النص المفهرس
صفحات 601-620
البيضاء وإن إبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، وهو يقول: أنا النبي
لا كذب، أنا ابن عبد المطلب(١).
[لم ينهزم {و]
وهذا فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه
قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى
أنهزم، بل أنا متيقّن أن الذي وعدني الله به من النصر حق، فلا يجوز
علي الفرار.
وأما ما في مسلم عن سلمة بن الأكوع(٢) من قوله: ((فأرجع
منهزما)) إلى قوله: ((مررت على رسول الله وَ ل منهزما فقال: لقد رأى
ابن الأكوع فزعا)) فقال العلماء: قوله منهزما حال من ابن الأكوع - لا
من رسول الله وَلير(٣) - كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي وَل
انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: إنه عليه السلام ما انهزم ولم ينقل
أحد قط أنه انهزم في موطن من المواطن. وقد نقلوا إجماع المسلمين
على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه وَمثله، ولا يجوز ذلك عليه، بل كان
العباس وأبو سفيان بن الحارث آخذين ببغلته يكفانها عن إسراع
التقدم إلى العدو.
وقد تقدم في غزوة أحد ما نسب لابن المرابط، من المالكية، مما
حكاه القاضي عياض في الشفاء: أن من قال إن النبي نَّ هزم
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأن العلامة البساطي تعقبه بما لفظه:
(١) رواه البخاري برقم ٤٣١٧ و٤٣١٦ .
(٢) الحديث رقم ١٧٧٧ عند مسلم .
(٣) هذه الجملة في ش .
- ٦٠١ -
هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة يعني: حكم الساب، فله
وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل. انتهى.
[البغال لا تركب للقتال عادة]
قال بعضهم: وقد كان ركوبه وسلّ البغلة في هذا المحل الذي هو
موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقا لنبوته، لما كان الله تعالى خصه
به من مزيد الشجاعة وتمام النبوة، وإلا فالبغال عادة من مراكب
الطمأنينة، ولا يصلح لمواطن الحرب في العادة إلا الخيل فبين وَالقر أن
الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس وثقة وتوكلا على الله
تعالى، وقد ركبت الملائكة في الحرب معه وَلقر على الخيل لا غير لأنها
بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات، ولهذا لا يسهم في الحرب
إلا للخيل، والسر في ذلك أنها المخلوقة للكر والفر بخلاف البغال
والإبل. انتهى.
[الذين ثبتوا يوم حنين]
وعند ابن أبي شيبة، من مرسل الحكم بن عتيبة: لم يبق معه
عليه الصلاة والسلام إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم ورجل من
غيرهم: علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان،
وابن مسعود من الجانب الأيسر(١)، وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل
وفي الترمذي بإسناد حسن من حديث ابن عمر: لقد رأيتنا يوم
حنين، وإن الناس لمولون، ومامع رسول الله وَلّ مائة رجل.
وفي شرح مسلم للنووي: أنه ثبت معه بَ لّ اثنا عشر رجلا،
وكأنه أخذه من قول ابن إسحاق.
(١) لفظ الأيسر في (ش)، وهو في المرسل كما في الفتح وغيره. وفي (د): الأخر
- ٦٠٢ -
ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا
عشرة فقط وذلك لقوله:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فاقشعوا
لما مسَّه في الله لا يتوجع
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه
وقد قال الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية
العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة. انتهى.
[أنا النبي لا كذب]
وأما قوله وَلير: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، / ١/٨٦
فقد قال العلماء: إنه ليس بشعر، لأن الشاعر إنما سمي شاعراً
لوجوه، منها: أنه شعر القول وقصده واهتدى إليه، وأتى به كلاما
موزونا على طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف أو
بعضها لم يكن شعرا، ولا يكون قائله شاعرا. والنبي وَلّه لم يقصد
بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده، فلا يعد شعرا، وإن كان موزونا.
وأما قوله وَله: أنا ابن عبد المطلب، ولم يقل: ابن عبد الله،
فأجيب: بأن شهرته بجده كانت أكثر من شهرته بأبيه، لأن أباه توفي
في حياة أبيه عبد المطلب قبل مولده وَله، وكان عبد المطلب مشهورا
شهرة ظاهرة شائعة وكان سيد قريش وكان كثير من الناس يدعو النبي
وَل١- ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته، ومنه حديث ضمام بن
ثعلبة في قوله: أيكم ابن عبد المطلب. وقيل غير هذا.
[أبو طلحة]
وأمر وَّر أن يقتل من قدر عليه، وأفضى المسلمون في القتل إلى
الذرية، فنهاهم ◌َّر عن ذلك.
- ٦٠٣ -
وقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. واستلب أبو طلحة
وحده ذلك اليوم عشرين رجلا.
[من حكمة يوم حنين]
وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان الله تعالى وعد رسوله أنه
إذا فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، ودانت له العرب
بأسرها، فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته أن أمسك قلوب
هوزان ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا لحربه وَلّه، ليظهر
أمره تعالى، وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم
شكرانا لأهل الفتح، وليظهر الله تعالى رسوله وعباده، وقهره لهذه
الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون قبلها مثلها، ولا يقاومهم بعد
أحد من العرب، فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً
مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم، ليطامن
رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخل عليه الصلاة
والسلام واضعا رأسه منحنيا على مركوبه تواضعا لربه، وخضوعا
لعظمته أن أحل له بلده، ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين
سبحانه لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة، أن النصر إنما هو من عنده
تعالى، وأنه من ينصره فلا غالب له ومن يخذ له فلا ناصر له، وأنه
سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لاكثرتكم التي أعجبتكم،
فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم ارسلت
خلع الجبر مع بريد: أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل
جنودا لم تروها. وقد اقتضت حكمته تعالى: أن خلع النصر وجوائزه
إنما تفاض على أهل الانكسار، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا
في الأرض.
- ٦٠٤ -
قال: وبهاتين الغزوتين - أعنى حنينا وبدرا - قاتلت الملائكة
بأنفسها مع المسلمين، ورمى رسول الله ومل وجوه المشركين بالحصباء
فيهما. [وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله وَلاو](١)
انتھی .
[نهاية غزوة حنين]
وأمر وَه بطلب العدو، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم
نحو نخلة، وقوم منهم إلى أوطاس.
واستشهد من المسلمين أربعة: منهم أيمن ابن أم أيمن.
وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا.
[سرية أوطاس]
ثم سرية أبي عامر الأشعري، وهو عم أبي موسى الأشعري،
وقال ابن إسحاق: ابن عمه والأول أشهر.
بعثه رَفر حين فرغ من حنين، في طلب الفارين من / ٨٦/.
هوازن يوم حنين إلى أوطاس - وهو واد في ديار هوازن - وكان معه
سلمة بن الأكوع، فانتهى إليهم، فإذاهم ممتنعون(٢) فقتل منهم أبو
عامر تسعة أخوة مبارزة بعد أن يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام،
ويقول: اللهم اشهد عليه، ثم برز له العاشر فدعاه إلى الإسلام وقال
اللهم اشهد عليه، فقال اللهم لا تشهد علي فكف عنه أبو عامر
(١) زيادة في ش وهي تتمة كلام ابن القيم في الهدي النبوي.
(٢) في (ط): متمنعون، وفي (ش): مجتمعون.
- ٦٠٥ -
فأفلت. ثم أسلم بعد فحسن إسلامه فكان رسول الله* إذا رآه
قال: هذا شرید أبي عامر.
ورمى أبا عامر ابنا الحارث - العلاء وأوفى - فقتلاه، فخلفه أبو
موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه.
وكان في السبي الشيماء - أخته عليه الصلاة والسلام من
الرضاعة -.
وقتل قاتل أبي عامر. فقال ◌َله: اللهم اغفر لأبي عامر واجعله
من أعلى أمتي في الجنة (١).
وفي رواية البخاري قال - يعني أبا عامر لأبي موسى الأشعري،
لما رمي بالسهم -: يا ابن أخي: أقرىء النبي ◌ّ السلام، وقل له:
يستغفر لي ثم مات. فرجعت(٢) فدخلت على النبي وَ لقر فأخبرته بخبرنا
وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع
يديه وقال: اللهم اغفر لعبيدك أبي عامر - ورأيت بياض إبطيه - ثم
قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير(٣) من خلقك ... فقلت:
ولي ... فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة
مدخلا كريما. قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي
موسی(٤).
(١) ذكره ابن سعد.
(٢) كذا في (ب، ش) وفي البخاري. وفي النسخ: ورجعت.
(٣) كذا في (ب، ش) وفي البخاري. وفي النسخ: كثيرين .
(٤) رواه البخاري برقم ٤٣٢٣.
-٦٠٦ -
[سرية حرق ذي الكفين]
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم من
خشب، كان لعمرو بن حممة، في شوال - لما أراد ◌َّلو السير إلى
الطائف - ليهدمه ويوافيه بالطائف.
فخرج سريعا فهدمه وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول:
ياذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت (١) النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا النبي ◌َّيقر بالطائف
بعد مقدمه بأربعة أيام. وعند مغلطاي: وقدم معه أربعة مسلمون.
(١) في (ب): حشيت، وفي (ط، د): حششت.
- ٦٠٧ -
غزوة الطائف
ثم غزوة الطائف، وهي بلد كبير، على ثلاث مراحل أو اثنتين
من مكة، من جهة المشرق، كثيرة الأعناب والفواكه. وقيل: إن
أصلها أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - اقتلع الجنة التي كانت
لأصحاب الصريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت ثم
أنزلها حيث الطائف، فسمي الموضع بها. وكانت أولا بنواحي صنعاء.
واسم الأرض: وج، بتشديد الجيم المضمومة.
[المسير إليها]
وسار إليها النبي وَله في شوال سنة ثمان، حين خرج من حنين.
وحبس الغنائم بالجعرانة .
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف لما انهزموا من
أوطاس دخلوا حصنهم بالطائف، وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما
يصلحهم لسنة. وتهيؤوا للقتال.
وسار ◌َ﴿ فمر بطريقه بقبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف ـ فيما
يقال - فاستخرج منه غصنا من ذهب.
ونزل قريبا من الحصن وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل
رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة
وقتل منهم اثنا عشر رجلا منهم: عبد الله بن أبي أمية. ورمي عبد الله
- ٦٠٨ -
ابن أبي بكر الصديق يومئذ بجرح فاندمل ثم نقض بعد ذلك فمات منه
في خلافة أبيه .
[حصارها]
وارتفع ◌َّالية إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من
نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين
حصار الطائف كله(١).
فحاصرهم ثمانية. عشر يوما، ويقال /: خمسة عشر يوما. ١/٨٧
ونصب عليهم المنجنيق وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، وكان
قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من سرية ذي الكفين، فرمتهم
ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر بَلة بقطع أعنابهم وتحريقها.
فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال
وَ له إني أدعها لله وللرحم.
[عتقاء الله]
ثم نادى مناديه ومليّ: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو
حر.
قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة،
وعند مغلطاي: ثلاثة وعشرون عبدا.
وفي البخاري عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا وأبا
بكرة عن النبي ◌ُّل ... قال عاصم: لقد شهد عندك رجلان ... أما
أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي
(١) أي مدة حصار الطائف.
- ٦٠٩ -
وَالر ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف الحديث(١).
وأعتق مَّ من نزل منهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من
المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة(٢).
[الأذان بالرجوع]
ولم يؤذن له وَيهر في فتح الطائف. وأمر عمر بن الخطاب فأذن في
الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا
الطائف؟ فقال وَالتر: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصاب المسلمين
جراحات، فقال ◌َله: إنا قافلون إن شاء الله تعالى فسروا بذلك
وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله وَل يضحك.
قال النووي: قصد بَّر الشفقة عليهم والرفق [بهم](٣) بالرحيل
عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين [هم](٤) فيه، وتقويهم
بحصنهم، مع أنه رَّ علم أولا، أو رجا أنه سيفتحه بعد ذلك بلا
مشقة. فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد أقام، وجد في القتال
حتى أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم
ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل،
فضحك وَ لّ تعجبا من تغير رأيهم.
(١) هو عند البخاري برقم ٤٣٢٦.
(٢) لما أسلمت ثقيف تكلم أشرافهم في أولئك العبيد أن يردوهم إلى الرق،
فقال ◌َله: لا، أولئك عتقاء الله. رواه ابن إسحاق.
(٣) في ش .
(٤) في (ش، ب، د).
- ٦١٠ -
[عين أبي سفيان]
وفقئت عين أبي سفيان صخر بن حرب يومئذ، فذكر ابن سعد
أن النبي و ◌ّ قال له وهي في يده: أيما أحب إليك عين في الجنة أو
أدعوا الله أن يردها عليك قال: بل عين في الجنة ورمى بها.
وشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الأخرى يومئذ. ذكره الحافظ
زين الدين العراقي في شرح التقريب.
[دعاء وتوكل]
وقال ◌َ له لأصحابه: قولوا: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده،
ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
فلما ارتحلوا قال: قولوا: آيبون، تائبون عابدون، لربنا
حامدون .
فانظر كيف كان ◌َ ﴿ إذا خرج للجهاد يعتد لذلك [بجمع](١)
أصحابه(٢) واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد
والسفر، ثم إذا رجع يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه عز وجل
لا لغيره بقوله: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده
ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده،
وانظر إلى قوله وَله: ((وهزم الأحزاب وحده)) فنفى وَّ ما تقدم
ذكره، وهذا هو معنى الحقيقة، لأن الإنسان وفعله خلق لربه عز
وجل، فهو لله سبحانه وتعالى الذي خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور
(١) في (ب).
(٢) في (أ) الصحابة .
- ٦١١ -
على يد من شاء، ومن اختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء أن
يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال تعالى: ﴿ذلك ولو يشاء الله
٨٧/ب لانتصر منهم ولكن/ ليبلو بعضكم ببعض﴾(١) فيثبت سبحانه وتعالى
الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين، قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾(٢).
فعلى المكلف الامتثال في الحالتين، أي: امتثال تعاطي
الأسباب، والرجوع إلى المولى والسكون إليه بساحة كرمه، كما كان وَليه
يأتي الأسباب أولا تأدبا مع الربوبية وتشريعا لأمته، ثم يظهر الله تعالى
على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة التي ادخرها له عليه الصلاة
والسلام.
قال ابن الحاج في المدخل: ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على
ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم.
[توزيع غنائم حنين]
[مقدار الغنائم]
وكان ◌َ ◌ّ قد أمر أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء الله على
رسوله يوم حنين، فجمع ذلك كله إلى الجعرانة، فكان بها إلى أن
انصرف عليه السلام من الطائف.
وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف
بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
(١) سورة محمد الآية ٤ .
(٢) سورة محمد الآية ٣١.
- ٦١٢ -
[انتظار ... قبل التوزيع]
واستأنى وَله - أي انتظر وتربص - بهوازن أن يقدموا عليه
مسلمين بضع عشرة. ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها.
وفي البخاري: وطفق ◌َلي يعطي رجالا المائة من الإبل. فقال
ناس من الأنصار يغفر الله لرسول الله وَله يعطي قريشا ويتركنا،
وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!
قال أنس: فحدث رسول الله وَلّ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار
فجمعهم في قبة من أدم، ثم قال لهم: أما ترضون أن يذهب الناس
بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟! فوالله لما تنقلبون به خير مما
ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا (١).
وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي وَيّ ومعه الناس
مقفله(٢) من حنين، علقت برسول الله وَالر الأعراب حتى اضطروه إلى
سمرة فخطفت رداءه، فوقف رَّله فقال: أعطوني ردائي، فلو كان لي
عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا
ولا جبانا(٣). ورواه مسلم(٤).
(١) رواه البخاري برقم ٤٣٣١ و٣١٤٧.
(٢) يعني زمان رجوعه .
(٣) رواه البخاري برقم ٣١٤٨ .
(٤) كذا في (أ، ب، ش) وفي (د) بياض بعد قوله ورواه، وفي (ط): رواه ابن
جرير في تهذيبه أقول: ولم أجده في مسلم بعد الرجوع إلى الأحاديث التي
رواها جبير [المحقق ] .
- ٦١٣ -
[عمرة من الجعرانة]
وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي عن ابن عباس أنه قال: لما
قدم رسول الله وَّر من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم
اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال.
قال ابن سيد الناس وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير
أن النبي وَ لّ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون من
ذي العقدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة
خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي العقدة ليلا، فأحرم
بعمرة ودخل مكة.
وفي تاريخ الأزرقي أنه ﴿ أحرم من وراء الوادي، حيث
الحجارة المنصوبة .
وعند الواقدي: من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة
القصوى من الجعرانة. وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام إذ كان
بالجعرانة به .
والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد، كما قاله الفاكهي. وقال
الباجي: ثمانية عشر ميلا، وسمي بامرأة تلقب بالجعرانة، كما ذكره
السهيلي
[العودة إلى المدينة]
قالوا: وقدم ◌َ ل ر المدينة وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوما.
- ٦١٤ -
-
[ بين حنين وتبوكـ ]
[بعث قيس إلى صداء]
وبعث ◌َ ﴿ قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن في أربعمائة
فارس، وأمره أن يقاتل قبيلة صداء، حين مروره عليهم في الطريق.
فقدم زياد بن الحارث الصدائي، فسأل عن ذلك البعث فأخبر،
فقال: / يا رسول الله أنا وافدهم، فاردد الجيش، وأنا لك ١/٨٨
بقومي، فردهم النبي وَّ من قناة.
وقدم الصدائيون بعد خمسة عشر يوما فأسلموا. وتأتي قصة
وفدهم في الفصل العاشر من المقصد الثاني إن شاء الله تعالى.
[البعث إلى بني تميم]
وبعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم بالسقيا - وهي
أرض بني تميم - في المحرم سنة تسع في خمسين فارسا من العرب ليس
فیھم مهاجري ولا أنصاري.
فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء،
فدخلوا وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولُّوْا، فأخذوا منهم أحد
عشر رجلا، ووجدوا في المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا.
فقدم منهم عشرة من رؤسائهم، منهم: عطارد والزبرقان،
- ٦١٥ -
وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، فجاؤوا إلى باب النبي وَلـ
فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج وَّر وأقام بلال الصلاة، وتعلقوا
برسول الله وَّ يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر. ثم
جلس في صحن المسجد.
فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب. فأمر رسول الله وله
ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم.
ونزل فيهم ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) الآية(١)
ورد عليهم وَّ الأسرى والسبي.
وفي البخاري: عن عبد الله بن الزبير: أنه قدم ركب من بني
تميم على النبي بَله فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد(٢) بن زرارة،
وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا
خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما،
فنزل في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله
ورسوله .... ﴾(٣) حتى انقضت(٤). أي لا تقدموا القضاء في أمر قبل
أن يحكم الله ورسوله فیه.
ولما نزل ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾(٥) أقسم أبو بكر لا يتكلم بين
(١) سورة الحجرات. الآية ٤ .
(٢) في (ب، ش) وكذا في البخاري، وفي النسخ: سعيد).
(٣) سورة الحجرات. الآية ١.
(٤) رواه البخاري برقم ٤٣٦٧.
(٥) سورة الحجرات. الآية ٢.
- ٦١٦ -
﴿إن
يدي رسول الله إلا كمن يسارر صاحبه، فنزل فيه وفي أمثاله
الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ الآية(١).
[بعث الوليد إلى بني المصطلق]
ثم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من
خزاعة يصدقهم (٢)، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية. وكانوا قد
أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون
رجلا يتلقونه بالجزر والغنم، فرحاً به وتعظيما لله ولرسوله، فحدثه
الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع من الطريق قبل أن يصلوا إليه،
وأخبر النبي ◌َّل أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة.
فهمَّ ◌َر أن يبعث إليهم من يغزوهم. وبلغ ذلك القوم، فقدم
عليه الركب الذين لقوا الوليد، فأخبروا النبي ◌َّ الخبر على وجهه،
فنزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ .... ﴾(٣)
إلى آخر الآية، فقرأ عليهم وَ ل # القرآن. وبعث معهم عباد بن بشر
يأخذ صدقات أموالهم ويعلمهم شرائع الإسلام ويقرئهم القرآن.
[سرية ابن عوسجة]
وفي ((شرف المصطفى)) النيسابوري، مما ذكره مغلطاي (٤) أنه
عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن عوسجة إلى بني عمرو بن
حارثة، وقيل حارثة بن عمر - قال: وهو الأصح - في مستهل صفر
(١) سورة الحجرات: الآية ٣ .
(٢) أي يأخذ الصدقة منهم.
(٣) سورة الحجرات. الآية ٦.
(٤) أصله في مغازي الواقدي بلا إسناد .
- ٦١٧ -
٨٨/ب
يدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا واستخفوا بالصحيفة، فدعا عليهم
/ وَّ بذهاب العقل، فهم إلى اليوم أهل رعدة وعجلة وكلام
مختلط.
[سرية قطبة إلى خثعم]
ثم سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم، من تربة - بفتح
الراء - من أعمال مكة سنة تسع، وبعث معه عشرين رجلا، وأمره أن
يشن الغارة عليهم فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين
جميعاً، وقتل قطبة من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة.
وكانت سهمانهم أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم بعد أن
أخرج الخمس.
[سرية الضحاك إلى القرطاء]
ثم سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب، في ربيع
الأول سنة تسع، إلى القرطاء، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم
فهزموهم وغنموهم(١).
[سرية علقمة إلى الحبشة]
ثم سرية علقمة بن مجزز(٢) المدلجي إلى طائفة من الحبشة، في
ربيع الآخر، وقال الحاكم في صفر سنة تسع.
وذكر ابن سعد أن سبب ذلك: أنه بلغه وَ لّ أن ناسا من
(١) في ش: فقاتلهم فهزموا وغنموا.
(٢) جاء في ط هنا: بضم الميم وجيم مفتوحة ومعجمتين الأولى مكسورة ثقيلة
وحكي فتحها والصواب الأول.
- ٦١٨ -
الحبشة تراآهم أهل جدة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة،
فانتهى إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا.
فلما رجع، تعجل بعض القوم إلى أهليهم، فأمر عبد الله بن
حذاقة على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق
وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه
النار، فلما همّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا، إنما كنت أمزح.
فذكروا ذلك للنبي وَلّ فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه.
ورواه الحاكم وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث
أبي سعيد الخدري.
وبوب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي
وعلقمة بن مجزز المدلجي، ويقال: إنها سرية الأنصاري. ثم روى
حديثا عن علي قال: بعث النبي وَلّ سرية، فاستعمل رجلا من
الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النبي
وَليه أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا حطبا، فجمعوا، فقال:
أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوا (١)، فهموا، وجعل بعضهم
يمسك بعضا ويقولون: فررنا إلى النبي بَّله من النار، فما زالوا حتى
خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي ◌ّله فقال: لو دخلوها ما
خرجوا منها(٢).
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: في قوله: ((ويقال إنها سرية
الأنصاري)) إشارة إلى احتمال تعدد القصة، وهو الظاهر لاختلاف
(١) في البخاري: ادخلوها.
(٢) رواه البخاري برقم ٠٤٣٤٠
- ٦١٩ -
سياقهما واسم أميرهما. ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل،
ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القريشي المهاجري بكونه
أنصاريا. ويحتمل أن يكون الحمل على المعنى الأعم، أي أنه نصر
رسول الله وَله في الجملة. وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن
الجوزي فقال: قوله ((من الأنصار)) وهم من بعض الرواة، وإنما هو
سهمي .
قال في فتح الباري: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد، في
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم) نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، بعثه رسول الله
۵﴾ في سریه. انتھی(١).
وقال النووي: وهذا الذي فعله هذا الأمير، قيل: أراد
امتحانهم، وقيل: كان مازحا، وقيل: إن هذا الرجل عبد الله بن
١/٨٩ حذافة السهمي، قال: / وهذا ضعيف: لأنه قال في الرواية التي
بعدها إنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره. انتهى.
[هدم صنم طيء]
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس - بضم الفاء وسكون
اللام - وهو صنم طيء ليهدمه، في ربيع الآخر سنة تسع، وبعث معه
مائة وخمسين رجلا من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسا - وعند
ابن سعد: مائتي رجل - فهدمه وغنم سبيا ونعما وشاء.
وكان في السبي سفانة بنت حاتم، أخت عدي بن حاتم،
فأطلقها النبي ◌َلقر، فكان ذلك سبب إسلام عدي.
(١) فتح الباري ٥٩/٨ .
- ٦٢٠ -