النص المفهرس

صفحات 341-360

يأكل متكئاً بعد ذلك حتى فارق الدنيا. وقد قال رَله: لا تطروني كما
أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدالله، فقولوا: عبدالله ورسوله،
رواه الترمذي(١).
ومن تواضعه وَلي أنه لا ينهر خادماً، روينا في كتاب الترمذي(٢)
عن أنس قال: خدمت النبي وَّل عشر سنين، فما قال لي أف قط ولا
قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟
وكذلك كان ◌َليّ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحداً قط،
وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربانية.
وفي رواية مسلم: ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله وَلايقل شيئاً قط بيده، ولا
امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط
فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه
مسلم .
وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله وَ ل ◌ّ إذا خلا في بيته؟
قالت: ألين الناس، بساماً ضحاكاً، لم ير قط ماداً رجليه بين
أصحابه(٣).
وعنها: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله مَ له ما دعاه
أحد من أصحابه إلا قال لبيك (٤).
(١) ورواه البخاري من حديث عمر.
(٢) وهو في الصحيحين.
(٣) رواه ابن سعد وغيره.
(٤) قال السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء: رواه أبو نعيم في الدلائل.
- ٣٤١ -

وعند أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان عنها: كان رَله يخيط
ثوبه ويخصف نعله، وفي رواية لأحمد: ويرقع دلوه، وعنده أيضاً: يفلي
ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه.
وهذا يتعين حمله على أوقات فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة
يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة.
وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بني قريظة على
حمار مخطوم بحبل من ليف رواه الترمذي .
١/١٥٣
وعن قيس بن سعد قال: زارنا/ رسول الله وصل﴿ فلما أراد
الانصراف قرب له سعد حماراً وطأ عليه بقطيفة، وركب وَلّ ثم قال
سعد: يا قيس، اصحب رسول الله وَلفيه، قال قيس: فقال لي رسول
الله وَ لّ اركب، فأبيت، فقال: إما أن تركب وإما أن تنصرف. وفي
رواية أخرى: اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها، رواه أبو
داود وغيره.
وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله
وَل من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول
اللّهِ وَلّ رديف رسول الله وَالله، إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال
رسول الله وَر إنها أمكم، فشددت الرحل، وركب رسول الله مح له ،
الحديث .
والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب
بإذنه .
وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي وَّ ليس بيني وبينه إلا
آخرة الرحل. وقد ركب ◌َ ل# على حمار على إكاف عليه قطيفة فدكيه
أردف أسامة وراءه.
- ٣٤٢ -

ولما قدم والر مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحداً
بين يديه، وآخر خلفه (١). وقال ابن عباس: أتى رسول الله وله
[مكة](٢) وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل
بین یدیه، رواه البخاري.
وذكر المحب الطبري في مختصر السيرة النبوية له، أنه وَل ركب
حماراً عرياً إلى قباء وأبو هريرة معه، قال: يا أبا هريرة أأحملك؟ فقال:
ما شئت يا رسول الله، فقال: اركب، فوثب أبو هريرة ليركب فلم
يقدر فاستمسك رسول الله وَ لقر فوقعا جميعاً. ثم ركب بَّر ثم قال يا
أبا هريرة أأحملك؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: اركب، فلم
يقدر فتعلق برسول الله وَّةٍ فوقعا جميعاً، ثم قال: يا أبا هريرة
أأحملك؟ فقال: لا والذي بعثك بالحق لا رميتك ثالثاً.
وذكر المحب الطبري أيضاً: أنه وسل ◌ّ كان في سفر، وأمر أصحابه
بإصلاح شاة فقال رجل يا رسول الله علي ذبحها، وقال الآخر: يا
رسول الله، علي سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، علي طبخها،
فقال رسول الله وقالله: علي جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نكفيك
العمل، فقال: قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم،
فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه. انتهى.
ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبع (٣)، نعم رأيت في جزء تمثال
النعل الشريف لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبدالله بن
عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنت مع النبي ◌َّ في الطواف فانقطعت
(١) رواه البخاري.
(٢) في ش.
(٣) قد أنكره السخاوي فقال: لا أعرفه.
- ٣٤٣ -

شسعه فقلت يا رسول الله ناولني أصلحه، فقال هذه أثرة ولا أحب
الأثرة.
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى،
والأثرة: الاستئثار وهو الإنفراد بالشيء. قال وكأنه كره وَالقر أن ينفرد
أحد بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم ويكون
له وَ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك وح لول لتواضعه وعدم ترفعه
على من يصحبه.
ويؤيده ما روي أنه الَّله أراد أن يمتهن نفسه في شيء فقالوا:
١٥٣/ب نحن نكفيك يا رسول الله، / قال: قد علمت أنكم تكفوني ولكني
أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين
أصحابه. انتھی.
ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشتهرة حكى ذلك والله الموفق.
وعن أبي قتادة: وفد وفد النجاشي، فقام النبي ◌َّ يخدمهم،
فقال له أصحابه: نكفيك، قال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا
أحب أن أكافئهم، ذكره في الشفاء(١).
وفي البخاري: عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي وَّ النخلات
حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ◌َّ فأسأله
الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان ◌َلقّ قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم
أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلا والذي لا إله غيره لا
نعطيكم وقد أعطانيها - أو كما قال - والنبي وَل يقول: لك كذا،
وتقول كلا والله، حتى أعطاها - حسبت أنه قال - عشرة أمثاله. أو كما
قال .
(١) وأخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل.
- ٣٤٤ -

وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبه مؤبدة وتمليكاً
الأصل الرقبة، وأراد النبي ◌َ و استطابة قلبها في استرداد ذلك فلاطفها
وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه صوصط
وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من
فرط جوده وكثرة حلمه وبره وَليد .
وجاءته وملي امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك
حاجة، فقال: اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك(١)،
وفي رواية مسلم: حتى أقضي حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق
حتى فرغت من حاجتها.
ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه وَله .
وقال عبدالله بن أبي الحمساء - بالحاء المهملة المفتوحة والميم
الساكنة والسين المهملة وفي آخره همزة ممدودة -: بايعت النبي وَلّ قبل
أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت
فذكرت بعد ثلاث فإذا هو في مكانه فقال: لقد شققت علي، أنا هاهنا
منذ ثلاث أنتظرك. رواه أبو داود.
وقال ابن أبي أوفى: كان عليه السلام لا يأنف أن يمشي مع
الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي. وفي رواية
البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله وَ لل فتنطلق به حيث
شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعنده أيضاً: إن
كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله وجلاله ،
فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
(١) الحديث في الصحيحين.
- ٣٤٥ -

والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد.
وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون
الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء، أي: أي أمة
كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة
إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه
مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك. وهذا من مزيد تواضعه
وبراءته من جميع أنواع الكبرة وَلاته .
ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في
سجوده حتى نزل الحسن، فلما فرغ قال له بعض أصحابه: يا رسول
الله قد أطلت سجودك. قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله(١).
أي جعلني كالراحلة فركب على ظهري.
وكان ◌َّيّ يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذي في
الشمائل.
وحج وَّر على رحل رث وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم.
فقال: اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة (٢).
١/١٥٤
وكان ير إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها / الماء،
فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس
يده فيها. رواه مسلم والترمذي .
(١) رواه أحمد. المسند ٤٩٤/٣ [المحقق].
(٢) رواه ابن ماجه والترمذي في الشمائل والبيهقي. أقول: قال في فتح الباري:
إسناده ضعيف ٣٨١/٣ [المحقق].
- ٣٤٦ -

[عشرته أهله الفر]
وكان ◌َّ حسن العشرة مع أزواجه، وكان ◌َّ ينام مع
أزواجه .
قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه مع مواظبته وليه
على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام
وتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف.
وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل،
لا سيما إذا عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها
الجماع والله أعلم.
وقد كان عليه يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. رواه
الشيخان .
وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب
رواه مسلم .
وإذا تعرقت عرقاً - وهو العظم الذي عليه اللحم - أخذه فوضع
فمه على موضع فمها. رواه مسلم أيضاً.
وكان يتكئ في حجرها، ويقبلها وهو صائم. رواه الشيخان.
وكان يريها الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على
منكبه رواه الشيخان. ورواه الترمذي بلفظ: قام وَلايقر فإذا حبشة
تزفن(١) والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت
فوضعت لحبي على منكب رسول الله وَ﴿ فجعلت أنظر إليها ما بين
(١) أي: ترقص.
- ٣٤٧ -

المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت أما شبعت فجعلت أقول: لا ،
لا. وقال حسن صحيح غريب.
وروي أنه رَلر سابقها فسبقته، ثم سابقها بعد ذلك فسبقها،
قال: هذه بتلك. رواه أبو داود بلفظ: سابقته في سفر فسبقته على
رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة.
وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يوماً عند رسول الله وله في
بيت عائشة رضي الله عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أم
سلمة، فوضعت بين يدي النبي وَلّ فقال: ضعوا أيديكم، فوضع
نبي الله [يده](١) ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعاماً عجلته
قد رأت الصحفة التي أتي بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به
فوضعته ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله والمليار :
كلوا بسم الله، غارت أمكم، ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال:
طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء. رواه الطبراني في الصغير.
وهو عند البخاري بلفظ: كان عند بعض نسائه، فأرسلت
إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها
يد الخادم فسقطت الصحفة وانفلقت، فجمع النبي ◌َ ل ير فلق الصحفة
ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت
أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها،
فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت
التي کسرت.
وعند أحمد وأبي داود والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة
(١) زيادة في ش.
- ٣٤٨ -

طعاماً مثل صفية، أهدت إلى النبي ◌َّل﴿ إناء من طعام، فما ملكت
نفسي أن كسرته، فقلت يا رسول الله ما كفارته؟ قال: إناء كإناء وطعام
كطعام. وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها
وكسرتها، فقام ◌َّيه يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: غارت أمكم،
فلم يثرب عليها.
فوسع خلقه الكريم آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى
عليها بحكم الله في التقاص. وهكذا كانت أحواله ولير مع أزواجه،
لا یأخذ علیھن ویعذرهن، وإن أقام علیھن قسطاس / عدل أقامه بغیر ١٥٤/ب
قلق ولا غضب، بل رؤوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن،
عزيز عليه ما يعنتهم.
قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرى فيما
يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوباً بشدة الغضب
الذي أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة
مرفوعاً، إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. انتهى.
وعن عائشة رضي الله عنها: أتيت النبي ولو بخزيرة طبختها
له، وقلت لسودة - والنبي رََّ بيني وبينها -: كلي، فأبت، فقلت لها؛
كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطخن بها وجهك، فأبت
فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك النبي ◌َّ فوضع
فخذه لها وقال لسودة الطخي وجهها، فلطخت بها وجهي فضحك
وَل ◌ّ الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي وخرجه الملاء في
سيرته .
والخزيرة: لحم يقطع صغاراً ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر
عليه الدقيق.
- ٣٤٩ -

وبالجملة؛ فمن تأمل سيرته بَ له مع أهله وأصحابه وغيرهم من
الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من
رقة القلب ولينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد
في حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك.
[مباسطته وَال﴾ أصحابه]
وقد كان ◌َله يباسط أصحابه بما يولج حبه في القلوب، كان له
رجل من البادية يسمى زهيراً(١)، وكان يهادي النبي وَلّ بموجود البادية
بما يستطرف منها، وكان ◌َّ يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما
يستطرف منها، وكان ◌َل﴿ يقول: زهير باديتنا، ونحن حاضرته، وكان
وَّر يحبه، فمشى ◌َليل يوماً إلى السوق فوجده قائماً، فجاء من قبل ظهره
وضمه بيده إلى صدره فأحس زهير أنه رسول الله وَ له، قال: فجعلت
أمسح ظهري في صدره رجاء بركته.
وفي رواية الترمذي في الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره،
فقال أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي وَ لّ فجعل لا يألو ما
ألصق ظهره بصدر النبي ◌َّلر حين عرفه، فجعل رسول الله وعليه
يقول: من يشتري العبد، فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدني
كاسداً، فقال وَلّ: أنت عند الله غال، وفي رواية للترمذي أيضاً:
لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال.
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلاً كان يهدي للنبي
** العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى
(١) الذي في الشمائل وغيرها: زاهر: وفي الإصابة: زاهر بن حرام الأشجعي.
- ٣٥٠ -

النبي ول فقال: أعط هذا [حق](١) متاعه، فما يزيد النبي وَّ أن
يتبسم، ويأمر به فيعطى.
ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى
المدينة طرفة إلا اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا
أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا
الثمن، فيقول: ألم تهده لي فيقول ليس عندي، فيضحك ويأمر
لصاحبه بثمنه .
[مزاحه عليه السلام]
وكان ◌َلّه يمزح ولا يقول إلا حقاً، كما روى أبو هريرة(٢)، وقد
قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملني، فباسطه وَلخير من
القول بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، فقال: أحملك على
ابن الناقة. فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة فقال: يا
رسول الله، ما عسى يغني عني ابن الناقة، فقال له وَليّ: ويحك وهل
يلد الجمل إلا الناقة. روى حديثه الترمذي وأبو داود(٣).
وباسط عمته صفية وهي عجوز فقال لها: إن الجنة لا تدخلها
عجوز، فلما جزعت قال لها: إنك تعودين / إلى صورة الشباب في ١/١٥٥
الجنة. وفي رواية الترمذي عن الحسن: أتته وَل ﴿ عجوز فقالت: يا
رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة
لا يدخلها عجوز، قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها
(١) في ط .
(٢) أخرجه الترمذي وغيره.
(٣) وكذا أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
- ٣٥١ -

وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن
أبكاراً﴾(١) وذكره رزین.
وكان ◌َيّ يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم. ويأخذ
معهم في تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، ومع
ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد الله به.
والدعابة : - بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف
موحدة - هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره.
وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة؛ قالوا يا
رسول الله، إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقاً.
وما ورد عنه ◌َّله في النهي عن المداعبة محمول على الإفراط، لما
فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك.
والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب
نفس المخاطب - كما كان هو فعله وَل ـ فهو مستحب.
وقال أنس: كان رسول الله وَّ أحسن الناس خلقاً، وكان لي
أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل علي النبي
وَ* ذات يوم فرآه حزيناً فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال: يا
أبا عمير ما فعل النغير، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية الترمذي
قال أنس: كان رسول الله وَّ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير يا أبا
عمير ما فعل النغير.
قال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو
طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان.
(١) سورة الواقعة، الآية ٣٥.
- ٣٥٢ -

وكان قد ألقي عليه مع الدعابة المهابة، ولقد جاء إليه ويليه رجل
فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: هون عليك،
فإني لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد
بمكة، فنطق الرجل بحاجته، فقام وس فير فقال: يا أيها الناس إني أوحي
إلي أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر
أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخواناً(١).
فسكن و 8 روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وسلب
عنه وصف الملوكية بقوله: فإني لست بملك، لما يلزمها من الجبروتيه،
وقال: إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد، تواضعاً، لأن القديد مفضول،
وهو مأكول المتمسكنة.
ولما رأته وَله قيلة بنت مخرمة في المسجد، وهو قاعد القرفصاء،
ارتعدت من الفرق. رواه أبو داود.
وروى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاصي قال: صحبت
رسول الله وَ﴿، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيماً له، ولو قيل
لي صفه لما قدرت، أو كما قال.
وإذا كان هذا قوله وهو من أجلة الصحابة، ولولا أنه وَلخير كان
يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا
أن يسمع كلامه عليه الصلاة والسلام لما رزقه الله تعالى من المهابة
والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روي أنه وهيلر كان إذا فرغ من ركوع
الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلا اضطجع بالأرض ثم
(١) أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي مسعود البدري، والحاكم أيضاً
من حديث جرير.
- ٣٥٣ -

خرج بعد ذلك إلى الصلاة، وما ذاك إلا أنه وَ لّ لو خرج على تلك
الحالة التي كان عليها، وما حصل له من القرب والتداني في مناجاته
وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف
بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان ◌َلّ يتحدث مع
عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو
١٥٥/ب التأنيس / مع عائشة، أو جنس أصل الخلقة التي هي الأرض. ثم
يخرج إليهم، وما ذاك إلا رفقاً بهم، وكان بالمؤمنين رحيماً. قاله ابن
الحاج في المدخل.
وقد جاء في الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبياً ملكاً، أو نبياً
عبداً نظر وصل إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير
إلى التواضع، فاختار سير العبودية، فلما كان تواضعه وله إلى الأرض
حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف
الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى.
ووقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس
سنين، فمج ربَّ في وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان
في ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي وَلِ ◌ّه
إلا تلك المجة، فعد بها من الصحابة وحديثه مذكور في البخاري.
ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله،
فنضح الماء في وجهها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم
يتغير، فكان ماء الشباب ثابتاً في وجهها ظاهراً في رونقها وهي عجوز
كبيرة. وحديثها مذكور في البخاري.
- ٣٥٤ -

فقد علمت أنه وَّ كان مع أصحابه وأهله، ومع الغريب
والقريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من
لقيه، والوقوف مع من استوقفه والمزح بالحق مع الصغير والكبير
أحياناً، وإجابة الداعي ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه
أنه أحبهم إليه .
وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجباً أو مستحباً أو مباحاً، فكان
يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيؤوا بنور هدايته في ظلمات دياجي
الجهل، ويقتدوا بهديه وَلد .
[مجالسه رَ لتر مع أصحابه]
وقد كانت مجالسه مع أصحابه رضي الله عنهم عامتها مجالس
تذكير بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من
الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما نفع في الدين، كما أمره الله تعالى
أن يذكر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة
الحسنة، وأن يبشره وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب
لأصحابه رقة القلوب، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، كما ذكره
أبو هريرة فيما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قلنا يا
رسول الله، مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا في الدنيا وكنا من
أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا
وأنكرنا أنفسنا. فقال وَالر: لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على
حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في بيوتكم. الحديث.
وقوله: عافسنا : - بالعين المهملة بعد الألف فاء فسين مهملة
ساكنة - أي: عالجنا أهلنا ولاعبناهم.
- ٣٥٥ -

[جوانب من تواضعه {َ الآد]
ومن تواضعه وَلّ أنه ما عاب ذواقاً قط، ولا عاب طعاماً قط،
إن اشتهاه أكله وإلا تركه رواه الشيخان.
وهذا إن كان الطعام مباحاً، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى
عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن
كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله تعالى لا تعاب،
وصنعة الآدميين تعاب. قال في فتح الباري: والذي يظهر: التعميم،
فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكدة: أن لا يعاب، كقوله:
مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك.
ومن تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين، فقال اعلاه:
لا تسبوا الدنيا، ثم مدحها فقال: نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ
١/١٥٦ الخير، وبها ينجو من الشر. وقال: لا تسبوا الدهر/، رواه البخاري
من حديث أبي هريرة بلفظ: ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الله هو
الدهر. وفي لفظ له: يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل
والنهار. وعند مسلم في حديث بلفظ: لا يسب أحدكم الدهر.
ومحصل ما قيل في تأويله، ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بقوله: إن الله هو الدهر، أي: المدبر
للأمور.
ثانيها: أنه على حذف مضاف. أي: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقبه بقوله في رواية
البخاري: بيدي الليل والنهار.
- ٣٥٦ -

وقال المحققون: من نسب شيئاً من الأفعال إلى الدهر حقيقة
كفر، ومن هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن
يكره ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق.
وما خير وَله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن
كان إثماً كان أبعد الناس منه. رواه البخاري.
أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيها، وأبهم ((فاعل)) خير
ليكون أعم، من قبل الله أو من قبل المخلوقين. وقوله: إلا اختار
أيسرها و(١) قوله: ما لم يكن إثماً: أي ما لم يكن الأسهل مقتضياً للإثم
فإنه حينئذٍ يختار الأشد.
وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما
لم يكن الله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه
من قبل المخلوقين واضح.
ومن تواضعه ولو أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس
أنه قال: مر النبي ◌َلّل بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله
واصبري، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها
ومضى. فمر بها رجل فقال لها؛ ما قال لك رسول الله و الخير؟ قالت:
ما عرفته، قال: إنه لرسول الله وَليره. قال فجاءت إلى بابه فلم تجد
عليه بواباً. الحديث رواه البخاري.
لكن في حديث أبي موسى: أنه كان بواباً للنبي وَل ◌ّ لما جلس
على القف(٢).
(١) أي مع قوله.
(٢) القف: الدكة يجعل حول البئر. والحديث متفق عليه: وفيه ثم انصرفت =
- ٣٥٧ -

وجمع بينهما: بأنه ◌َّ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد
من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة
إليه .
وفي حديث عمر حين استأذن له الأسود في قصة حلفه أن لا
يدخل على نسائه شهراً، ففيه: أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ
بواباً، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح
استأذن لي. لكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن
يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما
أذن له اطمأن.
وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم.
فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجباً.
وذهب آخرون: إلى جوازه.
وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير
وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذٍ لیرتب
الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله أعلم.
[حياؤه {[*]
وأما ما روي من حيائه وَل#، فحسبك ما في البخاري من
حديث أبي سعيد: كان رسول الله وَلّ أشد حياء من العذراء في
خدرها .
= فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول الله بسلام . زاد في الأدب
المفرد: ولم يأمرني.
- ٣٥٨ -

والعذراء: هي البكر.
والخدر : - بكسر الخاء المعجمة - أي في سترها.
وهو من باب التتميم، لأن العذراء في الخدر(١) يشتد حياؤها
أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة / وقوع الفعل بها. ١٥٦/ب
فالظاهر: أن المراد تقييده [بما](٢) إذا دخل عليها في خدرها لا حيث
تکون منفردة فیه .
والحياء - بالمد - وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو
مقصور. وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة
الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حياً كان الحياء أتم.
وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب
به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من
لوازمه .
وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير
في حق ذي الحق.
وقال ذو النون(٣): الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما
يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء يسكت، والخوف يقلق.
(١) كذا في (ط، ب) في النسخ الخلوة. والأول أنسب لعود الضمير بالتذكير:
منه .
(٢) في ش.
(٣) ثوبان بن إبراهيم أحد المشايخ المذكورين في رسالة القشيري. حدث عن
مالك، وعنه الجنيد كان أوحد وقته علماً وأدباً وورعاً مات سنة خمس
وأربعين ومائتين.
- ٣٥٩ -

وقال يحيى بن معاذ(١): من استحيا من الله مطيعاً استحيا منه وهو
مذنب. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعناه: أن من غلب عليه خلق
الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحي
خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحيا الله من نظره إليه في تلك الحالة
لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه ما يشينه عنده. وفي الشاهد(٢)
شاهد بذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه
وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من
ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجاني. وهذا غاية الكرم.
وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها.
منها: حياء الكرم، كحيائه وَ ل من القوم الذين دعاهم إلى وليمة
زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم انصرفوا.
ومنها: حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في حال
غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه، فلا يدري ما سببه.
ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة
عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها، فعبوديته له
توجب استحياءه منه لا محالة.
ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من
رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحيياً من نفسه،
حتى كأن له نفسين، يستحي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون
(١) أحد العلماء المشهورين، الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر مات بنيسابور
سنة ثمان وخمسين ومائتين.
(٢) أي المشاهد المرئي.
- ٣٦٠ -