النص المفهرس

صفحات 541-560

استأذنت ربها أن تسلم علي فأذن لها. الحديث رواه البغوي في شرح
السنة(١).
وفي حديث جابر بن عبدالله: سرنا مع رسول الله وَلقول حتى نزلنا
وادياً أفيح (٢)، فذهب رسول الله وَلّر يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة (٣)
من ماء، فنظر رسول الله وَ ل فلم ير شيئاً يستتر به، فإذا شجرتان في
شاطئ الوادي فانطلق رسول الله وَلل إلى إحداهما فأخذ بغصن من
أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش (٤)
الذي يصانع قائده، ثم فعل بالأخرى كذلك، حتى إذا كان بالمنصف
بينهما قال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا. الحديث رواه مسلم.
والمنصف : - بفتح الميم - الموضع الوسط بين الموضعين.
والتلاؤم: الاجتماع.
ولله در الأبوصيري حيث قال:
تمشي إليه على ساق بلا قدم
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة
فروعها من بديع الخط في اللقم(٥)
كأنما سطرت سطراً لما كتبت
فشبه آثار مشي الشجر لما جات إليه وَلّ بكتابة كاتب أوقعها
على نسبة معلومة في أسطر منظومة .
(١) ورواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي.
(٢) أي: واسعاً.
(٣) أي: مطهرة.
(٤) الذي وضع في أنفه خشاش، أي عود من خشب لينقاد بسهولة.
(٥) اللقم - بفتح اللام والقاف، وبضم اللام وفتح القاف - الطريق أو وسطه.
كما في القاموس.
- ٥٤١ -

وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره وَ ل﴿ حتى تخر ساجدة بين
يديه، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه زاده الله شرفاً لديه.
وتأمل قول الأعرابي: ((ائذن لي أن أسجد لك)) لما رأى من
سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه وَ ل ◌ّ أن ذلك لا
يكون إلا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للحق(١) المعبود،
ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة.
[حنين الجذع]
ومن ذلك: حنين الجذع شوقاً إليه ولو .
اعلم أن (الحنين)) مصدر مضاف إلى الفاعل. والمراد: شوقه
وانعطافه إلى النبي وَلتر، والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت،
١٨٩/ب ولعل المراد منه الدلالة على الشوق، أي الصوت الدال / على شوقه إلى
رسول الله
٠
والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة.
وقد روي حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق
كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك.
قال العلامة التاج ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب:
والصحيح عندي أن حنين الجذع متواتر:
رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر.
ورواه أحمد من رواية أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر.
(١) في ش: للرب.
- ٥٤٢ -

ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلي وغيرهما من رواية حماد بن
سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم.
ورواه الترمذي وصححه، وأبو يعلى وابن خزيمة والطبراني
[والحاكم](١) وصححه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من
رواية إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس.
ورواه الطبراني من رواية الحسن عن أنس.
ورواه أحمد (٢) وابن منيع(٣) والطبراني وغيرهم، من رواية حماد
ابن سلمة عن عمار بن أبي عامر عن ابن عباس.
ورواه أحمد والدارمي وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية
الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه.
ورواه الدارمي من رواية أبي حازم عن سهل بن سعد.
ورواه أبو محمد الجوهري من رواية عبد العزيز أبي رواد (٤) عن
نافع عن تميم الداري.
ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من
الطريق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث ضمن المسانيد
والأجزاء وغيرها، وإنما ذكرت في المشاهد منها أو في بعضها، ورب
متواتر عند قوم غير متواتر عند آخرين. انتهى.
(١) في ش.
(٢) في ش: أحمد بن منيع والطبراني وغيرهما.
(٣) ابن منيع: أبو عبد الرحمن البغوي نزيل بغداد ثقة حافظ مات سنة أربع
وأربعين ومائتين.
(٤) في (ط، د) عبد العزيز بن أبي رواد.
- ٥٤٣ -

وقال الحافظ ابن حجر: في فتح الباري، حنين الجذع وانشقاق
القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً يفيد القطع عند من يطلع على طرق
الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم، انتهى.
وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها
الخلف عن السلف، انتهى.
وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة
نبينا وَل .
قال الشافعي - فيما نقله ابن أبي حاتم عنه، في مناقبه -: ما
أعطى الله نبياً ما أعطى نبينا محمداً وَّر، فقيل له: أعطي عيسى
إحياء الموتى، قال: أعطي محمد حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو
أکبر من ذلك.
وقال القاضي عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر،
والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة
عشر، منهم: أبي بن كعب، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك،
وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد
الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة، انتهى .
فأما حديث أبي، فرواه الشافعي من حديث الطفيل بن أبي بن
كعب عن أبيه، قال: كان رسول الله وَلّ يصلي إلى جذع إذ كان
المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من
أصحابه: هل لك أن نجعل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة، وتسمع
الناس خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي على
المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله رَّ ر موضعه الذي هو فيه، فكان إذا
- ٥٤٤ -

بدا لرسول الله وَير أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب
عليه، خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله مسجل لما سمع صوت
الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحديث.
وأما حديث جابر، فرواه البخاري من طرق، وفي لفظ له: أن
رسول الله يوم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة
من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إن
شئتم، فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة رفع(١) إلى المنبر،
فصاحت النخلة فنزل رسول الله وَلد/ وضمها إليه فجعلت تئن أنين ١/١٩٠
الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من
الذكر عندها(٢).
وفي لفظ: قال جابر بن عبدالله: كان المسجد مسقوفاً على
جذوع نخل، فكان النبي وَلّ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما
صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار(٣) - وهو بكسر
العين: النوق الحوامل -
وفي حديث أبي الزبير عن جابر - عند النسائي في الكبرى -:
اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى.
والخلوج : - بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره
جيم - الناقة التي انتزع منها ولدها.
والحنين: صوت المتألم المشتاق عند الفراق.
(١) رفع بالراء وفي رواية بالدال بدلها.
(٢) البخاري: رقم الحدیث ٣٥٨٤
(٣) البخاري: رقم الحديث ٣٥٨٥
- ٥٤٥ -

وإنما يشتاق إلى بركة الرسول ويتأسف على مفارقته أعقل
العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على
أن الله عز وجل خلق فيه الحياة والعقل والشوق ولهذا حنَّ وأنَّ.
فإن قيل: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: أن الأصوات لا
يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل.
أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلا أن
الشوق إلى الحق شوقاً معنوياً(١) عقلياً لا طبيعياً بهيمياً. ومذهب الشيخ
أبي الحسن أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام
العلم لها. وقد بينا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق
الحاضرون حينئذ على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر
وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبي ◌َّ هذه المعاملة، فالتزمه
كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه،
ولله در القائل (٢):
ورجع صوتاً كالعشار مرددا
وحن إليه الجذع شوقاً ورقة
لكل امرئ من دهره ما تعودا
فبادره ضما فقر لوقته
وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: إن رسول الله
وَلو كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب
الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئاً تقعد عليه كأنك قائم؟
فصنع له منبراً له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول الله وله
على المنبر جأر الجذع كجور الثور، حتى ارتج المسجد لجؤاره حزناً على
(١) كذا في النسخ، والصواب رفع (شوقاً) قال الشارح: خبر محذوف أولى من
تخريجه على نصب أن الجزأين والتقدير: إن يكون شوقاً.
(٢) هو الشاعر: صالح بن الحسين.
- ٥٤٦ -

رسول الله له فنزل إليه رسول الله وَله عن المنبر فالتزمه وهو يجأر،
فلما التزمه سكت. ثم قال رسول الله وَلقر: والذي نفس محمد بيده،
لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزناً على رسول الله وعليه ،
فأمر به وَلّ فدفن. ورواه الترمذي وقال: صحيح غريب.
وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس
ولفظه: كان رسول الله وَ﴿ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى
خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبراً، أراد أن يسمعهم، فبنوا له
عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه
سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول
اللّه ◌َلّ عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكتت.
ورواه أبو القاسم البغوي وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدث
بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله وعلى
شوقاً إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
ولله در القائل:
وألقى حتى في الجمادات حبه فكانت لإهداء السلام له تُهدى
فأنَّ أنين (١) الأم إذ تجد الفقدا
وفارق جذعاً كان يخطب عنده
أما نحن أولى أن نحنَّ له وجدا/ ١٩٠/ب
يحن إليه الجذع يا قوم هكذا
إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة فليس وفاء أن نطيق له بعدا
وأما حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين من طرق.
وأما حديث ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط
مسلم، ورواه ابن ماجه.
(١) في ط: حنين.
- ٥٤٧ -

وأما حديث ابن عمر، ففي البخاري.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد بن حميد.
وأما حديث عائشة، فعند البيهقي وفي آخره: أنه خير الجذع
بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة.
وأما حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبي وَّر قال: إن
شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل
خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فتأكل
أولياء الله من ثمرك؟ ثم أصغى له النبي وَّ ليسمع ما يقول، فقال:
بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه،
فسمعه من يليه(١)، فقال النبي وَّل: قد فعلت، ثم قال: اختار دار
البقاء على دار الفناء.
وأما حديث أم سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل.
والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة.
وعند التحقيق ترجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك والله
أعلم.
[معجزات كلام الحيوانات(٢)]
وأما كلام الحيوانات وطاعتها له رَّالية:
(١) أي الجذع أو النبي. والخوص: ورق النخيل.
(٢) جاء في كتاب ((أسنى المطالب)) تأليف العالم درويش الحوت، ((مدحه وال
بغير ما ورد مثل ... أن الغزالة سلمت عليه، وكلمه الجمل والحمار
والذئب والضب لا يجوز مطلقاً، لأنه كذب وافتراء عليه وَطير . نعم مدحه =
- ٥٤٨ -

فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه وَ لّ. عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه،
وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وأن الأنصار جاؤوا إلى رسول
اللّهِ الَّيه فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا
ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله وَ ل
لأصحابه: قوموا، فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحية فمشى رسول
اللّه وَلّ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب
الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله مَلهو: ليس علي
منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله وَلّ أقبل نحوه حتى خر
ساجداً بين يديه، فأخذ رسول الله مَ له بناصيته أذل ما كان قط،
حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا
تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك، فقال رسول
اللّه لَّهُ: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد
لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، رواه أحمد
والنسائي .
والحائط: هو البستان.
وقوله: نسني عليه : - بالنون والسين المهملة - أي نستقي عليه.
وفي حديث يعلى بن مرة الثقفي: بينا نحن نسير مع النبي وَل
= من أعظم القربات وأجلها ... ولكن يجب معه تحري الصدق، ومدحه بما
صح إذ هو - زاده الله تشريفاً وتكريماً - غني عن المدح بالكذب بما مدحه الله
به في كتابه العزيز في المواطن المتعددة ... ص ٣٠٧
أقول: ورد في بعضها أحاديث ضعيفة لا يصدق في حقها إطلاق الكذب
عليها وإن كان ما ذهب إليه الشيخ الحوت هو المذهب الصحيح إذ ينبغي
التمسك بالصحيح [المحقق].
- ٥٤٩ -

إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه،
فوقف عليه النبي وَله فقال: أين صاحب هذا البعير، فجاءه، فقال:
بعنيه، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت مالهم معيشة
غيره، فقال: أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة
العلف، فأحسنوا إليه، رواه البغوي في شرح السنة.
والجران: بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من
مذبحه إلى منحره.
وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدم من حديث جابر
ضعيفة السند، والبيهقي بإسناد جيد.
وكذا روى الطبراني قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس:
لكن بإسناد ضعيف. والإمام أحمد أيضاً من حديث يعلى بن مرة.
وأخرج ابن شاهين في الدلائل عن عبدالله بن جعفر رضي الله
عنهما قال: أردفني رسول اللّه وَّل ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثاً لا
أحدث به أحداً من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبي وَّ
لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا
١/١٩١ جمل، فلما رأى النبي ◌ََّ حنَّ فذرفت عيناه، فأتاه النبي / ◌َّ فمسح
ذفراه(١)، وفي رواية فسكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى
من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله، فقال: ألا تتقي الله في هذه
البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه. قال في
المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسى بن
إسماعيل عن مهدي بن ميمون.
(١) في ط: ذفريه. قال الشارح: بالألف مقصور.
- ٥٥٠ -

والحائش : - بالحاء المهملة وبالشين المعجمة ممدوداً - هو جماعة
النخل، لا واحد له من لفظه.
وقوله: ذفران: تثنية (١) ذفرا، بكسر الذال المعجمة مقصور،
وهو الموضع الذي يعرف من قفا البعير عند أذنه.
ومنها: سجود الغنم له وَلير، عن أنس بن مالك قال: دخل
رسول الله وَالر حائطاً للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من
الأنصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله،
نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال رسول الله وَلير : لا
ينبغي لأحد أن يسجد لأحد(٢). رواه أبو محمد عبدالله بن حامد
الفقيه في كتاب دلائل النبوة بإسناد ضعيف. وذكره القاضي عياض في
الشفاء(٣) وذكر أيضاً عن جابر بن عبدالله عن رجل أتى النبي وَل
وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان في غنم يرعاها لهم،
فقال: يا رسول الله، كيف لي بالغنم، قال: احصب وجوهها فإن الله
سيؤدي عنك أمانتك ويردها إلى أهلها، ففعل فسارت كل شاة حتى
دخلت إلى أهلها.
ومنها: قصة كلام الذئب وشهادته له بالرسالة.
اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب في عدة طرق من
حديث أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي سعيد الخدري.
فأما حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد ولفظه:
(١) في ش: تأنيث ذفر، قال في هامش (ب) ولعلها أصح إذ لو كانت تثنية
لقال فيما تقدم: ذفريه.
(٢) في ط: إلا لله.
(٣) بدون عزو.
- ٥٥١ -

عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب
على ذنبه وقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي، فقال
الراعي: يا عجباً، ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال
الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء
ما سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها
إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله وَ ل ◌ّ فأخبره، فأمر رسول الله
رَلر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال الأعرابي: أخبرهم،
فأخبرهم.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد الماليني والبيهقي .
وأما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم في الدلائل.
وأما حديث أبي هريرة، فرواه سعيد بن منصور في سننه قال:
جاء الذئب فأقعى بين يدي رسول الله وَلقر وجعل يبصبص بذنبه،
فقال رسول الله وَالر: هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من
أموالكم شيئاً. قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجراً رماه
به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال رسول الله وَالر: الذئب وما الذئب.
وروى الغوي في شرح السنة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن
أبي هريرة أيضاً قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه
الراعي حتى انتزعها منه، قال فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر
وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ثم انتزعته مني فقال الرجل:
تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل
في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا
تتبعونه، قال: وكان الرجل يهودياً، فجاء إلى النبي وَ لقر فأخبره وأسلم
١٩١/ب فصدقه النبي ثم قال ويليد/: إنها أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك
- ٥٥٢ -

الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله
بعده .
واستثفر : - بالسين والمثناة ثم المثلثة والفاء آخره راء - كاستفعل،
أي جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب.
قال القاضي عياض: وفي بعض الطرق عن أبي هريرة: فقال
الذئب أنت أعجب مني واقفاً على غنمك وتركت نبياً لم يبعث الله قط
أعظم منه عنده قدراً، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على
أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير من
جنود الله. قال الراعي: من لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى
ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته وإسلامه ووجوده
النبي ◌َّ يقاتل، فقال له النبي وَيهر: عد إلى غنمك تجدها بوفرها،
فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها.
وقد روى ابن وهب مثل هذا أنه جرى لأبي سفيان بن حرب
وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبياً، فدخل الظبي الحرم
فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك فقال الذئب: أعجب من ذلك
محمد بن عبدالله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو
سفيان: واللات والعزى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفاً - بضم
الخاء المعجمة - أي فاسدة متغيرة، بمعنى: يقع الفساد والتغير في
أهلها .
ومن ذلك حديث الحمار: أخرج ابن عساكر عن أبي(١) منظور(٢)
قال: لما فتح رسول الله وَيّر خيبر أصاب حماراً أسود، فكلم رسول الله
(١) في ط: ابن.
(٢) قال في الإصابة: غير منسوب جاء ذكره في خبر واه.
- ٥٥٣ -

وَلله الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله وعليه: ما اسمك؟ قال:
يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حماراً كلهم لا يركبه
إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري
ولا من الأنبياء غيرك وقد كنت قبلك لرجل يهودي وكنت أتعثر به
عمداً، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال له النبي ◌َّةٍ: فأنت
يعفور، فكان رسول الله وَلّ يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه
برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله وَله ،
فلما قبض رسول الله 18 جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان
فتردى فيها جزءا على رسول الله وَلتر. ورواه أبو نعيم بنحوه من
حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه. وذكره ابن الجوزي
في الموضوعات(١).
وفي معجزاته وَلّر ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره.
ومن ذلك: من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة،
ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف. قال
المزي (٢): لا يصح إسناداً ولا متناً، وذكره القاضي عياض في الشفاء،
وقد روي من حديث عمر أن رسول الله وَليو كان في محفل من
أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضباً جعله في كمه
ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال من هذا؟
(١) وقال ابن حبان: لا أصل له وليس سنده بشيء. وقال الزرقاني: لا أصل
له [٨ /٢٩٧].
(٢) الحافظ أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن الذكي عبد الرحمن، الحلبي
الأصل، الدمشقي المنشأ، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، ونشأ بالمزة -
قرية بدمشق - أقبل على الحديث ورحل وسمع الكثير، صنف تهذيب
الكمال والأطراف .. مات سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
- ٥٥٤ -

قالوا: نبي الله، فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا
آمنت بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدي رسول الله وعليه،
فقال النبي ◌َّر: يا ضب، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعاً:
لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: من تعبد؟ قال:
الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة
رحمته وفي النار عقابه، قال: فمن أنا؟ قال: رسول رب العالمين وخاتم
النبيين، وقد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك فأسلم الأعرابي.
الحديث بطوله/، وهو مطعون فيه وقيل إنه موضوع. لكن معجزاته ١٩٢ /١
3 34 فيها ما هو أبلغ من هذا وليس فيه ما ينكر شرعاً خصوصاً وقد
رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم.
ومن ذلك: حديث الغزالة(١). روى حديثها البيهقي من
طرق، وضعفه جماعة من الأئمة، لكن طرقه يقوي بعضها بعضاً.
(١) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: ((قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري
٤٣٤/٦: ((أما تسليم الغزالة فلم نجد له إسناداً لا من وجه قوي ولا من
وجه ضعيف)) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٥٦ بعد نقله كلام
الحافظ ابن كثير واقراره له: ((ولكن قد ورد الكلام - يعني: ورد تكليم
الغزالة لرسول الله ﴿ لا تسليمها - في الجملة في عدة أحاديث يتقوى
بعضها ببعض أوردها شيخنا - أي الحافظ ابن حجر - في المجلس الحادي
والستين من ((تخريج أحاديث المختصر)) انتهى كلام السخاوي ويعني
بالمختصر ((مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه)) ((قلت: هي أحاديث
ضعيفة واهية، لا يصح الاعتماد عليها في إثبات ما هو خرق للعادة وإذا
کانت لتعدد طرقها لا يحكم الحديثي عليها بالوضع، فإن إثبات مضمونها
لا يقبل ولا يثبت إلا بالحديث الصحيح الرجيح، ولدى النظر في أسانيدها
يتبين أنها لا تخلو من مطاعن شديدة مردية، فلا تغفل، وبالنظر في متونها
يتبدى تعارض شديد فيما بينها، وفي الجمع بينها تعسف ظاهر، كما أشار=
- ٥٥٥ -

وذكره القاضي عياض في الشفاء، ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه
مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:
بينما رسول الله وَله في صحراء من الأرض، إذا هاتف يهتف: يا
رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي
منجدل في شملة نائم في الشمس، فقال: ما حاجتك؟ قالت: صادني
هذا الأعرابي، ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب
فأرضعهما وأرجع، قال: وتفعلين؟ فقالت: عذبني الله عذاب العشار
إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبي ◌َّل فانتبه الأعرابي
وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: تطلق هذه الظبية، فأطلقها
فخرجت تعدو في الصحراء فرحاً وهي تضرب برجليها الأرض
وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وكذا رواه الطبراني بنحوه، وساق الحافظ المنذري حديثه في
الترغيب والترهيب من باب الزكاة. ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير
السخاوي عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبي وَلقه
فقد كذب، ثم قال شيخنا: لكن ورد في الجملة في عدة أحاديث
يتقوى بعضها ببعض أوردها شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في
المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر والله أعلم.
انتهى .
وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكي، وتسبيح
الحصى رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر، وتسليم
= إليه العلامة الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ١٥١/٥)) عن كتاب
((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) للعلامة علي القاري، تحقيق الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة ص ٨٠ [المحقق].
- ٥٥٦ -

الغزالة رواه أبو نعيم الأصبهاني والبيهقي في دلائل النبوة، ونحن نقول
فيهما: وإن لم يكونا متواترين فلعلهما استغني عنهما بنقل غيرهما، أو
لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى.
ومن ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير
والشاة وغيرهما، روى قاسم بن ثابت عن عائشة رضي الله عنها قالت:
كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله وَ ل قر وثبت مكانه، فلم
يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله وَّر جاء وذهب، وذكره القاضي
عیاض بسنده(١).
[معجزة نبع الماء]
وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه وَّر، وهو أشرف المياه،
فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه رح لته في
عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها
العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة
عن غير نبينا وَّر، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه،
وقد نقل ابن عبد البر عن المزني(٢) أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه
143 أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا
فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج
الماء من بين اللحم والدم. انتهى (٣).
(١) وأخرجه أحمد والبزار وغيرهما.
(٢) المزني: اسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، الإمام الجليل صاحب التصانيف،
الزاهد المتقلل من الدنيا، مجاب الدعوة، توفي سنة أربع وستين ومائتين.
(٣) عن فتح الباري ٥٨٥/٦.
- ٥٥٧ -

وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس
وجابر وابن مسعود.
فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله وله
وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول
١٩٢/ب الله وَل بوضوء فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا/
منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من
عند آخرهم(١). وفي لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلاً(٢)، وفي لفظ
له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ
القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة(٣).
قوله: ((حتى توضؤوا من عند آخرهم)) قال الكرماني: حتى
للتدريج، ومن للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند
آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و((عند)) بمعنى ((في)) لأن ((عند)) وإن
كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية،
فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى توضأ القوم
حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووي: ((من)) هنا بمعنى ((إلى))
وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها شاذة، قال: ثم إن ((إلى)) لا يجوز أن
تدخل على ((عند)) ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي أن لا يدخل إلا
خبر، لكن ما قاله الكرماني من أن ((إلى)) لا تدخل على عند لا يلزم
مثله في ((من)) إذا وقعت بمعنى ((إلى)) وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال
عند زائدة. قاله في فتح الباري (٤).
(١) رقمه في البخاري ٣٥٧٣.
(٢) رقمه في البخاري ٣٥٧٥ .
(٣) رقمه في البخاري ٣٥٧٢ .
(٤) فتح الباري ٢٧١/١.
- ٥٥٨ -

وروى هذا الحديث أيضاً عن أنس، ابن شاهين، ولفظه: قال
كنت مع النبي ◌َّله في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله،
عطشت دوابنا وإبلنا، فقال: هل من فضلة ماء فجاء رجل في شن
بشيء، فقال: هاتوا صحيفة، فصب الماء ثم وضع راحته في الماء،
قال: فرأيتها تخلل عيوناً بين أصابعه، قال: فسقينا إيلنا ودوابنا
وتزودنا، فقال: اكتفيتم؟ فقالوا: نعم اكتفينا يا نبي الله، فرفع يده
فارتفع الماء.
وأخرج البيهقي عن أنس أيضاً، قال: خرج النبي وَّ إلى قباء
فأتي من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح،
فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم:
هلموا إلى الشراب، قال أنس: بصر عيني ينبع الماء من بين أصابعه
فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعاً.
وأما حديث جابر: ففي الصحيحين، قال: عطش الناس يوم
الحديبية، وكان رسول الله وَله بين يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش(١)
الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ فقالوا يا رسول الله ما عندنا ماء نتوضأ
به ولا نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء
يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم
قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة(٢).
وقوله: ((يفور))، أي يغلي ويظهر متدفقاً.
وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم
الطويل في ذكر غزوة بواط، قال لي رسول الله وَلايقول: يا جابر ناد:
(١) أي: أسرع،
(٢) هو في البخاري برقم ٣٥٧٦ .
- ٥٥٩ -

الوضوء، وذكر الحديث بطوله، وأنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء
شجب(١) فأتى به النبي ◌َّ فغمزه وتكلم بشيء لا أدري ما هو،
وقال: ناد بجفنة الركب، فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن
النبي وَّل بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، فقال:
بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة
واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا،
فقلت: هل بقي من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله وَير يده من
الجفنة وهي ملأى.
وروى حديث جابر أيضاً الإمام أحمد في مسنده بلفظ: اشتكى
أصحاب رسول الله وَيل إليه العطش، فدعا بعس(٢) فصب فيه شيئاً
من الماء، فوضع رسول الله وَلّر فيه يده، وقال: استقوا فاستقى
الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه.
١/١٩٣
وفي لفظ من حديث له أيضاً/: فوضع رسول الله وَّ كفه في
الإناء ثم قال: بسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال جابر:
فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذٍ تخرج
من بين أصابعه وَ لّر فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون.
ورواه أيضاً عنه البيهقي في الدلائل قال: كنا مع رسول الله وَل
في سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله وَل قال: فوضع يده
في تور من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه
العيون قال: خذوا بسم الله، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة
ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفاً وخمسمائة.
(١) عزلاء: أي فم القربة الأسفل أو مصب الماء من الراوية، والمعنى فم قربة
معلقة بعود.
(٢) قدح کبیر.
- ٥٦٠ -