النص المفهرس
صفحات 221-240
أنه قال: رأيت رسول الله صل في ليلة إضحيان(١) وعليه حلة حمراء،
فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان(٢) أحسن في عيني من القمر،
وفي رواية: بعد قوله حمراء: فجعلت أماثل بينه وبين القمر.
وروى الترمذي والبيهقي عن علي أنه نعته وَالر فقال: لم يكن
بالمطهم(٣) ولا بالمكلثم، كان في وجهه تدوير. والمكلثم: المدور
الوجه، أي لم یکن شدید تدوير الوجه بل في وجهه تدویر قلیل.
وفي حديث علي عند أبي عبيد في الغرائب(٤): وكان في وجهه
تدوير قليل، قال أبو عبيد في شرحه: يريد أنه ما كان في غاية
التدوير، بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب.
وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي(٥) في الزهريات (٦) في صفته
وَله: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة في الخد: الاستطالة
وأن لا يكون مرتفع الوجنة. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:
ولعل هذا هو الحامل لمن سأله أكان وجهه مثل السيف.
وأخرج البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله وَالـ
إذا سرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. أي
الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه.
(١) صفة لليلة، أي مضيئة مقمرة من أولها إلى آخرها لا ظلمة فيها.
(٢) لفظ (كان) زيادة في (أ، ب، د).
(٣) المطهم: الفاحش السمن، أو النحيف الجسم، وهو من الأضداد.
(٤) في ش: الغريب.
(٥) محمد بن يحيى النيسابوري روى عن أحمد وإسحاق، وعنه البخاري
وأصحاب السنن، كان أمير المؤمنين في الحديث وأحد الأئمة العارفين مات
سنة ثمان وخمسين ومائتين.
(٦) كتاب جمع فيه حديث ابن شهاب الزهري.
- ٢٢١ -
وقالت عائشة رضي الله عنها: دخل النبي بَله يوماً مسروراً تبرق
أسارير(١) وجهه(٢).
ولذلك قال كعب كأنه قطعة قمر(٣).
وفي حديث جبير بن مطعم عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله
وَلا بوجه مثل شقة القمر، فهذا محمول على صفته عند الالتفات.
وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في
بعضها: كأنه دارة قمر.
ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد [في كثير] (٤)
١/١٣١ من كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر / بغير تقييد. وقد كان كعب
ابن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلا بد في التقييد بذلك من
حكمة. وما قيل في أن ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر
ليس بقوي، لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة وهو
في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع
على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كان وجه رسول الله
وَّ كدارة القمر، أخرجه أبو نعيم.
وروى البيهقي عن أبي إسحاق الهمداني عن امرأة من همدان -
سماها - قالت: حججت مع النبي وَ ل مرات(٥) فرأيته على بعير له
(١) أسارير: جمع أسرار جمع: سر، وهي الخطوط التي في الجبهة.
(٢) الحديث عند البخاري برقم ٦٧٧٠ .
(٣) إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين.
(٤) في (ط، ب، د).
(٥) من المعلوم أنه يََّ لم يحج إلا حجة الوداع.
- ٢٢٢ -
يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس شعره منكبه
إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبله. قال أبو
إسحاق: فقلت لها شبهيه قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا
بعده مثله ◌َله .
وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن
محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت الربيع بنت معوذ صفي لي رسول
الله وَ له، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة، (وفي لفظ: يا بني
لو رأيته رأيت الشمس طالعة](١).
وروى مسلم عن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله
فقال: كان أبيض مليح الوجه .
وفيما أخرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة: كان رسول
الله وَيَ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.
وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: متبلج الوجه، يعني:
مشرقه مضيئه، ومنه تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدي
علي بن وفا حيث قال:
سألتك لا تغيب عني فأنت روحي
ألا يا صاحب الوجه المليح
رجعت فلا ترى إلا ضريحي
متى ما غاب شخصك عن عیاني
وداو لوعة القلب الجريح
بحقك جد لرقك يا حبيبي
وأصبح بالهوى دنفاً طريح
ورقَّ لمغرم في الحب أمسى
وآوى منك للكرم الفسيح
محب ضاق بالأشواق ذرعاً
وفي النهاية: أنه عليه السلام كان إذا سر فكأن وجهه المرآة،
(١) زيادة في (ط، ب، ش).
- ٢٢٣ -
وكأن الجدر تلاحك وجهه. قال: الملاحكة، شدة الملاءمة، أي يرى
شخص الجدر في وجهه صلى الله عليه وسلم .
وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.
وذلك: لأن القمر يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من شاهده،
وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس
التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في
العرف من التشبيه بالقمر، لأنه وقت كماله، كما قال [الفاروق رضي
الله عنه حين رآه أو كلما رآه](١):
لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنور(٢) ليلة البدر
وقد صادف هذا التشبيه تحقيقاً، فمن أسمائه وهالقر : البدر، ولهذا
أنشدوا لما قدم المدينة :
من ثنيات الوداع
طلع البدر علينا
ولقد أحسن من قال :
كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة فيه فلا تظننها كافاً لتشبيه
وما أحلى قول ابن الخلاوي:
وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط
يقولون یحکي البدر في الحسن وجهه
لقد بالغوافي المدح للغصن واشتطوا
كما شبهوا غصن النقا بقوامه
(١) ليست في الأصل، وهذا البيت تمثل به عمر وهو للمسيب بن عبس بن
مالك خال الأعشى.
(٢) أي: القمر.
- ٢٢٤ -
فقد حصل للبدر والغصن غاية من الفخر بهذا التشبيه، على أن
هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﴿ إنما هي على عادة الشعراء
والعرب، وإلا فلا شيء في هذه [التشبيهات](١) المحدثات يعادل
صفاته الخلقية والخلقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفا الشاذلي
المالكي (٢) حيث قال:
كم فيه للأرواح راح مسكر
كم فيه للأبصار حسن مدهش
بشراً بأسرار الغيوب يبشر / ١٣١/ب
سبحان من أنشاه من سبحاته
هيهات يشبهه الغزال الأحور
قاسوه جهلا بالغزال تغزلاً
وأرى المشبه بالغزالة يكفر
لولا لرب جماله يستغفر
وبحسنه كل المحاسن تفخر
وله منار كل وجه نير
ودليله أن المراشف كوثر
والغير في حشر الأجانب يحشر
كتباً تؤول بالهوى وتفسر
فدعيه بالهجرفيه يهجر
لخطيبه في كل خطب منبر
هذا وحقك ماله من مشبه
يأتي عظيم الذنب في تشبيهه
فخر الملاح بحسنهم وجمالهم
فجماله مجلى لكل جميلة
جنات عدن في جنى وجناته
هيهات ألهو عن هواه بغيره
كتب الغرام علي في أسفاره
فدع الدعي وما ادعاه في الهوى
وعليك بالعلم العليم فإنه
(١) في ش.
(٢) محمد بن محمد بن محمد الاسكندراني أو المغربي ثم المصري، صاحب
الموشحات التوحيدية، ولد بالاسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة، ومات سنة
ستین وسبعمائة .
هـ
- ٢٢٥ -
[صفة بصره {َالر ]
وأما بصره الشريف وَّ فقد وصفه الله في كتابه العزيز بقوله:
﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾(١).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وَ الله يرى
بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري(٢).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَ ل يرى في
الظلماء كما يرى في الضوء. رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة أنه ◌َّ قال: هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما
يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري. رواه
البخاري ومسلم(٣).
وعند مسلم من رواية أنس أنه وسلّ قال: أيها الناس، إني
أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن
خلفي (٤).
وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في
(١) سورة النجم، الآية ١٧ .
(٢) كذا في النسخ. قال الشارح: ولم أجده فيه، وإنما عزاه السيوطي وغيره
للبيهقي في الدلائل وقال إنه حسن. قال شارحه: ولعله لاعتضاده وإلا
فقد قال السهيلي ليس بقوي وضعفه ابن دحية. أي نقل تضعيفه. فكيف
يكون في البخاري .
(٣) رقمه في البخاري ٤١٨، وهو عند مسلم برقم ٤٢٤.
(٤) رقمه عند مسلم ٤٢٦.
- ٢٢٦ -
الساجدين﴾(١) قال: كان وَليل يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى
من بين يديه، رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره.
وهذه الرؤية رؤية إدراك: والرؤية لا تتوقف على وجود آلتها
التي هي العين - عند أهل الحق - ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة
إلى القديم العالي، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه على
الحاسة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة في حقه
وَليه ، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
قال الحرالي(٢): وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالة على ما في
حقيقة أمره في الاطلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما عرف بربه لا
بنفسه أطلعه الله على ما بين يديه مما تقدم من أمر الله، وعلى ما وراء
الوقت مما تأخر من أمر الله، فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك
مدركات القلوب جعل الله تعالى له ₪( مثل ذلك في مدركات
العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه
كما قال ◌َ له. انتهى(٣).
ومن الغريب ما ذكره الزاهدي بختيار محب بن محمود (٤)، شارح
القدوري في رسالته الناصرية أنه وسيّ كان له بين كتفيه عينان كسم
الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب؟؟؟(٥).
(١) سورة الشعراء الآية ٢١٩.
(٢) في ط: الغزالي وهو تصحيف. الحرالي: نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه علي
ابن أحمد ابن الحسن، ذو التصانيف المشهورة.
(٣) وحاصل كلام الحرالي: أنه من قبيل الكشف له عن المرئيات، فهو من
الخوارق.
(٤) أبو الرجاء الغزميني يلقب نجم الدين مات سنة ثمان وخمسين وستمائة.
(٥) من الغريب أن يذكر ذلك من عاش في القرن السابع، وهو أمر لم يسمع
قبله ولا دليل عليه [المحقق].
- ٢٢٧ -
وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في
١/١٣٢ المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم /، وهذا إن كان نقلاً عن الشارع
عليه السلام بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأي، على
أن الأقعد في إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة والله
أعلم .
وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف.
وعن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحي الله إليه كيفية
فعلهم، وإما بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدم(١).
وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما
ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد: أنه بَّ قال: إني لا
أعلم ما وراء جداري هذا. فإن صح فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات،
فكيف يجتمعان؟
وأجيب: بأن الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك
بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد. وأما إذا ذهبنا إلى
الإدراك بالبصر - وهو الصواب - فلا إشكال، لأن نفي العلم هنا عن
الغيب وذاك عن مشاهدة.
وفي ((المقاصد الحسنة)) للحافظ شمس الدين السخاوي حدیث:
ما أعلم ما خلف جداري هذا. قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام ابن
حجر -: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث
الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من
قدامه. هو (٢) في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره،
(١) من أن الإدراك من غير آلة.
(٢) أي معناه.
- ٢٢٨ -
والأحاديث الواردة في ذلك مقيدة بحالة الصلاة وبذلك يجمع بينه وبين
قوله: لا أعلم ما وراء جداري هذا. انتهى.
قال شيخنا(١)، وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي
بينهما لعدم تواردهما على محل واحد.
فإن قيل: يشكل على هذا - أيضاً - إخباره وَلّ بكثير من
المغيبات التي في زمانه وبعده، ووقعت كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو
أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه وَلقوله
وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث
الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته وَ الر تكلم بعض المنافقين وقال: إن
محمداً يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال
وَلخير لما بلغه ذلك: والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد دلني ربي
عليها وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها فذهبوا
فوجدوها كما أخبر صلى الله عليه وسلم (٢).
فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلا ما علمه ربه
تبارك وتعالى.
وذكر القاضي عياض - في الشفاء - أنه رَّلّ كان يرى في الثريا
أحد عشر نجماً، وعند السهيلي، اثني عشر.
وفي حديث ابن أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعاً خافض
(١) أي السخاوي.
(٢) وقعت هذه الحادثة في غزوة تبوك. كما جاء في سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٣.
- ٢٢٩ -
الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره
الملاحظة .
وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي
الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالموق والماق. وقوله: إذا التفت التفت
جميعاً أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا
نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل
جميعاً ويدبر جميعاً. قاله ابن الأثير.
وعن علي قال: كان رسول اللّه وَله عظيم العينين، أهدب الأشفار،
مشرب العين بحمرة، رواه البيهقي .
وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله و الر ضليع الفم أشكل
العينين منهوس القدمين(١)، رواه مسلم.
والشكلة: الحمرة تكون في بياض العين وهو محمود محبوب، وأما
١٣٢/ب الشهلة: فإنها حمرة في سوادها. وهذا هو الصواب: لا ما فسره / بعضهم،
بأنه طول شق العين.
وعند الترمذي في حديث عن علي، أنه نعت رسول الله وَصلّ فقال:
كان في وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار
الحدیث.
والأدعج: الشديد سواد الحدقة.
والأهدب: الطويل الأشفار: وهي شعر العين.
وعنده - أيضاً - عن علي قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار.
(١) المنهوس من الرجال قليل اللحم، ومنهوس القدمين: معرفهما.
- ٢٣٠ -
وعن علي: بعثني النبي وَيّ إلى اليمن [فقمت](١) لأخطب يوماً على
الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر (٢) ينظر فيه، فلما رآني
قال: صف لي أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير.
الحديث، وفيه: قال علي: ثم سكت، فقال الحبر وماذا: قلت: هذا ما
يحضر ني، قال الحبر: في عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال علي: هذه والله
صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، وإني أشهد أنه
نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث.
[صفة سمعه
لى الله
وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قال وسلم : (إني أرى ما لا
ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت(٣) السماء وحق لها أن تئط، ليس
فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد الله تعالى) رواه
الترمذي من رواية أبي ذر.
وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول الله وَ ل في
أصحابه إذ قال لهم: تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء،
قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر
إلا وعليه ملك ساجد أو قائم.
[صفة جبينه {َخ* وبعض جسمه]
وأما جبينه الكريم وَّ فقد كان واضح الجبين، مقرون
(١) زيادة في ط .
(٢) في ط : جفر.
(٣) صاحت وصوتت من ثقل ما عليها. والأطيط: صوت الرحل والإبل من
حمل أثقالها.
- ٢٣١ -
الحاجبين. بهذا وصفه علي، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال:
مقرون الحاجبين صلت الجبين. أي: واضحه، والقرن: اتصال شعر
الحاجبين.
وعند البيهقي عن رجل من الصحابة قال: رأيت رسول الله
وَيّ، فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة رقيق الحاجبين. ولله در
القائل :
يتلو الضحى ليله والليل كافره
جبينه مشرق من فوق طرته
من فوق نوناتها سينا ضفائره
بالمسك خطت على كافور جبهته
منضر الحسن قد قلت نظائره
مكمل الخلق ما تحصى خصائصه
وقال ابن أبي هالة: أزج الحواجب - وفسر: بالمقوس الطويل
الوافر الشعر - ثم قال: سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغضب،
أي يمتلىء دماً إذا غضب كما يمتلى الضرع لبناً إذا در. قاله في النهاية .
وعن مقاتل بن حيان(١) قال: أوحى الله إلى عيسى عليه الصلاة
والسلام: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البتول، إني خلقتك من غير
فحل، فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فسر لأهل
سوران أني أنا الله الحي القيوم، الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي،
صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس،
الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج
العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في
وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة.
الحديث.
(١) مقاتل بن حيان النبطي البلخي الخزاز، صدوق فاضل روى له مسلم
وأصحاب السنن مات قبل الخمسين ومائة.
- ٢٣٢ -
والأنجل(١): الواسع شق العينين.
والقرن: بالتحريك: التقاء الحاجبين.
وما وصفه به ابن أبي هالة مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان
وما في حديث أم معبد/ فإنها قالت: أزج أقرن، أي مقرون ١/١٣٣
الحاجبين، قال ابن الأثير: والأول هو الصحيح في صفته، يعني:
سوابغ في غیر قرن.
والقنى في الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه.
وقد وصفه مَ له غير واحد: بأنه عظيم الهامة، أي الرأس، كذا
في حديث ابن أبي هالة المشهورة. وقال علي بن أبي طالب - في
حديث رواه الترمذي وصححه والبيهقي -: ضخم الرأس. وكذا قال
أنس في رواية البخاري.
وكان ◌َّ أيضاً ضخم الكراديس، وهي رؤوس العظام، كما
وصفه به علي في حديث الترمذي. وقال أيضاً في رواية للترمذي :
جليل المشاش والكتد. وفسر برؤوس العظام كالركبتين والمرفقين
والمنكبين، أي عظيمها.
والكتد - بفتحتين ويجوز كسر التاء - مجمع الكتفين.
وكان وَ له دقيق العرنين، أي أعلى الأنف، كما وصفه به علي في
رواية ابن سعد وابن عساكر. وفي رواية أيضاً عن ابن عمر من وصف
علي له أيضاً: أقنى الأنف، وفسر بالسائل المرتفع وسطه، وقال ابن أبي
هالة: أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمَّ، والأشم:
الطويل قصبة الأنف.
(١) لم تتقدم هذه الكلمة حتى تحتاج إلى شرح، لكنها سقطت من قلم
المصنف. إذ بعد قوله الأدعج العينين لفظ: الأنجل العينين.
- ٢٣٣ -
صَهَلَى اللّه
[وصف فمه
وأما فمه الشريف وَلّ ففي مسلم من حديث جابر أنه وَلَّ كان
ضليع الفم، يعني واسعه. وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد يفتتح
الكلام ويختم بأشداقه، يعني لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر
الفم .
وقال شمر(١): عظيم الأسنان.
وفي حديث عند البزار والبيهقي قال أبو هريرة: كان رسول الله
وَالر أسيل الخدين واسع الفم.
ووصفه وَلّ ابن أبي هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان.
والشنب: رونق الأسنان وماؤها. وقيل: رقتها وتحديدها. وأفلج
الأسنان أي متفرقها .
وقال علي: مبلج الثنايا(٢)، بالموحدة، أخرجه ابن سعد من
حديث أبي هريرة.
وعند ابن عساكر: عن علي: براق الثنايا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله وَ ل أفلج الثنيتين، إذا
تكلم رؤي كالنور يخرج من ثناياه. رواه الترمذي في الشمائل،
والدارمي، والطبراني في الأوسط(٣).
(١) شِمْر بن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي. وقوله: عظيم الأسنان. هو
إيضاح لمعنى: ضليع الفم.
(٢) أي مشرقها ومضيئها.
(٣) وفيه عند الجميع عبد العزيز أبو ثابت، وهو ضعيف جداً. كما قاله الحافظ
الهيثمي .
- ٢٣٤ -
وكان ◌َلّ أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
بحر من الشهد في فيه مراشفه ياقوته صدف فيه جواهره
وعن أبي قِرْصافة(١) قال: بايعنا رسول الله أنا وأمي وخالتي،
فلما رجعنا قالت لي أمي وخالتي: يا بني، ما رأينا مثل هذا الرجل
أحسن وجهاً ولا أنقى ثوباً ولا ألين كلاماً، ورأينا كالنور يخرج من
فيه .
[صفة ريقه {5[*]
وأما ريقه الشريف، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد أن
رسول الله وَلقر قال يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على
يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح الناس غدواً
على رسول الله وَل﴿ كلهم يرجو أن يعطاها، قال: أين علي بن أبي
طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه،
فأتي به، فبصق رسول الله وَلّ في عينيه فبرأ(٢) حتى كأن لم يكن به
وجع. الحديث متفق عليه.
وأتي بدلو من ماء، فشرب من الدلو، ثم صب في البئر، أو
قال: مج في البئر ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد وابن ماجه
من حديث وائل بن حجر.
وبزق في بئر في دار أنس، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها،
رواه أبو نعيم.
(١) صحابي مشهور بكنيته .
(٢) بوزن ضرب ويجوز كسر الراء بوزن علم والرواية بالأول: أي: شفي.
- ٢٣٥ -
وكان ◌َّ يوم عاشوراء يدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة(١)
فيتفل في أفواههم ويقول للأمهات لا ترضعنهم إلى الليل، فكان ريقه
يجزئهم. رواه البيهقي.
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه وهن خمس
فوجدنه يأكل قديداً فمضع لهن قديدة فمضغنها كل واحدة منهن قطعة
١٢/ب قطعة فلقين الله وما وجدن لأفواههن/ خلوف، رواه الطبراني.
ومسح ◌َّة بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر
عتبة وبطنه وكان به شرى، فما كان يشم أطيب منه رائحة. رواه
الطبراني.
وأعطى الحسن لسانه - وكان قد اشتد ظمؤه - فمصه حتى
روي. رواه ابن عساكر. ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفا
الشاذلي حيث يقول :
ولكنه من لي بلثم لامه
جنی النحل في فیه وفیہ حیاتنا
إذا قال في فيح بطيب ختامه
رحيق الثنايا والمثاني تنفست
[فصاحته عليه السلام]
وأما فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان
وَالر أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداء، وأحلاهم
منطقاً، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح.
ينظم در الثغر نثر مقوله فيا حسنه في نثره ونظامه
يناجي فينجي من يناجي من الجوى فكل كليم برؤه في كلامه
(١) رضعاؤه: الصبيان الذين ينسبون إليه، ورضعاء فاطمة أولادها.
- ٢٣٦ -
ففصاحة لسانه وَالر غاية لا يدرك مداها، ومنزلة لا يداني
منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفاً من
سيوفه، يبين عن مراده، ويدعو به إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن
أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول
هجراً، ولا ينطق هذراً، كلامه كله يثمر علماً، ويمتثل شرعاً وحكماً،
لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في عذوبته.
وخليق بمن عبر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده
ببيانه، وبين مواضع فروضه وأوامره ونواهيه، وزواجره ووعده ووعيده
وإرشاده أن يكون أحكم الخلق جناناً وأفصحهم لساناً، وأوضحهم
بياناً.
وقد كان ◌َّ إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده العاد،
ليس بهذ (١) مسرع لا يحفظ، قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان وَل
يسرد سردكم هذا، كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه(٢). وكان
يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه(٣).
وكان يقول: أنا أفصح العرب (٤)(٥).
(١) هو السرعة. وفي (ب، ش) بهذر، وفي ط: بهذاء.
(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
(٣) رواه الترمذي والحاكم. وفي ط: لتحفظ عنه، وفي ش: حتى تعقل عنه.
ثم قال: وفي رواية البخاري: حتى تفهم عنه.
(٤) قال ابن كثير والسيوطي لم نقف على سنده.
(٥) هنا في (ا، ب، ط): وإن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد رَالية. وهو
حدیث عن ابن عباس سيأتي بعد قليل.
- ٢٣٧ -
وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مالك أفصحنا ولم
تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاءني بها
جبريل فحفظنيها. رواه أبو نعيم(١).
وروى العسكري في الأمثال من حديث علي بسند ضعيف جداً
قال: قدم بنو نهد على النبي بَّر: الحديث وفيه: ذكر خطبتهم وما
أجابهم به النبي ◌َّ قال: فقلنا: يا نبي الله، نحن بنو أب واحد،
ونشأنا في بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره، فقال:
إن الله عز وجل أدبني فأحسن أدبي، ونشأت في بني سعد بن بكر.
وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال: قال
رجل: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال: نعم إذا كان
ملفجاً. فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟
قال: قال: أيماطل الرجل أهله؟ قلت له: نعم إذا كان مفلساً. قال أبو
بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما
سمعت أفصح منك، قال: أدبني ربي ونشأت في بني سعد، رواه
السرقسطي في الدلائل بسند واه. وكذا أخرجه ابن عساكر.
قال في القاموس: ودالكه أي ماطله. انتهى.
وقوله: ((ملفجاً)) بضم الميم وفتح الفاء، اسم فاعل من ((ألفج
١/١٣ الرجل)) فهو ملفج، إذا كان فقيراً، وهو غير مقيس. ومثله / أحصن
فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، في ألفاظ شذت، والقياس الكسر،
قاله ابن مرزوق. لكن قال ابن الأثير: لم يجئ إلا في ثلاثة أحرف،
أسهب وأحصن وألفج .
(١) إسناده ضعيف.
- ٢٣٨ -
وقال غيره: معناه: أيداعب الرجل امرأته، يعني قبل الجماع؟
وسماه مطلا لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزاً،
ليكون ذلك محركاً لشهوته، ولعجزه سمي مفلساً.
وقال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيراً.
وأما ما يروى: أنا أفصح من نطق بالضاد. فقال ابن كثير: لا
أصل له. انتهى لكن معناه صحيح والله أعلم.
[حد الفصاحة]
وقد حدوا الفصاحة: بخلوص الكلمة(١) من التنافر والغرابة
ومخالفة القياس.
والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا
فإن السين والشين والتاء والزاي كلها متقاربة المخارج.
والغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أول وهلة لاحتمال
معنى آخر.
ومخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود
المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله: الحمد لله العلي
الأجلل.
والفصاحة: يوصف بها الكلام والكلمة والمتكلم.
(١) في ش: الكلام.
- ٢٣٩ -
والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، الجزالة
خلاف الركاكة.
[نماذج من بلاغته وأقواله]
ففصاحته وَلّ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية والزيادة
التي تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما
يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل
بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم وبدائع الحكم، وقوارع الزجر
وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة
والدراري المأثورة والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التي
هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي للد(١) الخصماء مفحمة
ملجمة .
وقليل هذا الوصف في حقه وَ ل# وزاده فضلاً وشرفاً لديه، وقد
روى الحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس: إن أهل
الجنة يتكلمون بلغة محمد والخير . وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته
إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه
الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، وفي كتاب الشفاء
للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل.
• كقوله وَالر: المرء مع من أحب(٢).
، وقوله: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين(٣).
(١) جمع: ألد، مثل أحمر وحمر.
(٢) رواه الشيخان وغيرهما.
(٣) رواه البخاري.
- ٢٤٠ -