النص المفهرس
صفحات 701-720
* وهي: أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره وَله، فقيامه له والقر فيه
إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في
خدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله
حتی مشی وفتح له الباب.
• ومنها أنه ◌َ ◌ّ أول من يدخل الجنة، قال وَلّ: (وأنا أول من
يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر)
رواه الترمذي.
• ومن خصائصه وَهر الكوثر، نهر في الجنة يسيل من حوضه
مجراه على الدر والياقوت، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
• ومنها الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة.
[خصائص أمة محمد { [*]
[الحكم بشريعة الإسلام]
وأما خصائص أمته وَلّر وزادها شرفاً، فاعلم أنه لما أنشأ الله
سبحانه وتعالى العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبينا وعليه
للعيان، وظهرت عنايته بأمته الإنسانية، بحضوره وظهوره فيها، وإن
كان العالم الإنساني والناري(١) كله أمته، ولكن لهؤلاء خصوص
وصف، فجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعلهم ورثة الأنبياء،
وأعطاهم الاجتهاد في نصب الأحكام، فيحكمون بما أدى إليه
اجتهادهم.
(١) أي عالم الجن.
- ٧٠١ -
وكل من دخل في زمان هذه الأمة من الأنبياء بعد نبيها، كعيسى
عليه السلام، أو قدر دخوله كالخضر، فإنه لا يحكم في العالم إلا بما
شرعه محمد 18 في هذه الأمة، فإذا نزل سيدنا عيسى عليه الصلاة
والسلام فإنما يحكم بشريعة نبينا وَلقر بإلهام أو اطلاع على الروح
المحمدي أو بما شاء الله تعالى، فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به
في أمته، فلا يحكم في شيء من تحریم وتحلیل إلا بما کان يحكم به نبينا
وَالية ، ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته، فهو
عليه السلام تابع لنبينا وَلير. وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم في
كتاب ختم الأولياء، وأعرب عنه صاحب ((عنقاء مغرب))(١)، وكذا
١/٢١٠ الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح عقائد النسفي وصحح / أنه
يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل منه، فإمامته
أولى. انتھی .
فهو عليه الصلاة والسلام وإن كان خليفة في الأمة المحمدية،
فهو رسول ونبي كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي
واحداً من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب
اتباعه لنبينا وَل﴿ والحكم بشريعته.
فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم(٢) قوله وَ ل: (ليوشكن أن
ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير
ويضع الجزية) وأن الصواب في معناه: أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل
إلا الإسلام أو القتل، وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن
(١) ((عنقاء مغرب)) اسم كتاب ألفه الشيخ محيى الدين بن عربي الطائي
الأندلسي، مات بدمشق سنة ست وثلاثين وستمائة.
(٢) وكذا رواه البخاري.
- ٧٠٢ -
الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على
الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى عليه السلام حاكماً
بشريعة نبينا القر ؟
فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكماً
بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبياً برسالة مستقلة (١) وشريعة
ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.
وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكماً مستمراً إلى يوم القيامة،
بل هو مقید بما قبل نزول عيسى، وقد أخبر نبينا ێ بنسخه، ولیس عيسى
عليه السلام هو الناسخ، بل نبينا وَّر هو المبين للنسخ، فدل على أن
الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرع نبينا وَله. أشار إليه
النووي في شرح مسلم.
فإن قلت: ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى عليه
السلام في عدم قبول الجزية؟
فأجاب ابن بطال: بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال (٢)،
وليس يحتاج عيسى عليه السلام عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض في أيامه
المال حتى لا يقبله أحد، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان بالله وحده. انتهى.
(١) كذا في ش، وفي النسخ: مستقرة.
(٢) هذا الحصر والتعليل غير صحيح، فأخذ الجزية من أهل الكتاب إنما كان
تنفيذاً لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا
يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب
حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ سورة التوبة الآية ٢٩، وليس
ذلك مرتبطاً بحاجة المسلمين، وأنهم في حال عدم احتياجهم لا يأخذونها
[المحقق].
- ٧٠٣ -
وأجاب الشيخ ولي الدين ابن العراقي: بأن قبول الجزية من اليهود
والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل. وتعلقهم بزعمهم
بشرع قديم، فإذا نزل عيسى عليه السلام زالت تلك الشبهة بحصول
معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم،
فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال
علته. قال وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له. قال: وهذا أولى
مما ذكره ابن بطال. انتهى.
وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر، وأنه باق إلى اليوم، فإنه
تابع لأحكام هذه الملة. وكذلك إلياس على ما صححه أبو عبدالله القرطبي
أنه حي أيضاً.
وليس في الرسل من يتبعه رسول له كتاب إلا نبينا وَلقر ، وكفى بهذا
شرفاً لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفاً.
[خير أمة أخرجت للناس]
فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة،
ومنَّ علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة، ونوَّه بنا في كتابه العزيز
بقوله: ﴿كنتم خير أمة﴾(١)، فتأمل قوله (كنتم) أي في اللوح المحفوظ،
وقيل: كنتم في علم الله.
فينبغي لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق
الزكية، ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة من الأوصاف المرضية، ويتأهل
لما لها من الخيرية .
(١) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
- ٧٠٤ -
قال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس إذا كنتم على الشرائط
المذكورة، أي: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
وقيل: إنما صارت أمة محمد وَّيّ خير أمة لأن المسلمين منهم
أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى.
وقيل: هذا لأصحاب محمد وَيَ، كما قال ◌َله: (خير الناس
قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)(١) وهذا يدل على أن أول هذه
الأمة أفضل ممن بعدها. وإلى هذا ذهب معظم العلماء.
[فضيلة الصحابة]
وأن من صحبه وَّ ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من
يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب
الجمهور.
وذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد
الصحابة أفضل ممن كان في جملة / الصحابة، وأن قوله وَل: (خير ٢١٩/ب
الناس قرني) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل
والمفضول، وقد جمع قرنه بَير جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان،
وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى(٢) بعضهم الحدود، وقد روى أبو
أمامة أنه رسل* قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات لمن لم
يرني وآمن بي(٣).
(١) رواه الشيخان وغيرهما.
(٢) في ط، أو على.
(٣) أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ وابن حبان والحاكم.
- ٧٠٥ -
وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن
أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالساً عند النبي وَّ فقال:
أتدرون أي الخلق أفضل إيماناً؟ قلنا: الملائكة، قال: وحق لهم، بل
غيرهم. قلنا: الأنبياء قال: وحق لهم، بل غيرهم، ثم قال وّلّ أفضل:
الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل
الخلق إيماناً.
وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن
عبدالله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه
سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر، لأن زمانك ليس
كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، قال: وكتب إلى فقهاء زمانه
فكلهم كتب بمثل قول سالم.
قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها،
التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل، إلا أهل بدر
والحديبية. ومن تدبر هذا الباب بان له الصواب، والله يؤتي فضله من
يشاء. انتهى.
وإسناد حديث أبي داود الطيالسي عن عمر ضعيف فلا يحتج
به، لكن روى أحمد والدارمي والطبراني عن أبي عبيدة - أي ابن
الجراح(١) -: يا رسول الله، أحد خير منا(٢)؟ أسلمنا معك وجاهدنا
معك؟ قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني. وإسناده
حسن وصححه الحاكم.
والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل
(١) زيادة في ط.
(٢) بتقدير أداة استفهام، أي: هل أحد.
.._ ٧٠٦ _
لمشاهدة رسول الله وح له، والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم
كثيرة متظاهرة لا نطيل بذكرها وسيأتي بقية مباحث ذلك في فضل
الصحابة من المقصد السابع إن شاء الله تعالى.
[من فضائل أمته وَلَّر]
وقد خص الله تعالى هذه الأمة الشريفة بخصائص لم يؤتها أمة
قبلهم، أبان بها فضلهم، والأخبار والآثار ناطقة بذلك.
فخرج أبو نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إن
موسى - عليه السلام - لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر
هذه الأمة، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون
السابقون، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد
في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها ظاهراً فاجعلها أمتي،
قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون
الفيء فاجعلها أمتّ، قال تلك أمة أحمد(١)، قال: يا رب إني أجد في
الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم (٢) يؤجرون عليها فاجعلها
أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا
همَّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت
له عشر حسنات فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني
أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه،
وإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد،
قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم
(١) فقرة الفيء هذه لم ترد في (ط، ب، د) وجاءت في (ش) بعد التي تليها.
(٢) أي ما يصرفون على أنفسهم وأهاليهم.
- ٧٠٧ -
الآخر، فيقتلون المسيح الدجال، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد،
قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين،
فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما
آتيتك وكن من الشاكرين، قال: قد رضيت يا رب.
وروى ابن طغر بك في ((النطق المفهوم)) عن ابن عباس رفعه:
قال موسى: يا رب، فهل في الأمم أكرم عليك من أمتي، ظللت
٢١٨م/١ عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المنَّ والسلوى، فقال/ (١): سبحانه
وتعالى: يا موسى، أما علمت أن فضل أمة محمد على سائر الأمم
كفضلي على جميع خلقي؟ قال: يا رب فأرينهم، قال: لن تراهم،
ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم الله تعالى، فأجابوا كلهم بصوت
واحد: لبيك اللهم لبيك، وهم في أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم
فقال سبحانه وتعالى: صلاتي عليكم، ورحمتي سبقت غضبي، وعفوي
سبق عذابي، استجيب لكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم يشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله غفرت له ذنوبه. قال له:
فأراد الله أن يمن علي بذلك فقال: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ
نادينا﴾(٢) أي أمتك حتى أسمعنا موسى كلامهم.
ورواه قتادة، وزاد: فقال موسى: يا رب، ما أحسن أصوات
أمة محمد مر أسمعني مرة أخرى.
(١) هنا انتهى المجلد الأول من المخطوطة (الأصل) وبه ينتهي الترقيم
الجامعي - كما ذكرت في المقدمة - ويبدأ المجلد الثاني ونعتمد فيه ترقيم
المخطوطة الذي يبدأ بالورقة رقم ٢١٨ ولذا فسوف يكون الرقمان ٢١٨
و٢١٩ مكررين وأشرت إلى ذلك بالحرف م [المحقق].
(٢) سورة القصص، الآية ٤٦.
- ٧٠٨ -
وفي الحلية لأبي نعيم، عن أنس قال قال رسول الله الطيار:
أوحى الله إلى موسى، نبئ بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد
أدخلته النار. قال: يا رب، ومن أحمد؟ قال: ما خلقت خلقاً أكرم
علي منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات
والأرض، إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأمته،
قال: ومن أمته؟ قال: الحمادون، يحمدون صعوداً وهبوطاً وعلى كل
حال. يشدون أوساطهم(١) ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار،
رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير، وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا
الله، قال: اجعلني نبي تلك الأمة، قال: نبيها منها، قال: اجعلني
من أمة ذلك النبي، قال: استقدمت واستأخر، ولكن سأجمع بينك
وبينه في دار الجلال.
وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى شعيا: إني باعث نبياً
أمياً، أفتح به آذاناً صماً، وقلوباً غلقاً، وأعيناً عمياً، مولده بمكة،
ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب
المنتخب (٢) المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح
ويغفر، رحيماً بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ولليتيم في حجر
الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب(٣) في الأسواق، ولا متزين
بالفحش ولا قوال للخنا، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من
سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع (٤) لم يسمع من تحت قدميه،
(١) أي بالأزر.
(٢) كذا في ش، وفي النسخ: المتحبب: قال الشارح في نسخة المتحبب وأظنها
تصحیفاً.
(٣) صخاب وسخاب روايتان وهما لغتان.
(٤) أي الطويل.
- ٧٠٩ -
أبعثه مبشراً ونذيراً .. إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس
أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وتوحيداً لي، وإيماناً بي، وإخلاصاً لي،
وتصديقاً لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس والقمر(١)، طوبى
لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح
والتكبير والتحميد والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم
ومتقلبهم ومثواهم، ويصفون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول
عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان،
يصلون لي قياماً وقعوداً وركعاً وسجوداً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم
ابتغاء مرضاتي ألوفاً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً، أختم بكتابهم الكتب،
وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن
بكتابهم، ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني، وهو مني بريء،
وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطاً شهداء على الناس، إذا
غضبوا هللوني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف،
ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف،
قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهباناً بالليل ليوثاً بالنهار،
طوبى لمن كان معهم، وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، وذلك فضلي
أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. رواه أبو نعيم.
وقد ذكر الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر يكون
٢م/ب ثواب أمته أقل، قال السبكي: إلا/ هذه الأمة، فإن معجزات نبيها
أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم.
[خصوصية إحلال الغنائم]
ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها،
(١) للعبادة والذكر.
- ٧١٠ -
وجعلت لهم الأرض مسجداً ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع
والكنائس، وجعل لهم ترابها طهوراً وهو التيمم. وفي رواية أبي أمامة
عند البخاري: (وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً) وفي
رواية مسلم من حديث حذيفة: (وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً،
وجعلت تربتها طهوراً إذا لم نجد الماء)(١).
[خصائص تتعلق بالصلاة]
· ومن خصائص هذه الأمة الوضوء، فإنه لم يكن إلا للأنبياء
دون أممهم، ذكره الحليمي، واستدل بحديث البخاري (إن أمتي
يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء) لكن قال في فتح
الباري: فيه نظر: لأنه ثبت في البخاري قصة سارة - عليها السلام -
مع الملك الذي أعطاها هاجر: أن سارة لما همَّ الملك بالدنو منها قامت
تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضاً: أنه قام فتوضأ وصلى
ثم كلم الغلام. فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة
والتحجيل، لا أصل الوضوء.
وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعاً، قال:
(لكم سيما ليست لأحد غيركم) أي علامة. وغاية التحجيل: استيعاب
العضدين والساقين والغرة: غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق مع
الوجه .
• ومنها مجموع الصلوات الخمس، ولم تجمع لأحد غيرهم،
أخرج الطحاوي عن عبيدالله بن محمد بن عائشة قال: إن آدم لما تيب
عليه عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند
(١) رواه مسلم في كتاب المساجد برقم ٤.
- ٧١١ -
الظهر، فصلى أربع ركعات فصارت الظهر، وبعث عزيراً عند العصر،
فقيل له: كم لبثت قال: يوماً، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم
فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام
يصلي أربع ركعات فجهد فجلس في الثالثة فصارت المغرب ثلاثاً.
وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا اَليات .
وأخرج أبو داود في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في
سننه عن معاذ بن جبل قال: أخر رسول الله وَل صلاة العتمة ليلة
حتى ظن الظان أنه قد صلى ثم خرج فقال: أعتموا بهذه الصلاة
فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم.
• ومنها الآذان والإقامة.
• ومنها البسملة، قاله بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين
الحلبي النحوي في تفسيره، قال: ولم ينزلها الله على أحد من الأمم
قبلنا إلا على سليمان بن داود، فهي مما اختصت به هذه الأمة.
انتھی .
• ومنها التأمين، روى الإمام أحمد من حديث عائشة قالت:
بينا أنا عند النبي ◌َ ◌ّ إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث
وفيه: أن النبي ◌ِّر قال: إنهم لم يحسدونا على شيء كما حسدونا على
الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث غريب لا أعرفه بهذه
الألفاظ إلا من هذا الوجه، لكن لبعضه متابع حسن في التأمين،
أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة كلاهما من رواية سهيل بن أبي
صالح عن أبيه عن عائشة عن النبي وَلير قال: ما حسدتنا اليهود على
شيء ما حسدتنا على السلام والتأمين.
- ٧١٢ -
• ومنها الاختصاص بالركوع، عن علي رضي الله عنه قال:
أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال:
بهذا أمرت. رواه البزار والطبراني في الأوسط.
ووجه الاستدلال منه: أنه نَّه صلى قبل ذلك الظهر، وصلى
قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل، فكون الصلاة السابقة بلا
ركوع قرينة لخلو صلاة / الأمم السابقة منه. قاله بعض العلماء.
٢١٩م/١
قال: وذكر جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿واركعوا مع
الراكعين﴾(١) أن مشروعية الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه
لا ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع مع أمة محمد
صلى الله عليه وسلم .
وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي
واركعي مع الراكعين﴾(٢) المفسر [بأنها](٣) أمرت بالصلاة في الجماعة
بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها.
قالوا: وقدم السجود قبل الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم،
أو للتنبيه على أن ((الواو)) لا توجب الترتيب.
وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة، كقوله: ﴿أمن هو قانت آناء
الليل ساجداً وقائماً﴾(٤) وبالسجود: الصلاة، لقوله: ﴿وأدبار
السجود﴾(٥)، وبالركوع: الخضوع والإخبات.
(١) سورة البقرة، الآية ٤٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية ٤٣.
(٣) زيادة في ب.
(٤) سورة الزمر، الآية ٩.
(٥) سورة ق، الآية ٤٠.
- ٧١٣ -
• ومنها الصفوف في الصلاة، كصفوف الملائكة، رواه مسلم
من حديث حذيفة.
• ومنها تحية الإسلام لحديث عائشة السابق.
[الجمعة]
• ومنها الجمعة، قال ◌َله: نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض
الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً
والنصارى بعد غد، رواه البخاري.
• ومنها ساعة الإجابة التي في الجمعة، واختلف في تعيينها على
أقوال تزيد على الثلاثين ذكرتها في ((لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار)).
[خصائص تتعلق برمضان]
• ومنها: أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله
إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً، وتتزين الجنة فيه، وخلوف
أفواه الصائمين أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة
في كل يوم وليلة حتى يفطروا، وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً.
رواه البيهقي بإسناد لا بأس به بلفظ: أعطيت أمتي في شهر رمضان
خمساً لم يعطهن نبي قبلي .. الحديث(١)، و((تستغفر لهم الحيتان حتى
يفطروا)). رواه البزار. و((تصفد فيه مردة الشياطين)) رواه أحمد والبزار.
• ومنها السحور، وتعجيل الفطر، رواه الشيخان. وإباحة
(١) كلمة ((الحديث)) في الأصل فقط.
- ٧١٤ -
الأكل والشرب والجماع ليلاً إلى الفجر، وكان محرماً على من قبلنا بعد
النوم، وكذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ.
• ومنها: ليلة القدر، كما قاله النووي في شرح المهذب.
وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن
التشبيه الذي دلت عليه كاف ((كما)) في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم
الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ (١) على حقيقته فيكون رمضان
كتب على من قبلنا. وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر رفعه: صيام
رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم. وفي إسناده مجهول.
وإن قلنا المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته فيكون التشبيه
واقعاً على مطلق الصوم، وهو قول الجمهور.
[الاسترجاع عند المصيبة]
ومنها أن لهم الاسترجاع عند المصيبة، قال سعيد بن جبير: لقد
أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم تعط الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام مثله: إنا لله وإنا إليه راجعون. ولو أعطيت الأنبياء لأعطيه
يعقوب عليه الصلاة والسلام إذ قال: ﴿يا أسفى على يوسف﴾ (٢).
[خصائص اليسر ورفع الحرج]
• ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الإصر الذي كان على الأمم
قبلهم، قال الله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت
(١) سورة البقرة، الآية ١٨٣.
(٢) سورة يوسف، الآية ٨٤.
- ٧١٥ -
٢١٩م/ب
عليهم﴾(١) أي: ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة،
كتعيين القصاص في العمد والخطأ(٢) وقطع الأعضاء الخاطئة، وقطع
موضع النجاسة(٣)، وقتل النفس في التوبة (٤).
وقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب فيصبح قد كتب
على باب بيته: إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما.
وأصل / الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك
لثقله .
ومنها أن الله تعالى أحل لهم كثيراً مما شدد على من قبلهم،
ولم يجعل عليهم في الدين من حرج، كما قال تعالى: ﴿وما جعل
عليكم في الدين من حرج﴾(٥) أي ضيق بتكليف ما اشتد القيام به
عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، يعني من
لم يستطع أن يصلي قائمً فليصل قاعداً، وأباح للصائم الفطر في
السفر، والقصر فيه.
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً، وفتح لهم باب
التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه تعالى، والأروش والديات في
حقوق العباد. قاله البيضاوي.
(١) سورة الأعراف، الآية ١٥٧
(٢) في البخاري (كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية في نفس أو
جرح)
(٣) في البخاري: (إن بني إسرائيل كان إذا أصاب - أي البول - ثوب أحدهم
قرضه).
(٤) قال تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ أي ليقتل البرئ منكم
المجرم .
(٥) سورة الحج، الآية ٧٨.
- ٧١٦ -
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل
من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة.
وعن كعب، أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهن إلا الأنبياء:
جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج،
وقال: ادعوني استجب لكم.
• ومنها: أن الله رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وما
استكرهوا عليه، وحديث النفس(١)، وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا
شيئاً مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرِّم عليهم شيء
من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب.
وقد قال ◌َ: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه، رواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجه.
[الإسلام وصف خاص بهم]
ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم، لا يشركهم فيه غيرهم إلا
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين
من قبل وفي هذا﴾(٢) ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾(٣) إذ لو لم يكن
خاصاً بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة.
وقد يجاب: بأن رضى الإسلام ديناً لهم، وتسمية إبراهيم أباهم
(١) رفع عن هذه الأمة ما يقع في نفوسهم من الشك وغيره لقوله ◌َلهو: (إن
الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) رواه
الشيخان .
(٢) سورة الحج، الآية ٧٨ .
(٣) سورة المائدة، الآية ٣.
- ٧١٧ -
بذلك، لا ينفي اتصاف غيرهم به. وفائدة ذلك: الإعلام بالإنعام
عليهم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل.
وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضاً، وهو اسم
لكل دين حق لغة وشرعاً. كما أجاب به ابن الصلاح لقوله تعالى -
حكاية عن وصية يعقوب - ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾(١) ﴿فما
وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾(٢) إلى غير ذلك. ولأن الإيمان
أخص من الإسلام، كما هو مذهب كثير من العلماء، وليس خاصاً
بهذه الأمة، بل يوصف به كل من دخل في شريعة مقراً بالله وبأنبيائه،
كما قال الراغب.
[كمال شريعتهم]
ومنها: أن شريعتهم أكمل من جميع شرائع الأمم المتقدمة، وهذا
لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه. وانظر إلى شريعة موسى عليه السلام،
فقد كانت شريعة جلال وقهر، أمروا بقتل نفوسهم، وحرمت عليهم
الشحوم وذوات الظفر (٣) وغيرها من الطيبات، وحرمت عليهم
الغنائم، عجل(٤) لهم من العقوبات ما عجل، وحملوا من الآصار
والأغلال ما لم يحمله غيرهم.
وكان موسى عليه السلام من أعظم خلق الله هيبة ووقاراً
وأشدهم بأساً وغضباً لله، وبطشاً بأعداء الله، فكان لا يستطاع
النظر إليه .
(١) سورة البقرة، الآية ١٣٢.
(٢) سورة الذاريات، الآية ٣٦.
(٣) هو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام والطيور.
(٤) في ط: عجلت.
- ٧١٨ -
وعيسى عليه السلام كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته
شريعة فضل وإحسان، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته
قتال ألبتة، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال، وهم به عصاة،
فإن الإنجيل يأمر فيه: أن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك
الأيسر، ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك، ومن سخرك ميلاً فامش
معه ميلين، ونحو هذا، وليس في شريعتهم مشقة ولا إصر ولا
أغلال.
وأما النصارى فابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب
عليهم .
وأما نبينا وَلّ فكان مظهر الكمال، الجامع لتلك القوة والعدل
والشدة في الله، واللين والرأفة والرحمة فشريعته أكمل الشرائع، وأمته / ١/٢٢٠
أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك
تأتي شريعته رَله بالعدل إيجاباً له وفرضاً، وبالفضل ندباً إليه
واستحباباً، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع
السيف موضعه، ووضع الندى موضعه، فيذكر الظلم ويحرمه، والعدل
ويأمر به، والفضل ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وجزاء
سيئة سيئة مثلها﴾ فهذا عدل ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ فهذا
فضل ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾(١) فهذا تحريم للظلم.
وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ فهذا إيجاب
للعدل وتحريم للظلم ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾(٢) ندب إلى
الفضل.
(١) سورة الشورى، الآية ٤٠.
(٢) سورة النحل، الآية ١٢٦.
- ٧١٩ -
وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة صيانة وحمية، حرم عليهم
كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة،
وعلى من كان قبلهم لم يخل من عقوبة، كما أشرت إليه قريباً.
وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، كما سأذكره
إن شاء الله تعالى في مقصد عباداته وَالر، وتقدم ما يشهد له.
ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت
للناس، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من
المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابهم من المحاسن ما
فرقه في الكتب قبله، وكذلك في شريعته.
فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلّهم: ﴿هو اجتباكم وما
جعل عليكم في الدين من حرج﴾(١) وجعلهم شهداء على الناس،
فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم، أشار إليه ابن
القيم .
[فضيلة اجتماعهم وإجماعهم]
• ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة. رواه أحمد في مسنده،
والطبراني في الكبير، وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي بصرة الغفاري
مرفوعاً في حديث (سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها). ورواه ابن أبي عاصم والطبراني أيضاً من حديث أبي مالك
الأشعري رفعه: إن الله أجاركم من ثلاث، وذكر منها (وأن لا تجتمعوا
على ضلالة).
(١) سورة الحج، الآية ٧٨.
- ٧٢٠ -