النص المفهرس

صفحات 581-600

إذا أطلق. والمراد بالساعة التي أحلت له - عليه السلام - ما بين أول
النهار ودخول وقت العصر، كذا قاله في فتح الباري.
[شعر في فتح مكة]
ولقد أجاد العلامة أبو محمد الشقراطسي حيث يقول في قصيدته
المشهورة :
تضيق عنها فجاج الوعث والسهل
ويوم مكة إذ أشرفتَ في أمم
خوافق ضاق ذرع الخافقین(١) بها
وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب
وأنت صلى عليك الله تقدمهم
ينير فوق أغر الوجه منتجب
يسمو أمام جنود الله مرتدياً
خشعت تحت بهاء العز حين سمت
وقد تباشر أملاك السماء بما
والأرض ترجف من زهو ومن فرق
والخيل تختال زهواً في أعنتها
لولا الذي خطت الأقلام من قدر
أهل ثهلان بالتهليل من طرب
الملك لله هذا عز من عقدت
شعبت صدع قریش بعد ما قذفت
في قاتم (٢) من عجاج الخيل والإبل
عرمرم كزهاء الليل (٣) منسحل
في بهو إشراق نور منك مكتمل
متوج بعزيز النصر مقتبل
ثوب الوقار لأمر الله ممتثل
بك المهابة فعل الخاضع الوجل
ملكت إذ نلت منه غاية الأمل
والجو يزهر إشراقاً من الجذل
والعيس تنثال رهواً في ثنى الجدل
وسابق من قضاء غير ذي حول
وذاب يذبل تهليلاً من الذبل
له النبوة فوق العرش في الأزل
بهم شعوب شعاب السهل والقلل / ١/٨٢
(١) في ط: الخائفين.
(٢) في (أ، ب، د) قايم .
(٣) في ش السيل .
- ٥٨١ -

قالوا محمد قد زادت كتائبه كالأسد تزأر في أنيابها العصل
وويل أم قريش من جوى الهبل
فويل مكة من آثار وطأته
فجدت عفواً بفضل العفو منك ولم تلمم ولا بأليم اللوم والعذل
أضربت بالصفح صفحاً عن غوائلهم(١) طولاً أطال مقيل النوم في المقل
رحمت واشج أرحام أتيح لها تحت الوشيج نشيج الروع والوجل
مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل
عاذوا بظل كريم العفوذي لطف
وأكرم الناس صفحاً عن ذوي الزلل
أزكى الخليقة أخلاقاً وأطهرها
وطفت بالبيت محبوراً وطاف به
من كان عنه قبيل الفتح في شغل
[شرح كلمات القصيدة]
والجحفل: الجيش العظيم .
وقذف الأرجاء: أي متباعدها.
واللجب: بالجيم المفتوحة: الضجة من كثرة الأصوات.
والعرمرم: الضخم الكثير العدد.
وقوله: كزهاء الليل: شبهه بالليل في سده الأفق، واسوداده
بالسلاح.
والمنسحل : - بالحاء المهملة - الماضي في سيره يتبع بعضه بعضاً.
وقوله: في بهو إشراق: شبه النور الذي يغشاه - عليه السلام -
بیھو أحاط به.
والبهو: البناء العالي كالإيوان ونحوه.
(١) في (ب، ش) طوائلهم وهي جمع طائلة أي عداوة ونتائجها الجنايات
الصادرة منهم .
- ٥٨٢ -

والمنتجب: المتخير من أصل نجيب، أي كريم.
والمقتبل: المستقبل الخير.
وترتجف: تهتز.
والزهو: الخفة من الطرب، يعني: أن الأرض اهتزت فرحاً بهذا
الجيش، وفرقاً من صولته، أي كادت تهتز، قال تعالى: ﴿وبلغت
القلوب الحناجر﴾ أي كادت تبلغ.
والجدل: جمع جديل، وهو الزمام المضفور.
وثنى الجدل: ما انثنى على أعناق الإبل، أي انعطف.
وثهلان: اسم جبل معروف.
وأهل: رفع صوته.
ويذبل: اسم جبل أيضاً.
والذبل: الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى
ذبلت أي جفت ويبست.
وتهليلاً: أي صياحاً، جبناً وفزعاً. يعني: لولا ما سبق من
تقدير الله أن الجبال لا تنطق لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب،
ولذاب يذبل من الجزع والفرق.
وقوله: شعبت أي جمعت وأصلحت.
وقذفت بهم: أي فرقت بهم مخافة شعوب.
وشعوب: اسم للمنية لأنها تفرق الجماعات، من شعبت أي
فرقت، وهو من الأضداد.
والشعاب: الطرق في الجبال.
والسهل: خلاف الجبل.
والقلل: رؤوس الجبال. يعني أنه ◌ّ عفا عنهم بعدما
تصدعوا، أي تفرقوا وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل.
- ٥٨٣ -

وقوله: كالأسد تزأر في أنيابها العصل: أي المعوجة. والله
أعلم.
[المحيا محياكم]
ولما فتح الله مكة على رسوله وَالر قال الأنصار فيما بينهم: أترون
أن رسول الله وَ له إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟
وكان رَّ يدعو على الصفا رافعاً يديه، فلما فرغ من دعائه
قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى
أخبروه، فقال ◌َ له: معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم.
[محاولة قتل]
وهم فضالة بن عمير أن يقتل رسول الله صل* وهو يطوف
بالبيت، فلما دنا منه قال له رسول الله وعليه: أفضالة، قال: نعم يا
رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت
أذكر الله، فضحك ◌َّر ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على
صدره، فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن
صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه.
[إزالة الأصنام]
وطاف ◌َ﴿ يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وكان حول
٨٢/ب البيت ثلاثمائة وستون / صنما، فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيب وهو
يقول: جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا، فيقع الصنم
لوجهه. رواه البهيقي.
وفي رواية أبي نعيم: قد ألزقها الشياطين بالرصاص والنحاس.
- ٥٨٤ -

وفي تفسير العلامة ابن النقيب(١) المقدسي: إن الله تعالى لما
أعلمه وولفر بأنه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه، وفتح مكة
وإعلاء كلمة دينه، أمره إذا دخل مكة أن يقول: وقل جاء الحق وزهق
الباطل، فصار لي يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنة ويقول:
جاء الحق وزهق الباطل، فيخر الصنم ساقطا، مع أنها كانت مثبتة
بالحديد والرصاص، وكانت ثلاثمائة وستين صنما بعدد أيام السنة .
قال: وفي معنى الحق والباطل لعلماء التفسير أقوال:
قال قتادة: جاء القرآن وذهب الشيطان. وقال ابن جريج: جاء
الجهاد وذهب الشرك، وقال مقاتل: جاء عبادة الله وذهبت عبادة
الشيطان .
وقال ابن عباس: وجد وَلّ يوم الفتح حول البيت ثلاثمائة
وستين صنما، كانت لقبائل العرب يحجون إليها، ويخرون لها، فشكا
البيت إلى الله تعالى فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام
حولي دونك فأوحى الله تعالى إليه إني سأحدث لك نوبة جديدة،
يدفون إليك دفيف النسور، ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها، لهم
عجيج حولك بالتلبية. قال: ولما نزلت الآية يوم الفتح قال جبريل
عليه الصلاة والسلام لرسول الله وَالتر: خذ مخصرتك(٢) ثم ألقها(٣)،
فجعل يأتي صنماً صنماً ويطعن في عينه أو بطنه بمخصرته ويقول: جاء
الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا. وبقي
(١) محمد بن سليمان بن حسن البلخي. الإمام المفسر، صنف تفسيرا كبيرا إلى
الغاية. وكان عابدا زاهدا مات بالقدس سنة ثمان وتسعين وستمائة.
(٢) المراد المحجن أو القضيب.
(٣) أي الأصنام .
- ٥٨٥ -

صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر. فقال يا علي: ارم
به، فحمله عليه السلام حتى صعد ورمى به وكسره(١). فجعل أهل مكة
یتعجبون. انتھی(٢).
وعن ابن عباس قال: لما قدم ◌َ ◌ّ أبى أن يدخل البيت وفيه
الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في
أيديهما الأزلام، يعنى: القداح التي كانوا يستقسمون بها، فقال رسول
الله وَله: قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.
فدخل البيت وكبر في نواحيه ولم يصل. رواه الترمذي(٣).
[مفتاح الكعبة]
وعن ابن عمر قال: أقبل رسول الله وَلتير عام الفتح على ناقته
القصواء، وهو مردف أسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن
طلحة فقال: ائتني بالمفتاح، فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال:
والله لتعطينه، أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، فأعطته إياه،
فجاء به النبي ◌َّ فدفعه إليه، ففتح الباب رواه مسلم.
وروى الفاكهي من طريق ضعيفة، عن ابن عمر أيضا قال:
كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح باب الكعبة
غيرهم، فأخذ رسول الله وَّر المفتاح ففتحها بيده.
وعثمان المذكور: هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد
(١) قال في ((أسنى المطالب)): صعود علي على ظهر النبي ◌َ ﴿ لأجل رمي
الأصنام من فوقها خبر لم يثبت. [م].
(٢) أي كلام ابن النقيب .
(٣) هو في البخاري برقم ٤٢٨٨.
- ٥٨٦ -

العزى، ويقال له: الحجبي، بفتح المهملة والجيم، ويعرفون الآن
بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان،
وعثمان هذا لا ولد له وله صحبة ورواية.
واسم أم عثمان: سلافة - بضم السين المهملة والتخفيف
والفاء -.
وفي الطبقات لابن سعد: عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح
الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين والخميس. فأقبل النبي وَلو يوما يريد
أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له ونلت / منه، فحلم ١/٨٣
عني ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه
حيث شئت، فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، قال: بل عمرت
وعزت يومئذ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ
أن الأمر سيصير إلى ما قال. فلما كان يوم الفتح قال: يا عثمان ائتني
بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني، ثم دفعه إلي وقال: خذوها خالدة تالدة
لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما
يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال: فلما وليت ناداني،
فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟! قال: فذكرت قوله لي
بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث
شئت. قلت: بلى أشهد أنك رسول الله.
وفي التفسير(١): أن هذه الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات
إلى أهلها﴾ نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي. أمره ويلي أن يأتيه بمفتاح
الكعبة فأبى عليه، وأغلق باب البيت وصعد إلى السطح وقال: لو
(١) للثعالبي بدون سند .
سبب
- ٥٨٧ -

علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي يده وأخذ منه المفتاح وفتح
الباب، فدخل ◌َ ◌ّ البيت، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح
ويجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية. وأمر وَله عليا
أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي، فقال: أكرهت
وآذيت ثم جئت ترفق؟! فقال علي: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا،
وقرأ عليه الآية. فقال عثمان: أشهد أن محمدا رسول الله. فجاء
جبريل عليه السلام فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة،
فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان. فكان المفتاح معه، فلما مات
دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولاده(١)! إلي يوم
القيامة (٢) .
قال ابن ظفر في ((ينبوع الحياة)): قوله: ((لو أعلم أنه رسول الله
لم أمنعه)) هذا وهم، لأنه كان ممن أسلم. فلو قال هذا كان مرتدا.
وعن الكلبي: لما طلب ◌َّر المفتاح من عثمان مديده إليه، فقال
العباس: يا رسول الله اجعلها مع السقاية، فقبض عثمان يده بالمفتاح،
فقال: هاكه بالأمانة، فأعطاه إياه ونزلت الآية. قال ابن ظفر: وهذا
أولى بالقول.
[الصلاة في الكعبة]
وفي رواية لمسلم: دخل ◌َلير هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان
ابن طلحة الحجبي فأغلقوا عليهم الباب. قال ابن عمر فلما فتحوا
كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله
(١) كذا في ش، وفي بقية النسخ: أولادهم .
(٢) هذا الحديث منكر من جهات عديدة.
- ٥٨٨ -

وَ*؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين، وذهب عني أسأله: كم
صلى.
وفي إحدى روايات البخاري: جعل عمودا عن يساره وعمودا
عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه.
وليس بين الروايتين مخالفة، لكن قوله في الرواية الأخرى: وكان
البيت يومئذ على ستة أعمدة مشكل، لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو
يساره كان اثنين، ولهذا عقبه البخاري برواية إسماعيل بن أبي أويس
التي قال فيها: عمودين عن يمينه.
ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه: حيث ثنى أشار إلى ما كان
عليه البيت في زمنه وَلقر، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك،
ويرشد إليه قوله: وكان البيت يومئذ. لأن فيه إشعارا بأنه تغير عن
هيئته الأولى.
ويحتمل أن / يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل ٨٣/
اثنان على سمت والثالث على غير سمتهما، ولفظ ((المتقدمين)) في إحدى
روايات البخاري مشعر به
وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه،
عكس رواية إسماعيل، وكذلك قال الشافعي، وبشر بن عمر(١) في
إحدى الروایتین عنهما
وقد جمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد
الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث.
(١) كذا في (ط، ش) كما هو في فتح الباري، وفي (أ، ب، د) عمرو .
- ٥٨٩ -

وجزم البهيقي بترجيح رواية إسماعيل، ووافقه عليها ابن
القاسم(١) والقعنبي (٢) وأبو مصعب(٣) ومحمد بن الحسن (٤) وأبو
حذافة(٥) وكذلك الشافعي وابن مهدي(٦) في إحدى الروايتين عنهما.
انتهى ملخصا من فتح الباري(٧).
وقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع أن بين موقفه منالاطفال
وبين الجدار الذي استقبله قريبا من ثلاثة أذرع، وجزم برفع هذه
الزيادة مالك عن نافع فيما أخرجه الدارقطني في الغرائب. ولفظه:
وصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع.
وفي كتاب مكة للأزرقي، والفاكهي: أن معاوية سأل ابن عمر:
أين صلى رسول الله وَالر، فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين
أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين
الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه في مكان قدميه والو إن كانت ثلاثة
(١) عبد الرحمن بن القاسم، الثقة الفقيه المشهور .
(٢) عبد الله بن مسلمة القعنبي، الثقة العابد كان ابن معين وابن المديني لا
يقدمان عليه في الموطأ أحدا مات بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين .
(٣) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن
ابن عوف. الحافظ الصدوق الفقيه مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
(٤) محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، كان من بحور العلم مات
سنة تسع وثمانين ومائة .
(٥) أبو حذافة: أحمد بن إسماعيل السهمي. مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
(٦) عبد الرحمن بن مهدي بن حبان، الحافظ. مات بالبصرة سنة ثمان وتسعين
ومائة .
(٧) فتح الباري: ١ /٥٧٩ .
- ٥٩٠ -

سواء، أو تقع ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقل من ثلاثة أذرع والله
أعلم.
وفي رواية عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة أنه بَ لّ لما دخل
البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في
قبل البيت ركعتين وقال: هذه القبلة رواه مسلم.
والجمع بينه وبين حديث ابن عمر، أن أسامة أخبره أن النبي
وَبيّ صلى في الكعبة كما رواه أحمد والطبراني: بأن أسامة حيث أثبتها
اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يره
حين صلى، ويكون ابن عمر ابتدأ بلالا بالسؤال ثم أراد زيادة
الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل أسامة أيضا.
قال النووي: وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال
لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. قال: وأما نفي أسامة
فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى
أسامة النبي ◌ُّليل يدعو ثم اشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت
والنبي ◌َّر في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ومَّ
فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله [بالدعاء](١)، وكانت
صلاته - عليه السلام - خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده
واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر
بها. انتھی .
وتعقبوه بما يطول ذكره. وأقرب ما قيل في الجمع: أنه تَّ صلى
في الكعبة لما غاب عنه أسامة من الكعبة لأمر ندبه إليه، وهو أن يأتي
(١) في (ش، ب، د).
- ٥٩١ -

بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبت الصلاة بلال لرؤيته
لها ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود الطيالسي عن
أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله وَ ل # في الكعبة، ورأى
صورا فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل وَليل يمحوها ويقول: قاتل
الله قوما يصورون ما لا يخلقون ورجاله ثقات.
وأفاد الأزرقي - في تاريخ مكة - أن خالد بن الوليد كان على
باب الكعبة يذب عنه وَفيه الناس.
[مدة إقامته {َ * بمكة]
١/٨٤ وفي البخاري: / أنه لم أقام خمس عشرة ليلة(١)، وفي رواية: تسع
عشرة(٢). وفي رواية أبي داود: سبع عشرة .
وعند الترمذي: ثمان عشرة.
وفي الإكليل: أصحها بضع عشرة يقصر الصلاة(٣).
وقال الفاسي(٤) في تاريخ مكة(٥): وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من
شهر رمضان .
(١) هذا غلط، فإنما وقع هذا في رواية لأبي داود وضعفها النووي.
(٢) رواه البخاري برقم ٤٢٩٨ و٤٢٩٩.
(٣) لعله أراد صدقها من حيث الجمع بين الروايات وإلا فأصحها إسنادا رواية
البخاري .
(٤) تقي الدين، محمد بن أحمد بن علي المكي الشريف، القاضي الحافظ، ولد
سنة خمس وسبعين وسبعمائة، ورحل ودرس وأفتى وصنف. مات سنة ثنتين
وثلاثین وثمانمائة .
(٥) المسمى شفاء الغرام.
- ٥٩٢ -

[ سرايا بين الفتح وحنين ]
[هدم العزى]
ثم سرية خالد بن الوليد عقب فتح مكة إلى العزى بنخلة،
وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظم أصنامهم. لخمس ليال
بقين من رمضان، سنة ثمان، ومعه ثلاثون فارسا ليهدمها، فلما انتهوا
إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله وَلقر بمكة فأخبره. فقال: هل
رأيت شيئا؟ قال: لا، قال فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها،
فرجع فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ثائرة
الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجز لها (١) اثنتين،
ورجع إلى رسول الله وَلقر فأخبره فقال: نعم، تلك العزى، وقد
يئست أن تعبد ببلادكم أبدا.
[هدم سواع]
ثم سرية عمرو بن العاصي إلى سواع صنم هذيل على ثلاثة
أميال من مكة. في شهر رمضان سنة ثمان - حين فتح مكة -.
قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ فقلت
أمرني رسول الله وسير أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم؟
قال: تمنع، فقلت: ويحك، وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه
(١) جزلها: أي قطعها .
- ٥٩٣ -

فكسرته ثم قلت للسادن كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
[هدم مناة]
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، صنم للأوس والخزرج
بالمشلل، في شهر رمضان، حين فتح مكة، فخرج في عشرين فارسا
حتى انتهى إليها، قال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت
وذاك.
فأقبل سعد يمشي إليها، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة
الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فضربها سعد بن زيد فقتلها،
وأقبل(١) إلى الصنم ومعه أصحابه فهدموه وانصرف راجعا إلى النبي
وَل* وكان ذلك لست بقين من رمضان.
[سرية خالد إلى بني جذيمة]
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، قبيلة من عبد القيس،
أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم، في شوال سنة ثمان. وهو يوم
الغميصاء.
بعثه وَلقر لما رجع من هدم العزى، وهو رَلّ مقيم بمكة، وبعث
معه ثلاثمائة وخمسين رجلا، داعيا إلى الإسلام لا مقاتلا، فلما انتهى
إليهم قال: ما أنتم قالوا: مسلمين(٢) قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا
المساجد في ساحاتنا.
وفي البخاري: لم يحسنوا أن يقولوا ذلك فقالوا صبأنا.
(١) كذا في ش، وفي (أ، ب، د) انفتل، وفي ط انفلت.
(٢) النصب بتقدير جار. أي من قوم مسلمين. كذا الرواية في ابن سعد، وفي
الشامي : مسلمون.
- ٥٩٤ -

فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا،
وفرقهم في أصحابه، فلما كان السحر، نادى منادي خالد: من كان
معه أسير فليقتله، فقتلت بنو سليم من كان بأيديهم، وأما المهاجرون
والأنصار فأرسلوا أساراهم.
فبلغ ذلك النبي ◌َّير فقال: اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد.
وبعث عليا فودى قتلاهم.
قال الخطابي: يحتمل أن يكون نقم عليهم العدول عن لفظ
الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم
ينقادوا إلى الدين، فقتلهم متأولا، وأنكر هير العجلة وترك التثبت في
أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا.
- ٥٩٥ -

[ غزوة حنين ]
ثم غزا ◌َ﴿ حنينا - بالتصغير- وهو واد قرب ذي المجاز،
٨٤/ب / وقيل: ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال، قرب الطائف، وتسمى غزوة
هوزان .
[أسبابها ومقدماتها]
وذلك أن النبي وَ لّ لما فرغ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة
أهلها مشت أشراف هوزان وثقيف بعضهم إلى بعض، وحشدوا
وقصدوا محاربة المسلمين، وكان رئيسهم مالك بن عوف النصري(١).
فخرج إليهم رسول الله وَلتر من مكة يوم السبت لست ليال
خلون من شوال، في اثني عشر ألفا من المسلمين. عشرة آلاف من
أهل المدينة وألفان ممن أسلم من أهل مكة. وهم الطلقاء، يعني:
الذين خلى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهم طليق
- فعيل بمعنى مفعول - وهو الأسير إذا أطلق سبيله.
واستعمل وَلّ على مكة عتاب بن أسيد.
وخرج معه رَّ ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية،
(١) بالصاد المهملة نسبة إلى جدة الأعلى: نصر، وقد جاء في النسخ بالضاد
المعجمة وهو غلط.
- ٥٩٦ -

وكان وسلّ استعار منه مائة درع بأداتها(١)، فوصل إلى حنين ليلة
الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.
فبعت مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله
وَّة، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب.
ووجه رسول الله وَ لقر عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فدخل
عسكرهم، فطاف به وجاء بخبرهم.
وفي حديث سهل بن الحنظلية - عند أبي داود بإسناد حسن -
أنهم ساروا مع رسول الله وَّهر فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال: إني
انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن
عن بكرة أبيهم، بظعنهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي وَل
وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا، إن شاء الله تعالى ..
وقوله عن بكرة أبيهم: كلمة للعرب، يريدون بها الكثرة وتوفر
العدد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء،
فاستعيرت هنا.
وقوله: بظعنهم: أي نسائهم، واحدتها ظعينة، وأصل الظعينة
الراحلة التي يرحل ويطعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة لأنها
تظعن مع زوجها حيثما ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت.
وقيل الظعينة: المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة بلا هودج، وللهودج
بلا امرأة ظعينة. انتهى .
[المعركة]
وروى يونس بن بكير، في زيادة المغازي عن الربيع قال: قال
(١) الأنسب قول غيره: بآلاتها أي التروس والخوذ.
- ٥٩٧ -

رجل يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي وَّه .
ثم ركب وَلّ بغلته البيضاء ((دلدل)) ولبس درعين والمغفر
والبيضة. فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد
والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق
الوادي، فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بني سليم مولية وتبعهم
أهل مكة والناس.
ولم يثبت معه وسلّ يومئذ إلا العباس بن عبد المطلب، وعلى بن
أبي طالب، والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد
المطلب، وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد، في أناس من أهل بيته
وأصحابه.
قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى
العدو، لأنه بَّه كان يتقدم في نحر العدو، وأبو سفيان بن الحارث
آخذ بركابه، وجعل عليه السلام يقول للعباس: ناد يا معشر
الأنصار، يا أصحاب السمرة - يعني شجرة بيعة الرضوان - التي بايعوه
تحتها، أن لا يفروا عنه.
فجعل ينادي تارة / يا أصحاب السمرة، وتارة: يا أصحاب سورة
البقرة - وكان العباس رجلا صيتا - فلما سمع المسلمون نداء العباس
أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها.
١/٨٥
وفي رواية لمسلم: قال العباس: فوالله لكأن عطفتهم - حين
سمعوا صوتي - عطفة البقر على أولادها. يقولون: يا لبيك، يا لبيك.
فتراجعوا إلى رسول الله وَله، حتى أن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره
على الرجوع انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله وَاليه .
- ٥٩٨ -

فأمرهم ﴿ أن يصدقوا الحملة، فاقتتلوا مع الكفار، فأشرف
رسول الله وَعليهم فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمي الوطيس، وهو التنور
يخبز فيه، يضرب مثلا لشدة الحرب الذي يشبه حرها حره. وهذه من
فصيح الكلام الذي لم يسمع من أحد قبل النبي ◌َّر .
وتناول ◌َ* حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه - أي
قبحت ـ ورمى بها في وجوه المشركين، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ
عينيه من تلك القبضة.
وفي رواية لمسلم: قبضة من تراب الأرض. فيحتمل أنه رمى
بذا مرة وبذا مرة أخرى. ويحتمل أن يكون أخذ قبضة واحدة مخلوطة
من حصی وتراب.
ولأحمد وأبي داود والدرامي، من حديث أبي عبد الرحمن الفهري
في قصة حنين قال: فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال
رسول الله وَله: أنا عبد الله ورسوله، ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفا
من تراب. قال: فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب وجوههم
وقال: شاهت الوجوه فهزمهم الله. قال يعلى بن عطاء راويه عن أبي
همام عن أبي عبد الرحمن الفهري فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم
قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة
من السماء كإمرار الحديد على الطست الجديد - بالجيم -
قال في النهاية: وصف الطست وهي مؤنثة بالجديد وهو مذكر،
إما لأن تأنيثها غير حقيقي فأوله على الإناء والظرف، أو لأن فعيلا
يوصف به المؤنث بلا علامة تأنيث كما يوصف به المذكر، نحو امرأة
قتيل. انتهى
ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود: فحادت به ﴿﴿ بغلته،
_ ٥٩٩ -

فمال السرج فقلت ارتفع رفعك الله، فقال: ناولني كفا من تراب،
فضرب وجوههم وامتلأت أعينهم ترابا، وجاء المهاجرون والأنصار
سيوفهم بإيمانهم كأنها الشهب فولى المشركون الأدبار.
وروى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عبد الرحمن بن مولى عن
رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول
الله وَلّ يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة، فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم
في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله
وَله. قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا: شاهت
الوجوه ارجعوا. قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا.
وفي سيرة الدمياطي: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر
أرخوها بين أكتافهم.
وفي حديث جبير بن مطعم: نظرت والناس يقتتلون يوم حنين
إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء.
والبجاد: بالموحدة والجيم آخره دال مهملة: الكساء، وجمعه:
بجد، أراد الملائكة الذين أيدهم الله بهم، قاله ابن الأثير.
وفي البخاري: عن البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن
٨٥ / ب رسول الله (140 يوم حنين؟ فقال: /: لكن رسول الله ولو لم
يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على
الغنائم(١) فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله وَليل على بغلته
(١) كذا في ش وفي البخاري، وفي النسخ: المغانم
- ٦٠٠ -