النص المفهرس

صفحات 21-40

موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال:
مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما
يبكيك؟ قال: أبكى لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر
ممن يدخلها من أمتي.
ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من
هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث
إليه؟ قال: نعم، قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا
إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه،
فرد السلام، فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها(١) مثل قلال هجر، وإذا
ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار:
نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما
الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات.
ثم رفع إلي البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك،
ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فاخترت اللبن،
فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك.
ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت
فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: فقلت أمرت بخمسين
صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم،
وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة
فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً،
(١) النبق هو ثمر السدر.
- ٢١ -

فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت
إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى
فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى
موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت
إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم،
قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت
الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك
فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن
أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي
وخففت عن عبادي).
[روايات أخرى]
وفي رواية له(١): (ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء
بطست من ذهب ممتلى حكمة وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه).
وفي رواية شريك(٢): (فحشا به صدره(٣) ولغاديده) وهي بلام
مفتوحة وغين معجمة، أي عروق حلقه، وفي النهاية: جمع لغدوده:
وهي لحمة مشرفة عند اللهاة.
والشك في قوله: (ربما قال في الحِجر) من قتادة، كما بينه أحمد
عن عفان، ولفظه: (بينما أنا في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر)
والمراد بالحطيم هنا: الحجر.
(١) أي للبخاري وهي برقم ٣٤٩، وكذلك عند مسلم.
(٢) عند الشيخين، وهي في البخاري برقم ٧٥١٧ .
(٣) في (أ، ط) صدري.
- ٢٢ -

ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق (١) بلفظ (بينما أنا عند
البيت) وهو أعم.
وفي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر/ (فرج سقف بيتي وأنا ٢٢٥/ب
بمكة)(٢).
وفي رواية الواقدي بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب.
وفي حديث أم هانئ - عند الطبراني - أنه بات في بيتها، قالت:
ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل أتاني.
[الجمع بين الروايات]
والجمع بين هذه الأقوال - كما في فتح الباري - أنه بات في بيت
أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف
البيت إليه لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى
المسجد، فكان به مضطجعاً وبه أثر النعاس، ثم أخذه الملك فأخرجه
من المسجد، فأركبه البراق. قال: وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن
إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق، وهو يؤيد
هذا الجمع(٣).
[حكمة انفراج سقف البيت]
فإن قيل: لم فرج سقف بيته وَ ل﴿ ونزل منه الملك، ولَمَ لم يدخل
عليه من الباب، مع قوله تعالى: ﴿وائتوا البيوت من أبوابها﴾(٤)؟
(١) برقم ٣٢٠٧.
(٢) عند الشيخين ورقمه في البخاري ٣٤٩.
(٣) فتح الباري ٧/ ٢٠٤
(٤) سورة البقرة، الآية ١٨٩.
- ٢٣ -

أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء
انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه، مبالغة في المفاجأة، وتنبيهاً
له على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له وَ له .
وهذا بخلاف موسى عليه الصلاة والسلام، فكانت كرامته
بالمناجاة عن ميعاد واستعداد بخلاف نبينا وَل فإنه حمل عنه ألم
الانتظار، كما حمل عنه ألم الاعتذار. ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا
وَلّر بالنسبة إلى مقام موسى عليه السلام مقام المراد بالنسبة إلى مقام
المريد. ويحتمل أن يكون توطئة وتمهيداً لكونه فرج عن صدره، فأراه
الملك بإفراجه عن السقف ثم التأم السقف على الفور كيفية ما يصنع
به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد في بيته، لطفاً في حقه وَلا
وتثبيتاً لصبره، والله أعلم.
[إيضاح بعض نقاط النص]
• وقوله: (مضطجعاً) زاد في بدء الخلق (بين النائم واليقظان).
وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد
فأركبه البراق، استمر في يقظته.
• وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضاً (فلما استيقظت) فإن
قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت،
يعني أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى
العالم الدنيوي، فالمراد: الإفاقة البشرية من الغمرة الملكية.
• وقوله: (إذا أتاني آت) هو جبريل عليه السلام، وفي رواية
شريك (أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد
الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال
- ٢٤ -

آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة - أي كانت القصة الواقعة
تلك الليلة ما ذکر هنا - فلم یرهم حتى أتوه ليلة أخری فیما یری قلبه وتنام
عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه
حتى احتملوه .. ).
وقد أنكر الخطابي قوله: (قبل أن يوحى إليه) وكذا القاضي
عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك - يعني هذه -
أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: (قبل أن يوحى إليه) وهو غلط فلم
يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء،
فكيف يكون قبل الوحي. انتهى. فقد صرح هؤلاء بأن شريكاً تفرد
بذلك.
لكن قال الحافظ ابن حجر: في دعوى التفرد نظر، فقد وافقه
كثير بن خنيس - بالمعجمة ونون مصغراً - عن أنس، كما أخرجه سعيد
ابن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي له من طريقه. قال: ولم
يقع التعيين بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد
الوحي، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج. وإذا كان بين المجيئين مدة فلا
فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي أو عدد سنين/. ١/٢٢٦
وبهذا يرتفع الإشكال من رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء
كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط تشنيع الخطابي وغيره بأن
شريكاً خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما
يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله في هذا الحديث
نفسه: أن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبعث؟ قال: نعم،
فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة(١).
(١) عن فتح الباري ٤٨٠/١٣ - ٤٨١.
- ٢٥ -

ووقع في رواية ميمون بن سياه - عند الطبراني -: فأتاه
جبريل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة،
فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤوه وهم ثلاثة. وفي رواية
مسلم: سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق
بي. والمراد بالرجلين: حمزة وجعفر وكان النبي وَ لّ نائماً بينهما.
• وقوله : ((فقدَّ)) بالقاف والدال المهملة الثقيلة.
((من ثغرة)) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة، وهو الموضع
المنخفض الذي بين الترقوتين.
((إلى شعرته)) بكسر الشين المعجمة، أي شعر العانة الشريفة.
وفي رواية مسلم: إلى أسفل بطنه .
وفي رواية البخاري: إلى مراق البطن.
وفي رواية شريك - عنده -: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته -
بفتح اللام وتشديد الموحدة - وهو موضع القلادة من الصدر.
[شق الصدر قبل الإسراء]
وقد أنكر القاضي عياض في ((الشفاء)) وقوع شق صدره الشريف
:
ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي قبل الوحي في بني سعد.
ولا إنكار في ذلك - كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلاني رحمه
الله - فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة،
كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منها حكمة:
فالأول: وقع فيه من الزیادة، كما عند مسلم من حديث أنس:
-٢٦ -

فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. وكان هذا في زمن
الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. ولعل
هذا الشق كان سبباً في إسلام قرينه المروي عند البزار من حديث ابن
عباس(١). ويحتمل أن يكون إشارة إلى حظ الشيطان المباين كالعفريت
الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه.
وأما شق الصدر عند المبعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما
يوحى إليه بقلب قوي على أكمل الأحوال من التطهير.
وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء، فللتهيؤ للترقي إلى الملأ
الأعلى، والثبوت في المقام الأسنى، والتقوي لاستجلاء الأسماء الحسنى،
ولهذا لما لم يتفق لموسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا التهيؤ لم تتفق له
الرؤية، وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل؟!
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل، لتقع المبالغة في
الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه وَطيار .
ثم إن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير
ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض
لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن قدرة الله عز وجل
لا يعجزها ممكن، ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده، وليست مربوطة
بالعادة إلا حيث شاءته القدرة، لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر
مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذا النبي وَالر قد
(١) وهو- كما رفعه ابن عباس -: فضلت على الأنبياء بخصلتين، كان شيطاني
كافراً فأعانني الله عليه فأسلم. قال ونسيت الأخرى.
- ٢٧ -

شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب فغسل، وقد شق بطنه كذلك
أيضاً وهو صغير وشق قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان. ومعلوم أن
القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي صل9 شق بطنه في
٢٢٦/ ب هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد / الله تعالى أن لا
يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر موت صاحبها، فأبطل تلك العادة.
وقد رمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار فلم تحرقه، وكانت
عليه برداً وسلاماً. انتهى.
[الصبر على شق الصدر]
وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه وَل بتحقيق ما أوتي
من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره
على مقدمات الذبح شداً وكتفاً وتلاً للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر
فقال: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾(١)، ووفى بما وعد الله،
فأكرمه الله بالثناء على صبره إلى الأبد.
ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا وَّر على شق الصدر
أشق وأجل، لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه
حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا
فعله، وشق صدر نبينا ◌َّه واستخراج قلبه ثم شقه ثم كذا ثم كذا
مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا
الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر.
فإن قلت: إنما يتحقق الصبر لو كان هناك مشقة، فلعل العادة
لما انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في رفع المشاق وحمل الآلام.
(١) سورة الصافات، الآية ١٠٢.
- ٢٨ -

أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منتقع اللون
أو ممتقع اللون، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة
المعالجة المذكورة محقق.
قال القاضي عياض: وأصل ((انتقع)) صار كلون النقع، والنقع
الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة.
وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شق عليه، فيحمل على أنه
صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى.
وكذلك الابتلاء أيضاً من حيث السن، فإن ذلك وقع لنبينا وليه
بعيد ما فطم، وأيضاً: فإنه كان منفرداً عن أمه ويتيماً من أبيه،
واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأفعال تسهيلاً لما
يلقاه في المآل، وتعظيماً لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما
شج وجرح وكسرت رباعيته قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا
يعلمون، زاده الله شرفاً.
[الغسل بطست من ذهب]
وقوله: (ثم أتيت بطست من ذهب) إنما أتي بالطست لأنه أشهر
آلات الغسل عرفاً.
فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه وَلقر فكيف
استعمل الطست الذهب هنا؟
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل
الاستمتاع به في هذه الدار، وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً،
لقوله وَسِير: (هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة) قال: ثم إن الاستمتاع
- ٢٩ -

بهذا الطست لم يحصل منه ولم وإنما كان غيره هو السائق له والمتناول
لما كان فيه حتى وضعه في القلب المبارك.
فسوقان الطست المبارك (١) من هناك، وكونه كان من ذهب دال
على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه. انتهى.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل
له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم عليه
استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن
يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك
الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، أو
لعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة. ويظهر هاهنا
مناسبات: منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا
التراب، وأنه لا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه
وَل *- لأنه من أواني أحوال الجنة، ولا تأكله النار ولا التراب، وإن الله
١/٢٢٧ حرم على / الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولا يلحقه الصدأ، وأنه
أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى وهي ثقل الوحي فيه.
انتھی .
قلت: قوله: ((ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه
الشريعة)). قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري: بأن
تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة.
وقال السهيلي وابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من
جهة إذهاب الرجس عنه ولكونه عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى
معناه، فلوضاءته ونقائه وصفائه. انتهى.
(١) كلمة ((المبارك)) في (أ، ط).
- ٣٠ -

[هل تجسد المعاني؟]
والمراد بقوله: (ملئ حكمة وإيماناً) أن الطست جعل فيها شيء
يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيماناً مجازاً.
ويحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسد المعاني جائز، كما أن
سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش،
وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك.
وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني
قد وقع كثيراً، كما مثلت له وَلقر الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته
كشف المعنوي بالمحسوس.
وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة
جواهر محسوسات لا معاني، لأنه وَّ قال عن الطست: إنه أتي به
مملوءاً إيماناً وحكمة، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف،
والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ، وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر، وهذا نص من الشارع وَ له بضد ما ذهب إليه المتكلمون في
قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض.
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن
حقيقتها غير محققة، وإنما هي غلبة ظن، لأن للعقل - بالإجماع من
أهل العقل المؤيدين بالتوفيق - حداً يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا
ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا
على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها
الشارع ◌َّ في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه
الحقيقة التي أخبر بها نَّيره. فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله
- ٣١ -

المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذي يدرك بالعقل.
والحقيقة ما ذكره وَّر في الحديث.
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما
على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه. ثم مثل بمجيء الموت في هيئة
كبش أملح، ثم بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا
معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن، ولا يوزن في
الميزان إلا الجواهر.
قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات(١)
والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان
إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه
مثل المصباح، ومنهم من يعاينه مثل الشمعة، ومنهم من يعاينه مثل
المشعل وهو أقواها. ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين
قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان(٢).
(١) هي عند المتصوفة: أن يتوجه الإنسان إلى نفسه أي إلى باطنها الذي هو
الروح والسر واستمداده منهما ما يزيل به الحجب عن نفسه فيحصل لها
قبول المراد. ومنازل هذه المعاملات عشر: الرعاية والمراقبة والحرمة
والإخلاص والتهذيب والاستقامة والتوكل والتفويض والثقة والتسليم.
(٢) إن معرفة إيمان الآخرين ومقداره أمر لم يحصل لجيل الصحابة، فكيف
يحصل لغيرهم فقد قال ◌َلقر لأسامة بعد أن قتل ذلك الرجل: هلا شققت
عن قلبه؟! وقد خفي حال المنافقين على الصحابة، وإنما عرف ذلك حذيفة
بتعريف رسول الله له وبيانهم ... أما ما يتعلق بالإنسان نفسه فقد قال
تعالى ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ أما على غيره فلا. [المحقق].
- ٣٢ -

[حكمة شق الصدر]
فإن قيل: ما الحكمة في شق صدره الشريف ثم ملئ إيماناً
وحكمة، ولَمَ لم يوجد الله تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل فيه ما فعل؟
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأنه وَّ ر لما أعطي كثرة الإيمان
والحكمة وقوي التصديق إذ ذاك، أعطي برؤية شق البطن والقلب
عدم الخوف من جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له رواية قوة
الإيمان من ثلاثة أوجه: بقوة التصديق، والمشاهدة، وعدم الخوف من
العادات المهلكات فكمل له وَل#/ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان ٢٢٧/ب
بالله عز وجل، وعدم الخوف مما سواه.
ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان ◌َّ في العالمين أشجعهم
وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً.
ففي العلوي: كان - كما أخبر وا له - أن جبريل لما وصل معه إلى
مقامه قال: ها أنت وربك، وهذا مقامي لا أتعداه، فزج فيه - أي في
النور - زجة ولم يتوان ولم يلتفت، فكان هناك في الحضرة كما أخبر عنه
ربه عز وجل بقوله: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾(١).
وأما حاله ◌َّ في هذا العالم: فكان إذا حمي الوطيس في الحرب
ركض بغلته في نحر العدو، وهم شاكون في سلاحهم، ويقول: أنا
ابن عبد المطلب، أنا النبي لا كذب.
ثم إن العناية بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة، فيه
إشارة إلى مذهب أهل السنة في أن محل العقل ونحوه من أسباب
(١) سورة النجم، الآية ١٧ .
- ٣٣ -

الإدراكات كالنظر والفكر إنما هو القلب لا الدماغ، خلافاً للمعتزلة
والفلاسفة .
وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس بماء زمزم، فقيل لأن ماء
زمزم يقوي القلب ويسكن الروع. قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك
غسل به قلبه وسر ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت. واستدل
شيخ الإسلام البلقيني، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء
الكوثر، قال: لأنه لم يكن يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه، وإليه
يومئ قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه ((بهجة النفوس)).
[هل غسل القلب أم الصدر]
وأما قوله ◌َّر: (فغسل صدري) فالظاهر أن المراد به القلب، كما
في الرواية الأخرى، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها،
ويقع الجمع بأن يقال: أخبر وَليل مرة بغسل صدره الشريف ولم
يتعرض لذكر قلبه، وأخبر مرة بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره،
فيكون الغسل قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف المحل المقدس.
ولا شك أن المحل الشريف كان طاهراً مطهراً وقابلاً لجميع ما يلقى
إليه من الخير، وقد غسل أولاً وهو نَّ طفل، وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان، وإنما كان ذلك إعظاماً وتأهباً لما يلقى هناك، وقد جرت
الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفاً،
لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى
ومناجاته، فلذلك غسل جوفه الشريف هنا، وقد قال تعالى: ﴿ومن
يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾(١) فكان الغسل له وحقيقة من
(١) سورة الحج، الآية ٣٢.
- ٣٤ -

تعظيم شعائر الله، وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر الله، كما نص
لهم عليه بالقول.
[البراق والمعراج]
وأما قوله: (ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض،
يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى
السماء الدنيا) وفي رواية عنده(١) في الصلاة (ثم أخذ بيدي فعرج بي
إلى السماء).
فظاهره: أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء.
قال العارف ابن أبي جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في
الهواء، وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وقد كان
راكباً على دابة من ذوات الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان،
فكما بسط الله تعالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشون في
الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية. وقد
سئل ◌َ ◌ّ حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم
القيامة فقال رير : الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر أن
يمشيهم يوم القيامة على وجوههم. انتهى .
وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان في ليلة
غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا.
فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على
البراق، بل رقي في المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به في
(١) عند البخاري.
- ٣٥ -

حديث عند ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل كما سيأتي إن شاء الله
تعالى.
١/٢٢٨
ويمكن أن يقال/: ما وقع هنا اختصار من الراوي، والإتيان
بـ((ثم)) المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين
المذكورين، وهما: الانطلاق والعروج. وحاصله: أن بعض الرواة ذكر
ما لم يذكره الآخر، وثابت البناني قد حفظ الحديث. ففي روايته عند
مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى فيه ثم عرج إلى السماء كما سيأتي
إن شاء الله تعالى.
[حكمة الإسراء به راكباً]
وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكباً، مع القدرة على طي
الأرض له، الإشارة إلى أن ذلك وقع تأنيساً له بالعادة، في مقام خرق
العادة، لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث
إليه بمركوب سني يحمله عليه في وفادته إليه.
وفي كلام بعض أهل الإشارات: لما كان ◌َّ ثمرة شجرة
الكون، ودرة صدفة الوجود، وسرَّ معنى كلمة ((كن)) ولم يكن بد من
عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها رفعها إلى حضرة قربه، والطواف
بها على ندمان حضرته، أرسل إليه أعز خدام الملك عليه، فلما ورد
عليه قادماً، وافاه على فراشه نائماً، فقال له قم يا نائم، فقد هيئت
لك الغنائم. قال: يا جبريل إلى أين؟ قال: يا محمد ارفع ((الأين)) من
البين، إنما أنا رسول القدم(١) أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا
محمد أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله، أنت
(١) في ش للقدم. قال الشارح: أي لذي القدم وهو الحق تعالى.
-٣٦ -

صفوة كأس المحبة، أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعارف،
أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمي ذلك الحمى
إلا لوصلك، وما روِّق كأس المحبة إلا لشربك. فقال ◌َله: يا جبريل
فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل بي؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من
ذنبك وما تأخر، قال: يا جبريل هذا لي، فما لعيالي وأطفالي؟ قال:
ولسوف يعطيك ربك فترضى، قال: يا جبريل الآن طاب قلبي ها أنا
ذاهب إلى ربي، ثم قال جبريل: يا محمد إنما جيء بي إليك الليلة
لأكون خادم دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجيء
بالمركوب إليك لإظهار كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيباً
أو استودعوا قريباً وأرادوا ظهور إكرامه واحترامه أرسلوا أخص
خدامهم وأعز نوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك
وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه وصل إليه بالخُطا فقد وقع بالخطأ،
ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا. انتهى.
[تسمية البراق وشكله وسرعته]
والحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم
يكن على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن لا
في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا
توصف بذلك في العادة. وذكره بقوله: أبيض، باعتبار كونه مركوباً،
أو عطفاً على لفظ البراق.
واختلف في تسميته بذلك، فقيل: من البريق، وقال القاضي
عياض: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها
الأبيض طاقات سود، وقيل: من البرق، لأنه وصف بسرعة السير،
ويحتمل أن لا يكون مشتقاً.
- ٣٧ -

ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه - بسكون الراء
وبالفاء - أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره. وقال ابن المنير:
يقطع ما انتهى إليه بصره في خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون
قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة، لأن بصر الذي في
الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات.
انتھی .
وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار - كما أفاده في
الفتح -: إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه.
وفي رواية لابن سعد عن/ الواقدي بأسانيده: له جناحان. قال
الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره.
٢٢٨ / ب
وعند الثعلبي - بسند ضعيف - عن ابن عباس، في صفة
البراق: له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالإبل،
وأظلاف وذنب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء.
وفي رواية أبي سعد(١) في ((شرف المصطفى)) فكان الذي أمسك
بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل.
وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله وَلّ أُتي
بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً، فاستصعب عليه، فقال له
جبريل: ما حملك على هذا، ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه،
قال: فارفض عرقاً. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب وصححه
ابن حبان .
(١) كذا في (ط، ش) وفي المخطوطات: ابن سعد، وخطأ الشارح ذلك.
قال الشارح: هو عبد الرحمن بن الحسن الأصفهاني الحافظ المشهور الثقة
المتوفى سنة سبع وثلاثمائة. وصفه الذهبي في تاريخه بالحافظ.
- ٣٨ -

وذكر ابن إسحاق عن قتادة: أنه لما شمس وضع جبريل - عليه
السلام - يده على معرفته وقال: أما تستحي وذكر نحوه، لكنه مرسل
لأنه لم يذكر أنساً.
وفي رواية وثيمة(١) عند ابن إسحاق: نعست حتى لصقت
بالأرض فاستويت عليها .
وفي رواية للنسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك
عن أنس نحوه موصولاً، وزاد: وكانت تسخر للأنبياء قبله، ونحوه
من حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق.
[هل ركب الأنبياء البراق؟]
وفيه دلالة على أن البراق كان معداً لركوب الأنبياء، خلافاً لمن
نفى ذلك، كابن دحية، وأوَّل قول جبريل: ((فما ركبك أكرم على الله
منه)) أي: ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه؟ فيكون مثل
قول امرئ القيس :
على لاحب لا يهتدى لمناره
فيفهم أن له مناراً لا يهتدى له، وليس المراد: إلا أنه لا منار له
البتة فكيف يهتدى به، فتأمله.
وقد جزم السهيلي بأن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهد
ركوب الأنبياء قبله.
وقال النووي: قال صاحب مختصر العين، وتبعه صاحب
(١) في ط: وعند ابن إسحاق.
- ٣٩ -

التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل
صحيح، انتهى وقد تقدم النقل بذلك.
قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: (فربطته بالحلقة التي كانت
تربط بها الأنبياء) انتهى. فليتأمل فإنه ليس فيه فربطته بالحلقة التي
كانت تربطه بها الأنبياء، وإنما قال: تربط بها الأنبياء وسكت عن ذكر
المربوط ما هو؟ فيحتمل - كما قال ابن المنير - أن يكون غير البراق،
ويحتمل أن يكون ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي تمسكهم
بها، ويكون من جنس العروة الوثقى، انتهى.
ولكن وقع التصريح بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي
ولفظه: فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيها. وقد وقع
عند ابن إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء: فاستصعب البراق
وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة.
وفي مغازي ابن عائذ، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب
قال: البراق هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل. وعلى
هذا فلا يكون ركوب البراق من خصائصه وَعليه . نعم قيل: ركوبه
مسرجاً ملجماً لم يرد لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
[تعليل استصعاب البراق]
فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟
أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا إنه لم
يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد بركوبه إن قلنا إنه ركب قبله.
ويحتمل أن يكون استصعابه تيهاً وزهواً بركوبه مَّي ، وأراد
- ٤٠ -