النص المفهرس

صفحات 621-640

وعند ابن سعد أيضا: أن الذي كان سباها خالد بن الوليد
رضي الله عنه.
[سرية عكاشة]
ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب - موضع بالحجاز - أرض
عذرة وبلي، وقيل أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة.
[إسلام كعب بن زهير]
قصة كعب بن زهير مع النبي وَالر، وكانت فيما بين رجوعه وَ يه
من الطائف وغزوة تبوك.
وكان من خبر كعب وأخيه بجير ما ذكره ابن إسحاق وعبد
الملك ابن هشام وأبو بكر محمد بن القاسم بن يسار بن الأنباري،
دخل حديث بعضهم في حديث بعض:
أن بجيرا قال لكعب: اثبت حتى آتي هذا الرجل - يعني النبي
ولو - فأسمع كلامه وأعرف ما عنده، فأقام كعب ومضى بجير، فأتى
رسول الله ◌َ فسمع كلامه فآمن به ..
وذلك أن زهيرا فيما زعموا كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم
أنه قد آن مبعثه وسلّ، ورأى زهير في منامه أنه قد مد سبب من
السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله، ففاته فأوله بالنبي الذي يبعث في
آخر الزمان، وأنه لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك، وأوصاهم إن أدركوه
أن يسلموا.
قال ابن إسحاق: ولما قدم ◌َ ر من الطائف، كتب بجير بن
زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله وَ ل﴿ قتل رجالا بمكة ممن كان
يهجوه، وإن من بقي من شعراء قريش كابن الزبعري وهبيرة بن أبي
- ٦٢١ -

وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت بك في نفسك حاجة فطر
إلى رسول الله وعليه فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن كنت لم تفعل
فانج إلى نجائك. وكان كعب قد قال:
:
ألا بلغا عني بجيرا رسالة فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
على أي شيء غير ذلك دلكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل
عليه ولا تلقى عليه أخالكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا
ولا قائل إما عثرت لعالكا
فإن أنت(١) لم تفعل فلست بآسف
فأنهلك المأمون منها وعلكا
سقاك بها المأمون كأساروية
قال السهيلي: ((لعا)) كلمة تقال للعاثر دعاء له. انتهى.
قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن
يكتمها رسول الله وعليه فأنشده إياها. فقال وَالَ: سقاك بها المأمون.
صدق وإنه لكذوب، وأنا المأمون .. ولما سمع: على خلق لم تلف أما
ولا أبا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه. ثم قال عليه
الصلاة والسلام: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله .. فكتب إليه
أخوه بهذه الأبيات.
تلوم عليها باطلا وهي أحزم
من مبلغ كعبا فهل لك في التي
فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده
من الناس إلا طاهر القلب مسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت
ودين أبي سلمى علي محرم
فدين زهير وهو لا شيء دينه
/ فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على
٨٩/ب
(١) في ش: كنت .
- ٦٢٢ -

نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقال: هو مقتول.
فلما لم يجد من شيء بدا، قال قصيدته التي يمدح بها رسول الله وَل
ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه.
ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه
معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله وَ لهم فقال: هذا رسول الله
فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله وَلقر فوضع يده في
يده - وكان رسول الله وَلثر لا يعرفه - فقال: يا رسول الله، إن كعب
ابن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك
به؟ قال رسول الله وَ له: نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب
عليه رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب
عنقه. فقال وَلّ: دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا. قال: فغضب كعب
على هذا الحي من الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه
رجل من المهاجرين إلا بخير. ثم قال قصيدته اللامية التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
ومنہا :
والعفو عند رسول الله مأمول
أنبئت أن رسول الله أوعدني
قرآن ولو (١) كثرت في الأقاويل
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الــ
مهند من سيوف الله مسلول
إن الرسول لنور يستضاء به
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
في عصبة من قريش قال قائلهم
ضرب إذا عرد السود التنابيل(٢)
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
(١) في ش: وإن .
(٢) عرد: أي أعرض، السود: جمع أسود، التنابيل: القصار .
- ٦٢٣ -

وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله:
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
رمى عليه الصلاة والسلام إليه بردة كانت عليه. وأن معاوية بذل فيها
عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله و التر أحدا، فلما مات
كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم. قال: وهي
البردة التي عند السلاطين إلى اليوم .
قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال
كعب: ((إذا عرد السود التنابيل)) وإنما عنى معشر الأنصار، لما كان
صاحبهم صنع به، وخص المهاجرين بمدحته غضب عليه الأنصار،
فقال بعد أن أسلم - يمدح الأنصار - قصيدته التي يقول فيها:
في مِقنب(١) من صالحي الأنصار
من سره كرم الحياة فلا يزل
إن الخيار هم بنو الأخيار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر
كسوالف(٣) الهندي غير قصار
المكرهين السمهري(٢) بأدرع
كالجمر غير كليلة الأبصار
والناظرين بأعين محمرة
للموت يوم تعانق وكرار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
للطارقين النازلين مقاري /
١/٩٠ قوم إذا خوت (٤) النجوم فإنهم
وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء، وأبوه وابنه عقبة
وابن ابنه العوام بن عقبة.
(١) مقنب: جماعة الخيل والفرسان .
(٢) السمهري: القناة الصلبة. أي: ردوها عنهم ومنعوها من التأثير فيهم.
(٣) السوالف: السيوف وقد يراد بها الرماح أيضا .
(٤) أي سقطت ولم تمطر في نوئها، أي على زعمهم، وكان ذلك في بدء إسلام
کعب قبل أن يتفقه في الدين.
- ٦٢٤ -

غزوة تبوكـ
[المكان والزمان]
مكان معروف، وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق.
وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها.
وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف،
وذكر البخاري لها بعد حجّة الوداع لعله خطأ من النساخ.
وكان حرا شديدا، وجدبا كثيرا، فلذلك لم يور عنها كعادته في
سائر الغزوات.
وفي تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا
في قلة من الظهر وفي حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون
ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة في الماء وفي الظهر وفي النفقة،
فسميت غزوة العسرة.
[أسبابها]
وسببها أنه بلغه وَله من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام
إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل. فندب ◌َ ل قول الناس إلى
الخروج وأعلمهم بالمكان الذي يريد، ليتأهبوا لذلك.
- ٦٢٥ -

وروى الطبراني(١) من حديث عمران بن الحصين قال: كانت
نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي خرج يدعي
النبوة هلك، وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم. فبعث رجلا من
عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا. فبلغ ذلك النبي ويشير ولم يكن للناس
قوة(٢).
[ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم]
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه
مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية - يعني من ذهب(٣) - قال:
فسمعته يقول: لا يضر عثمان ما عمل بعدها (٤).
وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف
بعیر وسبعين فرسا.
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في
كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره وَ طير، فرأيت رسول الله رحيله
يقلبها في حجره ويقول: ماضر عثمان ما عمل بعد اليوم. خرجه الترمذي
وقال: حسن غريب(٥).
وعند الفضائلي والملاء(٦) في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض
(١) بسند ضعيف .
(٢) قدرة على الذهاب لتلك الأرض لفقد الظهر والنفقة لا الضعف.
(٣) في ( ط) .
(٤) هذا تتمة حديث عمران. قال الحافظ أخرجه الترمذي والحاكم من حديث
عبد الرحمن بن خباب بنحوه.
(٥) ورواه الإمام أحمد والبهيقي أيضا.
(٦) عمر الموصلي، كان يملأ من بئر في جامع الموصل احتسابا، وكان =
- ٦٢٦ -

النضرة من حديث حذيقة: بعث عثمان - يعني في جيش العسرة - بعشرة
آلاف دينار إلى رسول الله وَ ﴿ فصبت بين يديه، فجعل ◌َل و يقول بيديه
ويقلبها ظهراً لبطن يقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت،
وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها. (١)
[المنافقون]
ولما تأهب رسول الله وَلّ للخروج، قال قوم من المنافقين: لا
تنفروا في الحر، فنزل قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار
جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾(٢).
[البکاؤون]
وأرسل عليه السلام إلى مكة وقبائل العرب يستنفرهم.
وجاء البكاؤون يستحملونه، فقال عليه السلام: لا أجد ما
أحملكم عليه. وهم: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد
الرحمن بن كعب المازني، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله،
وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمرو المزني،
وعمرو بن الحمام، ومعقل المزني، وحرمي بن مازن، والنعمان وسويد
ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن وهند بنو مقرن. وهم الذين قال
الله فيهم: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما
= إماما عظيما ناسكاً زاهداً، وكان السلطان نور الدين الشهيد يشهد قوله
ويقبل شفاعته. فوهم من ظنه الملائي فزاد ياء. فالملائي لا سيرة له. في
ط: الملائي.
(١) وأخرجه ابن عدي أيضا .
(٢) سورة التوبة. الآية ٨١ .
- ٦٢٧ -

ينفقون﴾(١) قاله مغلطاي.
وفي البخاري، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول
الله وسلّ أسأله الحملان لهم، فقلت يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني
إليك لتحملهم، فقال: والله لا أحملكم على شيء، فرجعت حزينا من
٩٠/ب منع النبي وَّله، ومن مخافة أن يكون النبي صل ﴿ / وجد في نفسه
علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي وَلّر. فلم ألبث
إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس، فأجبته،
فقال: أجب رسول الله وَال يدعوك. فلما أتيته قال: خذ هاتين
القرينتين، وهاتين القرينتين لستة أبعرة ابتاعهم حينئذ من سعد،
فانطلق بهن (٢) إلى أصحابك فقل: إن الله، أو إن رسول الله يحملكم
على هؤلاء فاركبوهن. الحديث(٣).
وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد
أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع
رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على
كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم
أصبح مع الناس. فقال النبي وَلّ: أين المتصدق بهذه الليلة؟ فلم
يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق بهذه الليلة؟ فلم يقم أحد، ثم قال
أين المتصدق فليقم، فقام إليه فأخبره، فقال ◌َله: أبشر فوالذي نفس
محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة. رواه يونس (٤) والبهيقي في
(١) سورة التوبة. الآية ٩٢.
(٢) كذا في (ش) والبخاري. وفي النسخ: بهم.
(٣) رواه البخاري برقم ٤٤١٥ .
(٤) في (أ) ابن يونس.
:
:
- ٦٢٨ -

الدلائل، كما ذكره السهيلي في الروض له .. (١)
[المعذرون]
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم،
وهم اثنان وثمانون رجلا.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة (٢)، جرأة(٣) على
الله ورسوله وهو قوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾(٤).
[المستخلف على المدينة]
واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطي: وهو
عندنا أثبت ممن قال استخلف غيره. انتهى .
وقال الحافظ زين الدين العراقي، في ترجمة علي بن أبي طالب
من شرح التقريب: لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي ◌َّ
خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال له يومئذ: أنت مني بمنزلة هارون
من موسى الا أنه لا نبي بعدي. وهو في الصحيحين من حديث سعد
ابن أبي وقاص. انتهى(٥). ورجحه ابن عبد البر.
وقيل: استخلف سباع بن عرفطة.
[المخلفون]
وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم؛ كعب
(١) في (ب، ش) يونس كما ذكره السهيلي في الروض والبهيقي في الدلائل له.
(٢) أي: وبغير إظهار علة.
(٣) في (ط، ش): جراءة .
(٤) سورة التوبة، الآية (٩٠).
(٥) رواه البخاري برقم ٤٤١٦، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ٣١.
- ٦٢٩ -

ابن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل ﴿وعلى
الثلاثة الذين خلفوا﴾ وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك.
ولما رأى ◌َلّ أبا ذر الغفاري - وكان ◌َلّ نزل في بعض الطريق -
فقال: بمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده(١). فكان كذلك.
[عدد المسلمين وعددهم]
وأمر ◌َة لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا
لواء وراية .
وكان معه وَلّ ثلاثون ألفا. وعند أبي زرعة سبعون ألفا، وفي
رواية عنه أيضا أربعون ألفا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
[المرور بالحجر]
ولما مر رَيه بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - بديار ثمود
قال: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه
صاحب له، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما
لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق
على مذهبه(٢) وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى
طرحته بجبلي طيء. فأخبر بذلك رسول الله وَ لتر فقال: ألم أنهكم؟ ثم
دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول
(١) هذه رواية ابن مسعود عند ابن إسحاق. وفي بعض النسخ يعيش بدل
يبعث وهو تحريف. أقول: في ( ط): يمشي وحده ويبعث وحده ويموت
وحده. وفي (ب): يعيش وحده، ويمشي وحده، ويموت وحده.
(٢) أي صرع في الموضع الذي تغوط فيه .
- ٦٣٠ -

الله وَيُ حين قدم المدينة(١).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا
تبوك، فقال رسول الله ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، / فلا يقم ١/٩١
أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام
رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء (٢).
وروى الزهري: لما مر رسول الله وَ ل بالحجر سجى ثوبه على
وجهه واستحث راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا
أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم ما أصابهم. رواه
الشيخان(٣) .
[فقدان ناقته
ولما كان ◌َالّ ببعض الطريق ضلت ناقته .. فقال زيد بن
اللصيت - وكان منافقا -: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر
السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله وَله: إن رجلا
يقول ... وذكر مقالته، وإني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني
عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة
بزمامها. فانطلقوا حتى تأتوني بها. فانطلقوا فجاؤوا بها. رواه البهيقي
وأبو نعيم.
[معجزة تكثير الماء]
وفي مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك،
(١) كذا روى ابن إسحاق حديث الرجلين .
(٢) رواه مسلم في كتاب الفضائل رقم ١١. قال الشارح وهو عند البخاري
بنحوه .
(٣) هو عند البخاري برقم ٤٤١٩ و٤٤٢٠ وعند مسلم في كتاب الزهد برقم ٣٩
- ٦٣١ -

وهي تبض بشيء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع في
شن ثم غسل وَّر به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير،
فاستقى الناس. الحديث(١). ويأتي إن شاء الله في مقصد المعجزات.
[الوصول إلى تبوك]
ولما انتهى ◌َّ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه
الجزية. وأتاه أهل جرباء - بالجيم - واذرح - بالذال المعجمة والراء
والحاء المهملتين - بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية،
وكتب لهم ◌َّ كتابا .
ووجد هرقل بحمص(٢)، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن
عبد الملك النصراني، وكان ملكا عظيما بدومة الجندل، في إربعمائة
وعشرين فارساً في رجب سرية، وقال له عليه الصلاة والسلام: إنك
ستجده ليلا يصيد البقر، فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه في
ليلة مقمرة، إلى بقر يطاردها، هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل
خالد، فاستأسر أكيدر وقتل أخاه حسانا، وهرب من كان معهما فدخل
الحصن، ثم أجار خالد أكيدر من القتل، حتى يأتي به رسول الله واله
على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة
فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح .
[رسالة إلى هرقل]
وفي هذه الغزوة كتب ◌َليه كتابا في تبوك إلى هرقل يدعوه إلى
(٣) هو عند مسلم في كتاب الفضائل رقم (١٠).
(٢) أي وجده مقيما بها لم يتحرك، فكان الذي أخبر به والت باطلا.
- ٦٣٢ -

الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب. رواه ابن حبان في صحيحه من
حديث أنس .
وفي مسند أحمد أن هرقل كتب من (١) تبوك إلى النبي وَله: أني
مسلم فقال النبي ◌َّر: كذب هو على نصرانيته (٢).
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن
عبد الله نحوه ولفظه: فقال: كذب عدو الله ليس بمسلم(٣).
[العودة إلى المدينة]
ثم انصرف و لا من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة.
وقال الدمياطي - ومن قبله ابن سعد - عشرين ليلة، يصلي ركعتين،
ولم يلق كيدا، وبنى في طريقه مساجد.
وأقبل وَلّ حتى نزل بذي أوان - بفتح الهمزة بلفظ الأوان:
الحين - وبينها وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء.
فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني فقال: انطلقا
إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه. فخرجا فحرقاه وهدماه.
وذلك بعد أن أنزل الله فيه: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا
وكفرا﴾ الآية (٤).
(١) قال في هامش (د.) يمكن جعل ((إلى)) بدلاً من. والأصل إلى تبوك.
(٢) هو من طريق سعيد بن أبي راشد عن التوخي. وهذا الحديث في المسند
٤٤١/٣-٤٤٢، وليس فيه شيء مما ذكر المصنف من إسلام هرقل. ولم
أستطع الوقوف على هذا النص على الرغم من إشارة الفتح إليه
(٣) ما ورد في هذه الفقرة هو في فتح الباري ٣٧/١.
(٤) سورة التوبة. الآية ١٠٧.
- ٦٣٣ -

٩١/ب
قال / الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتاده وعامة
أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلا،
يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا في طائفة من المنافقين: نبني
مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد.
قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب
رسول الله ◌َ ﴿ إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله، بنينا مسجدا
لذي العلة، والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا
بالبركة، فقال عليه الصلاة والسلام: إني على جناح سفر، وإذا قدمنا
إن شاء الله تعالى صلينا فيه. فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان
المسجد، فنزلت هذه الآية.
ولما دنا ◌َله من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء
والصبيان والولائد يقلن:
من ثنيات الوداع
طلع البدر علينا
ما دعا الله داع
وجب الشكر علينا
وقد وهم بعض الرواة - كما قدمته - وقال: إنما كان هذا عند
مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية
الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى
الشام - کما قدمت ذلك ۔۔
وفي البخاري: لما رجع ◌َّله من غزوة تبوك فدنا من المدينة،
قال: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا
معكم حبسهم العذر(١)) وهذا يؤيد معنى ما ورد: نية المؤمن خير من
(١) رواه البخاري برقم ٤٤٢٣.
- ٦٣٤ -

عمله(١)، فإن نية هؤلاء أبلغ(٢) من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ
أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في بيوتهم. والمسابقة إلى
الله تعالى وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال
ولما أشرف وَلجر على المدينة قال: (هذه طابة وهذا أحد، جبل
يحبنا ونحبه)(٣).
ولما دخل قال العباس يا رسول الله، ائذن لي أمتدحك قال: قل
لا يفضض الله فاك، فقال:
مستودع حيث يخصف الورق
من قبلها طبت في الظلال وفي
أنت ولا مضغة ولا علق
ثم هبطت البلاد لا بشر
ألجم نسراً وأهله الغرق
إذا مضى عالم بدا طبق
في صلبه أنت كيف يحترق
خندف علياء تحتها النطق
ض وضاءت بنورك الأفق
بل نطفة تركب السفين وقد
تنقل من صالب إلى رحم
وردت نار الخليل مكتتما
حتى احتوى بيتك المهمين من
وأنت لما ولدت أشرقت الأر
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ نور وسبل الرشاد نخترق (٤)
[شرح كلمات الأبيات]
وقوله: من قبلها طبت الخ: أي ظلال الجنة، أي إنك(٥) كنت
(١) رواه البيهقي وغيره عن أنس، وكلها ضعيفة.
(٢) في (ش): خير .
(٣) رواه البخاري برقم ٤٤٢٢ .
(٤) فصاحة العباس تأبى هذا، وكأنها مصنوعة، وليس عليها رونق شعره ..
(٥) في (ط، ب، د).
- ٦٣٥ -

طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة.
وقوله: من قبلها: أي قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم
يتقدم لها ذكر لبيان المعنى.
وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أي لما أهبط الله آدم إلى
الدنيا، كنت في صلبه غير بالغ هذه الأشياء.
وقوله: وقد ألجم نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذي كان
يعبده قوم نوح وهو المذكور في قوله تعالى ﴿ولا يغوث ويعوق
ونسرا﴾(١)
وقوله: حتى احتوى بيتك المهمين الخ. النطق: جمع نطاق.
١/٩٢ وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض أي: / نواح وأوساط
منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس. ضربه مثلا في ارتفاعه
وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، وأراد ببيته:
شرفه، والمهمين: نعته، أي احتوى شرفه الشاهد على فضلك أعلى
مكان من نسب خندف - وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهمة -
انتھی .
[وجاء المتخلفون]
وجاءه وَالّ من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر
لهم، وأرجأ أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى:
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة
العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم
رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم
(١) سورة نوح الآية ٢٣ .
- ٦٣٦ -

الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله
إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾(١).
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن
الربيع (٢).
وعند البيهقي في الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا
لبابة بن عبد المنذر لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه: أنه الذبح
وأخبر عنه رسول الله و # بذلك فقال له رسول الله وَله: أحسبت أن
الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حينا
ورسول الله وَلر عاتب عليه، ثم غزا تبوكاً(٣) فتخلف عنه أبو لبابة
فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله وَليل منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه
فأعرض عنه رسول الله وَلته، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة
سبعا وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي.
الحديث .
وعنده أيضا من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وآخرون
اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا﴾ (٤) قال: كانوا عشرة رهط
تخلفوا عن النبي ◌َّله في غزوة تبوك، فلما رجع ◌َّله أوثق سبعة منهم
أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي ◌َّر إذا رجع في المسجد
عليهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا
(١) سورة التوبة الآيتان ١١٧ و١١٨.
(٢) كذا في ط، وفي النسخ ربيعة. قال الشارح: ابن ربيعة، هو رواية مسلم
والمشهور: ابن الربيع كما في البخاري .
(٣) بالصرف إلى أرادة الموضع .
(٤) سورة التوبة. الآتية ١٠٢.
- ٦٣٧ -

عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال: أقسم بالله لا
أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني
وتخلفوا عن الغزو. فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾
فلما نزلت أرسل إليهم النبي ◌َّ فأطلقهم وعذرهم. الحديث.
قالوا: ولما قدم بَير من تبوك وجد عويمر العجلاني امرأته حبلى،
فلاعن عليه السلام بينهما.
- ٦٣٨ -

حجة أبي بكر
ثم حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس، سنة تسع في
ذي العقدة، كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد،
ووافقه عكرمة بن خالد، فيما أخرجه الحاكم في الإكليل.
وقال قوم في ذي الحجة، وبه قال الداودي والثعلبي
والماوردي . ويؤيده أن ابن إسحاق صرح بأن النبي وَّ أقام بعد ما
رجع من تبوك رمضان وشوالا وذا العقدة ثم بعث أبا بكر أميراً على
الحج، فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي العقدة،
فيكون حجه في ذي الحجة على هذا والله أعلم (١).
وكان مع أبي بكر ثلاثمائة رجل من المدينة، وعشرون بدنة.
وفي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: أن أبا بكر بعثه في
الحجة التي أمره رسول الله وَلفر قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في
الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت
عريان (٢).
(١) فتح الباري ٨٢/٨.
(٢) هو عند البخاري برقم ٤٣٦٣ وعند مسلم برقم ١٣٤٧.
- ٦٣٩ -

٩٢/ب
ثم أردف النبي بَّو / بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن
ببراءة، فأذن معلنا في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك،
ولا يطوف بالبيت عريان.
قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام(١) فلم يحج في العام
القابل الذي حج فيه رسول الله وَلهم حجة الوداع مشرك. فأنزل الله في
العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما
المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ الآية(٢).
وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما في الصحيح
((المؤمن لا ينجس)) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس
البدن والذات، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا
ضعيف، لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم
الإسلام، ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره
من المساجد. فالمراد: الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر
وخبث الباطن بالعداوة قاله مقاتل.
وروى النسائي عن جابر أن النبي وَلقر لما رجع من عمرة
الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب
للصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف عن
التكبير فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله وَالر الجدعاء، لقد بدا لرسول
الله وَلّ في الحج، فلعله أن يكون رسول الله وَلفيروس فنصلي معه، فإذا
علي عليها، فقال له أبو بكر أمير أم رسول، قال: لا بل رسول،
(١) أي إلى الناس عقودهم .
(٢) سورة التوبة. الآية ٢٨.
- ٦٤٠ -