النص المفهرس

صفحات 661-680

رضي الله عنها، وقد علل # بأن ذلك يؤذيه، وإذايته وَيّ حرام
بالاتفاق، وفي هذا تحريم أذى من يتأذى النبي صَ ل ◌ّ بتأذيه، لأن إيذاء
النبي ◌ِ لّ حرام اتفاقاً، قليله وكثيره. وقد جزم ◌َليّ بأنه يؤذيه ما آذى
فاطمة، فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذت به فهو يؤذي
النبي ◌َّ بشهادة هذا الخبر الصحيح.
وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبي
وَلجه أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان وَل يستكثر
من الزوجات، وتوجد منهن الغيرة، ومع ذلك ما راعى وَّ ذلك في
حقهن، كما راعاه في حق فاطمة؟
وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن
يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن
كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه
وهو زوجهن ◌َّله لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر
الخواطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل
خلقه بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة
لزال عن قرب.
[ لا اجتهاد في محراب نبوي]
• ومنها: أنه لا يجتهد في محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة، وأفتى
شيخ الإسلام أبو زرعة ابن العراقي في شخص امتنع من الصلاة إلى
محراب النبي ◌َّلر وقال: أنا أجتهد وأصلي، بأنه إن فعل ذلك مع
الاعتراف بأنه على ما كان في زمن النبي بَ الر فهو ردة، وإن ذكر تأويلاً
بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه بَ ل # بل غير عما كان
- ٦٦١ -

عليه، فهذا سبب اجتهادي، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل
صحيحاً.
[من رآه في المنام رآه حقاً]
• ومنها أن من رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل
به .
وفي رواية مسلم (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما
رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي)(١).
قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند الإسماعيلي: (فقد رآني في
اليقظة) بدل قوله (فسيراني) ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذي من
حديث ابن مسعود.
وفي رواية أبي قتادة - عند مسلم أيضاً - (من رآني فقد رأى
الحق).
وله أيضاً من حديث جابر (من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا
ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي) وفي رواية (من رآني في المنام فقد
رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي).
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري (فإن الشيطان لا
يتكونني)(٢) أي لا يتكون كوني، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه
بالفعل .
(١) رواه مسلم في كتاب الرؤيا رقم الحديث ١١ وكذا الأحاديث الأخرى لمسلم
بعد هذا الحديث.
(٢) رواه البخاري برقم ٦٩٩٧ .
- ٦٦٢ -

وفي حديث أبي قتادة عند البخاري (لا يتراءى بي)(١) بالراء،
بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بي، يعني أن الله تعالى
وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في
صورة النبي ◌َ * .
وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا
رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع في
ذلك حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى
يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة.
وعن حماد بن زيد قال: کان محمد - يعني ابن سيرين - إذا قص
عليه رجل أنه رأى النبي وَ لَّ قال: صف الذي رأيته، فإن وصف له
صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح .
وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثني أبي قال:
قلت لابن عباس، رأيت النبي وَّرَ / في المنام، قال: صفه لي، قال: ٢١١/ب
فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأیته، وسنده جيد.
لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي
هريرة قال قال رسول الله وَلقر: (من رآني في المنام فقد رآني، فإني
أرى في كل صورة) وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو
من رواية من سمع منه بعد الاختلاط.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيته وَلَه بصفته المعلومة
إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن
الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة
حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال.
(١) رواه البخاري برقم ٦٩٩٥.
- ٦٦٣ -

قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلاً.
قال وقوله: ((فسيراني)) معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق
وغيب، وأما قوله: ((فكأنما رآني)) فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآني في
اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقاً وحقيقة، والثاني حقاً
وتمثيلاً.
قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على
خلاف صفته فهي أمثال. فإن رآه مقبلاً عليه مثلاً فهو خير للرائي،
وعلى العكس فبالعكس.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله ((فقد رآني))
أو ((فقد رأى الحق)) أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت
رؤياه حقاً، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى.
وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة
سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى.
وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لي من
كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في
الحالين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية:
مما يحتاج إلى التعبير.
وقال بعضهم؛ معناه، أن من رآه على صورته التي كان
عليها(١). ويلزم من قول من قال: ((إنه لا تكون رؤيته إلا على صورته
(١) كذا في جميع النسخ ومنها الشرح، والجملة غامضة. وهي في فتح الباري
المنقول عنه: ((معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها)) ٣٨٤/١٢
[المحقق].
- ٦٦٤ -

المعلومة)) أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث
الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في
الدنيا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما
كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: (فإن الشيطان لا يتمثل
بي). فالأولى أن ننزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه
عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من
الشيطان في يقظته .
فالصحيح في تأويل هذا الحديث: أن مقصوده أن رؤيته في كل
حالة ليست باطلة ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على
غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل
الله، وهذا قول القاضي أبي بكر الطيب وغيره. ويؤيده قوله ((فقد رأى
الحق)) أشار إليه القرطبي.
وقال ابن بطال: قوله: ((فسيراني في اليقظة)) يريد تصديق تلك
الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه في
الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته، من رآه في النوم
ومن لم يره.
وقال المازري: إن كان المحفوظ ((فكأنما رآني في اليقظة)) فمعناه
ظاهر، وإن كان المحفوظ ((فسيراني في اليقظة)) احتمل أن يكون أراد
أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذ رآه في المنام جعل ذلك علامة
على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه وله .
وقيل معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها.
وأجاب القاضي عياض: باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على
الصفة التي عرف بها، ووصف عليها، موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن
- ٦٦٥ -

١/٢١٢ يراه رؤية خاصة / من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة ونحو
ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين
في القيامة بمنع رؤية نبيه رشالر مدة.
وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو
غيره، أنه رأى النبي بَّر في النوم، فبقي بعد اليقظة متفكراً في هذا
الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين - لعلها خالته ميمونة -
فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي وَّ فنظر فيها صورة النبي ◌َّ ولم
ير صورة نفسه.
وقال الغزالي: ليس معنى قوله: ((فقد رآني)) أنه رأى جسمي
وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالاً صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى
الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: ((فسيراني في اليقظة)) ليس المراد أنه
يرى جسمي وبدني. قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون
خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح
المصطفى و18َ ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل
ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل
والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس
من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقاً في كونه واسطة في
التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله عز وجل في المنام، لا يعني أني
رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره.
وقال الغزالي أيضاً في بعض فتاويه: من رأى الرسول - يعني في
المنام - لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة، وإنما رأى مثاله لا
شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة
والشكل.
- ٦٦٦ -

وقال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كنت فليبشر
وليعلم أنه قد رآني الرؤيا الحق، أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا
قوله: ((فقد رآني)) فالشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال،
أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء.
والحاصل من الأجوبة:
أنه على التشبيه والتمثيل ويدل عليه قوله ((فكأنما رآني في
اليقظة)).
ثانيها: معناه، سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة.
ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك،
قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل.
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه
حينئذٍ ممن لم يره في المنام .
والصواب كما قدمناه في رؤيته بيلي التعميم، على أي حالة رآه
الرائي بشرط أن يكون على صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في
شبابه أو رجولیته أو کهولیته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك
تعبير يتعلق بالرائي، كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخاً
فهو غاية سلم، ومن رآه شاباً فهو غاية حرب.
وقال أبو سعيد(١) أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبياً على
حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن
(١) كذا في النسخ، وفي فتح الباري المنقول عنه: سعد.
- ٦٦٧ -

عاداه، ومن رآه متغير الحال عابساً مثلاً فذلك دال على سوء حال
الرائي .
وقال العارف ابن أبي جمرة: من رآه في صورة حسنة فذاك
حسن في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص
فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. وقد
جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في
رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا؟ لأنه رَّ نوراني مثل
المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها،
٢١٢/ب وفي ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، كذلك/ يقال في كلامه ولايه
في النوم: أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها
فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو في
سمع الرائي له أو بصره، قال: وهذا غير ما سمعته في ذلك،
انتھی(١).
وقال بعضهم: ليست رؤيته وَل10 رؤيا عين، إنما يرى بالبصائر،
وذلك لا يستدعي حصر المرئي بل يرى من المشرق إلى المغرب ومن
الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة في المرآة المحاذية لها، وليست
الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات
كالمرآة .
واختلاف رؤيته وَ # بأن يراه بعضهم شيخاً وآخر شاباً، وآخر
ضاحكاً وآخر باكياً، يرجع إلى [حال](٢) الرائين، كاختلاف الصورة
(١) كل ما سبق في هذا البحث عن فتح الباري بتقديم وتأخير ٣٨٣/١٢ -
٣٨٩ [المحقق].
(٢) في ط.
- ٦٦٨ -

الواحدة في مرائي مختلفة الأشكال والمقادير، ففي الكبيرة يرى وجهه
كبيراً، وفي الصغيرة صغيراً، وفي المعوجة معوجاً، وفي الطوية طويلاً،
إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائي، لا إلى
وجه الرائي .
كذلك الراؤون له وَ رَ أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه
متبسماً إليه دل على أن الرائي متمسك بسنته، والله أعلم.
وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال رؤية جماعة
له * في آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيته وَلهم حق: بأنه وَله
سراج، ونور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها، وكما
أن الشمس يراها كل من في المشرق والمغرب في ساعة واحدة وبصفات
مختلفة فكذلك النبي وَّر، ولله در القائل:
كالبدر من أي النواحي جئته يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
[رؤيته وَّرَ في اليقظة؟!]
وأما رؤيته وَّر في اليقظة بعد موته وَلّ فقال شيخنا(١): لم يصل
إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم.
وقد اشتد حزن فاطمة عليه وَالر حتى ماتت كمداً بعده بستة
أشهر - على الصحيح - وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها
رؤيته في المدة التي تأخرت عنه(٢).
(١) أي السخاوي .
(٢) أحسن المصنف صنعاً حين بدأ هذا البحث بهذه المقدمة، فهو يؤكد أن هذا
الأمر لم يحدث في الجيل الأول الذي هو خير القرون، ولم يحدث لابنته ال * =
- ٦٦٩ -

وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو في
((توثيق عرى الإيمان)) للبارزي و((بهجة النفوس)) لأبي محمد عبدالله بن
جمرة، و((روض الرياحين)) للعفيف اليافعي، وغيره من تصانيفه،
والشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته.
وعبارة ابن أبي جمرة: قد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرأ
عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعني (من رآني في المنام فسيراني
في اليقظة) أنهم رأوه ◌َّ ر في النوم فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه
عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على
الوجوه التي منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات
الأولياء، أو لا، فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه، فإنه مكذب ما
أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها، لأن
الأولياء يكشف لهم بخرق العادة في أشياء في العالمين العلوي والسفلي
عديدة مع التصديق بذلك(١).
وقال الشيخ ابن أبي المنصور في رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا
= التي هي أحب الناس إليه والتي هي أكثر الناس شوقاً له، ولذا فهي غير
واردة بالنسبة لغيرهم [المحقق].
(١) أورد المصنف بعد قليل ما أورده ابن حجر - رحمه الله - في فتح الباري من
الرد على ابن أبي جمرة، وبين فساد هذا الرأي.
أقول: وأما قول ابن أبي جمرة: ((إن منكر ذلك يكون مكذباً لما أثبتته السنة
بالدلائل الواضحة)) فهذا القول غير دقيق، إذ ليس من الضروري لمن آمن
بكرامات الأولياء أن يصدق كل ما قيل في هذا الصدد .. بل المطلوب
الإيمان بوجودها جملة، لا بأنواعها ولا بأفرادها. [المحقق].
- ٦٧٠ -

العباس القسطلاني دخل مرة على النبي و﴿ فقال النبي وسلم: أخذ الله
بيدك يا أحمد.
وعن الشيخ أبي السعود قال: كنت أزور شيخنا أبا العباس
وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح علي، لم يكن لي
شيخ إلا النبي وَلير، وأنه كان يصافحه عقب/ كل صلاة.
١/٢١٣
وقال الشيخ أبو العباس الحرار: دخلت على النبي وَّ مرة
فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخي محمد معهم
منشوراً، فقلت يا رسول الله، ما تكتب لي كأخي؟ قال: أتريد أن
تكون فمهاراً. وهذه لغة أندلسية، تعني طريقاً، وفهم عنه أن له مقاماً
غير هذا.
وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه ((المنقذ من الضلال)):
وهم - يعني أرباب القلوب - في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح
الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. انتهى.
ورأيت في كتاب المنح الإلهية في مناقب السادة الوفائية عن
سيدي علي بن سيدي محمد وفا أنه قال في بعض مشاهده: كنت وأنا
ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته
يوماً فرأيت إنساناً يقرأ عليه سورة ﴿والضحى) وصحبته رفيق له وهو
يلوي شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجاباً، فرأيت النبي وَلّ يقظة
لا مناماً وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص علي فقال لي:
اقرأ فقرأت عليه سورة ﴿والضحى﴾ و﴿ألم نشرح﴾ ثم غاب عني، فلما
بلغت إحدى وعشرين أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبي
وَّر قبالة وجهي فعانقني فقال لي: وأما بنعمة ربك فحدث، فأوتيت
لسانه من ذلك الوقت . انتهى(١).
(١) هذا الخبر وما قبله ينطبق عليها قول ((الأهدل)) الذي سيذكره المصنف : =
- ٦٧١ -

وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في ((لطائف المنن))
عن الشيخ أبي العباس المرسي، أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي
بالقيروان في ليلة الجمعة سابع عشري رمضان، فذهب معه إلى
الجامع .. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله الر وهو يقول: يا
علي طهر ثيابك من الدنس تحط بمدد الله في كل نفس الخ، فيحتمل
أن يكون مناماً.
وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلاني: كنت أقرأ على أبي
عبدالله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يوماً
في وقت خلوة، وأنا يومئذٍ حديث السن فخرج إلي وقال لي: من أدبك
بهذا الأدب؟ وعاب علي، قال: فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت
المسجد وقعدت عند قبر النبي ◌َّ، فبينا أنا جالس على تلك الحال،
فإذا بالشيخ قد جاءني وقال: قم، فقد جاء فيك شفیع لا يرد.
ونحوه: ما حكاه السهروردي في ((عوارف المعارف)) عن الشيخ
عبد القادر الكيلاني أنه قال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله وَطير :
تزوج.
وحكي عن السيد نور الدين الإيجي، والد السيد عفيف الدين،
أنه في بعض زياراته للنبي 18ّ سمع جواب سلامه من داخل القبر
الشريف: عليك السلام يا ولدي.
وقال البدر حسن بن الأهدل في مسألة الرؤية له: إن وقوعها
للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قوياً، انتفى
عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له شبهة فيه، ولكن
= (( ... وقد يرى مناماً أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالاً ونوراً
فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان، فيجب التحرز)). [المحقق].
- ٦٧٢ -

يقع لهم ذلك في بعض غيبة حسّ وغموض طرف، لورود حالة لا
تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية متفاوتة، وكثيراً ما يغلط فيها
رواتها، فقل ما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به. وأما من لا
يوثق به فقد يكذب، وقد يرى مناماً، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة،
وقد يرى خيالاً ونوراً فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب
التحرز في هذا الباب.
وبالجملة :
فالقول برؤيته وَل بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده
بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه وَ لجر من قبره، ومشيه في الأسواق
ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده المقدس، فلا
يبقى منه فيه / شيء، وبحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب. ٢١٣/ب
أشار إلى ذلك القرطبي في الرد على القائل: بأن الرائي له في المنام راءٍ
حقيقة، ثم يراه كذلك في اليقظة .
قال: وهذه جهالات لا يقول بشيء منها من له أدنى مسكة من
المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وشذ بعض الصالحين فزعم
أنها تقع بعيني الرأس حقيقة.
وقال في فتح الباري - بعد أن ذكر كلام ابن أبي جمرة -: وهذا
مشكل جداً، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء
الصحبة إلى يوم القيامة(١).
وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية شعر:
(١) من قوله وبالجملة: منقول عن فتح الباري ٣٨٤/١٢ - ٣٨٥ [المحقق].
- ٦٧٣ -

يرى المصطفى حقاً فقد فاه مشتطا
فمن يدعي في هذه الدار أنه
يباشر هذا الأمر مرتبة وسطا
ولكن بين النوم واليقظة التي
وقد جعل القاضي أبو بكر بن العربي القول بأن الرؤية في المنام
بعيني الرأس غلو وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو
القول بأنها مدركة بعينين في القلب، وأنه ضرب من المجاز(١).
انتھی .
فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه
على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون بشيء مما يقع لهم من الكرامات،
فضلاً عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلص من
الكدورات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم
يود أنه يخرج من أهله وماله، وأنه يرى النبي ◌َّر، كالشيخ عبد
القادر الكيلاني: أن يتمثل صورته وّله في خاطره ويتصور في عالم سره
أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإن تزلزل أو
اضطرب كان لمة من الشيطان، وليس ذلك خادشاً في علو مناصبهم
لعدم عصمة غير الأنبياء.
فقد قال العلامة التاج ابن السبكي في جمع الجوامع - تبعاً
لغيره -: وإن الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوماً بخواطره،
وحينئذٍ فمن قال - ممن حكينا عنه أو غيرهم - بأن المرئي هو المثال، لا
يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب
منه قوله : (إني رأيت الجنة والنار) مع مزيد استبعاده هناك أن
يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
(١) أورد المصنف هذا القول وكأنه يقول: إذا قيل ذلك في رؤيا المنام فما بالك
برؤية اليقظة؟!
- ٦٧٤ -

ويحكى عن الشيخ أبي العباس المرسي أنه قال: لو حجب عني
رسول الله وَالر طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين(١).
وعلى هذا فيكون معنى ((فسيراني في اليقظة)) أي يتصور مشاهدتي
وتنزل نفسه حاضراً معي بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته وَله بل
يسلك منهاجه ويمشي على شريعته وطريقته. ومنه قوله والقر في الإحسان:
(أن تعبد الله كأنك تراه) ويحمل العموم في ((من رآني)» على الموفقين،
وإليه يشير قول بعض المعتمدين: أي من رآني رؤية معظم لحرمتي
ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
وقريب منه قول شارح المصابيح: أو يراه في الدنيا حالة الذوق
والانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين
أنه رآه في حالة الذوق والشوق، وقد قال الأهدل عقب الحكاية عن
الشيخ أبي العباس المرسي: وهذا فيه تجوز يقع مثله في كلام الشيوخ،
وذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة ونسيان لدوام المراقبة
واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح
الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، والله أعلم. انتهى.
[التسمي باسمه {َالد]
· ومما اختص به ◌َّ أن التسمي باسمه ميمون ونافع في الدنيا
والآخرة .
(١) إن صح الخبر- بغض النظر عن شرحه الذي بعده - أليس فيه من المبالغة
ما فيه؟ فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يستطيعوا أن يكونوا على حال
واحدة، كما ورد ذلك عن حنظلة في صحيح مسلم حيث قال له الرسول
*: (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) كتاب التوبة رقم الحديث ١٢ [م]
- ٦٧٥ -

١/٢١٤
روينا عن / أنس بن مالك أن رسول الله و الله قال: يوقف
عبدان بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان؛ ربنا بما
استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى:
ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد
ولا محمد(١).
وروى أبو نعيم عن نبيط بن شريط قال قال رسول الله وَ له قال
الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا عذبت أحداً تسمى باسمك في النار.
وعن علي بن أبي طالب قال: ما من مائدة وضعت فحضر عليها
من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين، رواه
أبو منصور الديلمي.
وليس لأحد أن يتكنى بكنيته ((أبي القاسم)) سواء كان اسمه
محمداً أم لا، ومنهم: من كره الجمع [بين الاسم والكنية](٢)، وجوز
الإفراد، ويشبه أن يكون هو الأصح.
قال النووي في هذه المسألة مذاهب: الشافعي منع مطلقاً،
وجوزه مالك، والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمداً، ومن جوز مطلقاً
خص النهي بحياته، وهو الأقرب. انتهى.
(١) جاء في حديث أبي أمامة مرفوعاً (من ولد له مولود فسماه محمداً حباً لي
وتبركاً باسمي كان هو ومولوده في الجنة) قال السيوطي: هذا أمثل حديث
ورد في هذا الباب واسناده حسن. ونازعه تلميذه الشامي فقال: وليس
كذلك، ففي سنده أبو الحسين حامد بن حماد العسكري شيخ ابن بكير
فيه، قال في اللسان كالميزان: خبره هذا موضوع.
وحديث أنس أخرجه أبو الطاهر السلفي، وابن بكير في جزئه من طريق
حميد الطويل.
(٢) في ش.
- ٦٧٦ -

[خصائص تتعلق بقراء الحديث]
• ومنها أنه يستحب الغسل لقراءة حديثه والتطيب، ولا ترفع
عنده الأصوات، بل تخفض، كما في حياته إذا تكلم، فإن كلامه المأثور
بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه الشريف، وأن يقرأ
على مكان مرتفع.
روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا مالكاً - رحمه الله -
خرجت إليهم الجارية فتقول: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو
المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم في الوقت، وإن قالوا الحديث،
دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً وتعمم ولبس ساجه، -
والساج: الطيلسان - وتلقى له منصة فيخرج ويجلس عليها، وعليه
الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله
وَلير ، ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث.
قال ابن أبي أويس: فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم
حديث رسول الله وَليلٍ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً. ويقال:
إنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب.
وقد كره قتادة ومالك وجماعة التحديث على غير طهارة، حتى
كان الأعمش إذا كان على غيرها تيمم.
ولا شك أن حرمته وَ له وتعظيمه وتوقيره بعد مماته وعند ذكره،
وذكر حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كان في حياته، والله أعلم.
• ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج
في ((المدخل)): لأنه قلة أدب مع النبي ◌َّه وقلة احترام وعدم مبالاة أن
يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعة، وقد كان السلف لا يقطعون
- ٦٧٧ -

حديثه ولا يتحركون وإن أصابهم الضر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي
تنزل بهم إذ ذاك احتراماً لحديث نبيهم وَله .
وحسبك ما وقع لمالك - رحمه الله - في لسع العقرب سبع عشرة
مرة، وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيراً لجناب حديثه والر أن يكون
يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة
والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل للبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما
لا ينبغي من الكلام المعتاد. انتهى ملخصاً.
• ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة، وأن قراء
حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ، وأمراء المؤمنين من بين سائر
العلماء (١).
[خصائص تتعلق بصحبته
صَلى الله
عَادِي
• ومنها أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به ولو لحظة، بخلاف
التابعي مع الصحابي، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه على الصحيح
٢١٤/ب عند أهل الأصول، والفرق / عظم منصب النبوة ونورها، فبمجرد ما
يقع بصره على الأعرابي الجلف ينطق بالحكمة.
• ومنها أن أصحابه كلهم عدول، لظواهر الكتاب والسنة، فلا
يبحث عن عدالة أحد منهم، كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله
تعالى خطاباً للموجودين حينئذٍ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾(٢) أي
عدولاً، وقال وَلّ: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق
(١) وقعت هذه الفقرة في (أ، ط) بعد التي تليها، ولكن مكانها في بقية النسخ
أنسب. [المحقق].
(٢) سورة البقرة، الآية ١٤٣.
- ٦٧٨ -

أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه)(١)، وقال ◌َله:
(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)(٢) في آيات كثيرة
وأحاديث تقتضي القول بتعديلهم.
ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء في التعديل من
لابس الفتنة منهم وغيره، لوجوب حسن الظن بهم، حملاً للملابس
على الاجتهاد، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره
وَّر ، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم
الناس، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، مع
الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من
الأمم المتقدمة، ولا تكون لأحد بعدهم مثلهم في ذلك. كل ذلك
بحلول نظره وَلهم .
• وأفضلهم عند أهل السنة إجماعاً: أبو بكر ثم عمر، وأما
بعدهما: فالجمهور على أنه عثمان ثم علي. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء
الله تعالى في المقصد السابع.
:
[وجوب تلبية دعائه ولو في الصلاة]
• ومنها أن المصلي يخاطبه بقوله؛ السلام عليك أيها النبي، ولا
يخاطب غيره.
• ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه،
ويشهد له حديث أبي سعيد بن المعلي: كنت أصلي في المسجد، فدعاني
(١) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن.
(٢) رواه الشيخان وغيرهما.
- ٦٧٩ -

رسول الله وَ﴿ فلم أجبه .. الحديث، وفيه: ألم يقل الله تعالى:
﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾(١)، فإجابته فرض،
يعصي المرء بتركها.
وهل تبطل صلاته أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية
وغيرهم: أنها لا تبطل، وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة
مطلقاً، سواء كان المخاطب مصلياً أو غير مصل. أما كونه يخرج
بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس في الحديث ما يستلزمه،
فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك
جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
[الكذب عليه ليس كالكذب على غيره]
• ومنها: أن الكذب علیه لیس کالكذب على غيره، ومن كذب
عليه لم تقبل روايته أبداً وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير
أن رجلاً كذب على النبي وَله، فبعث علياً والزبير وقال: إذهبا فإن
أدركتماه فاقتلاه .
ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على
رسول الله صل يكفر.
لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة
عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله. وقال النووي:
لم أر له في أصل المسألة دليلاً، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظاً
(١) الحديث رواه البخاري. والآية من سورة الأنفال رقمها ٢٤.
- ٦٨٠ -