النص المفهرس

صفحات 481-500

قسم بعد، كيوم قدومه من سفر، أو اليوم الذي بعد كمال الدورة،
لأنه يستأنف القسم فيما بعد، أو أنه من خصائصه بَيّ ، وقد اختص
في باب النساء بأشياء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى(١).
وعن طاووس ومجاهد: أعطي وَ لّر قوة أربعين رجلاً في الجماع.
رواه ابن سعد.
وفي رواية عن مجاهد: قوة بضع وأربعين رجلاً كل رجل من
أهل الجنة. رواه الحارث بن أبي أسامة .
وعند أحمد والنسائي، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم
رفعه: إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل والشرب
والجماع والشهوة .
وعن صفوان بن سليم مرفوعاً: أتاني جبريل بقدر، فأكلت منها
فأعطيت قوة أربعين رجلاً في الجماع. رواه ابن سعد.
[من حكم تعدد زوجاته {[*]
ولما كان ◌َله ممن أقدر على القوة في الجماع وأعطي الكثير منه،
أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره.
قال ابن عباس: تزجوا فإن أفضل هذه الأمة أكثرها نساء(٢).
يشير إليه وَلّر، وقيد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمان عليه السلام فإنه
كان أكثر نساء.
(١) هذه الفقرة في (أ، ش) وردت بعد خبر طاووس.
(٢) رواه البخاري.
- ٤٨١ -

ووقع عند الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: تزوجوا
فإن خيرنا أكثرنا نساء، قيل المعنى: خير أمة محمد مرَّله من كان أكثر
نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: والذي يظهر أن مراد ابن
عباس بـ((الخير)) النبي وَلّل وبـ((الأمة)) أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى
أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحاً ما آثر النبي بَّر غيره،
وكان - مع كونه أخشى الناس الله وأعلمهم به - يكثر التزويج لمصلحة
تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في
خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالباً، وإن
وجد فكان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيراً ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف
على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة
البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب،
وهي عنده وَّ نادرة أو معدومة.
وقال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من
١/١٧٩ النساء أكثر مما / يستبيح العبد، وجب أن يكون النبي وَل ـ لفضله على
جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة.
قالوا: ومن فوائد ذلك، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء
الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقه وأكثر لأجره، ومنها: أن النكاح في
حقه عبادة، ومنها: نقل محاسنه الباطنة، وقد تزوج ◌ّ ي أم حبيبة وكان
أبوها في ذلك الوقت عدوه، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها،
فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق الله لكانت الطباع
البشرية تقتضي ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن، فكان في كثرة النساء عنده
بيان لمعجزاته وكماله باطناً، كما عرف الرجال منه الظاهر.
- ٤٨٢ -

[الحض على الزواج]
وقد رغب وَّ في النكاح. فروى أبو داود والنسائي من حديث
معقل بن يسار مرفوعاً: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم)
وفي ابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: (انكحوا فإني مكاثر بكم
لأمم)
وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: تناكحوا تناسلوا فإني أباهي
بكم الأمم(١)، ولم أقف عليه بهذا اللفظ.
وأرشد ◌َّر من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته تقلل مادة
النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التي تبعثه على
النكاح، وخص الشباب في قوله: ((يا معشر الشباب)) (٢) لأن للشباب
من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم. وقد ظهر لك أن النكاح أعظم في
الأجر والثواب من الصيام، فإنه وَير لم يأمر أولاً بالصوم إنما أمر به
عند عدم الطول إلى النكاح، وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير
هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لأطأ النساء ومالي
إليهن حاجة، رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر به محمد ولد
الأمم يوم القيامة. ذكره ابن أبي جمرة.
(١) أورده عياض بلفظ: تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة، وقال
مخرجه: أخرجه ابن مردويه في تفسيره عن ابن عمر مرفوعاً بسند ضعيف.
(٢) رواه الشيخان وأحمد والأربعة عن ابن مسعود بلفظ: (يا معشر الشباب من
استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم
يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
- ٤٨٣ -

وانظر كون نبينا وَ ل ـ ـ بالإجماع - أعبد الناس، مع ما طبعت
عليه بشريته من حب الجماع، وكيف لم يخل بعبادته شيئاً، لأنه وَالفور لم
يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية الكمال في البشرية، لأنه
يرجع ما طبع عليه تابعاً لما أمر به.
وقد روي عنه وسلم أنه قال: لا رهبانية في الإسلام(١). وهي
ترك النساء، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك في ديننا، إذ هو خير
الأديان .
[خصوصية سليمان عليه السلام]
وقد قال سليمان عليه السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة.
رواه البخاري .
وهذا فيه معجزة لسليمان عليه السلام، إذ البشر عاجز عن
الطواف على مائة امرأة في ليلة واحدة، فأظهر الله تعالى قدرته بأن
أعطى لسليمان عليه السلام القوة على ذلك فكان فيها معجزة وإظهار
قدرة وإبداء حكمة، رداً على من ربط الأشياء بالعوائد فيقول: لا
يكون كذا إلا من كذا، ولا يتولد كذا إلا من كذا، فألقى الله في
صلب سليمان ماء مائة رجل.
وكان له ثلاثمائة زوجة وألف سرية (٢) وهذا لا يعطي تفضيل
سليمان عليه السلام على نبينا وَلقر، إذ سيدنا محمد لم يعط إلا ماء
أربعين رجلاً، ولم يكن له غير عشر نسوة، لأن مرتبة نبينا رَّ د في
(١) روى الإمام أحمد قوله وَلّ لعثمان بن مظعون: (إن الرهبانية لم تكتب علينا)
المسند ٢٢٦/٣ [م].
(٢) الله أعلم بصحة هذا؟!
- ٤٨٤ -

الأفضلية لا يساويه فيها أحد، وسليمان تمنى أن يكون ملكاً فأعطي
ذلك، وأعطي هذه القوة في الجماع لكي يتم له الملك على خرق العادة
من كل الجهات ليمتاز بذلك. فكان نساؤه من جنس ملكه الذي لا
ينبغي لأحد من بعده كما طلب.
ونبينا محمد رَلم لما خير بين أن يكون/ نبياً ملكاً أبى ذلك، ١٧٩/ب
واختار أن يكون نبياً عبداً، فأعطي من الخصوصية ذلك القدر لكونه
*** اختار الفقر والعبودية فأعطي الزائد لخرق العادة في النوع الذي
اختار وهو الفقر والعبودية، فكان ◌َليه يربط على بطنه الأحجار من
شدة الجوع والمجاهدة، وهو على حاله في الجماع لم ينقصه شيئاً،
والناس أبداً إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون ذلك، فهو
أبلغ في المعجزة، قاله في بهجة النفوس، والله أعلم.
- ٤٨٥ -

النوع الرابع
في نومه الآخر
[هيئة نومه {و ◌َلا]
كان ◌َلـ ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني، فيقوم
فيستاك ويتوضأ، ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج، ولا يمنع
نفسه من القدر المحتاج إليه منه، وكان ينام على جانبه الأيمن، ذاكراً
الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن(١) من الطعام والشراب، لأنه وَليه
كان يحب التيامن في شأنه كله، وليرشد أمته، لأن في الاضطجاع على
الشق الأيمن سراً، وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا نام
الرجل على الجانب الأيسر استثقل نوماً، لأنه يكون في دعة واستراحة
فيثقل نومه، فإذا نام على الشق الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم
لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه.
قالوا: وكثرة النوم على الجانب الأيسر - وإن كان أهنا - مضر
بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصب المواد فيه.
وأما قول القاضي عياض في الشفاء: وكان نومه على جانبه
الأيمن استظهاراً على قلة النوم .. الخ، ففيه شيء، لأنه وَطّ لا ينام
قلبه، فسواء كان نومه على الجانب الأيمن أو الأيسر فهذا الحكم ثابت
(١) في ش: البطن.
- ٤٨٦ -

له، وما علله به إنما يستقيم في حق من ينام قلبه، وحينئذٍ فالأحسن
تعليله بحب التيامن، أو بقصده التعليم، كما مر.
وأردأ النوم، النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة
من غير نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحاً على وجهه، وفي سنن ابن
ماجه أنه وَّ مر برجل في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله
وقال: قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية.
[فراشه
وكان وَيّر ينام على النطع (١) تارة، وعلى الفراش تارة، وعلى
الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. وكان فراشه أدماً(٢) حشوه ليف(٣).
وكان له مسح (٤) ينام عليه (٥).
[الدعاء قبل النوم]
وكان وسلّ إذا أخذ مضجعه وضع كفه تحت خده الأيمن وقال:
رب قني عذابك يوم تبعث عبادك(٦). وفي رواية: يوم تجمع
عبادك(٧) .
(١) ما اتخذ من الجلد.
(٢) الأدم: الجلد المدبوغ.
(٣) في الصحيحين والترمذي عن عائشة قالت: (إنما كان فراش رسول الله وَ القول
الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف).
(٤) فراش خش غليظ .
(٥) رواه الترمذي.
(٦) رواه أحمد والترمذي واللفظ له.
(٧) رواها الترمذي.
- ٤٨٧ -

وقال أبو قتادة: كان ﴿ إذا عرَّس(١) بليل اضطجع على شقه
الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على
کفه(٢).
وقال ابن عباس: كان ◌َّ إذا نام نفخ (٣).
وعن حذيفة كان ◌َلّ إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك اللهم
أموت وأحيا(٤).
وقالت عائشة: كان يجمع كفيه فينفث فيهما ويقرأ: ﴿قل هو الله
أحد﴾، و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم
يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من
جسده. يصنع ذلك ثلاث مرات(٥).
وقال أنس: كان رسول الله وَليل إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد
الله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وكم ممن لا كافي له ولا
مؤوي(٦). روى ذلك الترمذي(٧).
[لا ينام قلبه ولالتر]
وكان وَّ تنام عينه ولا ينام قلبه، رواه البخاري من حديث
عائشة، قاله لها عليه الصلاة والسلام لما قالت له: أتنام قبل أن توتر.
(١) أي نزل وهو مسافر للاستراحة.
(٢) رواه أحمد في المسند ٣٠٩/٥ والترمذي.
(٣) رواه الترمذي وفي البخاري (نام ﴿ ﴿ حتى نفح).
(٤) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي.
(٥) رواه الشيخان وغيرهما.
(٦) رواه مسلم وغيره.
(٧) أي الأحاديث السابقة.
- ٤٨٨ -

وإنما كان/ ◌َسير لا ينام قلبه لأن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ١/١٨٠
ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة لنبينا وَّة، ولمن أحيا الله قلبه
بمحبته واتباع رسوله من ذلك جزء، بحسب نصيبه منها، فمستيقظ
القلب وغافله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذي ذكرته أشار
صاحب المعارف العلية والحقائق السنية سيدي علي ابن سيدي محمد
وفا:
عيني تنام لكن قلبي والله ما ينام
وكيف ينام عاشق مسبي في الحب مستهام
ناظر إلى وجه الحبيب شاخص على الدوام
أتاه في المعنى مرسوم أن يمحي الرسوم
فقال بالحي القيوم يا سعد من يقوم(١)
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومه بَّه في
الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وحميت حتى أيقظه عمر
رضي الله عنه بالتكبير(٢).
فقال النووي: له جوابان، أحدهما: أن القلب إنما يدرك
الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق
بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان، والثاني: أنه كان له حالان، حال
كان قلبه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو نادر، فصادف
هذا، أي قصة(٣) النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمد هو
الأول والثاني ضعيف.
(١) من الواضح أن هذا ليس من الشعر الموزون [م].
(٢) أخرجه الشيخان، وهو عند البخاري برقم ٣٤٤.
(٣) كذا في ش وفي فتح الباري، وفي النسخ: قضية.
- ٤٨٩ -

قال في فتح الباري: وهو كما قال، ولا يقال: القلب - وإن كان
لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلاً - لكنه يدرك إذا كان
يقظاناً مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن
حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقاً، لأنا
نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه وَّ إذ ذاك مستغرقاً بالوحي، ولا
يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق وَالر حالة إلقاء الوحي
في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع في
النفس، كما في قصة سهوه في الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن
المنير: أن القلب يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي
النوم بطريق الأولى، أو على السواء(١).
وقال ابن العربي في القبس: النبي بَّ كيفما اختلف حاله من
نوم أو يقظة في حق وتحقيق، ومع الملائكة في كل طريق، إن نسي
فبآكد من المنسي اشتغل، وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا
قالت الصحابة كان ◌َل ـ إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ، لأنا لا ندري
ما هو فيه، فنومه عن الصلاة أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن آفة،
وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنة. انتهى.
وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن
معنى قوله: ((لا ينام قلبي)) أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه،
ومنها: أن معناه، لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا
قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد، كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب
بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله ◌َقليهو: ((إن عيني
(١) عن فتح الباري من قوله: فقال النووي ٤٥٠/١ [٢].
- ٤٩٠ -

تنامان ولا ينام قلبي)) خرج جواباً عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر؟
وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه. وإنما هو
جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة
للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب به، وبين من شرع
فيه متعلقاً باليقظة .
قال: وعلى هذا فلا تعارض ولا إشكال/ في حديث النوم حتى ١٨٠/ب
طلعت الشمس، لأنه يحتمل أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب
السير(١) معتمداً على من وكله بكلاءة الفجر، انتهى.
ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله ((ولا ينام قلبي))
بإدراكه وقت الوتر إدراكاً معنوياً لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب
كان نوماً مستغرقاً، ويؤيده قول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ
بنفسك، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم
أن نوم بلال كان مستغرقاً، وقد اعترض عليه: بأن ما قاله يقتضي
اعتبار خصوص السبب، وأجاب، بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة،
وأرشد إليها السياق، وهو هنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضاً: قول من قال: كان قلبه يقظاناً
وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك لمصلحة التشريع،
والله أعلم انتهى (٢).
(١) في ط بعد كلمة السير: مجتمعاً. وهي ليست في فتح الباري المنقول عنه.
(٢) عن فتح الباري من قوله: وقد أجيب ٤٥٠/١ - ٤٥١
- ٤٩١ -

المقصيَد الرّابع
في
معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته،
وما خص به من خصائص آياته وبدائع کراماته.
وفيه فصلان

الفصل الأول
في معجزاته وعلق :-
[تعريف المعجزة وشروطها]
اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، والرسول العظيم - سلك
الله بي وبك مناهج سنته، وأماتنا على محبته، بمنه ورحمته - أن المعجزة
هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام.
وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها
شروطاً:
● أحدها: أن تكون خارقة للعادة، كانشقاق القمر، وانفجار
الماء من بين الأصابع، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة،
وإعدام جبل.
فخرج غير الخارق للعادة، كطلوع الشمس كل يوم.
· الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة
والمقابلة .
قال الجوهري: يقال: تحديت فلاناً، إذا باريته في فعل ونازعته
للغلبة .
- ٤٩٥ -

وفي القاموس: نحوه.
وفي الأساس: حدا، يحدو، وهو حادي الإبل، واحتدى بها
حداء إذا غنى، ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة.
وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحادیان ويتعارضان، فيتحدی كل واحد
منهما صاحبه، أي يطلب حداءه. كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه، وفي
بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين
القطار(١) وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى
يستحديه، أي يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل
مباراة. انتهى من حاشية الطيبي على الكشاف.
وقال المحققون: التحدي، الدعوى(٢) للرسالة. انتهى.
• والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما
أتى به المتحدي على وجه المعارضة.
وعبر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة.
وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة، لأنه لا يلزم من عدم
المعارضة امتناعها. والشرط إنما هو عدم إمكانها.
وقد خرج بقيد ((التحدي)) الخارق من غير تحد، وهو الكرامة
للولي .
وبـ((المقارنة)) الخارق المتقدم على التحدي، كإظلال الغمام، وشق
الصدر، الواقعين لنبينا وَّ ر قبل دعوى الرسالة، وكلام عيسى في
المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة، فإنها
(١) القطار: عدد من الإبل على نسق واحد.
(٢) في ط: الدعوة. وهو تصحيف.
- ٤٩٦ -

ليست معجزات إنما هي كرامات، ظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء
قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء فيجوز ظهورها عليهم
أيضاً، وحينئذٍ يسمى ((إرهاصاً)) أي تأسيساً للنبوة كما صرح به العلامة
السيد الجرجاني في شرح المواقف، وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة
الأصول وغيرهم.
وخرج أيضاً بقيد ((المقارنة)) المتأخر عن التحدي/، بما يخرجه ١/١٨١
عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته وق لل من نطق بعض الموتى
بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار.
وخرج أيضاً بـ((أمن المعارضة)) السحر المقرون بالتحدي، فإنه
يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم.
واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟
فقال بالأول قائلون، حتى جوزوا للساحر أن يقلب الإنسان
حماراً.
وذهب آخرون: إلى أن أحداً لا يقدر على قلب عين ولا إحالة
طبيعة إلا الله تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عيناً.
قالوا: ولو جوزنا للساحر ما جاز على النبي فأي فرق عندكم بينهما؟
فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني من الفرق(١) بالتحدي
فقط قيل لكم هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب
ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع، وما تعرى من البرهان
فهو باطل.
(١) أي بين النبي وبين الساحر.
- ٤٩٧ -

الثاني: أن أكثر آياته ويعليه وأعمها وأبلغها كانت بلا تحد، كنطق
الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في
العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام،
ولعله لم يتحد بغير(١) القرآن، وتمني الموت.
قالوا: فأف لقول لا يبقي من الآيات ما يسمى معجزة إلا
هذين الشيئين، ويلقي معجزات كالبحر المتقاذف بالأمواج، ومن قال
إن هذه ليست بمعجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى
البدعة .
قالوا: وقد كان ◌َّ يقول عند ورود آية من هذه الآيات:
﴿أشهد أني رسول الله﴾(٢)، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله
في الإخبار عن الذي أنكى في المشركين قتلاً في المعركة: إنه من أهل
النار، فقتل نفسه بمحضر ذلك الذي اتبعه من المسلمين(٣). قالوا:
والوجه الثالث: وهو الدافع لهذا القول، قوله تعالى: ﴿وأقسموا
بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله
وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وما منعنا
أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون﴾(٥) فسمى الله تلك
المعجزات المطلوبات من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحدياً من غيره.
(١) في (ب، ط): بسوى.
(٢) هو في البخاري وله شاهد في مسلم.
(٣) رواه البخاري عن أبي هريرة.
(٤) سورة الأنعام، الآية ١٠٩.
(٥) سورة الإسراء، الآية ٥٩.
- ٤٩٨ -

فصح أن اشتراط التحدي باطل محض، انتهى ملخصاً من
تفسير الشيخ أبي أمامة بن النقاش.
وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان
بالمثل الذي هو في المعنى الأصلي(١) للتحدي، بل يكفي للتحدي
دعوى الرسالة والله أعلم.
· الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدي
بها، فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطق يدي، أو هذه
الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو نبي،
فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي، لأن ما
فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة
الكذاب - لعنه الله - تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت وذهب ما فيها من
الماء .
فمتى اختل شرط من هذه لم تكن معجزة.
ولا يقال: قضية ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من
المعجزات لا يظهر إلا على أيدي الصادقين، وليس كذلك، لأن
المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما
وردت به الأخبار الصحيحة، لأن ما ذكر فيمن يدعي الرسالة وهذا
فیمن يدعي الربوبية.
وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة،
فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة،
ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدعيه للتغير من/حال ١٨١ /ب
(١) في (أ) هو معنى الأصل للتحدي، وفي (ش): الحقيقي.
- ٤٩٩ -

إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها
رب البريات ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾(١).
[معجزة أم آية؟]
فإن قلت أي الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء، هل لفظ
((المعجزة)) أو لفظ ((الآية)) أو ((الدليل))؟
فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل
النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضاً في القرآن لفظ ((المعجزة)) بل ولا في
السنة أيضاً، وإنما فيهما لفظ ((الآية)) و((البينة)) و((البرهان)). كما في قصة
موسى ﴿فذانك برهانان من ربك﴾))(٢)، في العصا واليد، وفي حق نبينا
وَ﴾ ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾(٣).
وأما لفظ الآيات فكثير،. بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله
تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية﴾ (٤) و﴿إن في ذلك لآيات﴾(٥).
وأما لفظ المعجز إذا أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا
فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا
يسمي معجزاً إلا ما كان للأنبياء فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق
عادات سماها: كرامات، والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزاً
كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهاناً على نبوة النبي فإن
(١) سورة الشورى، الآية ١١.
(٢) سورة القصص، الآية ٣٢.
(٣) سورة النساء، الآية ١٧٤.
(٤) سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
(٥) سورة الرعد، الآية ٣.
- ٥٠٠ -