النص المفهرس
صفحات 81-100
حتى تقوم الساعة. فهذا أول قلم وأجلها، وقد قال غير واحد من
أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به.
والقلم الثاني: قلم الوحي .
والقلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله.
والرابع: قلم طب الأبدان الذي تحفظ به صحتها.
والخامس: قلم التوقيع عن الملوك ونوابهم وبه تساس المالك.
والسادس: قلم الحساب، وهو الذي تضبط به الأموال،
مستخرجها ومصرفها(١) ومقاديرها، وهو قلم الأرزاق.
والسابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا.
والثامن: قلم الشهادة الذي تحفظ به الحقوق.
والتاسع: قلم التعبير، وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره.
والعاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه.
والحادي عشر: قلم اللغة وتفاصيلها.
والثاني عشر: القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين، ودفع
شبه المحرفين.
فهذه الأقلام التي بها انتظام مصالح العالم. قال: ويكفي في
جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به، وأنه تعالى أقسم به في
كتابه. انتهى ملخصاً من كتاب ((أقسام القرآن)).
(١) في (أ، د): مصروفها.
- ٨١ -
[وصف الجنة]
وقد وقع في رواية أبي ذر عند مسلم وغيره من الزيادة أيضاً:
(ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) الحديث.
والجنابذ : - بالجيم ثم النون المفتوحتين ثم ألف ثم موحدة ثم
ذال معجمة - هي القباب. ويؤيده ما في ((التفسير)) من البخاري من
حديث قتادة عن أنس: (لما عرج به وَ لّ قال: أتيت على نهر حافتاه
قباب اللؤلؤ. وأما ما في ((كتاب الصلاة)) من البخاري (وإذا فيها
حبائل اللؤلؤ) - بالمهملة والموحدة وآخره لام - فقال القاضي عياض
وغيره: هو تصحيف.
وفي حديث الإمام أحمد من رواية حذيفة: (فتحت لهما أبواب
السماء، قال: فرأيت الجنة والنار).
وفي حديث أبي سعيد(١): أنه عرضت عليه الجنة، وأن رمانها
كأنه الدلاء، وإذا طيرها كأنه البخت(٢)، وأنه عرضت عليه النار، فإذا
هي لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها.
ووقع عند مسلم من طريق همام عن قتادة عن أنس: (بينا أنا
أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، وإذا طينه مسك
أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر.
وفي رواية أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه: أن إبراهيم
عليه السلام قال للنبي بَّه يا بني، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك
(١) عند البيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) نوع من الإبل.
- ٨٢ -
آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك في أمتك
فافعل(١).
ووقع في حديث أبي سعيد الخدري، عند البيهقي: ثم صعد بي
إلى السماء السابعة، قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة
منها تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فيشق
منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: الرحمة، فاغتسلت فيه
فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ثم رفعت إلى الجنة، فاستقبلتني
جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة. وفيه:
فإذا رمانها أنه الدلاء عظماً، ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب
الله وزجره ونقمته، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم
أغلقت دوني .
وفي الطبراني من حديث عائشة: لما كان(٢) ليلة أسري بي إلى
السماء، أدخلت الجنة، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في
الجنة أحسن منها، ولا أبيض منها، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت
ثمرة من ثمارها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى
الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة. وهو حديث ضعيف(٣). وفيه
التصريح بأن الإسراء كان قبل ولادة فاطمة، وهي ولدت قبل النبوة
بسبع سنين وشيء، ولا ريب أن / الإسراء كان بعد النبوة.
٢٣٦ /ب
(١) هذا الحديث ساقه الشامي في قصة الإسراء. وفيه أن لقاءه بإبراهيم كان في
بيت المقدس لا كما أوهمه المصنف.
(٢) في (ب) کانت، وکان هنا تامة بمعنی حصل.
(٣) بل هو موضوع كما قال الذهبي والحافظ وابن الجوزي.
- ٨٣ -
[حديثان موضوعان؟!]
وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلم فيه على أحاديث الحجب
السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب وعزاها لأبي الربيع بن سبع
في شفاء الصدور من حديث ابن عباس: أن رسول الله وَل قال بعد
أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد في الأمهات:
أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ربي، إلى أن انتهى إلى مقام ثم
وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل، في مثل هذا المقام يترك الخليل
خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبي وسلّر: يا
جبريل، هل لك من حاجة؟ قال: يا محمد، سل الله أن أبسط
جناحي على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه، قال النبي ◌َّ: ثم
زج بي في النور زجاً، فخرق بي إلى السبعين ألف حجاب، ليس فيها
حجاب يشبه حجاباً، وانقطع عني حس كل إنسي وملك، فلحقني
عند ذلك استيحاش، فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إن
ربك يصلي، فبينا أنا أتفكر في ذلك فأقول: هل سبقني أبو بكر؟ فإذا
النداء من العلي الأعلى، ادن يا خير البرية، ادن يا أحمد، ادن يا
محمد، ليدنو(١) الحبيب، فأدناني ربي حتی کنت كما قال تعالى : ﴿ثم دنا
فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾(٢) قال: وسألني ربي فلم أستطع أن
أجيبه، فوضع یدہ بین کتفي۔۔ بلا تکییف ولا تحدید - فوجدت بردها
بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين، وعلمني علوماً شتى، فعلم
أخذ علي كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خیرني
فيه، وعلمني القرآن فكان جبريل عليه السلام يذكرني به، وعلم أمرني
(١) كذا في النسخ، وفي ش: ليدن، وهو الصواب.
(٢) سورة النجم، الآية ٩.
- ٨٤ -
بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي. ولقد عاجلت جبريل عليه السلام
في آية نزل بها علي، فعاتبني ربي وأنزل علي ﴿ولا تعجل بالقرآن من
قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً﴾(١)، ثم قلت: اللهم
إنه لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك سمعت منادياً ينادي بلغة
تشبه لغة أبي بكر فقال لي: قف(٢) إن ربك يصلي، فعجبت من
هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى المقام؟ وإن ربي لغني عن أن يصلي،
فقال تعالى: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني
سبحاني، سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمد: ﴿هو الذي يصلي عليكم
وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً﴾(٣)
فصلاتي رحمة لك ولأمتك، وأما أمر صاحبك يا محمد، فإن أخاك
موسی کان أنسه بالعصا، فلما أردنا كلامه قلنا: ﴿وما تلك بيمينك يا
موسى، قال هي عصاي﴾ (٤)، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة.
وكذلك أنت يا محمد، لما كان أنسك بصاحبك أبي بكر وأنك خلقت
أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا والآخرة، خلقنا ملكاً
على صورته يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش، فلا يلحقك من
عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك. ثم قال الله تعالى:
وأين حاجة جبريل؟ فقلت: اللهم إنك أعلم، فقال: يا محمد، قد
أجبته فيما سأل، ولكن فيمن أحبك وصحبك(٥).
(١) سورة طه، الآية ١١٤.
(٢) في ط: قف مكانك.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٤٣ .
(٤) سورة طه، الآية ١٨ .
(٥) قال في ((أسنى المطالب)) حديث: قف إن ربك يصلي، باطل. وتبرأ منه
المصنف بعد الرواية الثانية.
- ٨٥ -
١/٢٣٧
وفي رواية: فتقدمت وجبريل على أثري، حتى انتهى بي إلى
حجاب فراش الذهب فحرك الحجاب، فقيل من هذا؟ قال: أنا
جبريل ومعي محمد وَلّ فقال الملك: الله أكبر، فأخرج يده من تحت
الحجاب فاحتملني فوضعني بين يديه في أسرع من طرفة عين، وغلظ
الحجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لي: تقدم يا محمد، فمضيت
فانطلق بي الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ، فحرك
الحجاب، فقال الملك من وراء الحجاب: من هذا؟ فقال أنا فلان
صاحب حجاب الذهب، وهذا محمد مرَّ رسول رب العزة معي،
فقال: الله أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب/ فاحتملني حتى
وضعني بين يديه، فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب، حتى
جاوزت سبعين حجاباً، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال
لي: تقدم يا محمد، فمضيت فانطلق بي الملك، ثم دلي لي رفرف
أخضر يغلب ضوؤه ضوء الشمس، فالتمع بصري، ووضعت على
ذلك الرفرف، ثم احتملت حتى وصلت إلى العرش، فأبصرت أمراً
عظيماً لا تناله الألسن، ثم دلي لي قطرة من العرش، فوقعت على
لساني، فما ذاق الذائقون شيئاً قط أحلى منها، فأنبأني الله بها نبأ الأولين
والآخرين، ونور قلبي، وغشي نور عرشه بصري فلم أر شيئاً فجعلت
أرى بقلبي ولا أرى بعيني، ورأيت من خلفي ومن بين كتفي، كما
رأيت أمامي، الحديث.
رواه والذي قبله في كتاب ((شفاء الصدور)) كما ذكره ابن غالب
والعهدة عليه في ذلك(١).
(١) قال الشامي بعد نقل كلام المصنف: وهو كذب بلا شك.
- ٨٦ -
[الحجب ومعناها]
وتكثير الحجب لم يرد في طريق صحيح، ولم يصح في ذلك غير
ما في مسلم: (حجابه النور)(١).
والرفرف: البساط، وقيل إنه في الأصل ما كان من الديباج
وغيره رقيقاً حسن الصنعة ثم اتسع فيه.
واعلم أن ما ذكر في هذا المحل الرفيع من الحجب فهو في حق
المخلوق، لا في حق الخالق عز وجل، والله سبحانه وتعالى منزه عما
يحجب، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس، فالخلق كلهم محجوبون
عنه تعالى بمعاني الأسماء والصفات والأفعال، وسائر المخلوقات من
معاني الأنوار والظلمات كل له مقام من الحجب معلوم، وحظ من
الإدراك والمعرفة مقسوم، وأقرب الخلق إلى الله تعالى الملائكة
الحافون(٢) والكروبيون، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء
والجلال والقدس والقيومية، حجب الذات بالصفات. وهم في الحجب
عنه على طبقات مختلفات، كل على مقام معلوم ودرجات.
وبالجملة، فالمخلوقات كلها ما كانت حجاباً(٣) عن الخالق؟
فقوم حجبوا برؤية النعم عن المنعم، وبرؤية الأحوال عن المحول،
وبرؤية الأسباب عن المسبب، وقوم حجبوا بالعلم عن المعلم وبالفهم
عن المفهم، وبالعقل عن المعقل، وذلك كله من معنى حجاب النعم
عن المنعم، والمواهب عن الواهب.
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم ٢٩٣.
(٢) في ط: المحافون. والحافون: أي بالعرش.
(٣) كذا في النسخ وفي (ش): حجاب، فهي خبر ((المخلوقات)). أي المخلوقات
مذ كانت هي حجاب عن الخالق.
- ٨٧ -
وقوم حجبوا بالشهوات المباحة، وقوم بالشهوات المحرمات
والمعاصي والسيئات، وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا.
اللهم لا تحجب قلوبنا عنك في الدنيا ولا أبصارنا عنك في
الآخرة يا كريم.
[تفسير ((ثم دنا فتدلى))]
وقد ورد في الصحيح عن أنس قال: (لما عرج بي جبريل إلى
سدرة المنتهى. ودنا الجبار رب العزة جل جلاله فتدلى حتى كان منه
قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده (١) ما أوحى) الحديث.
وهذا الدنو والتدلي المذكور في هذا الحديث(٢) وغيره من أحاديث
المعراج غير الدنو والتدلي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثم
دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ (٣) وإن اتفقا في اللفظ.
فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل، لأنه الموصوف بما ذكر
من أول السورة إلى قوله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾(٤)
هكذا فسره النبي ◌ّ في الحديث الصحيح.
قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله وَالو عن هذه
(١) في الأصل: فأوحى إليّ. قال الشارح: ولفظ البخاري: فأوحى الله فيما
أوحى خمسين صلاة.
(٢) رواية شريك عند البخاري رقم ٧٥١٧.
(٣) سورة النجم، الآية ٩.
(٤) سورة النجم الآية ١٤.
- ٨٨ -
الآية فقال: ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا
مرتين(١).
ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه:
أحدها: أنه قال: ﴿علمه شديد القوى﴾. وهذا جبريل الذي
وصفه بالقوة في سورة التكوير.
الثاني: أنه قال: ﴿ذو مرة﴾ أي حسن الخلق وهو الكريم الذي
في سورة التكوير.
الثالث: أنه قال: ﴿فاستوى وهو بالأفق الأعلى﴾ وهو ناحية
السماء العليا، وهذا استواء جبريل عليه السلام، وأما استواء الرب
جل جلاله فعلى عرشه.
الرابع: أنه قال: ﴿ثم دنافتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ فهذا
دنو جبريل وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله و الله بها. وأما
الدنو والتدلي / في حديث المعراج فرسول الله وَ ل را كان فوق السماوات ٢٣٧/بـ
فهناك دنى الجبار جل جلاله منه وتدلی.
الخامس: أنه قال: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾
والذي عند سدرة المنتهى قطعاً هو جبريل، وبهذا فسره النبي وَل
فقال: ذاك جبريل.
السادس: أن نفس الضمير في قوله: ﴿ولقد رآه﴾ وقوله: ﴿دنا
فتدلى) وقوله: ﴿فاستوى) وقوله: ﴿وهو بالأفق الأعلى) واحد، فلا
يجوز أن يخالف بين المفسرين من غير دليل.
(١) أخرجه مسلم.
- ٨٩ -
السابع: أنه سبحانه وتعالى أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى كان
بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل تحتها فدنا من الأرض فتدلى من
رسول الله رَليه، ودنو الرب تبارك وتدليه - على ما في حديث شريك -
كان فوق العرش لا إلى الأرض.
ثم نفى سبحانه وتعالى عن نبيه وَلتر بقوله: ﴿ما زاغ البصر وما
طغى﴾ ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من
التفاته يميناً وشمالاً، ومجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال
الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانباً ولم يمد بصره
إلى غير ما أري من الآيات، وما هناك من العجائب، بل قام مقام
العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما أريه دون التفاته إلى
غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش
وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال.
وقال في ((مدارج السالكين)):
وفي هذه الآية أسرار عجيبة هي من غوامض الآداب اللائقة
بأكمل البشر، صلوات الله وسلامه عليه، تواطأ هناك بصره وبصيرته
وتوافقا وتصادقا، فما شاهده بصره فالبصيرة مواطئة له، وما شاهدته
بصيرته فهو أيضاً حق مشهود بالبصر، فتواطأا في حقه، أي: ما كذب
الفؤاد ما رآه ببصره، ولهذا قرأها هشام وأبو جعفر ﴿ما كذب الفؤاد
ما رأى﴾ بتشديد الذال، أي لم يكذب القلب البصر بل صدقه وواطأه
بصحة الفؤاد والبصر، وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقاً.
وقرأ الجمهور ﴿ما كذب الفؤاد﴾ بالتخفيف، وهو متعد، و((ما رأى))
مفعوله، أي: أي ما كذب قلبه ما رأت عيناه بل واطأه ووافقه.
فلمواطأة قلبه لقالبه، وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته، لم
- ٩٠ -
يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حده، ولم يمل عن المرئي
فيزيغ، بل اعتدل البصر على المرئي لم يتجاوزه ولا مال عنه لما اعتدل
القلب في الإقبال على الله بكليته والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على
الله بكليته وأعرض عما سواه بكليته.
وللقلب زيغ وطغيان، كما أن للبصر زيغاً وطغياناً وكلاهما منتفٍ
عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتاً عن الله إلى غيره ولم يطغ
بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه، وهذا غاية الكمال والأدب مع الله
تعالى الذي لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام
عال رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى إلى موسى
عليه السلام، لما أقيم مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية، ونبينا
وَ ير لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه، ولم يتلفت بصره ولا قلبه إلى غير
ما أقيم فيه البتة، ولأجل هذا ما عاقه عائق، ولا وقف به مراد، حتى
جاوز السماوات السبع فلم تعقه إرادة منه لشيء، ولم تقف به دون
كمال العبودية همة، ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف،
فيضع قدمه عند منتهى طرفه، مشاكلاً لحال راكبه وبعد شأوه الذي
يسبق به العالم أجمع في سيره، فكان قدم البراق لا يتخلف عن موضع
نظره، كما كان قدمه وَ لّ لا يتخلف عن محل معرفته.
فلم يزل ◌َ﴾ في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل
مرتبة عبوديته له، حتى خرق / حجب السماوات، وجاوز السبع
الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به
الأولين والآخرين، فانصبت له هناك أقسام القرب انصباباً، وانقشعت
سحائب الحجب ظاهراً وباطناً حجاباً حجاباً، وأقيم مقاماً غبطه فيه
الأنبياء والمرسلون.
١/٢٣٨
- ٩١ -
فإذا كان في المعاد(١) أقيم مقاماً من القرب تاماً، يغبطه فيه
الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه
مع الله تعالى، ما زاغ البصر وما طغى، فأقامه في هذا العالم على أقوم
صراط على الحق والهدى، وأقسم بكلامه القديم على ذلك في الذكر
الحكيم فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط
مستقيم﴾(٢) فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط، فيسأل السلامة
لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزوا إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ثم إن ما ذكر هنا من القرب والدنو، المراد به تأكيد المحبة
والقربة، ورفع المنزلة والرتبة، قال جعفر الصادق: لما قرب الحبيب من
الحبيب غاية القرب، نالته غاية الهيبة، فلاطفه الحق تعالى بغاية
اللطف، وذلك قوله جل جلاله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أي كان
ما كان وجرى ما جرى، وقال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب
للحبيب: وألطف به الطاف الحبيب بالحبيب، فخفي السر ولم يطلع
عليه أحد، ما أوحى إلا الذي أوحى.
[(«فأوحى إلى عبده ما أوحى))]
وقال غيره في قوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أبهمه لعظمه،
فإن الإبهام قد يقع للتعظيم، فهو مبهم لا يطلع عليه بل يتعبد
بالإيمان به .
(١) أي يوم القيامة. وفي الأصل (أ): الميعاد.
(٢) سورة يس، الآيات ١ - ٤.
- ٩٢ -
وقيل: بل هو مفسر بالأخبار الواردة، قال سعيد بن جبير:
أوحى الله تعالى إليه وَ لّر، ألم أجدك يتيماً فآويتك، ألم أجدك ضالاً
فهديتك، ألم أجدك عائلاً فأغنيتك، ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا
عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك﴾(١).
وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا
محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ذكره الثعلبي والقشيري .
وقيل: أوحى الله إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل
الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل. ذكره القشيري.
وذكر أيضاً: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل لقوله تعالى: ﴿ما
يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾(٢).
وقيل: أوحى إليه الصلوات الخمس.
[حديث ضعيف]
وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي: أن الله تعالى قال له
صلوات الله وسلامه عليه: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً
وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً
عظيماً، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً
عظيماً، وسخرت له الإنس والجن والشياطين، وسخرت له الرياح،
وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة
والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته
(١) سورة الشرح، الآيات ١ - ٤.
(٢) سورة فصلت، الآية ٤٣.
- ٩٣ -
وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل. فقال له ربه
تعالى: قد اتخذتك حبيباً، فهو مكتوب في التوراة: حبيب الرحمن،
وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك،
ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي،
وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطاً،
وجعلت أمتك هم الأولون وهم(١) الآخرون(٢)، وجعلت أمتك لا
تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك
أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً
وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك،
وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبياً قبلك،
٢٣٨/ب وأعطيتك الكوثر / وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد
والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وجعلتك فاتحاً وخاتماً. وفي إسناده أبو جعفر الرازي ضعفه بعضهم،
وقال أبو زرعة: إنه متهم، وقال ابن كثير: الأظهر أنه سيء الحفظ.
[الوصف بالعبد]
وذكر الفخر الرازي عن والده قال: سمعت أبا القاسم سليمان
الأنصاري يقول: لما وصل محمد رَله إلى الدرجات العالية والمراتب
الرفيعة في المعارج، أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم شرفك؟ قال:
يا رب، بنسبتي إليك بالعبودية. فأنزل الله تعالى: ﴿سبحان الذي
أسرى بعبده ليلاً﴾ فسماه تعالى بهذا الاسم لتحققه وي بالاسم
(١) ضمير ((هم)) سقط في (ب، ش).
(٢) في (د): هم الأولين وهم الآخرين.
- ٩٤ -
الأعظم(١) واتصافه بجميع صفاته، فلا يصلح هذا الاسم بالحقيقة إلا
له وَ لجه وللأقطاب من بعده بتبعيته لا بالحقيقة، وإن أطلق على غيره
مجازاً، ويرحم الله الأديب برهان الدين القيراطي فلقد أجاد حيث
قال :
ودعتني بالعبد يوماً فقالوا قد دعته بأشرف الأسماء
[كلام إشاري]
ولبعض أهل الإشارات:
كأن الله تعالى قال له: يا محمد، قد أعطيتك نوراً تنظر به
جمالي، وسمعاً تسمع به كلامي، يا محمد، إني أعرفك بلسان الحال
معنى عروجك إلي، يا محمد، أرسلتك إلى الناس شاهداً ومبشراً
ونذيراً، والشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد به، فأريك جنتي لتشاهد ما
أعددت فيها لأوليائي، وأريك ناري لتشاهد ما أعددت فيها لأعدائي،
ثم أشهدك جلالي، وأكشف لك جمالي لتعلم أني منزه في كمالي عن
الشبيه والنظير، والوزير والمشير، فرآه ◌َ ل# بالنور الذي قواه من غير
إدراك ولا إحاطة فرداً صمداً، لا في شيء، ولا من شيء، ولا قائماً
بشيء، ولا على شيء، ولا مفتقراً إلى شيء، ليس كمثله شيء، فلما
كلمه شفاها، وشاهده كفاحاً، فقيل له: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من
سر لا يذاع ورمز لا يشاع، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان سراً من
سر، لم يقف عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأنشد لسان الحال:
(١) هذا من كلام المتصوفة وفيه إشكال، ولعل المقصود تحققه بمقام العبودية
الكامل إذ هو عبدالله.
- ٩٥ -
قول ولا قلم في الكون يحكيه
بين المحبين سر ليس يفشيه
نور تحير في بحر من التيه
سر يمازجه أنس يقابله
ولما انتهى إلى العرش تمسك العرش بأذياله، وناداه بلسان
حاله: يا محمد، أنت في صفاء وقتك من مقتك أشهدك جمال أحديته،
وأطلعك على جلال صمديته، وأنا الظمآن إليه اللهفان عليه المتحير
فيه لا أدري من أي وجه آتيه، جعلني أعظم خلقه، فكنت أعظمهم
منه هيبة، وأكثرهم فيه حيرة، وأشدهم منه خوفاً. يا محمد، خلقني
فكنت أرعد لهيبة جلاله، فكتب على قائمتي، لا إله إلا الله فازددت
لهيبة اسمه ارتعاداً وارتعاشاً، فكتب محمد رسول الله، فسكن لذلك
قلقي، وهدأ روعي، فكان اسمك لقاحاً لقلبي، وطمأنينة لسري،
فهذه بركة كتابة اسمك علي، فكيف إذا وقع جميل نظرك إلي، يا محمد
أنت المرسل رحمة للعالمين، ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة،
ونصيبي يا حبيبي أن تشهد لي بالبراءة مما نسبه أهل الزور إلي، وتقوله
أهل الغرور علي، زعموا: أني أسع من لا مثيل له، وأحيط بمن لا
كيفية له. يا محمد، من لا حدَّ لذاته، ولا عدَّ لصفاته كيف يكون
مفتقراً إلي؟ أو محمولاً علي؟ إذا كان الرحمن اسمه، والاستواء صفته
وصفته متصلة بذاته فكيف يتصل بي أو ينفصل عني؟ يا محمد،
وعزته، لست بالقريب منه وصلاً، ولا بالبعيد عنه فصلاً، ولا بالمطيق
له حملاً، أوجدني رحمة منه وفضلاً، ولو محقني لكان حقاً منه، وعدلاً،
١/٢٣٩ یا محمد، / أنا محمول قدرته، ومعمول حكمته.
فأجاب لسان حال سيدي، زاده الله فضلاً وشرفاً لديه، ووالى
صلاته وسلامه عليه: أيها العرش إليك عني، أنا مشغول عنك، فلا
تكدر علي صفوتي، ولا تشوش علي خلوتي، فما أعاره وَلخير منه طرفاً،
ولا أقرأه من مسطور ما أوحي إليه حرفاً، ما زاغ البصر وما طغى.
-٩٦ -
وقد ورد في بعض أخبار الإسراء مما ذكره العلامة ابن مرزوق في
شرحه لبردة المديح: أنه وَسير لما كان من ربه تعالى قاب قوسين قال:
اللهم إنك عذبت الأمم بعضهم بالحجارة وبعضهم بالخسف،
وبعضهم بالمسخ، فما أنت فاعل بأمتي؟ قال: أنزل عليهم الرحمة
وأبدل سيئاتهم حسنات، ومن دعاني منهم لبيته، ومن سألني أعطيته،
ومن توكل علي كفيته، وفي الدنيا أستر على العصاة، وفي الآخرة
أشفعك فيهم، ولولا أن الحبيب يحب معاتبة حبيبه لما حاسبت أمتك.
ولما أراد ◌َّ الانصراف قال: يا رب، لكل قادم من سفره
تحفة، فما تحفة أمتي؟ قال الله تعالى: أنا لهم ما عاشوا، وأنا لهم إذا
ماتوا، وأنا لهم في القبور، وأنا لهم في النشور.
[رؤيته {قَ لقي ربه تعالى ]
واعلم أنه قد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في رؤيته وَيّ لربه ليلة
الإسراء.
[رأي أم المؤمنين عائشة]
فروى البخاري من حديث مسروق قال: (قلت لعائشة: يا
أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين
أنت من ثلاث من حدثكهن(١) فقد كذب: من حدثك أن محمداً رأى
ربه فقد كذب، ثم قرأت ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
وهو اللطيف الخبير﴾(٢) ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من
(١) كذا في المخطوطات وفي البخاري، وفي ط: حدثك بهن وفي ش: حدث
بهن.
(٢) سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
- ٩٧ -
وراء حجاب﴾(١) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم
قرأت ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً﴾ (٢) ومن حدثك أنه كتم
فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من
ربك﴾(٣) الآية، ولكنه (٤) رأى جبريل في صورته مرتين)(٥).
وفي رواية مسلم (من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم
الفرية).
وقولها: ((قف شعري)) أي قام من الفزع، لما حصل عندها من
هيبة الله، واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك.
قال النووي - تبعاً لغيره -: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث
مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته
من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال
قولاً وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقاً، انتهى.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: جزمه بأن عائشة لم تنف
الرؤية بحديث مرفوع، تبع فيه ابن خزيمة، وهو عجيب، فقد ثبت
عنها في صحيح مسلم - الذي شرحه الشيخ - فعنده من طريق داود بن
أبي هند عن الشعبي عن مسروق، في الطريق المذكورة، قال مسروق:
وكنت متكئاً فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾
(١) سورة الشورى، الآية ٥١ .
(٢) سورة لقمان، الآية ٣٤.
(٣) سورة المائدة، الآية ٦٧.
(٤) كذا في النسخ والذي في البخاري: ولكن.
(٥) رواه البخاري برقم ٤٨٥٥ .
- ٩٨ -
فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله وَ له عن هذا فقلت: يا
رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطاً.
[رأي ابن عباس]
نعم، احتجاج عائشة - رضي الله عنها - بالآية، خالفها فيه ابن
عباس. فأخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن
عباس قال: (رأى محمد ربه، فقلت: أليس يقول الله: (لا تدركه
الأبصار) قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى
ربه مرتین).
وقال القرطبي: ((الأبصار)) في الآية جمع محلى بالألف واللام،
فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعاً في قوله تعالى: ﴿كلا/ ٢٣٩/ب
إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾(١) فيكون المراد: الكفار، بدليل
قوله في الآية الأخرى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾(٢)، وإذا
جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي،
انتھی وهو استدلال جید.
وقال القاضي عياض: رؤية الله تعالى جائزة عقلاً، وليس في
العقل ما يحيلها، والدليل على جوازها: سؤال موسى - عليه السلام -
لها، ثم قال: وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا
امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة، ولا حجة لمن
استدل على منعها بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ لاختلاف
التأويلات في الآية، انتهى.
(١) سورة المطففين، الآية ١٥.
(٢) سورة القيامة، الآية ٢٣ .
- ٩٩ -
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن إسماعيل بن علية في تأويل
هذه الآية قال: هذا في الدنيا.
وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أي جميعها، وهذا مخصص بما
ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.
[إثبات الرؤية في الآخرة]
وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموا من هذه الآية: أنه
لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة.
فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل
بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وَليه .
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها
ناظرة﴾ وقوله: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ قال الإمام
الشافعي - رحمه الله -: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك
وتعالى.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة،
وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي
وَ لير: أن المؤمنين يرون الله تبارك وتعالى في الدار الآخرة في
العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله منهم.
[آراء في ((لا تدركه الأبصار))]
وقيل: المنفي في الآية، إدراك العقول: قال الحافظ ابن كثير:
وهو غريب جداً، وخلاف ظاهر الآية.
- ١٠٠ -