النص المفهرس

صفحات 561-580

وأمدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلاً في
خفية .
وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً من خزاعة،
فقدموا على رسول الله وَ لقر يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه. فقام
وهو يجر رداءه وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر منه
نفسي.
وفي المعجم الصغير للطبراني، من حديث ميمونة أنها سمعته واله
يقول في متوضئه ليلاً: لبيك لبيك ثلاثاً، نصرت نصرت ثلاثاً، فلما
خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: لبيك لبيك
ثلاثاً، نصرت نصرت ثلاثاً، كأنك تكلم إنساناً، فهل كان معك
أحد؟ فقال ◌َ: هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشاً
أعانت عليهم بني بكر.
ثم خرج عليه السلام فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحداً.
قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت:
والله ما أدري، فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد
رسول الله وَل18؟ قالت: والله لا علم لي. قالت فأقمنا ثلاثاً ثم صلى
الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشده:
يا رب إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا
فانصر هداك الله نصراً أبدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا(١)
فيهم رسول الله قد تجردا(٢)
وادع عباد الله يأتوا مددا
(١) أي لست تدعو أحداً لنصرتنا.
(٢) أي شمر وتهياً لحربهم.
- ٥٦١ -

/ إن سيم خسفاً وجهه تربدا
١/٧٨
قال في القاموس: وتربد - يعني بالراء - تغير. انتهى. وزاد ابن
إسحاق :
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا
فقال له رسول الله وَله: نصرت يا عمرو بن سالم.
فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد ذكر البزار من حديث أبي
هريرة بعض الأبيات المذكورة.
[أبو سفيان في المدينة]
وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله و لقد المدينة يسأله أن
يجدد العهد ويزيد في المدة. فأبى عليه، فانصرف إلى مكة.
[رسالة حاطب إلى قريش]
فتجهز رسول الله وَلفر من غير إعلام أحد بذلك
فكتب حاطب كتاباً وأرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع الله نبيه
على ذلك.
فقال عليه السلام لعلي بن أبي طالب والزبير والمقداد: انطلقوا
حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها. قال
فانطلقنا .. حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي
الكتاب، قالت: ما معي كتاب. قلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين
الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله وَله. فإذا
فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم
- ٥٦٢ -

ببعض أمر رسول الله وَالتّر. فقال: يا حاطب، ما هذا؟ قال: يا
رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقاً في قريش - يقول:
كنت حليفاً ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين لهم
قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب
فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني
ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله وَتليفون: أما إنه قد
صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق،
فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾
إلى قوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾(١). رواه البخاري(٢).
قال في فتح الباري: وإنما قال عمر رضي الله عنه: دعني يا
رسول الله أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق رسول الله وَيةو لحاطب
فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض المنافقين،
فظن أن من خالف ما أمر به النبي # استحق القتل. لكنه لم يجزم
بذلك، فلذلك استأذن في قتله. وأطلق عليه منافقاً لكونه أبطن خلاف
ما أظهر. وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه.
وعند الطبراني من طريق الحارث عن عليّ في هذه القصة
فقال: (أليس قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأرشد إلى علة ترك قتله.
وعند الطبري أيضاً: عن عروة: فإني غافر لكم. وهذا يدل
على أن المراد: بـ ((غفرت)) أغفر، على طريق التعبير عن الآتي
بالواقع مبالغة في تحققه.
(١) سورة الممتحنة: الآية ١.
(٢) رواه البخاري برقم ٤٢٧٤ و٤٨٩٠.
- ٥٦٣ -

قال: والذي يظهر أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف،
تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا
أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة. وقد أظهر الله تعالى
صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على
أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من
٧٨/ب أحدهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريقة / المثلى، يعلم ذلك من أحوالهم
بالقطع من اطلع على سيرهم. قاله القرطبي(١).
وذكر بعض أهل المغازي - وهو في تفسير يحيى بن سلام - أن
لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب: أما بعد: يا معشر قريش، فإن
رسول الله ◌َر جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم
وحده لنصره الله وأنجز له، فانظروا لأنفسكم والسلام. هكذا حكاه
السهيلي.
وروى الواقدي بسند له مرسل: أن حاطباً كتب إلى سهيل بن
عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة: أن رسول الله وَ ل ◌ّ أُذن في الناس
بالغزو، ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد.
انتھی(٢).
[ مغادرة المدينة]
وبعث رسول الله له إلى من حوله من العرب فجلبهم: أسلم
وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم
من لحقه بالطريق.
(١) فتح الباري ٦٣٤/٨ - ٦٣٥.
(٢) عن فتح الباري ٥٢١/٧.
- ٥٦٤ -

فكان المسلمون في غزوة الفتح: عشرة آلاف.
وفي ((الإكليل)) و((شرف المصطفى)) اثني عشر ألفاً.
ويجمع بينهما أن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم
تلاحق به الألفان.
واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وقيل أبارهم الغفاري.
وخرج ◌َّهو يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من رمضان، بعد
العصر، سنة ثمان، قاله الواقدي.
وعند أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول
الله وَلثر عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان.
فما قاله الواقدي ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه. وفي
تعيين هذا التاريخ أقوال أخر منها عند مسلم: لست عشرة، ولأحمد:
ثماني عشرة، وفي أخرى: لثنتي عشرة. والذي في المغازي: لتسع
عشرة مضت. وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر، وفي أخرى:
تسع عشرة أو سبع عشرة على الشك.
ولما بلغ وَلّ الكديد - بفتح الكاف - الماء الذي بين قديد
وعسفان أفطر فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر. رواه البخاري، وفي
أخرى: أفطر وأفطروا، الحديث(١).
[لقاءات في الطريق]
وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلماً مهاجراً،
فلقي رسول الله وَلقر بالجحفة، وكان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته،
(١) الرواية الأولى برقم ٤٢٧٥ والثانية برقم ٤٢٧٦.
- ٥٦٥ -

ورسول الله صل﴾ عنه راض.
وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفيان بن الحارث، ابن عمه،
وأخوه من رضاع حليمة السعدية، ومعه ولده جعفر بن أبي سفيان.
وكان أبو سفيان يألف رسول الله وَلير، فلما بعث عاداه وهجاه. وكان
لقاؤهما له عليه السلام بالأبواء وأسلما قبل دخول مكة.
وقيل: بل لقيه هو وعبد الله بن أبي أمية، ابن عمته عاتكة بنت
عبد المطلب بين السقيا والعرج، فأعرض وَ لقر عنهما لما كان يلقى منهما
من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن
عمتك أشقى الناس بك، وقال علي: لأبي سفيان - فيما حكاه أبو
عمر (١) وصاحب ذخائر العقبى (٢) -: انت رسول الله وَلقر من قبل
وجهه فقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف: ((تالله لقد آثرك الله علينا
وإن كنا لخاطئين)) فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً، ففعل
ذلك أبو سفيان، فقال له وَلجر: ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم
وهو أرحم الراحمين)).
ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صل منذ أسلم حياء
منه .
[دخول مكة]
قالوا: ثم سار ية فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها
إلى القبائل.
ثم نزل مر الظهران عشاء، فأمر أصحابه فأوقدوا/ عشرة آلاف
١/٧٩
(١) أي: ابن عبد البر.
(٢) كتاب (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) وهو للمحب الطبري.
- ٥٦٦ -

نار، ولم يبلغ قريشاً مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم،
فبعثوا أبا سفيان بن حرب وقالوا: إن لقيت محمداً فخذلنا منه أمانا،
فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء حتى
أتوا مر الظهران، فلما رأوا العسكر أفزعهم.
وفي البخاري: (فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو
سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال له بديل بن ورقاء: نيران
بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو(١) أقل من ذلك. فرآهم ناس من
حرس رسول الله وَر فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم إلى رسول الله
وَر، فأسلم أبو سفيان.
فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى
ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي
وَ ال/: تمر (٢) كتيبة كتيبة على أبي سفيان. فمرت كتيبة فقال: يا عباس
من هذه؟ قال: هذه غفار؟ قال: مالي ولغفار؟ ثم مرت جهينة فقال
مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء
الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا
سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: یا
عباس، حبذا يوم الذمار)(٣) بالمعجمة المكسورة: الهلاك.
قال الخطابي: تمنى أبو سفيان أن تكون له يد فيحمي قومه
ويدفع عنهم. وقيل: هذا يوم الغضب للحريم والأهل والانتصار لهم
(١) كذا في ش وفي البخاري، وفي بقية النسخ: بنو عمرو.
(٢) كذا في البخاري وفي (ب، د) وفي النسخ بدونها.
(٣) رواه البخاري برقم ٤٢٨٠.
- ٥٦٧ -

لمن قدر عليه، وقيل: هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني
مکروه(١).
[أخذ الراية من سعد]
وقال ابن إسحاق: زعم بعض أهل العلم أن سعداً قال: اليوم
يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين فقال:
يا رسول الله، ما آمن أن يكون لسعد في قريش صولة. فقال لعلي:
أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها.
وقد روى الأموي في المغازي: أن أبا سفيان قال للنبي وَليقر لما
حاذاه: أمرت بقتل قومك؟ قال: لا، فذكر له ما قال سعد بن عبادة
ثم ناشده الله والرحم، فقال: يا أبا سفيان: اليوم يوم المرحمة، اليوم
يعز الله قريشاً، وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه
قیس .
وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير عن جابر قال: لما قال
سعد بن عبادة ذلك عارضت امرأة من قريش رسول الله صل* فقالت:
يا نبي الهدى إليك لجا حي قريش ولات حين لجائي
حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهم إله السماء
ربأهل الحجون والبطحاء
إن سعداً يريد قاصمة الظه
فلما سمع هذا الشعر دخلته رأفة لهم ورحمة. فأمر بالراية
فأخذت من سعد ودفعت إلى ابنه قیس.
وعند أبي يعلى من حديث الزبير أن النبي ◌َّلفي دفعها إليه فدخل
(١) فتح الباري ٨/٨.
- ٥٦٨ -

مكة بلواءين، وإسناده ضعيف جداً. لكن جزم موسى بن عقبة في
المغازي عن الزهري أنه دفعها إلى الزبير بن العوام.
فهذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد.
والذي يظهر في الجمع أن علياً أرسل لينزعها ويدخل بها، ثم
خشي تغير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس، ثم إن سعداً خشي
أن يقع من ابنه شيء يكرهه النبي وسير فسأل النبي ◌َ ◌ّ أن يأخذها منه
فحينئذ أخذها الزبير (١).
[تتمة الحديث عن دخول مكة]
قال في رواية البخاري ( .. ثم جاءت كتيبة(٢) فيهم رسول الله
وَر وأصحابه، وراية النبي / الر مع الزبير، فلما مر رسول الله مَل ٧٩/ب
بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال:
قال كذا وكذا فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه
الكعبة، ويوم تكسي فيه الكعبة. قال وأمر رسول الله صل أن تركز
رايته بالحجون .
قال وقال عروة أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت
العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبدالله، ها هنا أمرك رسول الله
* أن تركز الراية؟ قال: نعم(٣).
!
وأمر رسول الله ( يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى
(١) عن فتح الباري ٨/٨ - ٩.
(٢) نص البخاري (ثم جاءت كتيبة - وهي أقل الكتائب - فيهم .. ).
(٣) قوله (قال: نعم) ليست في البخاري.
- ٥٦٩ -

مكة من كداء - أي بالفتح والمد - ودخل النبي وَّ من كدى - أي
بالضم والقصر - فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: حبيش بن
الأشعر وكرز بن جابر الفهري)(١).
قال الحافظ ابن حجر: وهذا(٢) مخالف الأحاديث الصحيحة
الآتية في البخاري أيضاً أن خالداً دخل من أسفل مكة والنبي وَّر من
أعلاها .
يعني حديث ابن عمر: أنه ◌َل ◌ّ أُقبل يوم الفتح من أعلى مكة
على راحلته مردفاً أسامة بن زيد، وحديث عائشة أنه وَّ دخل عام
الفتح من كداء التي بأعلى مكة وغيرهما.
[دخول مكة عند ابن عقبة]
قال: وقد ساق ذلك موسى بن عقبة سياقاً واضحاً فقال:
وبعث وَل ﴿ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن
يدخل من كداء من أعلى مكة، وأمره أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح
حتی یأتیه.
وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن
يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت.
وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله وليه-
وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، وقد تجمع
(١) رواه البخاري برقم ٤٢٨٠.
(٢) الإشارة إلى مرسل عروة.
- ٥٧٠ -

بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف، وناس من هذيل ومن
الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش، فقاتلوا خالداً فقاتلهم
فانهزموا، وقتل من بني بكر نحو من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة
أو أربعة، حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة إلى باب المسجد حتى
دخلوا الدور، فارتفعت طائفة منهم على الجبال.
وصاح أبو سفيان: من أغلق بابه وكف يده فهو آمن.
قال: ونظر رسول الله وسل إلى البارقة فقال: ما هذا(١)؟ وقد
نهيت عن القتال. فقالوا: نظن أن خالداً قوتل وبدىء بالقتال فلم
يكن له بد من أن يقاتلهم.
قال: وقال رسول الله ولو - بعد أن اطمأن - لخالد بن الوليد:
لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال هم بدؤونا بالقتال، وقد كففت
يدي ما استطعت، قال: قضاء الله خير(٢).
[رواية ابن إسحاق في دخول مكة]
وعند ابن إسحاق: فلما نزل ◌َ # مر الظهران، رقت نفس
العباس لأهل مكة، فخرج ليلاً راكباً بغلة النبي وَلقر لكي يجد أحداً
فيعلم أهل مكة بمجيء النبي ◌َّ ليستأمنوه، فسمع صوت أبي سفيان
ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، فأردف أبا سفيان خلفه
وأتى به إلى النبي وَلقر فأسلم وانصرف الآخران ليعلما أهل مكة.
ويمكن الجمع: بأن الحرس لما أخذوه استنقذه العباس.
(١) كذا في (ب، د) وفي فتح الباري. وفي بقية النسخ: ما هذه.
(٢) عن فتح الباري ١٠/٨ و١١.
- ٥٧١ -

وروى أن عمر رضي الله عنه لما رأى أبا سفيان رديف العباس
دخل على رسول الله وَ ﴿ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان، دعني
أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله، إني قد أجرته. فقال
١/٨٠ وَ: إذهب يا عباس به / إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، فذهب
فلما أصبح غدا به على رسول الله وَ ﴿ فلما رآه رسول الله وَ ل قال:
ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال:
بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أنه لو كان
مع الله إله غيره لما أغني عني شيئاً. ثم قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم
يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك
وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها شيء.
فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك. فأسلم وشهد شهادة الحق.
فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له
شيئاً، قال: نعم. وأمر ◌َلّ فنادى مناديه: من دخل المسجد فهو آمن
ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن إلا
المستثنین .
[ لا أمان لهؤلاء]
وهم كما قال مغلطاي :
عبد الله بن سعد بن أبي سرح. أسلم.
وابن خطل: قتله أبو برزة.
وقينتاه وهما: فرتنى - بالفاء المفتوحة، والراء الساكنة والتاء المثناة
الفوقية والنون - وقريبة - بالقاف والراء والموحدة مصغراً - أسلمت
إحداهما وقتلت الأخرى. وذكر غير ابن إسحاق أن التي أسلمت فرتنى
- ٥٧٢ -

وأن قريبة قتلت.
وسارة: مولاة لبني المطلب، أسلمت، ويقال كانت مولاة عمرو
ابن صيفي بن هشام.
وأرنب - علم امرأة -، (١).
وقريبة: قتلت
وعكرمة بن أبي جهل: أسلم
والحويرث(٢) بن نقيد: قتله علي
ومقيس بن صبابة - بمهملة وموحدتين الأولى خفيفة - قتله ميلة
الليثي .
وهبار بن الأسود: أسلم، وهو الذي عرض لزينب بنت رسول
اللهِ وَلّ حين هاجرت فنخس بها [بعيرها](٣) حتى سقطت على صخرة
وأسقطت جنینها.
وكعب بن زهير: أُسلم
وهند بنت عتبة: أسلمت
ووحشي بن حرب: أسلم انتهى.
وابن خطل: بفتح الخاء والطاء المهملة.
وابن نقيد: بضم النون وفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخره
دال مهملة مصغراً.
ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية آخره
مهملة .
(١) قال في الفتح: مولاة ابن خطل أيضاً، قتلت.
(٢) كذا في (ط، ش) والفتح، وفي (ا، ب، د): الحارث.
(٣) في ط .
- ٥٧٣ -

وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر
بقتله عشرة أنفس، ستة رجال، وأربع نسوة.
[هل كان الفتح صلحاً أم حرباً؟]
وروى أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: لما أقبل رسول
الله ◌َله وقد بعث على أحد المجنبتين خالد بن الوليد، وبعث الزبير
على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر - بضم المهملة وتشديد
السين المهملة، أي الذين بغير سلاح - فقال لي يا أبا هريرة، اهتف
لي بالأنصار، فهتفت بهم فجاؤوا فأطافوا به، فقال لهم: أترون إلى
أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى:
احصدوهم حصداً، حتى توافوني بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا،
فما نشاء أن نقتل أحداً منهم إلا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال: يا
رسول الله، أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال لي:
من أغلق بابه فهو آمن.
قال في فتح الباري: وقد تمسك بهذه القصة من قال: إن مكة
فتحت عنوة، وهو قول الأكثر.
وعن الشافعي، وهو رواية عن أحمد: أنها فتحت صلحاً، لما
وقع من هذا التأمين، ولإضافة الدور إلى أهلها، ولأنها لم تقسم، ولأن
الغانمين لم يملكوا دورها. وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها.
وحجة الأولين: ما وقع التصريح به من الأمر بالقتال، ووقوعه
من خالد بن الوليد، وبتصريحه وي ليه بأنها أحلت له ساعة من نهار،
ونهيه عن التأسي به في ذلك. /
وأجابوا عن ترك القسمة: بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد
٨٠ /ب
- ٥٧٤ -

تفتح البلد عنوة ويمن على أهلها، ويترك لهم دورهم.
وأما قول النووي: واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة بأن
النبي ◌َلقر صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر، لأن الذي
أشار إليه، إن كان مراده ما وقع من قوله بَله: من دخل دار أبي
سفيان فهو آمن - كما تقدم وكذا من دخل المسجد - كما عند ابن
إسحاق - فإن ذلك لا يسمى صلحاً إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك
الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن
قريشاً لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب. وإن كان مراده بالصلح
وقوع عقده فهذا لم ينقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول وفيه ما
ذكرته. انتھی(١).
[تتمة رواية ابن إسحاق]
ثم دخل رسول الله وَالر مكة في كتيبته الخضراء، وهو على ناقته
القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير، فرأى أبو سفيان ما لا قبل له
به، فقال العباس: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكاً
عظيماً، فقال العباس: ويحك، إنه ليس بملك ولكنها نبوة، قال: نعم.
وروى أنه لم وضع رأسه تواضعاً لله لما رأى ما أكرمه الله به
من الفتح حتى إن رأسه لتكاد تمس رحله شكراً وخضوعاً لعظمته أن
أحل له بلده ولم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده.
[قتل متعلقاً بأستار الكعبة]
وفي البخاري من حديث أنس أن النبي وَّ هر دخل مكة يوم
(١) عن فتح الباري ١٢/٨ .
- ٥٧٥ -

الفتح وعلى رأسه المغفر - وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح
الفاء: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وفي المحكم: هو ما
يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة - فلما نزعه جاء
رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتله(١).
وفي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطني والحاكم: أن رسول
الله وَلّ قال: أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث وهلال بن
خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن أبي سرح. قال: فأما هلال بن
خطل فقتله الزبير. الحديث.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار والحاكم والبيهقي في
الدلائل نحوه، لكن قال: أربعة نفر وامرأتان وقال: اقتلوهم وإن
وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فذكره. لكن قال: عبد الله بن
خطل بدل هلال، وقال عكرمة بدل الحويرث، ولم يسم المرأتين.
وقال: فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق
إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عماراً، وكان أشب
الرجلين فقتله. الحديث.
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي: أن أبا برزة
الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده صحيح مع
إرساله .
ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله،
وبه جزم البلاذري وغيره من أهل الأخبار.
وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم
(١) رواه البخاري برقم ٤٢٨٦.
- ٥٧٦ -

أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في
السيرة: بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله.
وإنما أمر بقتل ابن خطل، لأنه كان مسلماً فبعثه وَلِ مصدقاً،
وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى / يخدمه - وكان مسلماً - ١/٨١
ونزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيساً ويضع له طعاماً ونام، فاستيقظ
ولم يصنع له شيئاً، فعدی علیه فقتله، ثم ارتد مشركاً، وكان له قینتان
تغنيان بهجاء رسول الله وَلتر .
وأما الجمع بين ما اختلف فيه من اسمه، فإنه كان يسمى عبد
العزى، فلما أسلم سمي عبد الله. وأما من قال: هلال، فالتبس عليه
بأخ له اسمه هلال.
[نجاة ابن أبي سرح]
وفي رواية أبي داود من حديث مصعب: لما كان يوم الفتح أمن
رسول الله وَ﴿ الناس إلا أربعة نفر فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي
سرح فاختباً عند عثمان بن عفان رضي الله عنه فلما دعا رسول الله وَله
الناس إلى البيعة، جاءبه حتى أوقفه على رسول الله وسلم فقال: يا نبي
الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه
بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد
يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: يا رسول
الله ما ندري ما في نفسك، ألا أومات إلينا؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي
أن تكون له خائنة الأعين. الحديث(١) .
(١) رواه أبو داود برقم ٢٦٨٣ .
- ٥٧٧ -

[هل يحرم لدخول مكة؟]
قال مالك - كما في رواية البخاري -: ولم يكن رسول الله صل﴾
فيما نرى يومئذ محرماً. انتهى .
وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جازماً
به. أخرجه الدارقطني في الغرائب.
ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر: دخل ◌َّ يوم فتح
مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال: لم يدخل
النبي ◌َ ◌ّ مكة إلا محرماً إلا يوم الفتح.
وقد اختلف العلماء: هل يجب على من دخل مكة الإحرام أم
لا؟
فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقاً. وفي قول:
يجب مطلقاً، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وهو أولى بعدم
الوجوب.
والمشهور عن الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل
منهم: لا يجب، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة،
واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات والله أعلم.
وقد زعم(١) الحاكم في الإكليل: أن بين حديث أنس في المغفر
(١) في ط: جزم .
- ٥٧٨ -

وبين حديث جابر في العمامة السوداء معارضة.
وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم
أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه.
ويؤيده: أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه
عمامة سوداء. أخرجه مسلم أيضاً. وكانت الخطبة عند باب الكعبة
وذلك بعد تمام الدخول. وهذا الجمع للقاضي عياض.
وقال غيره: يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر،
أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر
المغفر كونه دخل متأهباً للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة کونه دخل
غير محرم.
[منزله ** بمكة]
وفي البخاري: عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول
الله، أين تنزل غداً، قال النبي وَله: وهل ترك لنا عقيل من منزل؟
وفي رواية: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟
وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث جعفر ولا علي
شيئاً لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين. فكان عمر بن
الخطاب يقول: لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر.
وفي رواية أخرى له قال التر منزلنا / إن شاء الله - إذا فتح الله - ٨١/ب
الخيف، حيث تقاسموا على الكفر. يعني به المحصب، وذلك أن
قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب: أن لا
يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ◌َّر، كما تقدم.
- ٥٧٩ -

وفي رواية أخرى له: أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هانىء
ثم صلى الضحى ثمان ركعات، قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها،
غير أنه يتم الركوع والسجود.
[أجرنا من أجرت]
وأجارت أم هانىء حموين لها، فقال النبي وَلاّ: قد أجرنا من
أجرت يا أم هانىء، والرجلان: الحارث بن هشام، وزهير بن أمية بن
المغيرة، كما قاله ابن هشام، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن
يقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتها وذهبت إلى النبي بَله .
[اذهبوا فأنتم الطلقاء]
ولما كان الغد من يوم الفتح قام ◌َل خطيباً في الناس، فحمد
الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، إن الله حرم
مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم
القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً،
أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال(١) رسول الله ولو
فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة من
نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد
الغائب.
ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟
قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.
قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
أي: الذين أطلقوا، فلم يسترقوا ولم يؤسروا. والطليق: الأسير
(١) أي لأجل قتال .
- ٥٨٠ -