النص المفهرس
صفحات 141-160
هذه المناقب المتكاثرة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا
بحذافيرها. وإذ(١) أنعمنا عليك بهذه النعم فاشتغل بطاعتنا ولا تبال
بقولهم .
ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس وهو قوله: ﴿فصل
لربك﴾، وإما بالمال وهو قوله: ﴿وانحر﴾
وتأمل قوله: ﴿إنا أعطيناك﴾ كيف ذكر بلفظ الماضي، ولم يقل:
سنعطيك، ليدل على أن هذا الإعطاء حصل في الزمان الماضي، قال
وَالر: كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد. ولا شك أن من كان في
الزمان الماضي عزيزاً مرعي الجانب أشرف ممن سيصير كذلك، كأنه
تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا
الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد
الكريم، إنا لم نعطك هذا الفضل العميم لأجل طاعتك، وإنما
اخترناك بمجرد فضلنا وإحساسنا من غير موجب.
واختلف المفسرون في تفسير (الكوثر) على وجوه:
منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور والمستفيض عند
السلف والخلف، فروى أنس أن رسول الله وَ ل قال: (بينا أنا أسير في
الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك إذفر) رواه
البخاري .
وقيل: الكوثر أولاده، لأن هذه السورة إنما نزلت رداً على من
عابه وَّير بعدم الأولاد، وعلى هذا فالمعنى: أنه يعطيه نسلاً يبقون على
(١) كذا في ش. وفي النسخ: إذا.
- ١٤١ -
ممر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلئ منهم، ولم
يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره.
وقيل: الكوثر الخير الكثير. وقيل: النبوة، وهي الخير الكثير.
وقيل: علماء أمته، وقيل الإسلام، ولا ريب أنهما من الخير
الكثير، فالعلماء ورثة الأنبياء، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وأما
((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله
الدميري والزركشي، أنه لا أصل له. نعم روى أبو نعيم في فضل
العالم العفيف بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه: أقرب الناس من
درجة النبوة أهل العلم والجهاد.
وقيل: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع.
وعن بعضهم: المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه:
أحدها أن العلم هو الخير الكثير، والثاني: إما أن يحمل الكوثر على
نعم الآخرة أو على نعم الدنيا، قال: والأول غير جائز لأنه قال: إنا
أعطيناك الكوثر، والجنة سيعطيها لا أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر
على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو
العلم والنبوة، فوجب حمل اللفظ على العلم، / والثالث: أنه لما قال ١/٢٤٧
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال عقبة: ﴿فصل لربك وانحر﴾ والشيء الذي
يتقدم على العبادة هو المعرفة، ولأن ((الفاء)) في قوله (فصلٍ) للتعقيب،
ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم.
وقيل الكوثر الخلق الحسن [كما في حديث: ذهب حسن الخلق
بخير الدنيا والآخرة. رواه الطبراني](١). وعن ابن عباس: جميع نعم
الله على نبيه واله .
(١) زيادة في ش.
- ١٤٢ -
وبالجملة: فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها
على الباقي، فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لما
روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إن ناساً يزعمون أنه
نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه
الله إياه .
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: قال بعض العلماء: ظاهر
قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك
الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله من النبوة والقرآن
والذكر العظيم والنصر على الأعداء. وأما الحوض وسائر ما أعدَّ له من
الثواب فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد
الله فهو كالواقع، إلا أن الحقيقة ما قدمناه، لأن ذلك وإن أعدَّ له فلا
يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه الكوثر في حال نزول هذه السورة
بمكة، ويحتمل أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بشيء له، يصح
أن يقال: أعطاه ذلك الشيء، مع أن الصبي في ذلك الحال ليس أهلاً
للتصرف .انتهى .
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث أنس (بينما رسول الله
وَ س* ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا
ما يضحكك أضحك الله سنك، يا رسول الله؟ قال: نزلت على آنفاً
سورة فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم،. إنا أعطيناك الكوثر، فصل
لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟
قلنا الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، علیه خیر کثیر،
وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج
- ١٤٣ -
العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث
بعدك)(١).
وهذا تفسير صريح منه ◌َل# بأن المراد بالكوثر - هنا - الحوض،
فالمصير إليه أولى، وهذا هو المشهور كما تقدم.
فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة وشرفه بهذه الخصال
العميمة، وحباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة.
[تكريمه ◌َ بالخطاب]
وقد جرت عادة الله مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن
يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يا آدم اسكن﴾(٢) ﴿يا نوح
اهبط﴾(٣) ﴿يا موسى إني أنا الله﴾ (٤) ﴿يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي
عليك﴾(٥)، وأما نبينا محمد ريسل فناداه بالوصف الشريف من الإنباء
والإرسال فقال: (يا أيها الرسول) (يا أيها النبي). ولله در القائل:
فدعا جميع الرسل كلاَّ باسمه ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن
السيد إذا دعا عبيده بأفضل ما أوجد لهم من الأوصاف العلية
والأخلاق السنية ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف
(١) هو في كتاب الصلاة عند مسلم برقم ٥٣.
(٢) سورة البقرة، الآية ٣٥.
(٣) سورة هود، الآية ٤٨ .
(٤) سورة القصص، الآية ٣٠.
(٥) سورة المائدة، الآية ١١٠.
- ١٤٤ -
من الأوصاف، ولا بخلق من الأخلاق، أن منزلة من دعاه بأفضل
الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم، وهذا
معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة
في تعظيمه واحترامه. انتهى .
وانظر ما في نحو قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل
في الأرض خليفة﴾(١) من ذكر ((الرب)) تعالى وإضافته إليه وض ئيل ، وما
في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه بخطابه، وما في ذلك من
الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب، له الحظ الأعظم،
والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذ هو في الحقيقة أعظم / خلفائه. ٢٤٧/ب
ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أمَّ بهم
ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم
في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه.
وبالجملة: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل
رتبته، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى
على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه وملاطفته
قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك، لم أذنت لهم﴾(٢)
وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيماً له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله
تعالى: ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾(٣)
وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في
(١) سورة البقرة، الآية ٣٠.
(٢) سورة التوبة، الآية ٤٣.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٧.
- ١٤٥ -
النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا﴾(١)، وهذا بحر لا ينفد
وقطر لا يعد.
(١) سورة الأحزاب، الآية ٦٦ .
- ١٤٦ -
النوع الثاني
في أخذ الله الميثاق له على النبيين
فضلا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه
قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب
وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾
الآية(١).
أخبر تعالى أنه أخذ الميثاق على كل نبي بعثه، من لدن آدم عليه
الصلاة والسلام إلى محمد وَالقر أن يصدق بعضهم بعضاً، قاله الحسن
وطاووس وقتادة.
وقيل معناه: أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، واستغنى
بذکرهم عن ذكر الأمم.
وعن علي بن أبي طالب وابن عباس: ما بعث الله نبياً من
الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد زَّلـ ـ وهو حي - ليؤمنن به
ولينصرنه. وما قاله قتادة والحسن وطاووس لا يضاد ما قاله علي وابن
عباس، ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه.
(١) سورة آل عمران، الآية ٨١.
- ١٤٧ -
وقيل معناه: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كانوا يأخذون
الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد وهالقر أن يؤمنوا به وأن ينصروه،
واحتج له بأن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد
وَالر عند مبعثه، وكان الأنبياء عند مبعث محمد وَلّ من جملة الأموات،
والميت لا يكون مكلفاً، فتعين أن يكون الميثاق مأخوذاً على الأمم.
قالوا: ويؤكد هذا، أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق بأنهم
لو تولوا لكانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق
بالأمم.
وأجاب الفخر الرازي(١): بأن يكون المراد من الآية أن الأنبياء
لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد وَّيه. ونظيره قوله تعالى
﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾(٢)، وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك
قط، ولكنه خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض، وقال
تعالى: ﴿ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا
منه الوتين﴾(٣) وقال في الملائكة: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه
فذلك نجزيه جهنم﴾ (٤) مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم ﴿لا يسبقونه
بالقول﴾(٥) وبأنهم ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾(٦)، فكل ذلك خرج
على سبيل الفرض والتقدير. وإذا نزلت هذه الآية على أن الله تعالى
(١) في الأصل: وأجيب.
(٢) سورة الزمر، الآية ٦٥.
(٣) سورة الحاقة، الآية ٤٦.
(٤) سورة الأنبياء، الآية ٢٩.
(٥) سورة الأنبياء، الآية ٢٧ .
(٦) سورة النحل، الآية ٥٠.
- ١٤٨ -
[لما](١) أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد وسلّ لو كانوا في
الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لكانوا في زمرة الفاسقين، فلأن يكون
الإيمان بمحمد بَر واجباً على أمهم من باب أولى. فكان صرف هذا
الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المقصود.
وقال السبكي في هذه الآية: إنه سير على تقدير مجيئهم في زمانه
يكون مرسلاً إليهم. فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من
زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأمهم كلهم من أمته،
ويكون قوله ومَلي: (وبعثت إلى الناس كافة) لا يختص به الناس في زمانه
إلى / يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضاً، وإنما أخذ له المواثيق ١/٢٤٨
على الأنبياء ليعلموا أنه المتقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم.
وفي أخذ المواثيق - وهي في معنى الاستحلاف، ولذلك دخلت
((لام)) القسم في (لتؤمنن به ولتنصرنه) - لطيفة: وهي كأنها أيمان البيعة
التي تؤخذ للخلفاء، ولعل أيمان الخلفاء أخذت من هنا.
فانظر إلى هذا التعظيم العظيم للنبي وَل# من ربه تعالى، فإذا
عرف هذا فالنبي محمد رَّ نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك في الآخرة
جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو
اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم
وعلى أممهم اتباعه والإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم،
فنبوته عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل لهم في حياتهم، وإنما أمره
يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى
عدم اتصافهم بما يقتضيه. وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل
وتوقفه على أهلية الفاعل، فهاهنا لا توقف من جهة الفاعل، ولا من
ذات النبي وَيهر الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل
(١) في (ط، ب).
- ١٤٩ -
عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى
عليه السلام في آخر الزمان على شريعته، وهو نبي كريم على حاله،
لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحداً من هذه الأمة، نعم هو واحد
من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي بَّر، وإنما يحكم بشريعة نبينا
وَل بالقرآن والسنة، وكل ما فيهما من أمر ونهي، فهو متعلق به كما
يتعلق بسائر الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء.
وكذلك لو بعث النبي ◌َ ليه في زمانه أو في زمان موسى وإبراهيم
ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أمهم، والنبي وَّ
نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم.
وتتفق مع شرائعهم في الأصول، لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته وَيل
فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص،
وإما على سبيل النسخ، أو: لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة
النبي ◌َّالهر في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به
أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة، والأحكام
تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، وبهذا بان لنا معنى حديثين كانا
خفيا عنا.
أحدهما: قوله وَ له: (بعثت إلى الناس كافة)(١)، كنا نظن أنه من
زمانه إلى يوم القيامة، فبان أنه إلى جميع الناس أولهم وآخرهم.
والثاني: قوله {وَلـ: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)(٢)، كنا
نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك، وإنما يفترق الحال بين ما
بعد وجود جسده ◌َّليه وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك بالنسبة إلى
(١) رواه البخاري .
(٢) رواه أحمد والبخاري في التاريخ وأبو نعيم وغيرهم.
- ١٥٠ -
المبعوث إليهم وتأهلهم لسماع كلامه لا بالنسبة إليه ولا إليهم، لو
تأهلوا قبل ذلك، وتعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب
المحل القابل، وقد يكون بحسب الفاعل المتصرف فهاهنا التعليق إنما
هو بحسب المحل القابل، وهو المبعوث إليهم وقبولهم سماع الخطاب
والجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه.
وهذا كما يوكل الأب رجلاً في تزويج ابنته إذا وجدت كفءاً،
فالتوكيل صحيح وذلك الرجل أهل للوكالة، ووكالته ثابتة، وقد يحصل
توقف التصرف على وجود الكفء، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا
يقدح في صحة الوكالة وأهلية الوكيل، انتهى.
- ١٥١ -
النوع الثالث
في وصفه له له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
[﴿وابعث فيهم رسولاً منهم﴾]
٢٤٨/ب
/قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة
والسلام - عند بناء البيت الحرام: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع
العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا
مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم
رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
إنك أنت العزيز الحكيم﴾(١).
فاستجاب الله دعاءهما، وبعث في أهل مكة رسولاً منهم بهذه
الصفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم عليهما السلام بهذا
الدعاء .
فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا المراد به محمد وَله ؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة.
(١) سورة البقرة الآيات ١٢٧ - ١٢٩.
- ١٥٢ -
الثاني: قوله وَل: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى)(١)
قالوا: وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى هي ما ذكر في سورة
الصف من قوله: ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾(٢).
الثالث: إن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا
بها وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة إلا محمداً وَالية. وقد
امتن الله تعالى على المؤمنين ببعث هذا النبي منهم على هذه الصفة
فقال تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم
يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ الآية(٣)،
فليس لله منة على المؤمنين أعظم من إرساله محمداً وَليل يهدي إلى الحق
وإلى طريق مستقيم، وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم
النعم، لأن النعمة به وَالر تمت بها مصالح الدنيا والآخرة، وكمل
بسببها دين الله الذي رضيه لعباده.
وقوله: ﴿من أنفسهم﴾ يعني أنه بشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم
بالوحي .
وقرئ في الشواذ (من أنفسهم) - بفتح الفاء - يعني من أشرفهم،
لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل
العرب، والعرب أفضل من غيرهم.
ثم قيل: لفظ (المؤمنين) عام، ومعناه خاص في العرب، لأنه
ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده، وخص المؤمنين بالذكر لأنهم
المنتفعون به أكثر، فالمنة عليهم أعظم.
(١) أخرجه الطيالسي والديلمي وابن عساكر.
(٢) سورة الصف، الآية ٦.
(٣) سورة آل عمران، ١٦٤.
- ١٥٣ -
فإن قلت: هل العلم بكونه وَلقر بشراً، ومن العرب، شرط في
صحة الإيمان، أو هو من فروض الكفاية.
أجاب الشيخ ولي الدين بن العراقي: بأنه شرط في صحة
الإيمان. قال: فلو قال شخص: أومن برسالة محمد وَّل إلى جميع
الخلق، ولكني لا أدري هل هو من البشر أو الملائكة، أو من الجن،
أو لا أدري أهو من العرب أو العجم، فلا شك في كفره لتكذيبه
للقرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفاً عن سلف، وصار معلوماً
بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافاً. فلو كان غبياً
لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده بعد ذلك حكمنا
بکفره. انتھی.
فإن قلت: هل هو رَّ باق على رسالته إلى الآن؟
أجاب أبو المعين النسفي (١): بأن الأشعري قال: إنه وَالخير الآن
في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن
العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح. انتهى.
وقال غيره: إن النبوة والرسالة باقية بعد موته وَلّ حقيقة، كما
يبقى وصف الإيمان بعد موته، لأن المتصف بالنبوة والرسالة، والإيمان
هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن. انتهى.
(١) ميمون بن محمد بن سعيد النسفي الحنفي صاحب التبصرة في علم
الكلام، والتمهيد لقواعد التوحيد وغيرهما، وهو غير صاحب ((الكنز))
عبدالله بن أحمد، وغير صاحب التفسير، عمر بن محمد وغير صاحب
العقائد البرهان محمد بن محمد، وكلهم حنفيون من ((نسف)) مدينة بما وراء
النهر.
- ١٥٤ -
وتعقب: بأن الأنبياء أحياء في قبورهم، فوصف النبوة باق
للجسد والروح معاً.
وقال القشيري: كلام الله تعالى لمن اصطفاه: أرسلتك أن تبلغ
عني، وكلامه تعالى قديم، فهو ◌َلَ / قبل أن يوجد كان رسولاً. وفي ١/٢٤٩
حال كونه وإلى الأبد رسولاً، لبقاء الكلام وقدمه، واستحالة البطلان
على الإرسال الذي هو كلام الله تعالى.
ونقل السبكي في طبقاته، عن ابن فورك أنه قال إنه وَل ◌ّ حي في
قبره، رسول الله أبد الآباد على الحقيقة لا المجاز. انتهى.
[﴿بعث في الأميين رسولاً﴾]
وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل
لفي ضلال مبين﴾(١).
والمراد بالأميين: العرب، تنبيهاً لهم على قدر هذه النعمة
وعظمها حيث كانوا أميين، لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار
النبوة، كما عند أهل الكتاب، فمنَّ الله تعالى عليهم بهذا الرسول
وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم، وعرفوا ضلالة من
ضل قبلهم من الأمم.
وفي کونه آلټ منهم فائدتان:
إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضاً أمياً كأميَّة المبعوث إليهم،
(١) سورة الجمعة، الآية ٢.
- ١٥٥ -
لم يقرأ كتاباً قط ولم يخطه بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من
قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾(١)، ولا خرج عن ديار قومه فأقام
عند غيرهم حتى تعلم منهم، بل لم يزل أمياً بين أمة أمية لا يكتب ولا
يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب
المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق
أهل الأرض ونظارها أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه، وفي هذا
برهان عظيم على صدقه واله .
الفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم وهم الأميون،
خصوصاً أهل مكة، يعرفون نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته، وأنه
نشأ بينهم معروفاً بذلك، وأنه لم يكذب قط، فكيف كان يدع الكذب
على الناس ثم يفتري الكذب على الله عز وجل؟ هذا هو الباطل.
ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف واستدل بها على صدقه فيما
ادعاه من النبوة والرسالة.
وقد قال الله تعالى خطاباً له: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾(٢). ویروی
أن رجلاً قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ولكنا إن
نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن
عباس.
وعن مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي ◌ّ في
العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب.
ويروى أن المشركين كانوا إذا رأوه ودليل قالوا: إنه لنبي.
(١) سورة العنكبوت، الآية ٤٨.
(٢) سورة الأنعام، الآية ٣٣.
- ١٥٦ -
وعن علي: قال أبو جهل للنبي وَلّ: إنا لا نكذبك ولكن
نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى الآية.
والمعنى: أنهم ينكرونه مع العلم بصحته. إذ الجحد هو الإنكار
مع العلم.
فإن قلت: فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ولقد كذبت
رسل من قبلك﴾(١)؟
أجيب: بأنه على طريق الجحد، وهو يختلف باختلاف أحوالهم
في الجهل، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله، فحيث علم آمن، ومنهم
من علم وأنكر كفراً وعناداً كأبي جهل. فيكون المراد بقوله فإنهم لا
يكذبونك، قوماً مخصوصين منهم لا كلهم، وحينئذٍ فلا تعارض.
وروي أن أبا جهل لقيه فصافحه فقيل له: أتصافحه؟ فقال:
والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف؟ فأنزل
الله الآية، رواه ابن أبي حاتم.
والقرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول
الكريم، وتحقيق رسالته، فكيف يليق بكمال الله أن يقر من يكذب
عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على
ذلك ويؤيده، ويعلي كلمته ويرفع شأنه، ويجيب دعوته ويهلك عدوه،
ويظهر على يده من الآيات والبراهين والأدلة ما يضعف عن مثله قوى
البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه، مفترٍ ساعٍ / في الأرض بالفساد؟؟
٢٤٩ /ب
ومعلوم أن شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء، وقدرته على
(١) سورة الأنعام، الآية ٣٤.
- ١٥٧ -
كل شيء، وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء، ومن
ظن ذلك به وجوزه عليه فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه
بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة(١).
والقرآن كله مملوء من هذه الطريق، وهذه طريقة الخاصة، بل
خاصة الخاصة الذين يستدلون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله
وما لا يفعله. وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك ويبديه ويعيده
لمن له فهم وقلب واع عن الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ولو تقوَّل علينا
بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من
أحد عنه حاجزين﴾(٢)، أفتراه سبحانه وتعالى يخبر أن كماله وحكمه
يأبى أن يقرِّ من تقول عليه بعض الأقاويل، بل لا بد أن يجعله عبرة
لعباده، كما جرت بذلك سننه في المتقولين عليه.
وقال تعالى: ﴿أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم
على قلبك﴾(٣) هاهنا انتهى جواب الشرط. ثم أخبر خبراً جازماً غير
معلق أنه يمحو الباطل ويحق الحق.
وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على
بشر من شيءٍ﴾ (٤)، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره
حق قدره، ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق، فكيف من ظن
(١) أي أن جميع الناس يدركون كثيراً من صفاته ويقرون بها، ومن حق من
عرف شيئاً منها أن يعترف بما ظهر له من الأدلة باتصافه رقمله بجميع صفات
الكمال اللائقة به .
(٢) سورة الحاقة، رقم الآية ٤٧ .
(٣) سورة الشورى، الآية ٢٤.
(٤) سورة الأنعام، الآية ٩١.
- ١٥٨ -
أن الله ينصر الكاذب المفتري عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات
والأدلة؟
وهذا في القرآن كثير يستدل تعالى بكماله المقدس وأوصافه
وجلاله على صدق رسوله، وعلى وعده ووعيده، ويدعو عباده إلى
ذلك.
وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أولم يكفهم
أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم
يؤمنون. قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً يعلم ما في السماوات
والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم
الخاسرون﴾(١)، فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفى من كل
آية، ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله، وأن الله سبحانه أرسل به
رسوله، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة، وينجيه من العذاب.
ثم قال: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً يعلم ما في السماوات
والأرض﴾ فإذا كان سبحانه عالماً بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق
شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به، وهو سبحانه
وتعالى يذكر علمه عند شهادته وقدرته، وملكه عند مجازاته، وحكمته
عند خلقه، وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله، وحلمه عند ذنوب
عباده. فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطها بالخلق والأمر
والثواب والعقاب. انتهى.
(١) سورة العنكبوت، الآية ٥١ - ٥٢ .
- ١٥٩ -
[﴿إنا أرسلناك شاهداً﴾]
وقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله
بإذنه وسراجاً منيراً﴾(١).
أي شاهداً على الوحدانية، وشاهداً في الدنيا بأحوال الآخرة من
الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهداً في الآخرة بأحوال الدنيا،
وبالطاعة والمعصية والصلاح والفساد، وشاهداً على الخلق يوم القيامة،
كما قال تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾(٢).
كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرَّف من قبلنا، إنا أرسلناك شاهداً
بوحدانيتنا ومشاهداً كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، وتحذرهم مخالفة
أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعياً الخلق إلينا، وسراجاً
يستضيئون بك، وشمساً تبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن
بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، فبشر بفضلنا
١/٢٥٠ وطولنا عليهم / وإحساننا إليهم.
ولما كان الله تعالى قد جعله وولفر شاهداً على الوحدانية، والشاهد
لا يكون مدعياً، فالله تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعياً
لها، لأن المدعي من يقول شيئاً على خلاف الظاهر، والوحدانية أظهر
من الشمس، والنبي وَ لّر كان ادعى النبوة، فجعل الله تعالى نفسه
شاهداً له في مجازاة كونه شاهداً له تعالى فقال سبحانه: ﴿والله يعلم (٣)
(١) سورة الأحزاب، الآية ٤٦.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٤٣ .
(٣) في جميع النسخ، يشهد، ولكنها في المصحف يعلم، ولعله أراد نقل المعنى
تفسيراً للآية .
- ١٦٠ -