النص المفهرس
صفحات 461-480
فقيل: اليسار، وهو نص الإمام أحمد، في رواية صالح قال: التختم
في اليسار أحب إلي، وهو مذهب الإمام مالك، ويروى أنه كان يلبسه
في يساره، وكذلك الإمام الشافعي. وفي صحيح مسلم عن أنس قال:
(كان خاتم النبي ◌َّ في هذه وأشار إلى الخنصر في يده اليسرى). وفي
سنن أبي داود (عن ابن عمر أنه كان ◌َلّ يتختم في يساره) وروى
إسماعيل بن مسلم عن السليطي(١) قال: أتيت النبي ◌َّ في ليلة
قمراء، وكأني أنظر إلى عكن بطنه، وكأنها القباطي وإلى وبيص خاتمه
في يساره. واسماعيل هذا قال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى
عنه. وقد ذكر بعض الحفاظ - كما أفاده الحافظ ابن رجب - أن التختم
في اليسار مروي عن عامة الصحابة والتابعين.
ورجحت طائفة التختم في اليمين، وهو قول ابن عباس،
وعبدالله بن جعفر، وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبي رافع
يتختم في يمينه فسألته عن ذلك فقال: رأيت عبدالله بن جعفر يتختم
في يمينه، وقال: كان ◌َّ يتختم في يمينه، رواه أحمد والنسائي وابن
ماجه والترمذي وقال: قال محمد - يعني البخاري - هذا أصح شيء
روي عن النبي ◌َّ في هذا الباب.
وفي الشمائل للترمذي عن جابر أنه وَ لّ كان يتختم في يمينه.
وهذا فيه ضعف، لحال عبدالله بن ميمون.
ويروى من حديث عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه
(١) السليطي: نسبة إلى جده الأعلى إذ هو محمد بن أحمد بن محمد ... ابن
سليط التميمي، كان شيخاً صالحاً، كذا في اللباب، فشرح به الشارح ما
هنا، ولا يصح إذ هذا الشيخ لم يرو عنه إسماعيل بن مسلم ولا هو
بصحابي، فهو ينابذ قوله، قال أتيت النبي ...
- ٤٦١ -
عن جابر بن عبدالله قال: قبض رسول الله وَ لّ والخاتم في يمينه،
وعباد بن صهيب متروك أيضاً.
وروى البزار في مسنده من حديث عبيد بن القاسم عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي وعليه كان يتختم في يمينه، وقبض
والخاتم في يمينه. وعبيد هذا كذاب.
قال الحافظ ابن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختمه وَلّ في
يساره كان آخر الأمرين في حديث رواه سليمان بن محمد عن عبدالله
ابن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبي بَّ كان يتختم في يمينه ثم
إنه حوله إلى يساره.
وقال وكيع: التختم في اليمين ليس بسنة.
ونص أحمد: أنه يكره التختم في السبابة والوسطى. وروي عن
علي أنه قال: (نهاني رسول الله وَ لّ أن أتختم في هذه أو هذه وأومأ إلى
السبابة والوسطى)(١) والله أعلم.
وفي اللباب: وكان ◌َلّ يتختم، وربما خرج وفي خاتمه خيط
١٧٥/ب مربوط يستذكر به الشيء(٢)، ورواه ابن عدي بسند ضعيف/ من
حديث واثلة بلفظ: كان ◌َّ إذا أراد حاجة أوثق في خاتمه خيطاً.
وروى أبو يعلى عن ابن عمر أنه و # كان إذا أشفق من الحاجة
أن ينساها ربط في أصبعه خيطاً ليذكرها. وكذا هو في رابع الخلعيات.
لكن فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض، رماه ابن حبان بالوضع بل
اتهمه أبو حاتم بهذا الحديث.
(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي .
(٢) رواه الدارقطني وضعفه.
- ٤٦٢ -
[لبس السراويل]
وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبي ◌َّ أم لا؟ فجزم بعض
العلماء بأنه وَ ير لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووي في ترجمة
عثمان بن عفان رضي الله عنه من كتاب تهذيب الأسماء واللغات: أنه
رضي الله عنه لم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله.
فإنهم كانوا أحرص شيء على اتباعه الهم .
لكن قد ورد في حديث عند أبي يعلى الموصلي في مسنده بسند
ضعيف جداً عن أبي هريرة قال: دخلت السوق يوماً مع رسول الله
** فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل
السوق وزان يزن فقال له رسول الله وَ ل18: اتزن وأرجح، فقال الوزان
إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد، فقال أبو هريرة فقلت له: كفى
بك من الوهن والجفاء في دينك ألا تعرف نبيك، فطرح الميزان،
ووثب إلى يد رسول الله ( 18 يريد أن يقبلها فجذب يده والقر منه
وقال: يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا
رجل منكم، فوزن فأرجح وأخذ رسول الله وَل السراويل. قال أبو
هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله
إلا أن يكون ضعيفاً يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم، قال: قلت يا
رسول الله، وإنك(١) لتلبس السراويل؟ قال: أجل، في السفر
والحضر، وبالليل والنهار، فإني أمرت بالستر، فلم أجد شيئاً أستر
منه .
وكذا أخرجه ابن حبان في الضعفاء عن أبي يعلى، ورواه
(١) في (أ، ش) فإنك.
- ٤٦٣ -
الطبراني في الأوسط، والدارقطني في الأفراد، والعقيلي في الضعفاء،
ومداره على يوسف بن زياد الواسطي (١).
لكن قد صح شراء النبي صلّر له (٢).
وفي الهدي: والظاهر أنه بَّ إنما اشتراه ليلبسه. وقد روي أنه
لبس السراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه.
قال أبو عبدالله الحجازي في حاشيته على ((الشفاء)): وما قاله في
الهدي من أنه وَيّ لبس السراويل، قالوا: سبق قلم والله أعلم.
وقد أورد أبو سعيد النيسابوري ذكر الحديث في تجارته وَلّ من
كتابه ((شرف المصطفى)).
وقد ترجم البخاري في اللباس من صحيحه: باب السراويل،
وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شيء على شرطه.
[لبس الخف]
وأما الخف: فروى الترمذي عن بريدة أن النجاشي أهدى للنبي
وَال* خفين أسودين ساذجين(٣)، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما.
(١) أي انفرد به، وهو واه، بل ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال الحافظ
وغيره: ضعيف.
(٢) روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا
ومخرقة العبد بزا من هجر فأتينا مكة، فجاءنا رسول الله وَ * ونحن بمنى،
فتساومنا سراويل فبعناه منه، فوزن ثمنه وقال للوزان: زن وأرجح.
(٣) غير منقوشين، أو لا شعر عليهما، أو على لون واحد، قال الولي العراقي:
وهذه اللفظة تستعمل في العرف كذلك ولم أجدها في كتب اللغة بهذا
المعنى، ولا رأيت المصنفين في غريب الحديث ذكروها.
- ٤٦٤ -
وعن المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية للنبي وَلّ خفين
فلبسهما. وقال إسرائيل عن جابر عن عامر: وجبة(١) فلبسهما حتى
تخرقا، لا يدري النبي ◌َّر أذكيان(٢) هما أم لا. رواه الطبراني(٣).
[لبس النعل]
وأما نعله وَلَّ، والنعل - كما قال صاحب المحكم - ما وقيت به
القدم، ففي البخاري عن قتادة عن أنس (أن نعل النبي وَ لّ كان لها
قبالان). والقبالان: تثنية القبال، وهو زمام النعل، وهو السير الذي
يكون بين الأصبعين.
وعن ابن عباس قال: كان لنعل النبي وَلقر / قبالان مثنى ١/١٧٦
شراكهما (٤)، رواه الترمذي في الشمائل، وفيها أيضاً عن أبي هريرة
قال: كان لنعل رسول الله وَلتل قبالان.
وعن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين
جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت بعد عن(٥) أنس: أنهما كانتا نعلي
النبي ◌َّةِ (٦).
وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال
(١) معطوفة على خفين، أي أهدى له خفين وجبة.
(٢) في ط: أمذكيان.
(٣) وكذا الترمذي في شمائله وجامعه.
(٤) مثنى: من التثنية وهو من جعل الشيء اثنين، والشراك: أحد سيور النعل.
(٥) (عن) سقطت من ط.
(٦) رواه البخاري والترمذي في الشمائل.
- ٤٦٥ -
السبتية، قال: إني رأيت رسول الله #* يلبس النعال التي ليس فيها
شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها(١).
وعن عمرو بن حريث قال: رأيت رسول الله 8 4 * يصلي في
نعلين مخصوفتين(٢).
وعن عائشة كان رسول الله وعليه يجب التيمن ما استطاع في
ترجله (٣) وتنعله وطهوره رواه الترمذي (٤).
وعن أبي هريرة، قال رَّ: إذا تنعل أحدكم فليبدأ باليمين،
فإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع (٥).
وكان وَلّ ينهى أن ينتعل الرجل قائماً. رواه أبو داود والترمذي.
وقد ذكر أبو اليمن بن عساكر تمثال نعله الكريمة عليه أفضل
الصلاة والسلام في جزء مفرد رويته قراءة وسماعا. وكذا أفرده
بالتأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف السلمي المشهور بابن
الحاج من أهل المرية بالأندلس وكذا غيرهما. ولم أثبتها هنا اتكالاً على
شهرتها وصعوبة ضبط تسطيرها إلا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها وجرب من نفعها وبركتها، ما
(١) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(٢) أي مخروزتين، والحديث رواه الترمذي وفيه راو مبهم، لكن صح أنه كان
يخصف نعله.
(٣) أي تسريح شعره.
(٤) قصر العزو على الترمذي فيه تقصير شديد فقد رواه الشيخان والأربعة
والإمام أحمد.
(٥) رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
- ٤٦٦ -
ذكره أبو جعفر أحمد بن عبد المجيد، وكان شيخاً صالحاً (١) قال:
حذوت هذا المثال لبعض الطلبة فجاءني يوماً فقال لي رأيت البارحة
من بركة هذا النعل عجباً. أصاب زوجي وجع شديد كاد يهلكها
فجعلت النعل على موضع الوجع وقلت: اللهم أرني بركة صاحب
هذا النعل، فشفاها الله للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمد: ومما جرب من
بركته أن من أمسكه عنده متبركاً به كان له أماناً من بغي البغاة وغلبة
العداة وحرزاً من كل شيطان مارد وعين كل حاسد، وإن أمسكته
المرأة الحامل بيمينها وقد اشتد عليها الطلق تيسر أمرها بحول الله
وقوته، ولله در أبي اليمن بن عساكر حيث قال:
يا منشداً في رسم ربع خال ومناشداً لدوارس الأطلال
لأحبة بانوا وعصر خال
دع ندب آثار وذكر مآثر
إن فزت منه بلثم ذا التمثال
شغل الخلي بحب ذات الخال
حل الهلال بها محل قبال
وجلاً على الأوصاب والأوجال
في تربها وجداً وفرط فعال(٢)
في الحب ما جنحت إلى الإبلال
لمحلك الأسمى الشريف العال
والثم ثرى الأثر الكريم فحبذا
أثر له بقلوبنا أثر لها
قبِّل لك الإقبال نعلي أخمص
ألصق بها قلباً يقلبه الهوى
صافح بها خداً وعفر وجنة
سَبيل(٣) حر جوی ثوى بجوانح
يا شبه نعل المصطفى روحي الفدا
(١) كذا في ش، وفي النسخ: وربما قال.
(٢) في ش: تغال. أي زيادة تعلق في محبتها.
(٣) في ط سیبلى، وفي ش سبيل.
١
- ٤٦٧ -
هملت لمرآك العيون وقد نأى
١٧٦/ب وتذكرتْ عهد العقيق فتأثرت
وصَبَتْ فواصلت الحنين إلى الذي
أذكرتني قَدَماً لها قِدَم العلا
مرمى (١) العيان بغير ما إهمال
شوقاً عقيقَ المدمع الهطال/
ما زال بالي منه في بلبال
والجود والمعروف والإفضال
يعتاد في الأبكار والآصال
أذكرتني من لم يزل ذكري له
والدين والأقوال والأفعال
ولها المفاخر والمآثر في الدنا
لبلغت من نيل المنى آمال
لوأن خدي يحتذى نعلاً لها
أو أن أجفاني لوطء نعالها أرض سمت عزاً بذا الإذلال
وما أحسن قول أبي الحكم بن المرحل (٢) في قصيدة ذكرها أبو
إسحاق بن الحاج:
ونمنم خد الطرس (٣) بالنقش راقمه
بوصف حبيبي طرز الشعر ناظمه
وجادت عليهم بالنوال غمائمه
رؤوف عطوف أوسع الناس رحمة
فآثاره محبوبة ومعالمه
له الحسن والإحسان في كل مذهب
وكل فعال صالح فهو خاتمه
به ختم الله النبيين كلهم
تقاسمه قومي كفتهم قسائمه
أحب رسول الله حباً لو أنه
من الوُرْق(٤) خفاق أصيبت قوادمه
كأن فؤادي كلما مرَّ ذكره
ومن لفؤادي أن تهب نواسمه
أهيم إذا هبت نواسم أرضه
(١) في ش: مرقی.
(٢) أحد فضلاء المغاربة له نظم حسن. قاله الحافظ في تبصيره.
(٣) الطرس: الصحيفة. والمراد هنا: الورق الأبيض.
(٤) جمع ورقاء: الحمام .
- ٤٦٨ -
فأنشق مسكاً طيباً فكأنما
ومما دعاني والدعاوى كثيرة
مثال لنعلي من أحب هويته
أجر على رأسي ووجهي أديمه
أمثله في رجل أكرم من مشى
أحرك خدي ثم أحسب وقعه
ومن لي بوقع النعل في حر وجنتي
سأجعله فوق الترائب عوذة (٥)
وأربطة فوق الشؤون (٧) تميمة
ألا بأبي تمثال نعل محمد
يود هلال الأفق لو أنه هوى
وما ذاك إلا أن حب نبينا
سلام عليه كلما هبت الصبا
نوافجه (١) جاءت به ولطائمه(٢)
إلى الشوق أن الشوق مما أكاتمه
فها أنا في يومي وليلي ألاثمه(٣)
وألثمه طوراً وطوراً ألازمه
فتبصره عيني وما أنا حالمه
على وجنتي خطوا هناك يداومه
لماش علت فوق النجوم براجمه (٤)
لقلبي لعل القلب يبرد حاجمه (٦)
لجفني لعل الجفن يرقأ ساجمه (٨)
لطاب لحاذيه وقدس خادمه (٩)
يزاحمنا في لثمه ونزاحمه
يقوم بأجسام الخليقة لازمه
وغنت بأغصان الأراك حمائمه
(١) جمع نافجة: وعاء المسك.
(٢) في ط: لواطمه. ولطائم جمع لطيمة: وعاء المسك، أو عير تحمله وهو
المناسب هنا.
(٣) في (أ، ش) لاثمه، ولثم: قبل.
(٤) البراجم: رؤوس السلاميات من ظهر الكف.
(٥) عوذة: رقية، والترائب: عظام الصدر.
(٦) في (أ، ب) جاجمه، وحاجمه: حرارته الشديدة.
(٧) هي مواصل قبائل الرأس كما في القاموس.
(٨) ساجمه: دمعه السائل.
(٩) أي لقد طاب ذلك التمثال، وحاذيه: صانعه، وقدس: طهر.
- ٤٦٩ -
ولأبي بكر أحمد بن الإمام أبي محمد عبدالله بن الحسين
القرطبي (١) رحمه الله :
وإنا متى نخضع لها أبداً نعلو
ونعل خضعنا هيبة لبهائها
حقيقتها تاج وصورتها نعل
فضعها على أعلى المفارق إنها
على التاج حتى باهت المفرق الرجل
بأخمص خير الخلق حازت مزية
وإن بحار الجود من فيضها حلوا
طريق الهدى عنها استنارت لمبصر
نهيم بمغناها الغريب وما نسلوا/
١/١٧٧ سلونا ولكن عن سواها وإنما
فما شاقنا مذ راقنا رسم عزها
شفاء لذي سقم رجاء لبائس
حميم ولا مال كريم ولا نسل
أمان لذي خوف کذا يحسب الفضل
[فراشه عليه السلام]
وأما فراشه وَله، فقد كان وَلّ آخذاً من ذلك بما تدعو ضرورته
إليه، وترك ما سوى ذلك.
وفي صحيح مسلم قوله وَله: (فراش للرجل وفراش لامرأته
والثالث للضيف، والرابع للشيطان)
قال العلماء: معناه ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة
والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم،
وكل مذموم يضاف للشيطان لأنه يرتضيه ويوسوس به ويحسنه، وقيل:
(١) كان مقرئاً مجوداً، فقيهاً محدثاً ضابطاً، نحوياً ماهراً، أديباً كاتباً، متين
الدين صادق الورع معرضاً عن الدنيا أقرأ ببلده مالقة القرآن ودروس
الفقه .. توفي بمصر وهو في طريقه إلى الحج سنة ثنتين وخمسين وستمائة
وكان مولده سنة سبع وستمائة.
- ٤٧٠ -
إنه على ظاهره، وإنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت
ومقيل، وأما تعداد الفراش للزوج والزوجة فلا بأس به لأنه قد يحتاج
كل واحد منهما إلى فراش عند المرض ونحوه.
وعن عائشة: (إنما كان فراش رسول الله و 18 الذي ينام عليه
أدماً حشوه الليف) رواه الشيخان.
وروى البيهقي من حديثها، قالت: دخلت على امرأة من
الأنصار فرأت فراش رسول الله وحمله قطيفة مثنية، فبعثت إلي بفراش
حشوه الصوف، فدخل علي رسول الله وَ لقر فقال: ما هذا يا عائشة؟
قلت؛ يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فبعثت إلي
بهذا، فقال: رديه يا عائشة فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال
الذهب والفضة .
وعن عبدالله بن مسعود: نام رسول الله وَّر على حصير، فقام
وقد أثر في جنبه. الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن
صحيح(١). والطبراني ولفظه: دخلت على النبي بَّر وهو في غرفة كأنها
حمام. وهو نائم على حصير، وقد أثر في جنبه فبكيت، فقال: ما
يبكيك يا عبدالله؟ قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز
والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك، فقال:
فلا تبك يا عبدالله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة.
وقوله: كأنها بيت حمام - بتشديد الميم - أي أن فيها من الحر
والکرب كما في بيت الحمام.
وعن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: دخلت
(١) ورواه الإمام أحمد.
- ٤٧١ -
على رسول الله وَّير وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره
وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من
شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي، فقال: ما
يبكيك يا ابن الخطاب، فقال: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا
الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى،
وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه
خزائنك. قال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم
الدنيا. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. والحاكم وقال: صحيح على
شرط مسلم ولفظه :
قال عمر رضي الله عنه: استأذنت على رسول الله وَالر فدخلت
عليه في مشربة(١)، وإنه لمضطجع على خصفة(٢) وإن بعضه لعلى
التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفاً، وإن فوق رأسه لإهابَ
عطين(٣)، وفي ناحية المشربة قرظ (٤)، فسلمت عليه وجلست فقلت:
أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش
الديباج والحرير، فقال: أولئك عجلت لهم طيباتهم وهي وشيكة
الانقطاع وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا في آخرتنا(٥).
(١) غرفة مرتفعة يرقى إليها.
(٢) وعاء من خوص التمر.
(٣) إهابَ: بالنصب اسم إن بحذف الألف على لغة ربيعة، وعطين: أي
متغيراً منتناً.
(٤) ورق السلم الذي يدبغ به.
(٥) هو بعض حديث المشربة الذي أخرجه الشيخان، فيه بعض المغايرة في
الألفاظ، والمعنى واحد.
- ٤٧٢ -
وعن عائشة، كان لرسول الله رَ له سرير مُرَمَّل بالبَرْدي(١)، عليه
كساء أسود، وقد حشوناه/ بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا ١٧٧ /ب
النبي ◌ُّ نائم عليه، فلما رآهما استوى جالساً، فنظرا فإذا أثر السرير
في جنب رسول الله ومر فقالا: يا رسول الله ما يؤذيك(٢) خشونة ما
نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير
والديباج فقال بَّر: لا تقولا هذا، فإن فراشي كسرى وقيصر في
النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة. رواه ابن حبان في
صحيحه .
ويروى أنه وَلّ ما عاب مضجعاً قط، إن فرش له اضطجع،
وإلا اضطجع على الأرض.
وتغطى ◌َّ باللحاف، قال رَليّ: ما أتاني جبريل وأنا في لحاف
امرأة منكن غير عائشة (٣).
(١) نبات يعمل منه الحصر، والمعنى: أن قوائم السرير موصولة مغطاة بما نسج
من ذلك النبات ورمال الحصير: ضلوعه المداخلة فيه كالخيوط في الثوب.
(٢) بحذف همزة الاستفهام تخفيفاً، أي: أما يؤذيك؟
(٣) رواه البخاري.
- ٤٧٣ -
النوع الثالث
في سيرته بَط هد في نكاحه
قد كان ◌َّ يأخذ من الجماع بالأكمل، مما تحفظ به الصحة،
وتتم به اللذة وسرور النفس، وتحصل به مقاصده التي وضع لأجلها.
[مقاصد النكاح]
فإن الجماع في الأصل وضع لثلاثة أشياء، هي مقاصده
الأصلية .
أحدها: حفظ النفس ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة
التي قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم.
الثاني(١): قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه هي
الفائدة التي في الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه
الإنزال، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أسباب حفظ الصحة.
لكن لا ينبغي إخراج المني إلا في طلب النسل، وإخراج ما احتقن
منه، فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضاً رديئة، منها الوسواس
والجنون والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض
(١) سقط الثالث من قلم المصنف، قال الشارح: صوابه - كما في زاد المعاد -:
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث:
قضاء الوطر.
- ٤٧٤ -
كثيراً، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب
أمراضاً رديئة.
قال محمد بن زكريا(١): من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى
أعضائه واستدت(٢) مجاريها، وتقلص ذكره، وقد رأيت جماعة تركوه
النوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم
كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم. أشار إليه في زاد المعاد.
[من منافعه]
ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة
عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وآخرته،
وينفع المرأة، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة
ماضية، ولذلك كان ◌َ له يتعاهده ويقول كما في حديث أنس عند
الطبراني في الأوسط، والنسائي في سننه(٣): حبب إلي من دنياكم
النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة. أي لمناجاته فيها ربه،
زاد الإمام أحمد في الزهد: وأصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر
عنهن (٤).
فمحبة النساء والنكاح من كمال الإنسان، هذا خليل الله
إبراهيم، إمام الحنفاء، كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، أحب
(١) أحد علماء الطب.
(٢) في ش: وانسدت.
(٣) وهو عند أحمد في كتاب الزهد ووهم من عزاه لمسنده.
(٤) كذا نسب ابن القيم هذه الزيادة لكتاب الزهد، وتعقبه السيوطي : بأنه مر
على الزهد مراراً فلم يجدها فيه .
- ٤٧٥ -
هاجر وتسرى بها. وذكر سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن
أبيه(١) قال: كان الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يزور هاجر في
كل يوم من الشام على البراق شغفاً بها وقلة صبر عنها(٢). وهذا داود
عليه الصلاة والسلام كان عنده تسع وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة
وتزوج بها فكمل المائة(٣) وهذا سليمان ابنه كان يطوف في الليلة على
تسعين امرأة.
[حديث ((حبب إلي من دنياكم))]
تنبيه: قد وقع في الإحياء للغزالي، وتفسير آل عمران من
١/١٧٨ الكشاف، وكثير من / كتب الفقهاء: حبب إلي من دنياكم ثلاث.
وقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام قال ((ثلاث)) ولم يذكر إلا اثنتين:
الطيب والنساء. قالوا: ومنه قول الشاعر:
(١) أي سعد بن أبي وقاص.
(٢) هذا موقوف صحابي.
(٣) جاء في تفسير ((صفوة التفاسير)) للشيخ الصابوني في تفسير سورة ص: نقل
بعض المفسرين من القصص الإسرائيلية ما يتنافى مع العقيدة الإسلامية في
((عصمة الأنبياء. ومن هذه الأباطيل المدسوسة ما روي من أمر عشق داود
عليه السلام لزوجة قائد جيشه حين رآها ... فأعجبته وعشقها فدبر مكيدة
لزوجها بإرساله إلى المعارك حتى تخلص منه .. ثم تزوجها .. وهذا كله
کذب وزور ولذا قال علي رضي الله عنه: «من حدث بحدیث داود على ما
يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة)) وهو حد الفرية على الأنبياء.
انتهى ملخصا. أقول: والغريب أن الشارح أقر ذلك وقال: إن داود سأل
الرجل أن يطلقها فطلقها بطيب خاطره. ا. هـ وهو أمر غير مقبول أيضاً لأنه
يتنافى وصفات الأنبياء [المحقق].
- ٤٧٦ -
مالي وكنت بهن قدماً مولعا
إن الأحامرة (١) الثلاثة أهلكت
بالزعفران فلا أزال مولعا
الخمر والماء القراح وأطلي
وذكرها ابن فورك في جزء مفرد ووجهها وأطنب في ذلك، وهذا
عندهم يسمى ((طيا)) وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن
ذكر باقيه لغرض للمتكلم، وأنشد الزمخشري عليه:
كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
وفائدة الطي عندهم تكثير ذلك الشيء.
لكن قال ابن القيم وغيره: من رواه ((حبب إلي من دنياكم
ثلاث)) فقد وهم، ولم يقل بَّرَ: ثلاث، والصلاة ليست من أمور
الدنيا التي تضاف إليها. انتهى، نعم تضاف إليها لكونها ظرفاً لوقوعها
فقط، فهي عبادة محضة.
وقال شيخ الإسلام والحفاظ ابن حجر في تاريخ الكشاف: إن
لفظ ((ثلاث)) لم تقع في شيء من طرقه، وزيادته مفسدة للمعنى.
وكذا قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي في أماليه، وعبارته:
ليست هذه اللفظة وهي ((ثلاث)) في شيء من كتب الحديث، وهي
مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا.
وكذا صرح به الزركشي وغيره، كما حكاه شيخنا في المقاصد
الحسنة وأقره.
(١) جمع أحمر. فالخمر أحمر، ووصف الماء به مجاز إذ لا لون له. والطلاء
بالزعفران ليس من الثلاثة. أقول: وهكذا اكتفى بذكر بعض الثلاثة. [م].
- ٤٧٧ -
[التأمل في قوله: ((حبب))]
وقال ابن الحاج في المدخل: انظر إلى حكمة قوله {وَل﴾ ((حبب))
ولم يقل: أحببت، وقال: ((من دنياكم)) فأضافها إليهم دونه عليه
الصلاة والسلام، فدل على أن حبه كان خاصاً بمولاه تعالى، وجعلت
قرة عينه في الصلاة، فكان ◌َل﴿ بشريَّ الظاهر، ملكوتي الباطن. وكان
وقل﴿ لا يأتي إلى شيء من أحوال البشرية إلا تأنيساً لأمته وتشريعاً لها،
لا أنه محتاج إلى شيء من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قل لا
أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني
ملك﴾(١) فقال: ((لكم)) ولم يقل: إني ملك، فلم ينف الملكية عنه إلا
بالنسبة إليهم، أعني في معانيه # لا في ذاته الكريمة، إذ إنه {َ﴾
يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدي أبو الحسن الشاذلي في
صفته وَل : هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس
كالأحجار. وهذا منه - رحمه الله - على سبيل التقريب للفهوم، فدل
على أنه * ملكي الباطن، ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه.
انتهى .
[حديث مما لا يصح]
وها هنا لطيفة: روى أنه بَ له لما قال: حبب إلي من دنياكم(٢)
النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة، قال أبو بكر: وأنا يا
رسول الله حبب إلي من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق
(١) سورة الأنعام، الآية (٥٠).
(٢) أثبت الشارح هنا كلمة (ثلاث) وكذا في أقوال الصحابة. وقال المصحح
وقع فيها اختلاف النسخ.
- ٤٧٨ -
عليك، والتوسل بقرابتك إليك. وقال عمر: وأنا يا رسول الله حبب
إلي من الدنيا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بأمر الله،
وقال عثمان: وأنا يا رسول الله حبب إلي من الدنيا إشباع الجائع
وإرواء الظمآن وكسوة العاري، وقال علي بن أبي طالب: وأنا يا
رسول الله حبب إلي من الدنيا الصوم في الصيف، وإقراء الضيف
والضرب بين يديك بالسيف. قال الطبري: خرجه الجندي. كذا قال
والعهدة عليه(١).
[قوته وَالر في النكاح]
وعن أنس أن رسول الله وَلي قال: فضلت على الناس بأربع
بالسماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش. رواه الطبراني(٢).
وقال أنس: (كان ◌َله يدور على نسائه في الساعة / الواحدة من ١٧٨/ب
الليل، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا
نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين) رواه البخاري من طريق قتادة(٣).
قال ابن خزيمة (٤): تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه.
(١) هو مما لا يصح.
(٢) حديث ضعيف. فيه سعيد بن بشير.
(٣) رواه البخاري برقم ٢٦٨ .
(٤) ابن خزيمة: محمد ابن إسحاق بن خزيمة، الحافظ الكبير المعروف عند
المحدثين بإمام الأئمة، مصنفاته تزيد على مائة وأربعين. مات سنة إحدى
عشرة وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة.
- ٤٧٩ -
ورواه سعيد بن أبي عروبة(١) وغيره عن قتادة فقال: (تسع
نسوة)(٢) انتھی.
وكذا رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي عروبة أيضاً بلفظ
(وله يومئذ تسع نسوة)(٣).
وقد جمع بينهما ابن حبان في صحيحه بأن حمل ذلك على
حالتين، لكنه وهم في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة،
حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع
عنده إحدى عشرة امرأة.
وموضع هذا الوهم منه: أنه وَلّ لما قدم المدينة لم يكن تحته
سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة
وزينب بنت خزيمة في السنة الرابعة، ثم زينب بنت جحش في
الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في
السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على
المشهور ... لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن
وأطلق عليهن لفظ ((نسائه)) تغليباً(٤).
فإن قلت: وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع، والقسم وإن لم
يكن واجباً عليه والر لكنه التزمه تطبيباً لنفوسهن.
أجيب: باحتمال إذن صاحبة اليوم له، أو أنه في يوم لم يثبت فيه
(١) ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس، مات سنة ست وخمسين ومائة وروى
له الستة.
(٢) رواه الإمام أحمد.
(٣) رواه البخاري برقم ٢٨٤ .
(٤) عن فتح الباري من قوله ((وقد جمع بينهما ابن حبان)) ٣٧٨/١ [٢].
- ٤٨٠ -