النص المفهرس
صفحات 361-380
من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحي من غيره
أجدر.
والحياء - كما قال الهر - لا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان. کما رواهما
البخاري .
قال القاضي عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان - وإن كان
غريزة - لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم.
وقال القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من
الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها
تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزياً، وكان النبي بَيّ قد جمع له
النوعان، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها.
وقال القاضي عياض: وروي عنه رَّرَ: كان من حيائه لا يثبت
بصره في وجه أحد(١).
[خوفه {* ربه]
وأما خوفه بَ ل ربه جل وعلا، فاعلم أن الخوف والوجل والرهبة
ألفاظ متقاربة غير مترادفة.
قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.
وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
وقيل الخوف: قوة العلم بمجاري الأحكام، وهذا سبب الخوف،
لا أنه نفسه.
وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.
(١) قال السيوطي: هذا الحديث ذكره صاحب الإحياء، ولم يجده العراقي.
- ٣٦١ -
والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال
١/١٥٧ الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده / العلماء﴾(١)، فهو خوف مقرون
بمعرفة. وقال ◌َله: أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية، فالخوف حركة
والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل
ونحوهما له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه وهي حالة الخوف،
والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه وهي الخشية.
وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد
الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه.
وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه
وعقوبته .
وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما تكون
مع المعرفة والمحبة .
والإجلال: تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة
للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف
والخشية، كما قال ◌َله: (إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) رواه
البخاري، وقال ◌َله: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم
كثيراً) رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه دلالة على اختصاصه
وَالر بمعارف بصرية وقلبية. وقد يطلع الله تعالى عليها غيره من
المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال، وأما تفصيلها فاختص بها
.4
(١) سورة فاطر، الآية ٢٨ .
- ٣٦٢ -
وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه مَّر قال: والذي نفس
محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا:
وما رأيت يا رسول الله قال: رأيت الجنة والنار.
فقد جمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية،
واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: (إن
أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وهو في الصحيح من حديث عائشة(١).
وكان ◌َّه يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، رواه
النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه بلفظ: كأزيز الرحا، أي
خنين من الخوف - بالخاء المعجمة - وهو صوت البكاء. وقيل: وهو أن
یجیش جوفه ویغلي بالبكاء.
◌َا]
[شجاعته
وأما ما روي من شجاعته وَّ ونجدته وقوته في الله وشدته،
فعن أنس: (كان النبي ◌َل أحسن الناس وأجود الناس وأشجع
الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم
رسول الله وَّ راجعاً قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس
لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا)(٢).
وفي رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ◌َّ فرساً من أبي
طلحة يقال له المندوب، فركب فلما رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن
وجدناه لبحراً، أو إنه لبحر. قال وكان فرساً يبطؤ(٣). رواه البخاري
ومسلم وأبو داود والترمذي .
(١) رواه البخاري .
(٢) رواه الشيخان.
(٣) أي لا يسرع في مشيه.
- ٣٦٣ -
وللبخاري: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي وَ لَ فرساً
لأبي طلحة كان يقطف، أو فيه قطاف، فلما رجع قال: وجدنا فرسكم
هذا بحراً، فكان بعد لا يجاري.
وفي أخرى له: ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون
خلفه فقال: لن تراعوا، إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم.
قوله لن تراعوا: أي روعاً مستقراً، أو روعاً يضر بكم.
وفي هذا الحديث بيان شجاعته مَ لّر من شدة عجلته في الخروج
إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول
الناس.
وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعاً بعد
١٥/ب أن كان بطيئاً وهو معنى قوله بَ شير: وجدناه بحراً، أي / واسع الجري.
وكان فيه قطاف: يقال: قطف الفرس في مشيه إذا تضايق
خطوه وأسرع مشيه.
قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه بَّر فرس يقال له:
مندوب، فلعله صار إليه بعد أبي طلحة. وقال النووي: يحتمل أنهما
فرسان اتفقا في الاسم.
وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله
صلى الله عليه وسلم (١).
وذكر ابن إسحاق في كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوة
يحسن الصراع وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم.
(١) رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
- ٣٦٤ -
فبينا هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة إذا لقيه رسول الله وَ له فقال
له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه - أو كما قال له رسول
الله وَلّ - فقال له ركانة: يا محمد، هل من شاهد يدل على صدقك؟
قال: أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم يا محمد،
فقال له: تهيأ للمصارعة، قال: تهيأت، فدنا منه رسول الله وَالألم
فأخذه ثم صرعه، قال فتعجب ركانة من ذلك، ثم سأله الإقالة
والعودة، ففعل به ذلك ثانياً وثالثاً. فوقف ركانة متعجباً وقال: إن
شأنك لعجيب. رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر محمد بن
ركانة المصارع(١)، ورواه أبو داود والترمذي وكذا البيهقي من رواية
سعيد بن جبير.
وقد صارع ◌َليّة جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحي، كما
قاله السهيلي. ورواه البيهقي، وكان شديداً بلغ من شدته أنه كان
يقف على جلد البقرة، ويجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه،
فيتغرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله وَلل إلى المصارعة
وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله رَّير فلم يؤمن. وفي
قصته طول.
وفي البخاري من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم
عن رسول الله وَله يوم حنين؟ فقال: فأكببنا على المغانم فاستقبلنا
بالسهام. ولقد رأيت النبي ◌َّ وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا
سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا
ابن عبد المطلب(٢).
(١) كذا وقع للمصنف، وصوابه: عن أبي جعفر عن أبيه محمد الخ ...
(٢) رواه البخاري برقم ٢٨٦٤ .
- ٣٦٥ -
وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه في مثل هذا
اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة
ليست بسريعة الجري، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب، ومع ذلك
يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه صلوات الله
وسلامه عليه.
وفي حديث البراء (١): كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله
حَالخير(٢). أي جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.
[جوده وكرمه ( آلآت ]
وأما ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة
غريزية، وفي مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله
تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾(٣) فحكم
بالفلاح لمن وقي الشح، وحكم بالفلاح أيضاً لمن أنفق وبذل فقال:
﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم
المفلحون﴾ (٤) والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين.
وليس الشح من الآدمي بعجيب، لأنه جبلي فيه، وإنما العجب
وجود السخاء في الغريزة.
والسخاء أتم وأكمل من الجود، وفي مقابلته البخل. وفي مقابلة
١/١٥٨ السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق / إليهما الاكتساب بطريق
(١) كلمه (البراء) في الأصل وليست في النسخ.
(٢) رواه مسلم.
(٣) سورة الحشر، الآية ٩.
(٤) سورة البقرة، الآيتان ٣ و٥.
- ٣٦٦ -
العادة، بخلاف الشح والسخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة،
فكل سخي جواد وليس كل جواد سخياً. والجود يتطرق إليه الرياء،
ويأتي به الإنسان متطلعاً لغرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو
غير ذلك من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء إلى
السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه
في عوارف المعارف.
وقد كان رسول الله وَلجر أحسن الناس وأشجع الناس وأجود
الناس. رواه البخاري ومسلم من حديث أنس.
وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن
ينبغي، ومعناه: هو أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس
ومزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله
أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك يكون أجود
[الناس](١)، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم،
لأنها أمهات الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: إحداها
الغضبية، وكمالها الشجاعة، وثانيها، الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها
العقلية وكمالها النطق بالحكمة.
وفي رواية لمسلم عنه: ما سئل رسول الله وَلّ شيئاً إلا أعطاه،
فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم
أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.
وعنده أيضاً عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله
(١) زيادة في (ش، ب).
- ٣٦٧ -
* ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه
لأحب الناس إلي.
قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم
مائة .
وفي مغازي الواقدي: إن النبي وَّر أعطى صفوان يومئذ وادياً
مملوءاً إيلاً ونعماً، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
هذا الذي لا يتقي فقرأً إذا يعطي (١) ولو كثر الأنام وداموا (٢)
واد من الأنعام أعطى آملا(٣) فتحيرت لعطائه الأوهام
وإنما أعطاه ذلك لأنه ولي علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء
وهو الإحسان فعالجه به حتى برئ من داء الكفر وأسلم، وهذا من
كمال شفقته ورحمته ورأفته وَ ل إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من
حر النيران إلى برد لطف الجنان.
وكان علي إذا وصفه وَ الّ قال: كان أجود الناس كفاً، وأصدق
الناس لهجة (٤).
وخرج ابن عدي - بإسناد فيه ضعف - من حديث أنس مرفوعاً:
أنا أجود بني آدم.
(١) في ش: أعطى .
(٢) أي: استمروا في الطلب.
(٣) أي: راجياً، أو مؤملاً.
(٤) رواه الترمذي .
- ٣٦٨ -
فهو ◌َل بلا ريب أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم
وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده
بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار
دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم
ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولقد أحسن ابن
جابر حيث قال:
ووجهه بين منهل ومنسجم
یروی حدیث الندی والبشر عن یده
بحر ومن فمه در لمنتظم
من وجه أحمد لي بدر ومن يده
والمزن من كل هام الودق مرتكم
يمم نبياً تباري الريح أمله
لم تلق أعظم بحر منه إن تعم/ ١٥٨/ب
لو عامت الفلك فیما فاض من يده
به ودع كل طامي الموج ملتطم
تحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ
كل الأنام وروت قلب كل ظمي
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار
السحاب من غمائم يمينه.
روى البخاري من حديث جابر: (ما سئل رسول الله وَله عن
شيء قط فقال: لا) وكذا عند مسلم، أي ما طلب منه شيء من أمر
الدنيا فمنعه.
قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم (١)
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر: ليس المراد
(١) هذا البيت من قصيدة في مدح زين العابدين علي بن الحسين.
- ٣٦٩ -
أنه يعطي ما يطلب منه جزماً، بل المراد: أنه لا ينطق بالرد، بل إن
كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغاً وإلا سكت. قال: وقد ورد
بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: إذا
سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو
قريب من حديث أبي هريرة؛ ما عاب طعاماً قط، إن اشاتهاه أكله وإلا
ترکه.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقل: لا، منعاً
للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذاراً كما في قوله تعالى:
﴿قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه﴾(١)، ولا يخفى الفرق بين قوله: لا
أجد ما أحملكم وبين لا أحملكم انتهى.
وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري: لما سأله الأشعريون
الحملان فقال وَالطيار: ما عندي ما أحملكم(٢).
لكن يشكل عليه أنه وَ الر حلف لا يحملهم فقال: والله لا
أحملكم (٣) فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما
ليس عنده والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا
يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال
السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو اقتصر في جوابه على السكوت
مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلاً، ويكون القسم على ذلك
تأكيداً لقطع طمع السائل، والسر في الجمع بين قوله: لا أجد ما
أحملكم وقوله: والله لا أحملكم أن الأول لبيان أن الذي سئله لم يكن
(١) سورة التوبة، الآية ٩٢ .
(٢) رواه الشيخان.
(٣) رواه الشيخان.
- ٣٧٠ -
موجوداً عنده، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلاً
أو بالاستیهاب، إذ لا اضطرار حينئذٍ.
وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على
حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها.
قال(١): وجاءه رجل، فقال ما عندي شيء ولكن ابتع علي،
فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر،
فكره النبي ◌َّر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا
تخف من ذي العرش إقلالاً، فتبسم وَّ وعرف البشر في وجهه.
وقال: بهذا أمرت.
وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.
وذكر ابن فارس في كتابه ((في أسماء النبي بَّة)) أنه في يوم حنين
جاءت امرأة فأنشدت شعراً تذكره أيام رضاعته في هوازن فرد عليهم
ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيراً حتى قوم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان
خمسمائة ألف ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع
بمثله في الوجود.
وفي البخاري من حديث أنس: أنه أتي بمال من البحرين فقال:
انثروه - يعني صبوه - في المسجد، وكان أكثر مال أتي به النبي وَيّر ،
فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه،
فما كان يرى أحداً إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: أعطني، فإني
فاديت نفسي وفاديت عقيلاً، فقال له خذ، فحثا في ثوبه ثم ذهب
يقله / فلم يستطع، فقال يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه إلى، قال: ١/١٥٩
(١) أي روى الترمذي في الشمائل.
- ٣٧١ -
لا، قال: فارفعه أنت علي، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم
يستطع فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا، قال:
فارفعه أنت قال: لا، ثم نثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله فانطلق،
فما زال النبي ◌َّ﴿ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجباً من حرصه، فما
قام وَ لّ وثم منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلاً: كان
مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين،
قال: وهو أول مال حمل إليه وَالت .
وسايره جابر على جمل له، فقال له رَله: بعني جملك، فقال:
هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: بل بعنيه، فباعه إياه
وأمر بلالاً أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال ◌َّر: اذهب بالثمن والجمل
بارك الله لك فيهما. مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن ورد عليه
الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم
وغيرهما .
وقد كان جوده ◌ّ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل
المال تارة لفقير أو لمحتاج وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على
الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك
مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر
والشهران لا توقد في بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من
الجوع.
وكان ◌َّ قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة
البيت وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين
- ٣٧٢ -
بالتسبيح والتكبير والتحميد، وقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة
تطوي بطونهم من الجوع(١).
وأتته امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها
وَل ﴿ محتاجاً إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا
رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها فقال: نعم، فلما قام وَ لَ لامه
أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي وَل ◌َل أخذها محتاجاً إليها
ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه. رواه البخاري
من حدیث سهل بن سعد.
وفي رواية ابن ماجه والطبراني قال: نعم، فلما دخل طواها
وأرسل بها إليه.
وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أنه وَ الر أمر أن يصنع له
غيرها فمات قبل أن يفرغ منها.
وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه وَّ وسعة جوده.
واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة
التصوف من المشايخ تبركاً بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ
للمريد بحديث أنه ومليّ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم(٢).
[رواه البخاري](٣).
(١) رواه أحمد.
(٢) عن أم خالد أتي النبي ◌َّر بثياب فيها خميصه سوداء صغيرة، فقال: من
ترون نكسو الخميصة فسكت القوم، قال: ائتوني بأم خالد فأتي بها تحمل
فأخذ الخميصة بيده فألبسها ..
(٣) زيادة في (ش، ب).
- ٣٧٣ -
لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصري لبسها من
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه
باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر ليس في شيء من طرقها
ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه وَلّ ألبس
الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر
أحداً من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحاً في ذلك فباطل.
قال: ثم إن من الكذب المفترى قول من قال: إن علياً ألبس الخرقة
الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعاً
فضلاً عن أن يلبسه الخرقة .
وكذا قال الدمياطي والذهبي والعلاء ومغلطاي والعراقي
١٥٩/ب والأبناسي(١) والحلبي / وغيرهم مع (٢) كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها
تشبهاً بالقوم، نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة له المتصلة إلى كهيل بن
زياد(٣)، وهو صحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه من غير خلف
في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل.
وفي بعض الطرق(٤) اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر
ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وهذه صحبة لا
(١) نسبة إلى أبناس قرية صغيرة بالوجه البحري من أرض مصر.
وهو العلامة إبراهيم بن موسى بن موسى، الشافعي الورع، الزاهد المحقق
ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة وصنف وأخذ عن الأسنوي وغيره وتوفي
سنة اثنتين وثمانمائة .
(٢) في (أ، ط) من.
(٣) ثقة، رمي بالتشيع، كان شريفا مطاعاً. قتله الحجاج سنة اثنتين وثمانين.
(٤) للخرقة .
- ٣٧٤ -
مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفي بمجرد الصحبة كالشاذلية وشيخنا
أبي إسحاق المتبولي.
وكان الشيخ يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهد
واللبس وله في ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده
العارف المسلك سيدي علي، مع إلباسه لي الخرقة والتلقين والعهد.
وللشيخ قطب الدين القسطلاني ((ارتقاء الرتبة في اللباس
والصحبة)) (١) والله يهدينا إلى سواء السبيل (٢).
(١) اسم كتاب.
(٢) مما لا شك فيه أن قضية لبس الخرقة لا أصل له في الدين، وهو من
البدع التي أحدثت بعده وَله، ولم يكن للرسول وَلهو لباس خاص به، بل
كان يلبس ما تيسر له، وكان يلبس ما يلبسه قومه. [المحقق].
- ٣٧٥ -
الفصل الثالث
فيما تدعو ضرورته اليه وح لا من
غذائه وملبسه ومنکحه وما يلحق بذلك
وفيه أربعة أنواع:
النوع الاول
في عيشه ◌َّ في المأكل والمشرب
[تناول الطعام ضرورة]
اعلم أن تناول الطعام أصل كبير، يحتاج إلى علوم كثيرة، لاشتماله
على المصالح الدينية والدنيوية، وتعلق أثره بالقلب والقالب، وبه قوام
البدن بإجراء سنة الله تعالى بذلك، والقالب مركب القلب، وبهما عمارة
الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوان يستعان به على
عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة
الآخرة، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين.
قال الغزالي: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم
والعمل، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة
- ٣٧٦ -
البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجات، على
تكرار الأوقات.
فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من
الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: ﴿كلوا من
الطيبات واعملوا صالحاً﴾(١)، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم
والعمل، ويقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه سدى،
يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإنما هو ذريعة إلى
الدين ووسيلة إليه، ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه، وإنما نور الدين
وآدابه وسننه، التي يزم العبد بزمامها، ويلجم المتقي بلجامها، حتى
يزن بميزان الشرع، شهوة الطعام(٢) في إقدامها واحجامها، فيصير
بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر.
[بدعة الشبع]
واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد روى
النسائي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معدي
كرب أن رسول الله وَ لّه قال: ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه،
حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث
للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس(٣).
قال القرطبي في شرح ((الأسماء)) كما نقله شيخ الإسلام
(١) سورة المؤمنون، الآية ٥١ .
(٢) أي: إنما نور الدين مراعاة شهوة الطعام بتناول الحلال وترك الحرام.
(٣) قال في الفتح إسناده حسن.
- ٣٧٧ -
والحفّاظ (١) ابن حجر: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه
الحكمة .
وقال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان،
ولأنه لا يدخل البطن سواها.
وهل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر، أو التقسيم على
ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال.
وقد صح (٢)، (المؤمن يأكل في معى واحد - وهي بكسر الميم
١/١٦٠ مقصور: المصارين - والكافر / يأكل في سبعة أمعاء) وليست حقيقة
العدد مرادة، وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير، والمعنى: أن المؤمن
من شأنه التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود
الشرع من الأكل ما سد الجوع، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضاً من
حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك.
وعند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة
أمعاء بعدها متصلة بها: البواب ثم الصائم ثم الرقيق، والثلاثة
رقاق، ثم الأعور والقولون والمستقيم وطرفه الدبر، وكلها غلاظ، وقد
نظمها زين الدين العراقي في قوله:
معدة بوابها مع صائم
سبعة أمعاء لكل آدمي
المستقيم مسلك المطاعم
ثم الرقيق أعور قولون مع
فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكل بشرهه لا يشبعه إلا ملء
أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد.
ولا يلزم من هذا الحديث اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد
(١) كذا في النسخ على أنها صفة لشخص واحد. وفي ش: الحافظ.
(٢) في الصحيحين وغيرهما.
- ٣٧٨ -
يكون في المؤمنين من يأكل كثيراً، إما بحسب العادة أو لعارض يعرض
له من مرض باطن أو لغير ذلك. ويكون في الكفار من يأكل قليلاً إما
لمراعاة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان،
وإما لعارض كضعف المعدة.
ومحصل القول إن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع
بالبلغة، بخلاف الكافر. وقيل: المراد أن المؤمن يسمى الله عند طعامه
وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر. وقيل:
المراد بالمؤمن - في هذا الحديث - التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه
وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه
شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته كما
ورد في حديث لأبي أمامة رفعه: من كثر تفكره قل مطعمه، ومن قل
تفكره كثر مطعمه، وقسا قلبه. وقالوا: لا تدخل الحكمة معدة ملئت
طعاماً، ومن قل طعامه قل شربه وخف منامه، ومن خف منامه
ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل
نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن
اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملا من الطعام ساء غذاء
بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.
وعن ابن عباس قال ◌َله: إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل
الجوع غداً في الآخرة. رواه الطبراني.
وعن سلمان(١) وأبي جحيفة(٢) أن النبي و سل﴿ل قال: إن أكثر
الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة(٣).
(١) عند ابن ماجه والحاكم بسند لين، كما قال الحافظ.
(٢) عند البزار بسند ضعيف.
(٣) في ط: يوم القيامة.
- ٣٧٩ -
[قلة الطعام في أبياته وَل﴾ ]
وقالت عائشة؛ لم يمتلىء جوف النبي وَلَّ شبعاً قط. وإنه كان في
أهله لا يسألهم طعاماً ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل،
وما سقوه شرب.
وقولها: لم يمتلىء جوف النبي ◌َّ شبعاً قط، محمول على الشبع
الذي يثقل المعدة ويثبط صاحبه عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر
والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهى كراهته إلى التحريم بحسب ما
يترتب عليه من المفسدة، وليس المراد بالشبع النسبي المعتاد في الجملة،
ففي صحيح مسلم: خروجه بَّ وصاحبيه من الجوع وذهابهم إلى
بيت الأنصاري، وذبحه الشاة. وفيه: فلما أن شبعوا ورووا. قال
النووي: فيه جواز الشبع، وما جاء في كراهته محمول على المداومة
عليه .
وعن أبي هريرة قال: ما شبع آل محمد وَلاير من طعام ثلاثة أيام
١٦٠/ب تباعاً حتى قبض. رواه الشيخان. /
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله وَليل يبيت الليالي المتتابعة
وأهله طاوياً لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير(١). رواه
الترمذي وصححه(٢).
وفي حديث مسعر عند مسلم: ما شبع آل محمد يومين من خبز
البر، إلا وأحدهما تمر.
وأخرج ابن سعد من طريق عمران بن زيد المدني: حدثني والدي
(١) في ش: وإنما كان عشاؤهم خبز الشعير.
(٢) وكذا رواه أحمد وابن سعد.
- ٣٨٠ -