النص المفهرس

صفحات 121-140

وحينئذ فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه
اسم، كما حققه القاضي عضد الدين (١)، وهذا ملخصه وتحريره، كما
قاله المولى سعد الدين التفتازاني. انتهى.
وقوله: (ورفع بعضهم درجات) يعني محمداً وَّله رفعه الله تعالى
من ثلاثة أوجه:
١/٢٤٣
بالذات في المعراج.
وبالسيادة على / جميع البشر.
وبالمعجزات لأنه ◌َلّ أوتي من المعجزات ما لم يؤته نبي قبله.
قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره
ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز
الذي لا يلتبس، انتھی.
وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين
على بعض﴾(٢) أن مراتب الرسل والأنبياء متفاوتة، خلافاً للمعتزلة
القائلين: بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين رد
عليهم .
وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة.
وتوقف بعضهم فقال: السكوت أفضل.
والمعتمد الذي عليه جماهير السلف والخلف: أن الرسل أفضل
من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين
الآيتين وغيرهما.
(١) عبد الرحمن بن أحمد الأيجي، المحقق، يروى تصانيف البيضاوي.
(٢) سورة الإسراء، الآية ٥٥.
- ١٢١ -

قال بعض أهل العلم - فيما حكاه القاضي عياض -: والتفضيل
المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته
أظهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل
وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته
واختصاصه: من كلام أو خلة أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته
واختصاصه، انتهى.
[فضيلته { [*]
فلا مرية أن آيات نبينا وصل﴿ ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى
وأقوى، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر،
وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر، فدرجته أرفع من
درجات جميع المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين.
وتأمل حديث الشفاعة في المحشر، وانتهائها إليه، وانفراده هناك
بالسؤدد، كما قال ◌َ: (أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه
الأرض يوم القيامة) رواه ابن ماجه. وفي حديث أنس عند الترمذي :
(أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر).
لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده،
فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته وير على الأنبياء كلهم ضعيف.
واستدل الشيخ سعد الدين التفتازاني لمطلق أفضليته وص لته بقوله
تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾(١) قال: لأنه لا شك أن
خيرية الأمة بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي
يتبعونه .
واستدل الفخر الرازي - في المعالم - بأنه تعالى وصف الأنبياء
(١) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
- ١٢٢ -

بالأوصاف الحميدة، ثم قال لمحمد وَل : ﴿أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده﴾(١)، فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجباً،
وإلا فيكون تاركاً للأمر، وإذا أتى بجميع ما أتوا به من الخصال
الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، فيكون أفضل منهم.
وبأن: دعوته ◌َّله في التوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم
بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته وَ ل أكمل
من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من
سائر الأنبياء. انتهى.
وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله
وَل: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا
فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)(٢).
وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً - عند البخاري -: (أنا سيد الناس
يوم القيامة) وهذا يدل على أنه أفضل من آدم عليه السلام ومن كل
أولاده [بل أفضل من الأنبياء، بل أفضل الخلق كلهم](٣).
وروى البيهقي في فضائل الصحابة، أنه ظهر علي بن أبي طالب
من البعد، فقال ◌َله: هذا سيد العرب/ فقالت عائشة: ألست بسيد ٢٤٣/بـ
العرب؟ فقال: أنا سيد العالمين وهو سيد العرب. وهذا يدل على أنه
أفضل الأنبياء، بل أفضل خلق الله كلهم.
وقد رى هذا الحديث - أيضاً - الحاكم في صحيحه عن ابن
(١) سورة الأنعام، الآية ٩٠.
(٢) وكذا رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم، وقال الترمذي: حسن
صحيح .
(٣) زيادة في ش.
- ١٢٣ -

عباس، لكن بلفظ: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب. وقال: إنه
صحيح ولم يخرجاه.
وله شاهد من حديث عروة عن عائشة، وساقه من طريق أحمد
ابن عبيد عن ناصح قال حدثنا الحسين عن علوان - وهما ضعيفان -
عن هشام بن عروة عن أبيه، [عن عائشة](١) بلفظ: ادعوا لي سيد
العرب، قالت: فقلت يا رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال:
وذكره .
وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهي - وهو ضعيف
أيضاً - عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: ادعوا لي سيد العرب فقالت
عائشة: ألست بسيد العرب وذكره.
قال شيخنا: وكلها ضعيفة. بل جنح الذهبي إلى الحكم على
ذلك بالوضع. انتهى .
ولم يقل وَّل: أنا سيد الناس عجباً وافتخاراً على من دونه،
حاشاه الله من ذلك، وإنما قاله وه لل إظهاراً لنعمة الله تعالى عليه،
وإعلاماً للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله تعالى، وعلو منزلته
لديه، لتعرف نعمة الله عليه وعليهم. وكذا العبد إذا لاحظ ما هو فيه
من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك
فقره إلى ربه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين (٢) أنشأ له
ذلك في قلبه سحائب السرور، فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء
قلبه وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ
السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ يجري على لسانه الافتخار
(١) في (أ، ش).
(٢) من قوله ((ومحض الجود)) سقط من الأصل.
- ١٢٤ -

من غير عجيب ولا فخر، بل فرح بفضل الله وبرحمته، كما قال تعالى:
﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾(١) فالافتخار على ظاهره،
والافتقار والإنكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر، وإلى هذا
المعنى يشير قول العارف الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته التي
أولها:
يتلاشا
علاه أن
من أنت مولاه حاشا
لا مات من بك عاشا
والله يا روح قلبي
لا يرجعون عطاشا
قوم لهم أنت ساقٍ
له وفاؤك راشا
لا قص دهر جناحا
لمن وهبت انتعاشا
بك النعيم مقيم
ومن بحولك يقوى
لن يضعف الدهر جاشا
فكيف لا يتحاشا
عبد له بك عز
من أنت مولاه حاشا
حاشا وفاؤك يرمي
[مناقشة القائلين بعدم التفضيل]
فإن قلت: فما الجمع بين هاتين الآيتين، وبين قوله تعالى:
﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون
من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾(٢).
(١) سورة يونس، الآية ٥٨.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٣٦.
- ١٢٥ -

والحديث الثابت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: استب
رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسمه: لا
والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهودي
وقال: أي خبيث، وعلى محمد؟ فجاء اليهودي إلى رسول الله وله
واشتكى على المسلم فقال ◌َله: (لا تفضلوني على الأنبياء) وفي رواية (لا
تفضلوا بين الأنبياء).
وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ومسلم أنه وَّم قال:
(لا تخيروا بين الأنبياء)
وحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم مرفوعاً (ما ينبغي لعبد
أن يقول: أنا خير من يونس بن متى).
وحديث أبي هريرة عند الشیخین، (من قال: أنا خیر من يونس
ابن متى فقد كذب).
أجاب العلماء: بأن قوله عز وجل: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾
يعني: في الإيمان بما أنزل إليهم والتصديق بهم، والإيمان بأنهم رسل
الله وأنبياؤه، والتسوية بينهم في هذا لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل
من بعض.
وأجابوا / عن الأحاديث بأجوبة :
١/٢٤٤
فقال بعضهم: أن نعتقد أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض
في الجملة. ونكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا، قال ابن
طغر بك: فإن أراد هذا القائل أن نكف عن الخوض في تفصيل
التفضيل بآرائنا فصحيح، وإن أراد أنا لا نذكر في ذلك ما فهمناه من
كتاب الله وروي لنا من حديث رسول الله وَ ل فسقيم.
- ١٢٦ -

وقال آخر: تفضل من رفع الله درجته بخصائص الحظوة
والزلفى، ولا نخوض في تفضيل بعضهم على بعض في سياسة
المنذرين والصبر على الدين، والنهضة في أداء الرسالة، والحرص على
هدى الضلاَّل(١)، فإن كلا منهم قد بذل في ذلك وسعه الذي لا
يكلفه الله تعالى أكثر منه.
وقال آخر - مما حكاه القاضي عياض -: إن نهيه وَلّ عن
التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذ
يحتاج إلى توقيف، وإن من فضل بلا علم فقد كذب.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا نظر. انتهى.
ولعل(٢) وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخاً من ذلك. ثم
رأيت في تاريخ ابن كثير أن وجه النظر - من جهة (٣) - أن هذا من
رواية أبي سعيد وأبي هريرة، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر
متأخراً، فيبعد أنه لم يعلمه بهذا إلا بعد هذا.
وقال آخر: إنما قاله ◌َله عن طريق التواضع ونفي التكبر
والعجب.
قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض.
وقيل: لا يفضل بينهم تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو
الغض منه .
وقيل: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء عليهم
(١) في (د): الضالين.
(٢) في ط: وهل.
(٣) في (أ، ش).
- ١٢٧ -

الصلاة والسلام فيها على حد واحد، لا يتفاضل. وإنما التفاضل في
زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب، وأما النبوة في نفسها
فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم
رسل وأولو عزم، انتهى، وهذا قريب من القول الثاني.
وقال ابن أبي جمرة في حديث يونس: يريد بذلك نفي التكييف
والتحديد على ما قاله ابن خطيب الري، لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما
في عالم الحس، لأن النبي وَلّ أسري به إلى فوق السبع الطباق،
ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال وَالر: (أنا سيد ولد آدم يوم
القيامة) وقال ◌َليّ: (آدم ومن دونه تحت لوائي)، وقد اختص وَل
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم السلام. فهذه
الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله كثير : (لا تفضلوني
على يونس بن متى) إلا بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه وتعالى
والبعد، فمحمد صلوات الله وسلامه عليه وإن أسري به لفوق السبع
الطباق واخترق الحجب، ويونس عليه الصلاة والسلام وإن نزل به
لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله سبحانه وتعالى على
حد واحد. انتهى .
وهو مروي عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس وعزي نحوه
لإمام الحرمين.
وقال ابن المنير: إن قلت إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء
الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت
الجهتين في تفضيل الحق فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض
الأدنى، فكيف لا يفضله عليه الصلاة والسلام على يونس، فإن لم
٢٤/ب يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة / بلا إشكال.
- ١٢٨ -

ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل
مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكاني فعلى هذا يحمل جمعاً بين
القواعد، انتهى.
[هل البشر أفضل أم الملائكة؟]
واختلف هل البشر أفضل من الملائكة؟
فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم، وهم
الأنبياء، أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل
وعزرائيل وحملة العرش، والمقربون والكروبيون والروحانيون. وخواص
الملائكة أفضل من عوام بني آدم - قال التفتازاني: بالإجماع بل
بالضرورة - وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة. فالمسجود له
أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص ثبت
تفضيل العوام على العوام، فعوام الملائكة خدم عمال الخير، والمخدوم
له فضل على الخادم، ولأن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل، مع
تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون
الهوى ولا سبيل للشيطان عليهم.
فالإنسان - كما قاله في شرح العقائد - يحصل الفضائل والكمالات
العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة والغضب
وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات، ولا شك
أن العبادة والكمالات مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل في
الإخلاص فتكون أفضل.
والمراد بعوام بني آدم - هنا - الصلحاء لا الفسقة، كما نبه عليه
العلامة كمال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص البيهقي عليه
- ١٢٩ -

في الشعب وعبارته: قد تكلم الناس قديماً وحديثاً في الملائكة والبشر،
فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من
الملائكة، وأن الأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة.
انتھی .
وذهب المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة.
وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبدالله الحليمي، وتمسكوا
بوجوه :
الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالفعل مبرأة عن مبادئ
الشرور والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولى والصورة،
قوية على الأفعال العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.
والجواب: أن مبنى ذلك على الأصول الفلسفية دون الأصول
الإسلامية .
الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون
منهم بدليل قوله تعالى: ﴿علمه شديد القوى﴾(١) وقوله تعالى: ﴿نزل
به الروح الأمين على قلبك﴾(٢) ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم.
والجواب: أن التعليم من الله تعالى والملائكة إنما هم مبلغون.
الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر
الأنبياء، وما ذلك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود، أو لأن وجودهم أخفى
فالإيمان بهم أقوى وبالتقديم أولى.
(١) سورة النجم، الآية ٥.
(٢) سورة الشعراء، الآية ١٩٣ .
- ١٣٠ -

الرابع: قوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله
ولا الملائكة المقربون﴾(١)، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية
الملائكة على عيسى، إذ القياس في مثله الترقى من الأدنى إلى الأعلى،
يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا يقال:
السلطان ولا الوزير. ثم لا قائل بالفصل بين عيسى عليه السلام وغيره
من الأنبياء عليهم السلام.
والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يترفع أن يكون
عبداً من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له، لأنه مجرد لا أب له،
وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني
آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه
في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن
الله على أفعال أقوى وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى
بإذن الله تعالى فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد وإظهار الآثار
القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على أفضلية الملائكة،
انتھی .
[مراتب الملائكة]
ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين
جبريل، المزكى من رب / العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إِنه ١/٢٤٥
لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم
أمين﴾(٢) فوصفه بسبع صفات، فهو أفضل الملائكة الثلاثة - الذين
هم أفضل الملائكة على الإطلاق - وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
(١) سورة النساء، الآية ١٧٢ .
(٢) سورة التكوير، الآية ٢٠.
- ١٣١ -

[نبوة آدم عليه السلام]
وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم
أفضل من بعض، ومحمد وَلهو أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم.
وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد وَالّ.
فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع
بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة
والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفراً.
[عدد الأنبياء والرسل]
وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في
حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول الله،
كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قلت: يا رسول
الله، كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير، قلت: يا
رسول الله، من كان أولهم؟ قال: آدم، ثم قال: يا أبا ذر، أربعة
سریانیون: آدم (١) وشيت ونوح وخنوخ - وهو إدريس وهو أول من
خط بالقلم -، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا
ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين
آدم وآخرهم نبيك.
وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان في كتابه
(الأنواع والتقاسيم)) وقد وسمه بالصحيح .
(١) كيف يكون آدم منسوباً إلى السريان وهو أبو البشر؟ [م].
- ١٣٢ -

وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات واتهم به إبراهيم بن
هشام .
قال الحافظ ابن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من
أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، فالله أعلم.
وروى أبو يعلى عن أنس مرفوعاً: كان من خلى من إخواني من
الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى بن مريم، ثم كنت أنا والذين
نص الله تعالى على أسمائهم في القرآن: آدم وإدريس ونوح وهود
وصالح وإبراهيم، ولوط وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف وأيوب
وشعیب، وموسى وهارون ویونس، وداود وسليمان وإلياس واليسع،
وزكريا ويحيى وعيسى. وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين والله
أعلم.
[﴿ورفعنا لك ذكرك﴾]
وقال الله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾
روى ابن جرير من حديث أبي سعيد، أن رسول الله وَ ل قال:
أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربي وربك يقول: أتدري كيف
رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم قال: إذا ذكرتُ ذكرتَ معي. وذكره
الطبراني، وصححه ابن حبان.
وروينا عن الإمام الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي
نجيح: معناه لاأذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد
أن محمداً رسول الله، قال الإمام الشافعي يعني - والله أعلم - ذكره
عند الإيمان بالله، والأذان، قال: ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن وعند
العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية انتهى.
- ١٣٣ -

وقيل: رفعه بالنبوة. قاله يحيى بن آدم.
وعن ابن عطاء: جعلتك ذكراً من ذكري. فمن ذكرك ذكرني،
وعنه أيضاً: جعلت تمام الإيمان بذكري معك.
وعن جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا
ذكرني بالربوبية .
قال البيضاوي: وأي رفعة مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي
الشهادة، وجعل طاعته طاعته، انتهى، يشير إلى قوله تعالى: ﴿من يطع
الرسول فقد أطاع الله﴾(١) ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾(٢) ﴿ومن
يطع الله ورسوله﴾(٣) ﴿وأطيعوا الله والرسول﴾(٤).
وقول قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا
متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، انتهى.
فهو مذكور معه في الشهادة / والتشهد، ومقرون ذكره بذكره في
القرآن والخطب والآذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة.
٢٤٥ / ب
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: لما نزل آدم
عليه السلام بالهند استوحش فنزل جبريل عليه السلام فنادى بالأذان:
(١) سورة النساء، الآية ٨٠.
(٢) سورة التوبة، الآية ٦٢.
(٣) سورة النساء، الآية ١٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية ١٣٢ .
- ١٣٤ -

الله أكبر، الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن
محمداً رسول الله مرتين، الحديث(١).
وكتب اسمه الشريف على العرش وعلى كل سماء، وعلى الجنان
وما فيها. رواه ابن عساكر(٢).
وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعاً: لما عرج بي إلى السماء، ما
مررت بسماء إلا وجدت اسمي مكتوباً فيها: محمد رسول الله.
وفي الحلية عن ابن عباس رفعه: ما في الجنة شجرة عليها ورقة
إلا مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وأخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعاً: كان نقش خاتم
سليمان بن داود عليهما السلام لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعزاه
الحافظ ابن رجب في كتاب أحكام الخواتيم لجزء أبي علي الخالدي،
وقال: إنه باطل موضوع.
وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسماً، كما بينت ذلك في
أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وصلى عليه في ملائكته، وأمر
المؤمنين بالصلاة عليه، فقال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على
النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾(٣) فأخبر عباده
(١) ورواه أيضاً الحاكم وابن عساكر.
(٢) عن كعب الأحبار وهو من الإسرائيليات، وقيل إنه موضوع.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٥٦.
- ١٣٥ -

بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين،
وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه،
فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً.
وكتبه نبياً وآدم بين الروح والجسد، وختم به النبوة والرسالة،
وأعلن بذكره الكريم في الأولين والآخرين، ونوه بقدره الرفيع حين
أخذ الميثاق على جميع النبيين، وجعل ذكره في فواتح الرسائل
وخواتمها، وشرف به المصاقع على المنابر، وزين بذكره أرباب الأقلام
والمحابر، ونشر ذكره في الآفاق شرقاً وغرباً، براً وبحراً، حتى في
السماوات السبع وعند المستوى وصريف الأقلام، والعرش والكرسي،
وسائر الملائكة المقربين من الكروبيين والروحانيين والعلويين
والسفليين، وجعله في قلوب المؤمنين بحيث يستطيعون ذكره فترتاح
أرواحهم، وربما تميل من طرب سماع اسمه أشباحهم.
وإذا ذكرتكمُ أميل كأنني من طيب ذكركمُ سقيت الراحا
كأنه تعالى يقول: أملأ الوجود كله من أتباعك، كلهم يثنون
عليك، ويصلون عليك ويحفظون سنتك، بل ما من فريضة من
فرائض الصلاة إلا ومعها سنة، فهم متمسكون في الفريضة بأمري،
وفي السنة بأمرك، وجعلت طاعتي طاعتك، وبيعتي بيعتك، فالقراء
يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك، والوعاظ
يبلغون بليغ وعظك، والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك ويسلمون
من وراء الباب عليك، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون
شفاعتك، فشرفك باق إلى أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين.
- ١٣٦ -

[﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾]
وقال تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾(١).
اعلم أن للمفسرين في (طه) قولين، أحدهما: أنها من حروف
التهجي، والثاني أنها كلمة مفيدة.
وعلى الأولى: قيل معناها، يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي
الخلق إلى الملة، وقيل: ((الطاء)) في الحساب بتسعة/ والهاء بخمسة، ١/٢٤٦
فالجملة أربعة عشر، ومعناه: يا أيها البدر، وهذه الأقوال لا يجب أن
يعتمد عليها إذ هي، كما قاله المحققون، من بدع المفسرين، ومثلها
قول الواسطي، فيما حكاه القاضي عياض في ((الشفاء))، أراد: يا طاهر
يا هادي .
وأما على قول من قال: إنها كلمة مفيدة، ففيه وجهان:
أحدهما، أن معناه: يا رجل، وهو مروي عن ابن عباس والحسن
ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة. قال سعيد بن جبير: بلسان
النبطية، وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشية.
وقال البيضاوي: إن صح أن معناه: يا رجل فلعل أصله: يا هذا
فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار، انتهى.
وقال الكلبي: لو قلت في ((عَّ))(٢) يا رجل، لم يجبك حتى
تقول: طه .
(١) سورة طه، الآية ١ - ٢.
(٢) هو عك بن عدنان، أخو معد، وهم باليمن وليس في لغتهم لفظ ((رجل))
ويقابلها لفظ: طه .
- ١٣٧ -

وقال السدي: معنى طه يا فلان.
وقال الزمخشري: لعل ((عكاً)) تصرفوا في ((يا هذا)) كأنهم في
لغتهم قالبون ((الياء)) ((طاء)) فقالوا: في ((ياطاء)) واختصروا هذا
فاقتصروا على ((ها)»، وأثر الصيغة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد
به :
إن السفاهة طه في خلائقكم لا قدس الله أخلاق الملاعين
قال في البحر: وقد كان قدم أن ((طه)) في لغة ((عك)) في معنى يا
رجل، ثم تخوض وتجرأ على ((عك)) بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم
قلبوا ((الياء)) ((طاء)) وهذا لا يوجد في لسان العرب قلب ((الياء)) التي
للنداء ((طاء)) وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرار ((ها)) التي
للتنبيه، انتهى.
وقيل: معناه يا إنسان.
وقرئ (طه) بإسكان الهاء، على أنه أمر له وَ له بأن يطأ الأرض
بقدميه .
وقد روي أنه وَيّ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر
أن يطأ الأرض بقدميه معاً، وأن الأصل ((طاء)) فقلبت همزته هاء، كما
قالوا ((هياك)) في: إياك، و((هرقت)) في: أرقت. ويجوز أن يكون الأصل
من وطئ على ترك الهمزة، فيكون أصله ((طا)) يا رجل ثم أثبتت الهاء
فيها للوقف. وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل ((طه)): طاها، والألف
مبدلة من الهمزة والهاء كناية عن الأرض. لكن يرد ذلك: كتبهما على
صورة الحرف.
- ١٣٨ -

=
وأما قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾، فذكروا في
سبب نزولها أقوالاً:
أحدها: أن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي قالوا
لرسول الله وَله: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال الظاهر:
بل بعثت رحمة للعالمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم،
وتعريفاً له ويسير بأن دين الإسلام والقرآن هو السلِّم إلى نيل كل فوز،
والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وثانيها: أنه وَلير صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له
جبريل: أبق على نفسك، فإن لها عليك حقاً. أي ما أنزلناه عليك
لتنتهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة، وما بعثت إلا بالحنيفية
السمحاء .
وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بجبل حتى لا
ینام. وقال بعضهم: کان یسهر طول الليل.
وتعقب: بأنه بعيد، لأنه ◌َّ إن فعل شيئاً من ذلك فلا بد أن
يكون قد فعله بأمر الله تعالى، وإذا فعله عن أمره فهو من باب
السعادة(١) لا من باب الشقاوة(٢).
وثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق على
نفسك وتعذبها بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرآن
لتذكر به من آمن، فمن آمن وأصلح فلنفسه، ومن كفر فلا يحزنك
(١) في ط : الشقاوة.
(٢) سقطت هذه الجملة في ط.
- ١٣٩ -

كفره، فما عليك إلا البلاغ، وهذا كقوله: ﴿ لعلك باخع نفسك أن لا
يكونوا مؤمنين﴾ ﴿ولا يحزنك كفرهم﴾.
٢٤٦ / ب
رابعها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك
الوقت كان ◌َلهر مقهوراً مع أعدائه، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك
تبقى على هذه الحالة، بل يعلو أمرك ويظهر/ قدرك، فإنا ما أنزلنا
عليك القرآن لتبقى شقياً، بل تصير معظماً مكرماً، زاده الله تعالى
تعظيماً وتكريماً وتشريفاً.
[﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾]
وقال تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ السورة.
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: في هذه السورة كثير من
الفوائد، منها: أنها كالتتمة لما قبلها من السور، وذلك لأن الله تعالى
جعل سورة (والضحى) في مدح نبينا وَ ل *، وتفصيل أحواله، فذكر في
أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته وهي قوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى،
وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ثم
ختمها كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا، وهي قوله تعالى: ﴿ألم
يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً﴾ أي عن علم الحكم والأحكام
﴿فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى﴾. ثم ذكر في سورة ﴿ألم نشرح﴾ أنه
تعالى شرفه ◌ّير بثلاثة أشياء وهي ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ أي: ألم
نفسحه حتى وسع(١) مناجاة الحق ودعوة الخلق، ﴿ووضعنا عنك
وزرك﴾ أي عناءك الثقيل ﴿الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك﴾
وهكذا سورة سورة، حتى قال: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أي أعطيناك
(١) في ط: يسع.
- ١٤٠ -