النص المفهرس

صفحات 261-280

• وقوله ◌َله: أخسر الناس صفقة من أذهب آخرته بدنيا
غيره .
وعند ابن النجار من حديث عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه
[وهو مما بيض له الديلمي](١): أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه
في آماله ولم تساعده الأيام على أمنيته، فخرج من الدنيا بغير زاد وقدم
على الله بغير حجة .
• وقوله وَّ: إن من كنوز البر كتمان المصائب(٢).
• وقوله ◌َالرّ : اليمين حنث أو ندم.
رواه أبو يعلى وابن ماجه إلا أنه قال: إنما الحلف.
• وقوله وَله: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعاقبه الله ويبتليك.
رواه الترمذي من حديث مكحول عن واثلة، وقال: حسن
غريب، وهو عند الطبراني أيضاً، وفي رواية لابن أبي الدنيا: فيرحمه
الله، بدل: فيعاقبه الله.
وروى الترمذي مرفوعاً: من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى
یعمله .
• وقوله وَل لأبي هريرة: جف القلم بما أنت لاق.
قال صاحب فتح المنة بشرح الأخبار لمحبي السنة (٣): هو كناية
عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد
الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على
(١) زيادة في ش.
(٢) رواه البيهقي وأبو نعيم بسند ضعيف.
(٣) هو الإمام البغوي.
- ٢٦١ -

الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي
لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
• وقوله وَلّ: اليوم الرهان وغداً السباق والغاية الجنة والهالك
من دخل النار(١).
• وقوله وَلّ: من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه
ضمنت له على الله الجنة .
رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر، وفي البخاري والترمذي
عن سهل بن سعد بلفظ: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه
أضمن له الجنة. والمراد بما بين لحييه: اللسان وما يأتي به النطق، وما
بين رجليه: الفرج، وقال الداودي: المراد بما بين اللحيين: الفم،
فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يأتي بالفم.
وفي لفظ: من توكل لي ما بين فقميه ورجليه أتوكل له بالجنة.
والفقم: بالضم والفتح: اللحى.
وفي لفظ آخر: من تكفل لي تكفلت له.
١/١٣٨
وللديلمي - بسند ضعيف - / عن أنس رفعه: من وُقي شر قبقبه
وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنة، ولفظ الإحياء: وقي يعني البطن من
القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنها حكاية ذلك الصوت،
ويجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام وشبهه، والذكر واللسان.
فهذا وأشباهه، مما يعسر استقصاؤه. يدلك على ذلك أنه دعا له
قد رقى من الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، وحاز
مرتبة لا يقدر فيها قدره صلى الله عليه وسلم .
(١) رواه الطبراني وغيره عن ابن عباس وفيه: أصرم بن حوشب، منكر
الحدیث.
- ٢٦٢ -

[وجه جامع في البلاغة]
ومما عد من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع
وقواعد الإسلام في أربعة أحاديث وهي:
حديث (إنما الأعمال بالنية) رواه الشيخان.
وحديث (الحلال بين والحرام بين) رواه مسلم(١).
وحديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)(٢).
وحديث (لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
رواه الشيخان.
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
والثاني: على ربع المعاملات
والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات.
والرابع: على ربع الآداب والمناصفات ويدخل تحته التحذير من
الجنايات. قاله ابن المنير.
[نماذج من بلاغته بغير لغة قريش]
ومما عدَّ أيضاً من أنواع بلاغته كلامه بَّ مع كل ذي لغة بليغة
بلغته اتساعاً في الفصاحة، واستحداثاً للألفة، فكان ◌َلّ يخاطب أهل
الحضر وبكلام ألين من الدهن وأرق من المزن، ويخاطب أهل البدو
بكلام أرسى من الهضب وأرهف من العضب.
(١) وكذا رواه البخاري وغيره.
(٢) رواه عبد الرزاق والبيهقي وابن عساكر والدارقطني عن ابن عمرو بن
العاصي بزيادة: إلا في القسامة. قال الحافظ: وهو حديث غريب معلول،
وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو أيضاً بلفظ: البينة على المدعى
عليه، وله شاهد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما.
- ٢٦٣ -

فانظر إلى دعائه لأهل المدينة وقد سألوه ذلك فقال: اللهم بارك
لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم ومدهم، وفي حديث آخر:
اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا،
وبارك لنا في مدنا. اللهم إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم
لمكة ومثله معه(١).
ثم انظر دعاءه لبني نهد وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام
طهفة بن رهم النهدي يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول الله من
غورى تهامة، بأكوار الميس، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصبير،
ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستجيل
الجهام، من أرض غائلة النطا، غليطة الوطا، قد نشف المدهن،
ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي،
ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث
الزمن، لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام، ما طمى البحر وقام تعار،
ولنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل،
أصابتها سنية حمراء مؤزلة، وليس لها علل ولا نهل.
فقال لهم رسول الله وَالر: اللهم بارك لهم في محصنها ومخضها
ومذقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك
له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلماً، ومن آتى الزكاة كان
محسناً، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصاً، لكم يا بني نهد ودائع
الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا
تتثاقل عن الصلاة.
ثم كتب معه كتاباً إلى بني نهد: بسم الله الرحمن الرحيم: من
(١) هو عند مسلم بمعناه.
- ٢٦٤ -

محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله عز
وجل ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض
والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، لا
يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا
الرباق، من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد
والذمة، ومن أبى فعليه الربوة(١).
وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى تفسير:
فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها(٢).
نستحلب - بالحاء المهملة - الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر
الموحدة، وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف. أي نستدر السحاب.
ونستخلب ـ بالخاء المعجمة - الخبير: بالخاء المعجمة أيضاً ثم
الموحدة: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه:
احتشاشه بالمخلب/ وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع ١٣٨/ب
والأكار (٣) قاله ابن الأثير.
ونستعضد البرير: أي نقطعه ونجنيه من شجره للأكل، وهو
بموحدة وراءين بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسود وبلغ، وقيل:
هو اسم له في كل حال، وكانوا يأكلونه في الجدب.
ونستخيل - بالخاء المعجمة - الرهام: بكسر الراء، وهي الأمطار
(١) روى هذه القصة بطولها ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في الصحابة
عن عمران بن حصين، وابن الجوزي في العلل من وجه ضعيف جداً عن
علي بن أبي طالب.
(٢) أكوار: جمع كور وهو: الرحل.
(٣) هو الزارع.
- ٢٦٥ -

الضعيفة، واحدتها رهمة، أي نتخيل الماء في السحاب القليل، وقيل:
الرهمة أشد وقعاً من الديمة.
ونستجيل: بالجيم، أي نراه جائلاً تذهب به الريح ها هنا وها
هنا .
والجهام: بالجيم، أي السحاب الذي فرغ ماؤه.
ومن روى نستخيل - بالخاء المعجمة - فهو نستفعل من ((خلت،
أخال)) إذا ظننت، أراد لا نتخيل في السحاب حالاً إلا المطر وإن كان
جهاماً لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة - وهو الأشهر -
أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلا إلى جهام من قلة المطر.
وأرض غائلة - بالغين المعجمة - والنطا - بكسر النون - أي
مهلكة للبعد، يقال: بلد نطي، أي بعيد، ويروى المطي وهو مفعل
منه .
والمدهن: نقرة في الجبل.
والجعثن: بالجيم والمثلثة، أصل النبات، ويقال: أصل الصليان
خاصة وهو نبت معروف.
والعسلوج: بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم، وهو
الغصن إذا يبس وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث
الطلوع، يريد أن الأغصان يبست وهلكت من الجدب، وجمعه:
عسالیج .
والأملوج: بالضم والجيم، ورق شجر يشبه الطرفاء والسرو،
وقيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل.
وفي رواية: وسقط الأملوج من البكارة - بالكسر - جمع البكرة -
- ٢٦٦ -

بالفتح - يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل بما رعت من هذه
الشجرة قد سقط عنها، فسماه باسم المرعى، إذ كان سبباً له.
وهلك الهدي: بفتح الهاء وكسر الدال المهملة والتشديد،
كالهدي بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر،
فأطلق على جميع الإبل وإن لم تكن هديا، تسمية للشيء ببعضه،
يقال: كم هدي بني فلان؟ أي كم إبلهم.
ومات الودي: بالتشديد، فسيل النخل، يريد هلكت الإبل
ويبست النخيل.
وبرئنا إليك من الوثن والعنن: الوثن: الصنم، والعنن،
الاعتراض، يقال: عنَّ لي الشيء أي اعترض، كأنه قال: برئنا إليك
من الشرك والظلم، وقيل: أراد به الخلاف والباطل.
وماطمى البحر: أي ارتفع بأمواجه.
وتعار: بكسر التاء المثناة الفوقية، يصرف ولا يصرف، اسم
جبل.
ولنا نعم همل: أي مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها
ويهديها، فهي كالضالة.
والإبل الأغفال: لا لبن فيها.
وقوله عليه الصلاة والسلام.
في محضها: بالحاء المهملة والضاد المعجمة، أي خالص لبنها.
وفخضها: بالمعجمة، ما مخض من اللبن وأخذ زبده.
ومذقها: بفتح الميم وسكون المعجمة وبالقاف، أي ممزوج بالماء.
وابعث راعيها في الدثر: بالمهملة المفتوحة ثم المثلثة الساكنة ثم
الراء، المال الكثير، وقيل: الخصب والنبات الكثير.
- ٢٦٧ -

وافجر له الثمد: بفتح المثلثة، الماء القليل، أي صيره كثيراً.
وودائع الشرك: قيل المراد بها العهود والمواثيق، يقال: توادع
الفريقان، إذا أعطى كل واحد منهم عهده للآخر لا يغزوه، وقيل: ما
كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا في الإسلام، أراد
إحلالها لهم لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط.
ووضائع الملك: جمع وضيعة، وهي الوظيفة التي تكون على
الملك، وهي ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي لكم
١/١٠ الوظائف / التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم ولا نزيد عليكم فيها
شيئاً .
ولا تلطط؛ بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان،
الأولى مكسورة والثانية مجزومة على النهي، أي لا تمنعها.
ولا تلحد في الحياة: بضم المثناة الفوقية وإسكان اللام وكسر
الحاء المهملة آخره دال مهملة، أي: لا تمل عن الحق ما دمت حياً.
قال بعضهم: كذا رواه القتيبي: لا تلطط ولا تلحد على النهي
للواحد، ولا وجه له لأنه خطاب للجماعة، ورواه غيره ما لم يكن عهد
ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط في الزكاة ولا تلحد في
الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزري، وهو الوجه، لأنه خطاب
للجماعة واقع على ما قبله.
وقوله: ولا نتثاقل عن الصلاة، أي لا نتخلف.
والوظيفة: الحق الواجب.
والفريضة: أي الهرمة المسنة، أي لا تأخذ في الصدقات هذا
الصنف كما أنا لا نأخذ خيار المال.
- ٢٦٨ -

والفارض : - بالفاء والضاد المعجمة - المريضة.
والفريش: بفتح الفاء آخره شين معجمة، وهي من الإبل
كالنفساء من بنات آدم، أي لكم خيار المال وشراره، ولنا وسطه.
وذو العنان: بكسر العين، سير اللجام.
والركوب: بفتح الراء، أي الفرس الذلول.
والضبيس، بفتح المعجمة وكسر الموحدة آخره مهملة، المهر
العسر الصعب.
امتن عليهم بترك الصدقة في الخيل جيدها ورديئها.
ولا يمنع - بضم المثناة التحتية وفتح النون -، سرحكم - بفتح
السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة - ما سرح من المواشي، أي
لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم.
ولا يعضد طلحكم: أي لا يقطع.
ولا يجبس دركم: أي لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن
تجمع الماشية ثم تعد، أو أنا منعناه أن يأخذها لما في ذلك من
الإضرار.
والإماق: بالميم، أي ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء، مما يلزمكم
من الصدقة، قاله في القاموس. وقال الزمخشري: المراد إضمار الكفر
والعمل على ترك الاستبصار في دين الله، وفي رواية: الرماق - بالراء
والميم - أي النفاق، يقال: رامقته رماقاً، وهو أن تنظر إليه شزراً نظرة
العداوة، يعني ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أي
ضيق، وعيش رمق ومرمق: أي يمسك الروح، والرمق: بقية الروح
وآخر النفس.
وتأكلوا الرباق : - بكسر الراء وبالموحدة المخففة - أي إلا أن
- ٢٦٩ -

تنقضوا العهد، واستعار الأكل لنقض العهد لأن البهيمة إذا أكلت
الربق - وهو الحبل تجعل فيه عرى وتشد به - خلصت من الرباط.
والربوة : - بكسر الراء وفتحها وضمها - أي الزيادة. يعني: من
تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة عقوبة له.
فانظر إلى هذا الدعاء والكتاب الذي انطبق على لغتهم، وجاد
وزاد عليها في الجزالة والبداوة. وأين هذا من كتابه مَ﴾ الأنس في
الصدقة، وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار أنهم أمة واحدة
دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى،
ويفكون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين
أيديهم على من بغى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين
واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم
بعضاً، ومن اعتبط مؤمناً قتلاً فهو قود إلا أن يرضى ولي المقتول، ومن
ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر
المحسن .
كذا روي مختصراً من حديث ابن شهاب(١).
وقوله : دسيعة ظلم: أي عظيمة من الظلم.
ورباعتهم: أمرهم القديم الذي كانوا عليه.
ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى: أي يكونون على ما كانوا عليه
/ ب من أخذ الديات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل/
الديات، جمع معقلة، يقال: بنو فلان على معاقلهم التي كانوا عليها،
أي مراتبهم وحالتهم.
(١) انظر الكتاب بطوله في سيرة ابن هشام ٥٠١/١ [المحقق].
- ٢٧٠ -

ولا يوتغ: أي لا يهلك.
ويعقب بعضهم بعضاً: أي يكون الغزو بينهم نوباً، فإذا
خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها.
وأين هذا اللين في القول، وقرب المأخذ في اللفظ على طريق
الحاضرة وعرف الجمهور المشهور من كتابه لذي المشعار الهمداني، لما
لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله،
نصية من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة
بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف
ويام لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما قام
لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب إليهم النبي ◌َر: هذا كتاب من محمد رسول الله
لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحفاف الرمل، مع وافدها ذي
المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها
ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها،
ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة،
ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبس
الحوري، وعليهم فيها المصالغ والقارح.
وقوله: نصية من كل حاضر وباد، قال ابن الأثير: النصية من
ينتصي من القوم أي يختار من نواصيهم، وهم الرؤوس والأشراف،
ويقال للأشراف: نواص، كما يقال للأتباع أذناب.
وأتوك على قلص: بضم القاف واللام، جمع قلوص، وهي
الناقة الشابة .
والنواج: السراع .
- ٢٧١ -

وقوله: متصلة بحبائل الإسلام أي عهوده وأسبابه.
وخارف: بالخاء المعجمة.
ويام: بالمثناة التحتية: قبيلتان.
ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل: أي لا ينقض [عهدهم](١)
بسعي ساع أي بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بيني وبينك
بمذاهب الأشرار وطرقهم في الفساد.
والسنة: الطريقة، والسنن أيضاً.
والعنقفير: بفتح العين المهملة وسكون النون وتقديم القاف،
الداهية. أي لا ينقض عهدهم بسعى الواشي ولا بداهية تنزل.
ولعلع: جبل.
وما جرى اليعفور: بفتح التحتية، الخشف(٢) وولد البقرة
الوحشية، وقيل: هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء: زائدة.
وبصلع: بضم الصاد المهملة وتشديد اللام، الأرض التي لا
نبات فيها .
وقوله عليه الصلاة والسلام:
وأهل الجناب الهضب: بكسر الجيم، اسم موضع.
وحفاف الرمل: أسماء بلادهم.
وفراعها: بكسر الفاء وبراء وعين مهملة، أي ما علا من الجبال
أو الأرض.
ووهاطها: بكسر الواو، وبطاء مهملة، المواضع المطمئنة،
واحدها وهط، وبه سمي الوهط، وهو مال كان لعمرو بن العاص
بالطائف. وقيل الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها.
(١) زيادة في ط.
(٢) ولد الظبي .
- ٢٧٢ -

وعزازها: بفتح العين المهملة ثم زاءين مخففتين، ما صلب من
الأرض واشتد وخشن، وإنما يكون في أطرافها.
ويأكلون علافها: بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء،
جمع علف، وهو ما تأكله الماشية.
وعفاها: بفتح وتخفيف الفاء وبالمد، أي المباح.
ومن دفئهم: بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبالهمز. قال في
المجمل: نتاج الإبل وألباها والانتفاع بها.
وصرامهم: بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، أي من
نخلهم .
والثلب: بكسر المثلثة واللام الساكنة وبباء موحدة، ما هرم من
ذكور الإبل وتكسرت أسنانه.
والناب: بالنون والموحدة: الناقة الهرمة التي طال نابها.
والفصيل: بالمهملة الذي انفصل عن أمه.
١/١٤٠
والفارض: بالفاء / المسن من الإبل(١).
والداجن: بالمهملة والجيم، الدابة التي تألف البيوت.
والكبش الحوري: بالحاء المهملة، وواو مفتوحتين فراء مسكورة:
الذي في صوفه حمرة.
والصالغ: بالصاد المهملة والغين المعجمة، من صلغت الشاة
ونحوها: إذا تمت أسنانها.
والقارح: بالقاف والراء والحاء المهملة، من الخيل الذي دخل
في السنة الخامسة. انتهى.
(١) من الإبل: ليست في ط.
- ٢٧٣ -

وهذا من جنس كتابه لقطن بن حارثة العليمي من كلب:
هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام
من غيرهم مع قطن ابن حارثة العليمي، بإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء
الزكاة بحقها في شدة عقدها ووفاء عهدها، بمحضر من شهود
المسلمين، وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبي، عليهم من
الهمولة الراعية البساط الظئار في كل خمسين ناقة غير ذات عوار،
والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل،
وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر، وفي العشري شطره بقيمة
الأمين لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرق. شهد على ذلك الله ورسوله،
وکتب ثابت بن قيس بن شماس.
وتفسير غريبه أن قوله:
ومن ظأره الإسلام: بالظاء المعجمة والهمز، آخره هاء أي:
عطف عليه وعليهم.
في الهمولة: بفتح الهاء، التي ترعى بأنفسها. ولا تستعمل فعولة
بمعنى مفعولة.
والبساط: التي معها أولادها.
والظئار(١): أن تعطف الناقة على غير ولدها.
والحمولة المائرة لهم لاغية: يعني أن الإبل التي تحمل عليها
الميرة - وهي الطعام ونحوه مما يجلب للبيع - لا يؤخذ منها زكاة لأنها
عوامل.
(١) في (ط، ب، د): الظأر، قال الشارح: الظئار: اسم جمع ظئر: بمعنى
مرضعة.
- ٢٧٤ -

وفي الشوي: بفتح الشين المعجمة وكسر الواو والياء المشددة:
اسم جمع للشاة.
والوري: السمينة.
ومن هذا النمط كتابه ◌َّل لوائل بن حجر - بتقديم الحاء
المضمومة على الجيم الساكنة - إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب،
وذكر الفرائض فقال:
في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة وفي
السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاماً،
ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا
غمة في فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على
الأقیال.
وفسر الأقيال ـ وهو بالقاف والمثناة التحتیة - بالرؤساء الذين دون
الملوك .
والعباهلة: بالمهملة المفتوحة والموحدة، الذين أقروا على ملكهم
لا يزالون.
والأوراع : - بفتح الهمزة وسكون الراء آخره عين مهملة - جمع
رائع، وهم ذوو الهيئات الحسان الوجوه.
والمشابيب : - بفتح الميم والشين المعجمة وباءين موحدتين بينهما
مثناة تحتية ساكنة - السادة الرؤوس، الحسان الوجوه.
وفي التيعة : - بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وبالعين
المهملة - أربعون من الغنم. وفي القاموس والنهاية: أدنى ما تجب فيه
الصدقة من الحيوان.
ولا مقورة: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو.
- ٢٧٥ -

والألياط : - بفتح الهمزة وسكون اللام آخرها طاء مهملة - أي:
لا مسترخية الجلود لكونها هزيلة.
ولا ضناك(١) : - بكسر المعجمة وتخفيف النون - ضدها وهي
المستكثرة اللحم.
وأنطوا: بقطع الهمزة أي أعطوا.
والثبجة: بالمثلثة ثم موحدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر
الموحدة، أي أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من
رذالته .
والسيوب : - بضم المهملة وآخره موحدة - أي: الركاز، قاله
الهروي، وقيل: المال المدفون في الجاهلية أو المعدن.
ومن زنى مم بكر : - بكسر الراء بلا تنوين، لأن أصله من
البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميماً، وهي ساكنة
فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر الجنس، وقال ابن الأثير: أي من
بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميماً، أما مع بكر فلأن النون إذا
١٤٠/ ب سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميماً في النطق، / نحو: عنبر وشنبا، وأما
مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف.
انتھی .
و: فاصقعوه: بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف
وضم العين المهملة، أي: اضربوه.
واستوفضوه: بهمزة وصل وكسر الفاء وضم الضاد المعجمة،
أي: غربوه وانفوه.
(١) في ش، الأضناك، هنا وفي نص الكتاب.
في القاموس: الضنك: الضيق في كل شيء، فكأن المعنى: لا مسترخية
الجلود ولا ضعيفة.
- ٢٧٦ -

وفضرجوه: بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم.
وبالأضاميم: بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أي: أدموه بالضرب
بجماهير الحجارة .
ولا توصيم: بصاد مهملة مكسورة، أي لا كسل عن إقامة
الحدود .
ولا غمة: بضم المعجمة وتشديد الميم، أي لا تستر ولا تخفى .
ويترفل: بتشديد الفاء المتفوحة: يتسود ويترأس، استعارة من
ترفيل الثوب وهو إسباغه وإسباله.
وقريب من هذا، كتابه لأكيدر وأهل دومة، كما قدمته في
مكاتباته صلى الله عليه وسلم .
وقال ◌َ﴿ في حديث عطية السعدي: فإن اليد العليا هي المنطية
والسفلى هي المنطاة. قال: فكلمنا رسول الله وصله بلغتنا.
وقد كان هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه أن يكلم
كل ذي لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها
وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره
فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه وَلهو إلا بقوة إلهية وموهبة
ربانية، لأنه بعث إلى الكافة طراً، وإلى الخليقة سوداً وحمراً، والكلام
باللسان يقع في غاية البيان، ولا يوجد غالباً متكلم بغير لغته إلا
قاصراً في الترجمة نازلاً عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا نبينا
وسيدنا محمد الجز كما تقدم، فإنه زاده الله تكريماً وشرفاً تكلم في كل
لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به
ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودة زيادة ومزية على
الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس ولا
يدخل في تحقيقه إلباس. انتهى.
- ٢٧٧ -

[صفة صوته وَلتر]
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبياً قط إلا
بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم وَلّ فبعثه
حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر.
وروي نحوه من حديث علي بن أبي طالب.
وروي أنه کان إذا تکلم رؤي کالنور يخرج من ثناياه.
وقد كان صوته ◌َليل يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء
قال: خطبنا رسول الله ولو حتى أسمع العواتق في خدورهن. رواه
البيهقي .
وقالت عائشة رضي الله عنها جلس رسول الله وسلم يوم الجمعة
على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبدالله بن رواحة وهو في بني
غنم فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ التيمي (١): خطبنا رسول الله وَله
بمنى، ففتحت أسماعنا - وفي لفظ ففتح الله أسماعنا - حتى إن كنا
لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد.
وعن أم هانئ قالت كنا نسمع قراءة النبي ◌ّر في جوف الليل
عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه.
[صفة ضحكه {َ ل﴾ وبكائه]
وأما ضحكه ربَّ، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول
الله ◌َيُ مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم، أي:
(١) في (ط، ب، د) التميمي، وهو تصحيف.
- ٢٧٨ -

ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكاً تاماً مقبلاً
بكليته على الضحك.
واللهوات: بفتح اللام، جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى
الحنجرة من أقصى الفم.
وهذا لا ينافيه ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقع أهله في
رمضان، / فضحك رسول الله وَلقر حتى بدت نواجذه. رواه ١/١٤١
البخاري. وهي بالجيم والذال المعجمة: الأضراس. ولا تكاد تظهر
إلا عند المبالغة في الضحك. لأن عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة
أخبر بما شاهده، والمثبت مقدم على النافي.
وقد قال أهل اللغة: التبسم: مبادي الضحك، والضحك:
انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان
بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا
صوت فهو التبسم.
وقال ابن أبي هالة: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب
الغمام، أي يبدي أسنانه ضاحكاً، وحب الغمام: البرد.
وقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه
رَّ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك
فضحك. قال: والمكروه إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه لأنه يذهب
الوقار.
وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب
عليه من ذلك.
- ٢٧٩ -

وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة
رفعه: لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
وقال أبو هريرة: وإذا ضحك وَ لّ يتلألأ في الجدر. رواه البزار
والبيهقي، أي يضيء في الجدر - بضم الجيم والدال، جمع جدار وهو
الحائط - أي يشرق نوره عليها إشراقاً كإشراق الشمس عليها.
وكان ◌َ لّ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكاً حتى
يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته
كأنه منذر جيش، صبحكم ومساكم. رواه مسلم.
وكان بكاؤه وَلّ من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع
صوت، کما لم یکن ضحكه بقهقهة ولکن تدمع عيناه حتی تهملان،
ويسمع لصدره أزيز، يبكي رحمة لميت، وخوفاً على أمته وشفقة، ومن
خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحياناً في صلاة الليل، قاله في
الهدي النبوي .
وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففي تاريخ البخاري ومصنف
ابن أبي شيبة عن يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي قط، لكن في رواية
عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط.
[صفة يده
وأما يده الشريفة وَالر، فقد وصفه غير واحد بأنه كان شئن
الكفين كما سيأتي، أي غليظ أصابعهما، وبأنه عبل الذراعين رحب
الكفين.
وقد مسح وَّر خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده برداً وريحاً
كأنما أخرجها من جونة عطار، رواه مسلم.
- ٢٨٠ -