النص المفهرس
صفحات 521-540
[على أبواب خيبر] وفي البخاري من حديث أنس أنه پ# أُتی خیبر ليلاً - وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم(١) حتى يصبح - فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي رَلهر: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين(٢). وفي رواية: فرفع يديه وقال الله أكبر خربت خيبر(٣). والخميس: الجيش: سمي به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. ومحمد: خبر مبتدأ، أي هذا محمد. قال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل، لأنه وَ لتر لما رأى آلة الهدم عرف أن مدينتهم ستخرب. انتهى. ويحتمل - كما قاله في فتح الباري - أن يكون قال: خربت خيبر بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد ذلك: إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . وفي رواية: أنه وَلجر صلى الصبح قريباً من خيبر بغلس ثم قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (٤) (١) كذا في ط وفي البخاري، من القرب، وفي باقي النسخ: لم يغر بهم، من الإغارة وفي فتح الباري: للأكثر من الإغارة، ولأبي ذر عن المستملي: لم يقربهم اهـ. (٢) رواه البخاري برقم ٤١٩٧ . (٣) رواية البخاري في كتاب الجهاد. (٤) رواه البخاري برقم (٤٢٠٠) . - ٥٢١ - [عقد الرايات] وقال مغلطاي وغيره: وفرق وَّ الرايات(١)، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية (٢) وقال الدمياطي: وكانت راية النبي وَّ السوداء من برد لعائشة. وفي البخاري: وكان علي بن أبي طالب تخلف عن النبي ◌َّ وكان رمداً .. فلحق فلما بتنا الليلة التي فتحت قال: لأعطين الراية غداً - أو ليأخذن الراية غداً - رجل يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله وَل﴿ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله وَالهر في عينيه ودعا له فبرىء، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن تكون لك حمر النعم. الحديث(٣). [استشهاد عامر بن الأكوع] ولما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيراً، فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه. فلما (١) فدفع رايته العقاب إلى الحباب بن المنذر، وراية لسعد بن عبادة، ولواءه وهو أبيض لعلي. (٢) في المصباح: لواء الجيش علمه، وهو دون الراية. (٣) رواه البخاري برقم ٤٢٠٩ و٤٢١٠. - ٥٢٢ - قفلوا، قال سلمة: قلت يا رسول الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامراً حبط عمله، قال النبي ◌َ ◌ّ كذب من قال، وإن له أجرين، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهد. رواه البخاري أيضاً(١). وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر ... فأتيت / النبي ◌َ ﴿ فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة. ٧١/ب أخرجه البخاري(٢) . [لا يدخل الجنة إلا مؤمن] وعنده أيضاً عن أبي هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله وله لرجل ممن معه يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهماً فنحر نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: قم يا فلان فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر(٣). وفي رواية: فقال رسول الله وَال ◌َر عند ذلك: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة - فيما يبدو للناس - وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار - فيما يبدو للناس - وهو من أهل الجنة. الحديث (٤) . (١) رواه البخاري برقم ٦١٤٨. (٢) رواه البخاري برقم: ٤٢٠٦. (٣) رواه البخاري برقم ٤٢٠٣ . (٤) رواه البخاري برقم ٤٢٠٢ . - ٥٢٣ - [فتح خيبر] وقاتل النبي ◌َّر أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون. وفتحها الله حصناً حصناً، وهي: النطاة، وحصن الصعب، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن أبي، وحصن البريء، والقموص والوطيح والسلالم، وهو حصن بني أبي الحقيق. وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك(١) الحمار، وكانوا قد غيبوه في خربة، فدل الله رسوله عليه فاستخرجه. [هل حمل علي باب خيبر؟] وقلع علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلاً إلا بعد جهد. وفي رواية ابن إسحاق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقي في الدلائل، ورواه الحاكم، وعنه البيهقي من جهة ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن جابر: أن علياً حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً. وليث ضعيف. وفي رواية البيهقي: أن علياً لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلاً فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه. قال شيخنا(٢): وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى . (١) أي: جلد. (٢) أي السخاوي في كتابه: المقاصد الحسنة. - ٥٢٤ - [صفية .. أم المؤمنين] وفي البخاري: وتزوج ◌َّل بصفية بنت حيي بن أخطب، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكانت عروساً، فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له - يعني طهرت من الحيض - فبنى بها وَّر فصنع حيساً في نطع صغير، ثم قال لأنس: آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية. قال: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي وَي و يحوي لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على رکبته حتی ترکب(١). وفي رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد الحجاب(٢). وفي رواية أنه وَّ ر قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ◌َّ فجعل عتقها صداقها(٣). وفي رواية: فأعتقها وتزوجها (٤). وفي رواية: قال وَل ◌ّ لدحية: خذ جارية من السبي غيرها. وفي رواية لمسلم: أنه ◌َّ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس. وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس في قوله/ (١) رواه البخاري برقم ٤٢١١ . (٢) رواه البخاري برقم ٤٢١٣ . (٣) رواه البخاري برقم ٤٢٠٠ . (٤) رواه البخاري برقم ٤٢٠١. - ٥٢٥ - ١/٧٢ سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة والله أعلم. وإنما أخذ وَلّ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم، وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان من الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه وَلق بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتھی(١) . قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك. قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية . [تحريم لحوم الحمر الأهلية] وفي هذه الغزوة حرم ◌َ لير لحوم الحمر الأهلية. كما في البخاري ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت علیھم - يعني خيبر - أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال النبي وَلّ: ما هذه النيران، على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال على أي لحم؟ قالوا: لحم الحمر الإنسية، فقال النبي ◌َّير: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: أو ذاك(٢). والمشهور في الإنسية: كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكي: ضم الهمزة، ضد الوحشية، ويجوز فتحها والنون أيضاً، مصدر أنست به، آنس أنساً وأنسة. (١) عن فتح الباري ٧/ ٤٧٠ . (٢) رواه البخاري برقم ٤١٩٦. - ٥٢٦ - وفي رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية(١) وفي رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ورخص في الخيل (٢) . قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة. قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها. والصواب ما قدمناه. وأما قوله بَله: ((اكسروها)) فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: أو ذاك. فهذا محمول على أنه بَّ اجتهد في ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده، أو أوحي إليه بغسلها. [ بحث في حكم لحوم الخيل ] وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها: فمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف: أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر. وفي صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله (١) رواه البخاري برقم ٤٢١٥ . (٢) رواه البخاري برقم ٤٢١٩. - ٥٢٧ - وَ لّ فأكلناه ونحن بالمدينة، وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وأهل بيت النبي صل﴾ . قال في فتح الباري: ويستفاد من قولها: ((ونحن بالمدينة)) أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد. وفي قولها: ((وأهل بيت النبي وَلَّ)) الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي ◌َّير اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه بَله إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به وليس وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله عليه السلام عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده وَ ر كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه وَلّ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابة فكيف بآل أبي بكر. وقال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه ٧٢/ب صاحباه وغيرهما. واحتجوا بالأخبار/ المتواترة في حلها. انتهى. وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقاً من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح - على شرط الشيخين - عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله وَلقر فقال: نعم. وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين. وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو - ٥٢٨ - بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي، وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم. وقال القرطبي في شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم. وقال ابن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقاً واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالباً في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، ولو كثر استعماله لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾(١) فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى. وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلالاً لجازت الأضحية بها. فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية به. وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله وَلّ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته، لا ينهض معارضاً لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. وقد ضعف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون. (١) سورة الأنفال. الآية ٦٠. - ٥٢٩ - وزعم بعضهم: أن حديث جابر دال على التحريم لقوله ((رخص)) لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق. وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن، كما رواه مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي عن الحمار الأهلي. وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا وَلا عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل. فدل على أن المراد بقوله: ((رخص)) أذن. ونوقض أيضاً بالإذن في أكل الخيل، ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة. وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾(١) وقرروا ذلك بأوجه: أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية . ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليها إلى دليل. ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في (١) سورة النحل. الآية ٨. - ٥٣٠ - الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة / بها فيما وقع به الامتنان ١/٧٣ من الركوب والزينة. وأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقاً، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي وَّ من الآية المنع لما أذن في الأكل. وأيضاً: فآية النحل ليست نصاً في منع الأكل والحديث صريح في جوازه. وأيضاً: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث(١)، فإنه مع كونه أصرح في الحصر، ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقاً. وقال البيضاوي: واستدل بها - أي بآية النحل - على حرمة (١) جاء في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة قال: (قال رسول الله واله : بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجباً وفزعاً، أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله وَ لتر: فإني أومن به وأبو بكر وعمر) واللفظ لمسلم برقم ٢٣٨٨ . - ٥٣١ - لحومها، ولا دليل فيها، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً. انتهى. وأيضاً: فلو سلم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به. وأما عطف البغال والحمير، فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة. وأما أنها سيقت مساق الامتنان، فالامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال والأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر. وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها الخ .. فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى، للزم مثله في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به. وإنما أطلت في ذلك لأمر اقتضاه، والله أعلم. وفي هذه الغزوة أيضاً نهى وَّر عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ. [ شاة مسمومة ] وفي هذه الغزوة أيضاً سمت النبي وَّل زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما في البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه: (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله وَ لفر شاة فيها سم، فقال رسول الله وَل، اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود، فجمعوا له، فقال لهم - ٥٣٢ - رسول الله وَيه إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله وَله: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله وَل ◌ّ: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت، فقال هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله وَله: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرأ ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله وَ له: اخسؤوا فيها. والله لا نخلفكم فيها أبداً، ثم قال لهم هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم. فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم، فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كذاباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك)(١). وفي حديث جابر عند أبي داود: أن يهودية / من أهل خيبر ٧٣/ب سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله وَليم، فأخذ رسول الله وَ له فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله وَّهو: ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى اليهودية فقال: سممت هذه الشاة؟ فقالت: من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه في يدي، للذراع. قالت نعم، قلت: إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه. فعفا عنها وَليّ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله وَل على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة(٢). وفي رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أي الشاة أحب إلى محمد فيقولون الذراع فعمدت إلى عنز لها (١) رواه البخاري برقم ٥٧٧٧ و٣١٦٩. (٢) رواه أبو داود برقم ٤٥١٠ . - ٥٣٣ - فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يبطىء - يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته - وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول وَله الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظماً آخر، فلما ازدرد وَله لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال بَير ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة. وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه أنه دفعها وَّ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطي . وقد اختلف هل عاقبها صلى الله عليه وسلم: فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض عنها، ومن طريق أبي نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها . قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولاً ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها. وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصاً. ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت. وإنما أخر قتلها حتى مات بشر، لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه. وفي مغازي سليمان التيمي: أنها قالت: إن كنت كذاباً أرحت الناس منك. وقد استبان لي الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. وفيه: موافقة الزهري على إسلامها، فالله أعلم - ٥٣٤ - [وناموا عن صلاة الفجر ] وفي هذه الغزوة أيضاً: نام وَ له عن صلاة الفجر، لما وكل به بلالاً كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (أن رسول الله وَ لفر حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلته حتى أدركه الكرى عرس(١)، وقال لبلال: إكلأ لنا الليل (٢)، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله وَل قول وأصحابه فلما قارب(٣) الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر (٤)، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله وَله ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله وَّ أولهم استيقاظاً، فقال: أي بلال! فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك. قال: اقتادوا(٥) فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله وَ لهل وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ((أقم الصلاة لذكري)))(٦). [قدوم جعفر] وفيها قدم جعفر ومن / معه من الحبشة. ١/٧٤ واختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحاً؟ (١) الكرى: النعاس، والتعريس: نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة . (٢) إكلأ: أي ارقبه واحفظه. (٣) الذي في صحيح مسلم: تقارب. (٤) أي مستقبل الجهة التي يطلع منها. (٥) أي قودوا رواحلكم. (٦) رواه مسلم برقم ٦٨٠ . - ٥٣٥ - وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس(١) التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال فتحت صلحاً. قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صلحاً بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لتحقن دماؤهما، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى. [فتح وادي القرى] ثم فتح وادي القرى، في جمادى الآخرة بعدما أقام أربعاً يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك. وأصاب ((مدعماً)) مولاه سهم فقال ◌َله: إن الشملة التي غلها من خيبر لتشتعل عليه ناراً. وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاي . (١) عند البخاري وأبي داود والنسائي. - ٥٣٦ - [ سرايا بعد خيبر ] [سرية عمر] ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلاً، فخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب، إلى محالهم فلم يلق منهم أحداً، فانصرف راجعاً إلى المدينة. [سرية أبي بكر] ثم سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب [بنجد](١) ناحية ضربة، سنة سبع، ويقال إلى فزارة، فسبى منهم جماعة وقتل آخرين. وفي صحيح مسلم: فزارة، وهو الصواب. [سرية بشير بن سعد] ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك(٢)، في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلاً، فقتلوا، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل قد مات. (١) في (ش، د). (٢) أي قريباً منها. - ٥٣٧ - وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله وَّر ثم قدم بعده بشير بن سعد. [سرية غالب الليثي] ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة بناحية نجد من المدينة، على ثمانية برد، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، في مائتين وثلاثين رجلاً، فهجموا عليهم في وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعماً وشاء إلى المدينة. قالوا: وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس بعد أن قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله وَله: ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ فقال أسامة: لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله . وفي الإكليل: فعل ذلك أسامة في سرية كان هو أميراً عليها سنة ثان. وفي البخاري: (عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله وَلّ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي ◌َّ فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذاً. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.)(١). (١) رواه البخاري برقم ٤٢٦٩. - ٥٣٨ - [سرية بشير بن سعد] ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري أيضاً إلى يمن وجبار - بفتح الجيم - وهي أرض لغطفان، ويقال لفزارة وعذرة، في شوال سنة سبع من الهجرة، وبعث معه ثلاثمائة رجل لجمع تجمعوا للإغارة على المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا. وأصاب لهم نعماً كثيرة فغنمها، وأسر رجلين وقدم بهما إلى المدينة إلى رسول الله وَالله فأسلما. - ٥٣٩ - عمرة القضاء [سبب التسمية] ثم عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء، لأنه قاضى فيها قريشاً، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها. بل كانت عمرة تامة، ولهذا عدوا عُمَر النبي ◌َّ أربعاً، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى. وعدوا عمرة ١/ب الحديبية في / العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت. وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت. فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. وعند أبي حنيفة: عكسه. وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء. وأخرى: يلزمه القضاء والهدي . فحجة الجمهور: قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾(١). (١) سورة البقرة، الآية ١٩٦. - ٥٤٠ -