارود فأسلم فقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول. وأخرج ابن سعد قال: لما أمر إبراهيم بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر بأرض عذبة سهلة إلا قال: انزل هاهنا يا جبريل، فيقول: لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع ولا زرع؟ قال: نعم، هاهنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم(١) به الكلمة العليا. وفي التوراة - مما اختاروه بعد الحذف والتبديل والتحريف، مما ذكره ابن ظفر في ((البشر)) وابن قتيبة في ((أعلام النبوة)) -: تجلى الله من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. و«سینا)) هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى. و((ساعير)) هو الجبل الذي كلم الله فيه عيسى، وظهرت فيه نبوته . وجبال ((فاران)) وهو اسم عبراني - وليست ألفه الأولى همزة - هي جبال بني هاشم التي كان رسول الله وَلقّ يتحنث في أحدها وفيه فاتحة الوحي، وهو أحد ثلاثة جبال، أحدها: أبو قبيس، والمقابل له قعيقعان إلى بطن الوادي، والثالث: الشرقي فاران، ومنفتحه الذي (١) في (ب) تستمر. - ١٧٩ - يلي قعيقعان إلى بطن الوادي، وهو شعب بني هاشم، وفيه مولده وّلة على أحد الأقوال. قال ابن قتيبة: وليس بهذا غموض، لأن تجلي الله من سينا، إنزاله التوراة على موسى عليه السلام بطور سيناء، ويجب أن يكون إشراقه من ((ساعير)) إنزاله على عيسى الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تدعى ناصرة، وباسمها سمي من اتبعه نصارى، فكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران بإنزاله القرآن على محمد بشير، وهي جبال مكة، وليس بين المسلمين وأهل الكتاب في ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة. وإن أدعي أنها غير مكة قلنا: أليس في التوراة: إن الله أسكن هاجر واسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتاباً بعد المسيح، أوليس ((استعلن)) و((علن)) بمعنى واحد، وهو ما ظهر وانكشف. فهل تعلمون ديناً ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه. وفي التوراة أيضاً - مما ذكره ابن ظفر - خطاباً لموسى، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه الذين أخذتهم الرجفة خصوصاً، ثم بني إسرائيل عموماً: والله ربك يقيم نبياً من إخوتك، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوريت يوم الاجتماع حين قلت لا أعود اسمع صوت الله ربي لئلا أموت، فقال الله لي: نعم ما قالوا، وسأقيم لهم نبياً مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه فيقول لهم كل شيء أمرته به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فإني أنتقم منه. قال: وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد وعليهم : - ١٨٠ -