النص المفهرس

صفحات 541-560

وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له
تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين
سقوط القضاء.
وحجة من أوجبها: ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدي حيث
صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي.
وحجة من لم يوجبها: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر
الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحر، ومن ليس معه هدي أن
يحلق(١).
[قصة العمرة]
قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه وَل﴾ لما هلَّ ذو
القعدة - يعني سنة سبع - أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي
صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد
الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا.
وخرج معه وَّر من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا
رهم الغفاري، وساق رَّ ستين بدنة، وحمل السلاح والبيض والدرع(٢)
والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل
أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن
سعد .
وأحرم بَّه ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن
مسلمة في الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفراً من قريش، فسألوه
(١) عن فتح الباري ٥٠٠/٧ [م].
(٢) في ش: الدروع .
- ٥٤١ -

فقال: هذا رسول الله وَ ﴿ يصبح هذا المنزل غداً إن شاء الله تعالى.
فأتوا قريشاً فأخبروهم ففزعوا.
ونزل رسول الله وَلفور بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج -
كيسمع وينصر ويضرب - موضع بمكة، حيث ينظر إلى أنصاب
الحرم(١)، وخلف عليه أوس بن خولى الأنصاري في مائتي رجل.
:
وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال.
وقدم رسول الله بَ ر الهدي أمامه، فحبس(٢) بذي طوی،
وخرج رسول الله وَلقر على راحلته القصواء، والمسلمون متوشحون
السيوف محدقون برسول الله ◌َلا يلبون، فدخل من الثنية التي تطلعه
على الحجون، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته.
وفي رواية الترمذي في الشمائل، من حديث أنس أنه وَّ دخل
مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
اليوم نضربكم على تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله
ويذهل الخليل عن خليله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله وَله تقول شعراً؟
فقال ◌َله: خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل.
ورواه عبد الرزاق من حديث أنس أيضاً من وجهين بلفظ
خلوا بني الكفار عن سبيله قد أنزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
(١) أي أعلام حدوده .
(٢) أي: ترك.
- ٥٤٢ -

١/٧٥
وأخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل وفيه : !
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
اليوم نضربكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله
وعن ابن عقبة في المغازي بعد قوله:
قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله
لكنه لم يذكر أنساً، وزاد ابن إسحاق بعد قوله:
يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله
وقال ابن هشام: إن قوله:
نحن ضربناكم على تأويله
إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله يوم صفين(١).
قالوا: ولم يزل رسول الله وَلّ يلبي حتى استلم الركن بمحجنه
مضطبعاً بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا
بثيابهم .
[الرمل في الطواف]
وفي البخاري، عن ابن عباس ( ... قال المشركون: إنه يقدم
عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ◌َ ◌ّ أن يرملوا الأشواط
الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم(٢) أن يرملوا الأشواط
كلها إلا الإبقاء عليهم.)(٣).
(١) كذا في ش، وهو كذلك في فتح الباري، وهو الأصل المنقول عنه. وفي
بقية النسخ: يوم حنين وهو غلط.
(٢) كذا في النسخ وهو رواية مسلم والذي في البخاري: ولم يمنعه أن
یأمرهم . .
(٣) رواه البخاري برقم ٤٢٥٦ .
- ٥٤٣ -

وفي رواية: (قال: ارملوا ليرى المشركون قوتكم (١) والمشركون من
قبل قعيقعان)(٢)
ومعنى قوله: ((إلا الإبقاء عليهم)) أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في
جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم.
[السعي والتحلل]
ثم طاف رسول الله وَ* بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان
الطواف السابع عند فراغه - وقد وقف الهدي عند المروة - قال: هذا
المنحر، وكل فجاج مكة منحر.
فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأمر رسول الله وَليل ناساً منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن
يأجج، فيقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا.
وأقام رسول الله وَ له بمكة ثلاثاً.
وفي البخاري من حديث البراء ( .. فلما دخلها - يعني مكة -
ومضى الأجل، أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى
الأجل)(٣) .
[خروج ابنة حمزة]
(فخرج النبي وَّر فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها
(١) كذا في الأصل، وكذلك في البخاري، وفي بقية النسخ: ليري المشركين
قوتهم .
(٢) رواه البخاري برقم ٤٢٥٦ .
(٣) رواه البخاري برقم ٤٢٥١ .
- ٥٤٤ -

علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها(١)، فاختصم
فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال
جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ابنة أخي(٢) فقضى بها
النبي وَلّ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم) الحديث(٣).
وإنما أقرهم النبي ◌َّر على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا
يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها.
وقوله: ((الخالة بمنزلة الأم)) أي في هذا الحكم الخاص، لأنها
تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه
أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة، لأن صفية بنت عبد المطلب
كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات
من النساء، فهي مقدمة على غيرها. ويؤخذ منه تقديم أقارب الأم على
أقارب الأب انتهى (٤).
[ميمونة .. أم المؤمنين]
قال ابن عباس: وتزوج بَّهر ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو
حلال(٥).
وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن
(١) كذا في النسخ وفي البخاري: حمليها.
(٢) كان ◌َ﴿ آخى بين حمزة وبين زيد حين آخى بين المهاجرين.
(٣) رواه البخاري برقم ٤٢٥١ .
(٤) نقلاً عن فتح الباري ٥٠٦/٧.
(٥) رواه البخاري برقم ٤٢٥٨ .
- ٥٤٥ -

المسيب: وهل ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها وَالفر إلا بعد ما
حل. ذكره البخاري .
و((وهل)) بكسر الهاء أي غلط.
وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجني رسول الله وَلقد ونحن
حلالان بسرف. رواه مسلم.
وسيأتي في الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى: أن
له وَلّ النكاح في حال الإحرام على أصح الوجهين عند الشافعية.
- ٥٤٦ -

[ بين العمرة ومؤته]
[سرية ابن أبي العوجاء]
ثم سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، في ذي الحجة
سنة سبع، في خمسين رجلاً، فأحدق بهم الكفار من كل ناحية، وقاتل
القوم قتالاً شديداً، حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء/ جريحاً ٧٥/ب
مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله وَير في أول صفر سنة ثمان.
[سرية غالب الليثي]
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح - بالحاء
المهملة - بالكديد - بفتح الكاف - قال في القاموس: الكديد بفتح
الكاف ماء بين الحرمين شرفهما الله تعالى. والبطن الواسع من الأرض
الغليظة، كالكدة بالكسر، ويوم الكديد معروف.
في صفر سنة ثمان من مهاجره، فغنم.
[قدوم خالد وصاحبيه]
وفي هذا الشهر قدم خالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة
وعمرو بن العاصي المدينة فأسلموا. وقال ابن أبي خيثمة: كان ذلك
سنة خمس، وقال الحاكم: سنة سبع.
- ٥٤٧ -

[سرية غالب أيضاً]
ثم سرية غالب أيضاً إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
في صفر سنة ثمان، ومعه مائتا رجل، فأغاروا عليهم مع الصبح وقتلوا
منهم قتلى وأصابوا نعماً.
[سرية شجاع بن وهب]
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر، بالسيء؛ ماء
من ذات عرق إلى وجرة على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة، وخمس
مراحل من المدينة.
في شهر ربيع الأول سنة ثمان، ومعه أربعة وعشرون رجلاً إلى
جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار
حتى صبحهم، فأصابوا نعماً وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة،
وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم
خمسة عشر بعيراً وعدلوا البعير بعشر من الغنم.
[سرية كعب الغفاري]
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وراء ذات
القرى(١)، في ربيع الأول سنة ثمان، في خمسة عشر رجلاً، فساروا
حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعاً كثيراً فقاتلهم الصحابة أشد
القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى. قال مغلطاي:
قيل هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله واله
فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم ساروا
إلى موضع آخر فتركهم.
(١) هي وادي القرى.
- ٥٤٨ -

غزوة مؤتة
[الموقع والتاريخ]
ثم سرية مؤتة - بضم الميم وسكون الواو - بغير همز لأكثر
الرواة، وبه جزم المبرد، وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز،
وحکی غیرهم الوجهین.
وهي من عمل البلقاء بالشام، دون دمشق. في جمادى الأولى
سنة ثمان .
[سبب الغزوة]
وذلك أن رسول الله و 18 كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي
بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو
الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله مصطفي رسول غيره.
فأمر ◌َ ◌ّ زيد بن حارثة على ثلاثة آلاف وقال: إن قتل فجعفر
ابن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون
برجل من بينهم يجعلونه عليهم.
وفي حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائي. بإسناد
صحيح: إن قتل زيد فأميركم جعفر. الحديث.
قالوا: وعقد لهم وَّ لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة،
وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى
- ٥٤٩ -

الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم.
[مغادرة المدينة]
وخرج مشيعاً لهم، حتى إذا بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم،
فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين،
فقال ابن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام
شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه .
وقد نزل المسلمون معان - بفتح الميم - موضع من أرض الشام،
وبلغ الناس كثرة العدو وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في
مائة ألف من المشركين. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب
إلى رسول الله وَلّ فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على
المضي، فمضوا إلى مؤتة.
[المعركة]
١/٧٦
ووافاهم المشركون فجاء/ منهم ما لا قبل لأحد به من العدد
والعدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب.
والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم،
فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم
حتى قتل طعناً بالرماح.
ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء
وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في أحد
- ٥٥٠ -

نصفيه بضعة وثمانون جرحاً وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة
بسيف وطعنة برمح .
قال في رواية البخاري: ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من
طعنة ورمية(١).
وفي رواية: أن ابن عمر وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل قال:
فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، (٢)
وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن، وهو عند أبي داود من طريقه
عن رجل من مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب،
حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل.
فأخذ اللوء ابن أقرم العجلاني، إلى أن اصطلح الناس على
خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم
المشركون فقتل من قتل من المسلمين.
وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة
وأصاب غنيمة.
وقال ابن سعد: إنما انهزم بالمسلمين.
وقال ابن إسحاق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة.
ورفعت الأرض لرسول الله وَلقر حتى نظر إلى معترك القوم.
(١) رواه البخاري برقم ٤٢٦١.
(٢) رواه البخاري برقم (٤٢٦٠).
- ٥٥١ -

[ذو الجناحين]
وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني
- وكان أحد بني مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب
وأصحابه، فرأيت جعفراً حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء
ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، خرجه البغوي في معجمه.
وقطعت في تلك الوقعة يداه جميعاً ثم قتل، فقال رسول الله
وَ ل فر: إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، خرجه
أبو عمر.
وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: لما جاء قتل ابن رواحة
وابن حارثة وجعفر بن أبي طالب جلس رسول الله وَ ال يعرف فيه(١)
الحزن(٢).
وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال قال لي
رسول الله عليه: هنيئاً لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله وَالخير قال: رأيت جعفر بن أبي
طالب يطير مع الملائكة، أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده
ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد.
وعن أبي هريرة أيضاً عن النبي وَالتّ قال: مر بي جعفر الليلة في
ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم، أخرجه الترمذي والحاكم
بإسناد على شرط مسلم.
(١) كذا في ش وفي البخاري، وفي النسخ: منه.
(٢) رواه البخاري برقم ٤٢٦٣.
- ٥٥٢ -

وأخرج أيضاً هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: دخلت
البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة.
وفي طريق أخرى عنه: إن جعفراً يطير مع جبريل وميكائيل له
جناحان، عوضه الله من يديه. وإسناد هذا جید.
فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة، حيث أخذ
اللواء بيمينه فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل.
[المقصود بالأجنحة]
قال السهيلي: له جناحان، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي
الطائر وريشه، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد
بالجناحين صفة ملكية / وقوة روحانية أعطيها جعفر. وقد عبر القرآن ٧٦/ب
عن العضد(١) بالجناح توسعاً في قوله تعالى: ﴿واضمم يدك إلى
جناحك﴾(٢). وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا
تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، ولا يعهد للطير
ثلاثة أجنحة فضلاً عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان
كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي جزم به في مقام المنع،
والذي حكاه عن العلماء ليس صريحاً في الدلالة لما ادعاه.
ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من جهة ما ذكره من
المعهود، وهو قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف.
(١) كذا في ش وفي فتح الباري، وفي النسخ: العضو.
(٢) سورة طه. الآية ٢٢ .
- ٥٥٣ -

وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على
ظاهره، لأن الصورة باقية. وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل
عاصم بن عمر بن قتادة: أن جناحي جعفر من ياقوت. وجاء في
جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ. أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة (١) .
[وصول خبرهم إلى المدينة]
وذكر موسى بن عقبة في المغازي، أن يعلى بن أمية قدم بخبر
أهل مؤتة، فقال له رسول الله وَ الر إن شئت فأخبرني وإن شئت
أخبرتك، قال: أخبرني، فأخبره خبرهم فقال: والذي بعثك بالحق ما
تركت من حديثهم حرفاً لم تذكره.
وعند الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري: أن أبا عامر
الأشعري هو الذي أخبر النبي ◌َّ بمصابهم.
[ سرايا قبل الفتح ]
[ سرية ذات السلاسل ]
ثم سرية عمرو بن العاصي إلى ذات السلاسل. وسميت بذلك
لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا. وقيل لأن بها
ماء يقال له السلسل، وراء ذات القرى، من المدينة على عشرة أيام.
وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وقيل: كانت سنة سبع،
وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ. ونقل ابن عساكر
الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤته، إلا أن ابن إسحاق قال
قبلها .
(١) عن فتح الباري ٥١٥/٧ .
- ٥٥٤ -

وسببها: أنه بلغه ◌َ* أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا للإغارة،
فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من
سراة(١) المهاجرين والأنصار. ومعهم ثلاثون فرساً.
فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعاً
كثيراً، فبعث رافع بن مكيث - بفتح الميم - الجهني إلى رسول الله وله
يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، وبعث معه
مائتين من سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر رضي الله
عنهم، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا.
فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي
مدداً، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي
بالناس.
وسار حتى وصل إلى العدو: بلي وعذرة، فحمل عليهم
المسلمون، فهربوا في البلاد وتفرقوا.
[ سرية سيف البحر ]
ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح. وسماها البخاري: غزوة سيف
البحر، وتعرف بسرية الخبط.
وبعث معه وَله ثلاثمائة، كما في الصحيحين وغيرهما وهو
المشهور، لكن في رواية النسائي: وبضع عشرة، فإن صحت هذه
الرواية فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على الثلاثمائة استسهالاً لأمر
الكسر، والأخذ بالزيادة مع صحتها واجب.
(١) سراة: جمع سري، وهو النفيس وقيل السخي ذو المروءة.
- ٥٥٥ -

وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
يتلقى عيراً لقريش. رواه مسلم، وعنده أيضاً: إلى أرض
جهينة .
ولا منافاة بينهما: فالجهة أرض جهينة، والقصد تلقي عير قريش
- وهي الإبل المحملة للطعام وغيره -.
لكن في كتب السير: أن البعث إلى حي من جهينة بالقبلية -
١/٧٧ بفتح القاف والموحدة - مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين / المدينة خمس
لیال.
ولعل البعث لمقصدين: رصد عير قريش، ومحاربة حي من
جهينة .
وقال ابن سعد: وكانت في رجب سنة ثمان.
وفيه نظر: فإن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه
المدة، لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة، فالصحيح أن تكون هذه السرية
سنة ست أو قبلها، قبل هدنة الحديبية.
نعم يحتمل أن يكون تلقيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم
من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحداً. بل
فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد. فالله أعلم. قاله
الحافظ ابن حجر(١).
لكن قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب، قالوا:
وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعد
(١) فتح الباري ٧٨/٨ .
- ٥٥٦ -

نكث قريش العهد وقبل الفتح، فإنه كان في رمضان من السنة
المذكورة انتهى.
قالوا: وزودهم وَلّ جراباً من التمر، فلما فني أكلوا الخبط - وهو
بفتح المعجمة والموحدة بعدها مهملة - ورق السلم. وفي رواية أبي
الزبير: وكنا نضرب بعصينا الخبط ونبله بالماء فنأكله(١)، وهذا يدل
على أنه كان يابساً، خلافاً لمن زعم أنه كان أخضر رطباً.
وقد كان معهم تمر غير الجراب النبوي، ويدل عليه حديث
البخاري - في الجهاد - خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا
ففني زادنا، حتى كان الرجل منا يأكل تمرة تمرة(٢).
وابتاع قيس بن سعد جزوراً ونحرها لهم(٣).
وأخرج الله لهم من البحر دابة تسمى العنبر فأكلوا منها،
وتزودوا ورجعوا ولم يلقوا كيداً.
وفي رواية جابر عند الأئمة الستة: بعثنا رسول الله وَله ثلاثمائة
راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، فأقمنا على الساحل حتى فني
زادنا، حتى أكلنا الخبط ثم إن البحر ألقى لنا دابة يقال لها العنبر،
فأكلنا منها نصف شهر، حتى صلحت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعاً
من أضلاعها فنصبه ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته. الحديث(٤).
زاد الشيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله وَله
(١) رواه مسلم برقم ١٩٣٥ .
(٢) رواه البخاري برقم ٢٩٨٣.
(٣) رواه البخاري برقم ٤٣٦١ .
(٤) رواه البخاري برقم ٤٣٦١ ومسلم في كتاب الصيد برقم ١٨ .
- ٥٥٧ -

فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من
لحمه فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله وَ الله منه فأكل(١).
[ سريتا أبي قتادة ]
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض
محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان، وبعث معه خمسة عشر رجلاً إلى
غطفان، فقتل من أشرف منهم، وسبى سبياً كثيراً، واستاق النعم،
وكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وكانت غيبته خمس عشرة
ليلة.
ثم سرية أبي قتادة أيضاً إلى بطن إضم - فيما بين ذي خشب
وذي المروة - على ثلاثة برد من المدينة، في أول شهر رمضان سنة ثمان.
وذلك أنه و لير لما هم أن يغزو أهل مكة، بعث أبا قتادة في ثمانية
نفر، سرية إلى بطن إضم، ليظن ظان أنه وَّ توجه إلى تلك الناحية،
ولأن تذهب بذلك الأخبار.
فلقوا عامر بن الأضبط، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فقتله
محلم بن جثامة، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام
لست مؤمناً﴾ إلى آخر الآية(٢) رواه أحمد(٣)، وهو عند ابن جرير من
حديث ابن عمر بنحوه وزاد: فجاء محلم بن جثامة في بردين فجلس
بين يدي رسول الله وَ ﴿ ليستغفر له، فقال رسول الله وَالآتى: لا غفر
الله لك، فقام يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات
(١) عند البخاري برقم ٤٣٦٢ وعند مسلم برقم ١٩٣٥ .
(٢) سورة النساء. الآية ٩٤.
(٣) عن عبدالله بن أبي حدرد قال بعثنا ### في نفر من المسلمين فخرجنا .. مر =
- ٥٥٨ -

فلفظته / الأرض. وعند غيره: ثم عادوا به فلفظته الأرض، فلما غلب ٧٧/ب
قومه عمدوا إلى صدين(١) فسطحوه ثم رضموا عليه الحجارة حتى
واروه.
وفي رواية ابن جرير: فذكروا ذلك لرسول الله وَالل فقال: إن
الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله يريد أن يعظكم.
ونسب ابن إسحاق هذه السرية لابن أبي حدرد ومعه رجلان إلى
الغابة، لما بلغه 18 أن رفاعة بن قيس يجمع لحربه، فقتلوا رفاعة
وهزموا عسكره، وغنموا غنيمة عظيمة، حكاه مغلطاي والله أعلم.
= بنا عامر بن الأضبط على قعود له ومعه متيع .. فسلم علينا بتحية الإسلام
فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ..
الحديث المسند ١١/٦ .
(١) أي جبلين.
- ٥٥٩ -

[ فتح مكة ]
ثم فتح مكة زادها الله شرفاً. وهو كما قال في زاد المعاد:
((الفتح الأعظم، الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه
الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي
الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت
أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً،
وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً)).
[سبب الفتح]
خرج له ول بكتائب الإسلام وجنود الرحمن لنقض قريش العهد
الذي وقع بالحديبية. فإنه كان قد وقع الشرط: أنه من أحب أن
يدخل في عقد رسول الله وَلفر وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في
عقد قريش وعهدهم فعل. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم،
ودخلت خزاعة في عقد رسول الله وَير وعهده.
وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا
عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية
الديلي من بني بكر في بني الديل حتى بيت خزاعة وهم على ماء لهم
يقال له الوتير. فأصاب منهم رجلاً يقال له منبه، واستيقظت لهم
خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال.
- ٥٦٠ -