النص المفهرس
صفحات 61-80
موسى عليه السلام، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة/ ٢٣٢/ب الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، کما ثبت في جميع الروايات. ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلاً له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة. قاله في فتح الباري. وقال: إن النووي أشار إلى شيء من ذلك. [مكانة موسى عليه السلام] وفي رواية شريك عن أنس في قصة موسى: (لم أظن أن أحداً يرفع علي). قال ابن بطال: فهم موسى عليه السلام من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: ﴿إِني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾(١) أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمداً وَلّ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك. وفي حديث أبي سعيد قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله، وهذا أكرم على الله مني. زاد الأموي في روايته: ولو كان هذا وحده هان، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله. وفي حديث مالك بن صعصعة: (فلما جاوزته - يعني موسى - (١) سورة الأعراف، الآية ١٤٤. - ٦١ - بکی، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي). ولم يكن بكاء موسى حسداً، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان آسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا وَّر، مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا يجر فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (١)، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته، لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم، فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة. فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو عن قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم(٢) يدخل (١) رواه الشيخان عن أسامة. (٢) كذا في النسخ، وفي ش: لا . - ٦٢ - الجنة أبداً، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ، لأن الحكم فيهم قد مرَّ ونفذ. قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدراً وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدراً وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى، لأنه وقت أسري فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل الجسيم، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته من هذا الخير العظيم نصيباً. وقد قال نبينا ◌َله: إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله(١). وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمراً(٢) قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه / تؤثر، وما كان قضاء ١/٢٣٣ نافذاً لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم. وفي بكائه عليه السلام وجه آخر، وهو البشارة لنبينا وَله وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه السلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعاً -: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد اَلر أكثر مما يدخلها من أمتي. (١) جاء في الحديث (اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات تصيب من يشاء من عباده) أخرجه البيهقي من حديث أنس وأبي هريرة. (٢) كذا في (ط، ش) وفي النسخ أمر. - ٦٣ - [وصفه ◌َ بـ (الغلام)] وأما قول موسى عليه السلام: (لأن غلاماً) ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه. وفي القاموس: الغلام: الطار الشارب، والكهل ضده. وقال الخطابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلاماً، ما دامت فيه بقية من القوة. قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفاً أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم. وقد ذكرت ذلك في الهجرة من المقصد الأول. [جمال يوسف عليه السلام] وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبراني في ذكر إبراهيم: فإذا هو برجل أشمط(١) جالس عند باب الجنة على كرسي. وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وفيه: فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن. (١) أبيض الرأس يخالطه سواده. - ٦٤ - وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبراني: فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وهذا ظاهره أن يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس، لكن روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً. فعلى هذا يحمل حديث المعراج على أن المراد غير النبي ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا وَله . [هل كان إدريس جداً له وَلور؟] وأما قوله في الحديث عن إدريس: ثم قال: (مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح) فيحمل على أخوة النبوة والإسلام، لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحباً بالابن الصالح، وهذه هي القياس، لأنه جده الأعلى. وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلیاس، فإن كان كذلك ارتفع الإشكال. [حكمة كون بعض الأنبياء في السماء] فإن قلت: لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟ - ٦٥ - وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟ ولم كان في السماء الثانية بخصوصها اثنان؟ أجيب(١) عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقات نبينا وَّر، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته. وقيل: إشارة إلى ما سيقع له رّيّ مع قومه، من نظير ما وقع لكل منهم : فأما آدم عليه السلام فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع لنبينا وَلّر من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه. وبعيسى ويحيى - عليهما السلام - على ما وقع له أول الهجرة من ٢٣٣/ب عداوة اليهود وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم السوء به. / وبيوسف، بما وقع له من إخوته على ما وقع لنبينا محَ لّ من قريش، من نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار وَلّ إلى ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: أقول لكم كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء، أي العتقاء. وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى. وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه. (١) يلاحظ في هذه الإجابات أنها غير معقولة، وترك هذه الأمور والتسليم بها أولى طالما أنه لا يوجد نص في ذلك [م]. - ٦٦ - وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك وعَ ل بقوله: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر. وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له مرَّ في آخر عمره من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت الحرام. وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منم بسماء : بأن الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة. وأما عيسى فإنما كان في السماء الثانية لأنه أقرب الأنبياء إلى النبي وَاليه، ولا انمحت شريعة عيسى عليه السلام إلا بشريعة محمد مرحلية ، ولأنه ينزل في آخر الزمان لأمة محمد بَ لّر على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال ◌َلّ: أنا أولى الناس بعيسى(١) فكان في الثانية لأجل هذا المعنى . وإنما كان يحيى عليه السلام معه هناك لأنه ابن خالته، وهما كالشيء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معاً. وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأن على حسنه تدخل أمة محمد وَيهر الجنة، فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له مَالر فيسر بذلك. وإنما كان إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر(٢). (١) الحديث في الصحيحين وغيرهما. (٢) هذا مروي عن كعب الأحبار، قال الحافظ: إن هذا من الإسرائيليات، = - ٦٧ - وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم لموسى عليه السلام، لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى. وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهي كونه كلياً، واختص بأشياء لم تكن لهارون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه في السادسة. وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل، ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء أتباعاً بعد نبينا وَله. وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة لأنه الخليل والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي وَلّ بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وهو اختراق الحجب، وأيضاً لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب هاهو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به بما زاد به عليهم، قال الله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾(١) فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمنزول. انتهى فليتأمل. [كيفية رؤيته مل للأنبياء] وقد اختلف في رؤية نبينا وهي لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، = والله أعلم بصحته وإن رفع إدريس وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية . (١) سورة البقرة، الآية ٢٥٣ . - ٦٨ - فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت من رفع جسده. وقد قيل في إدريس أيضاً ذلك. وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل، الأرواح خاصة، ويحتمل: الأجساد بأرواحها. وقيل: يحتمل أن يكون ◌َ* عاين كل واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله عز وجل قد أعطاه من القوة في البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له رؤيته لل الجنة والنار في عرض الحائط / وهو محتمل ١/٢٣٤ لأن يكون وليّ رآهما في ذلك الموضع أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما. وقيل: يحتمل أن يكون الله سبحانه وتعالى لما أراد بإسراء نبينا وَير، رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه وَيته وتعظيماً له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة، وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن. وكل هذه الوجوه محتمل، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى. [الأنهار المشاهدة ليلة الإسراء] وأما قوله في الحديث: (ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: وما هذا يا جبريل: قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات) - ٦٩ - وفي رواية عند البخاري أيضاً: (فإذا في أصلها - أي سدرة المنتهى - أربعة أنهار). وعند مسلم: (يخرج من أصلها) وعنده أيضاً من حديث أبي هريرة: (أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان وجيحان) فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة. ووقع في حديث شريك، كما عند البخاري في التوحيد: أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ((العنصر)) عنصر انتشارهما بسماء الدنيا، كذا قاله ابن دحية. ووقع في حديث شريك أيضاً: (ومضى به إلى السماء، وإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك)(١). وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه وَلّر بعد أن رأى إبراهيم قال: ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه جام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا فيه آنية الذهب (١) هذه الفقرة من قوله: ((ووقع في حديث شريك أيضاً)) في الأصل فقط. - ٧٠ - والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمر، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة. وسيأتي مزيد لما ذكر هنا من الكوثر في المقصد الأخير إن شاء الله تعالى. [سدرة المنتهى] وقد وقع في حديث ثابت عن أنس عند مسلم: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها). وقد جاء في حديث ابن مسعود عند مسلم أيضاً بيان سبب تسميتها بـ((سدرة المنتهى))، ولفظه: (لما أسري برسول الله وَل قال: انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها) . وهو معنى قول ابن أبي جمرة: لأن إليها تنتهي الأعمال، ومن هناك ينزل الأمر والنهي وتتلقى الأحكام، وعندها تقف الحفظة وغيرهم لا يتعدونها، فكانت منتهى، لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفلي، وما ينزل من العالم العلوي من أمر العلي. - ٧١ - وقال النووي: لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله وَليه . ولا يعارض قوله في حديث ابن مسعود هذا، أنها في السادسة، ٢٣٤/ ب ما دل عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن / دخل في السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها، قاله في فتح الباري . وجاء في حديث أبي ذر عند البخاري في الصلاة: (فغشيها ألوان لا أدري ما هي). وفي حديث ابن مسعود، المذكور عند مسلم، (قال الله تعالى: إذا يغشى السدرة ما يغشى، قال: فراش من ذهب). وفي حديث يزيد بن أبي مالك عن أنس (جراد من ذهب). قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب حقيقة، والقدرة صالحة لذلك. وفي حديث أبي سعيد وابن عباس (فغشيها الملائكة). وفي حديث علي (وعلى كل ورقة منها ملك). وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم (فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها). وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه: نحوه لكن قال: تحولت ياقوتاً، ونحو ذلك. -٧٢ - قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظل مديد وطعم لذيذ، ورائحة زكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول. وقال العارف ابن أبي جمرة: وهل الشجرة مغروسة في شيء أم لا؟ يحتمل الوجهين معاً، لأن القدرة صالحة لكليهما. فكما جعل الله في هذه الدار الأرض مقراً للشجر، كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً، وكما رجع ◌َّي يمشي في الهواء كما كان يمشي في الأرض، ولأن بالقدرة استقرت الأرض مع أنها على الماء، فلا مانع من أن تكون الشجرة في الهواء، ويحتمل أن تكون مغروسة بأرض، وأن تكون من تراب الجنة، والله قادر على ما يشاء. [كان عرض الآنية مرتين] وأما قوله وَلّ في الحديث: (ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أتت عليها). فيدل على أنه عرض عليه الآنية مرتين، مرة ببيت المقدس، ومرة عند وصوله سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة أوانٍ، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى. ووقع في حديث أبي هريرة عند الطبري: سدرة المنتهى يخرج - ٧٣ - من أصلها أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى. فلعله عرض عليه من كل نهر إناء. وجاء عن كعب(١): أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جیحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء نهر سيحان. ولنهر النيل فضائل ولطائف أفردها بالتأليف غير واحد من الأئمة . ووقع في بعض الطرق: أنه وَّ صلى بالأنبياء في السماوات(٢). [البيت المعمور] وأما قوله وَلّ في الحديث: (ثم رفع إلي البيت المعمور) فمعناه أنه أري له، وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع(٣) والرؤية معاً، لأنه قد يكون بينه وبين البيت المعمور عوالم حتى لا يقدر على إدراكه، فرفع إليه وأمد في بصره وبصيرته حتى رآه. وروى الطبري من حديث ابن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي وَ لّ قال: البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خرَّ لخرَّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا . (١) عند البيهقي وغيره. (٢) قدم المصنف عن ابن كثير ما حاصله أن هذا لم يصح، والذي تظاهرت به الروايات أنه إنما أمهم في بيت المقدس. (٣) كذا في (د)، وفي (ا، ش): الرفوع، وفي (ب، ط): المرفوع، قال الشارح: صوابه الرفع. - ٧٤ - وفي هذا دليل عظيم على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء ممكن، لأن هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد، ثم طائفة هذا اليوم لا ترجع إليه أبداً. ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا في الأرض موضع شبر إلا وملك واضع جبهته / هناك ساجداً، ثم البحار ما من قطرة ١/٢٣٥ إلا وبها ملك موكل، فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا، فهؤلاء الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون؟ هذا من عظيم القدرة التي لا يشبهها شيء. وفي هذا دليل على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم تصلي في البيت المعمور على ما تقدم، ثم لا يعودون، مع أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار(١). [أحاديث ضعيفة] وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وابن أبي حاتم: أن في السماء نهراً يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه، ثم يخرج فينتفض، فيخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكاً، فهم الذين يصلون فيه، أي في البيت المعمور، ثم لا يعودون إليه. وإسناده ضعيف(٢). وذكر الإمام فخر الدين الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق (١) حذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه، وتقديره: لزم أن تكون الملائكة أكثر من جميع المخلوقات. (٢) قال الحافظ عبد الغني: منكر لا أصل له، قاله في اللآلى المصنوعة [م]. - ٧٥ - ما لا تعلمون﴾ (١) أنه روى عن عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيه، فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفاً، ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. وقد روي أن ثم ملائكة يسبحون الله تعالى، فيخلق الله بكل تسبيحة ملكاً. هذا ما عدا الملائكة التي للتعبد، وما عدا الملائكة الموكلين بالنبات والأرزاق، والحفظة، والملك الموكل بتصوير ابن آدم، والملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة الذين يتعاقبون، والذين يؤمنون على قراءة المصلي، والذين يقولون: ربنا ولك الحمد، والذين يدعون لمنتظر الصلاة، والذين يلعنون من هجرت فراش زوجها. وروي(٢) أن في السماء الدنيا - وهي من ماء ودخان - ملائكة خلقوا من ماء وريح عليهم ملك يقال له الرعد، وهو ملك موكل بالسحاب والمطر، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت. (١) سورة النحل، الآية ٨. (٢) هكذا لم يعزه المصنف وكذا الشارح، وهو حديث موضوع ينسب إلى ابن عباس كذباً. وكنا نتمنى أن المصنف لم يذكره. وقد مضت فقرات منه أشار الشارح إلى وضعها. ومن المعلوم أن هذه القضايا - أي الغيبيات - هي قضايا اعتقادية لا يقبل فيها الحديث الضعيف فضلاً عن الموضوع. بل ذهب بعضهم إلى عدم قبول الصحيح إلا إذا كان متواتراً في شأن الاعتقاد. [م]. - ٧٦ - وأن في الثانية ملائكة على ألوان شتى، رافعين أصواتهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأن فيها ملكاً نصف جسده من نار ونصف جسده من ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار، وهو يقول: يا من ألف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنین . وأن في الثالثة - وهي من حديد - ملائكة ذوي أجنحة شتى ووجوه شتى وأصوات شتى، رافعي أصواتهم بالتسبيح يقولون: سبحانك أنت الحي الذي لا يموت، وهم صفوف قيام، كأنهم بنيان مرصوص، لا يعرف أحدهم لون صاحبه من خشية الله. وأن في السماء الرابعة - وهي من نحاس - ملائكة يضعفون على ملائكة الثالثة، وكذلك كل سماء أكثر عدداً من التي تليها، وأن ملائكة السماء الرابعة قيام وركوع وسجود على ألوان شتى من العبادة، يبعث الله الملك منهم إلى أمر من أموره، فينطلق الملك ثم ينصرف فلا يعرف صاحبه الذي إلى جنبه من شدة العبادة وهم يقولون: سبوح قدوس، ربنا الرحمن الذي لا إله إلا هو. وأن في الخامسة - وهي من فضة - ملائكة يزيدون على ملائكة الأربع سماوات، وهم سجود وركوع لم يرفعوا أبصارهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قالوا: ربنا، لم نعبدك حق عبادتك. وأن في السماء السادسة - وهي من ذهب - جند الله الأعظم الكروبيون، لا يحصر عددهم إلا الله تعالى، وعليهم ملك له سبعون ألف ملك جنده، وكل ملك منهم جنوده سبعون ألف ملك، وهم الذين يبعثهم الله في أموره إلى أهل الدنيا، رافعو أصواتهم بالتسبيح والتهليل. - ٧٧ - وأن في السابعة - وهي ياقوتة حمراء - من الملائكة ما يزيدون على ٢٣٥/ب ما تقدم، وعليهم ملك مقدم / على سبعمائة ألف ملك، منهم جنود مثل قطر السماء، وتراب الثرى والرمل والسهل، وعدد الحصى والورق، وعدد كل خلق في السماوات والأرض، ويخلق الله تعالى في كل يوم ما يشاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وأن حملة العرش ثمانية يتجاوبون، لكل ملك منهم وجوه شتى وأعين شتى في جسده، لا يشبه بعضها بعضاً، رافعة أصواتهم بالتهليل، ينظرون إلى العرش لا يفترون، لو أن الملك منهم نشر جناحيه لطبق الدنيا بريشة من جناحه، لا يعلم عددهم إلا الله. وحملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن رخيم، تقول أربعة منهم: سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، وتقول أربعة: سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. [روايات أخرى عن الملائكة] وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله وَله لجبريل: على أي شيء أنت؟ قال على الريح والجنود، قال: وعلى أي شيء ميكائيل؟ قال: على النبات والقطر، قال: وعلى أي شيء ملك الموت؟ قال: على قبض الأرواح، الحديث، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك. وروى الترمذي(١) من حديث أبي سعيد مرفوعاً: وزيراي من أهل السماء: جبريل وميكائيل الحديث. (١) قال الشارح: بإسناد صحيح والحاكم وصححه. - ٧٨ - وروى النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة، وأنه جوزي بولاية اللوح المحفوظ. وفي كتاب ((العظمة)) لأبي الشيخ ابن حيَّان من ذلك العجب العجاب، وعندي منه الجزء الثاني. [روايات أخرى في الإسراء] وقد وقعت في غير رواية البخاري هنا زيادات : فمنها ما وقع في رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي في دلائله: ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا إبراهيم الخليل ساند ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمدة، قال: فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور. وفي رواية الطبراني: فإذا هو برجل أشمط (١) جالس على باب الجنة على كرسي، وعنده قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه وخرجوا وقد خلصت ألوانهم وصارت مثل ألوان البيض الوجوه، فقال: من هذا ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها (١) أبيض شعر الرأس يخالطه سواده. - ٧٩ - وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء النفر الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة، والثانية نعمة الله، والثالث وسقاهم ربهم شراباً طهوراً. [سماع صريف الأقلام] وفي رواية البخاري في الصلاة (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) الحديث. والمستوى: المصعد. وصريف الأقلام : - بفتح الصاد المهملة - تصويتها حالة الكتابة. والمراد: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى. والقدر المكتوب قديم، وإنما الكتابة حادثة، وظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته، وجف القلم بما فيه قبل خلق السماوات والأرض، وإنما هذه الكتابة في صحف الملائكة كالفروع المنتسخة من الأصل، وفيها الإثبات والمحو على ما ذكر في الآية. وذكر ابن القيم: أن الأقلام اثنا عشر قلماً، وأنها متفاوتة في الرتب : فأعلاها وأجلها قدراً، قلم القدر السابق، الذي كتب الله به مقادير الخلائق، كما في سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت قال: ١/٢٣٦ سمعت رسول الله ولو / يقول: إن أول ما خلق الله تعالى القلم، قال له: اكتب، قال: رب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء - ٨٠ -