النص المفهرس
صفحات 501-520
بأن هذا وإن كان ممكناً، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أمياً لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: کان یحسن یکتب لكنه کان یکتم ذلك. [قال السهيلي](١): والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً، والحق: أن معنى قوله ((فكتب)) أمر علياً أن يكتب انتهى. قال: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم، (٢) . انتھی [الحكمة من موافقة سهيل] وأما قوله: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم وقوله: أما الرحمن(٣) فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم .. الخ فقال العلماء: وافقهم وَّ في ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح . مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضاً رسوله، = وسمع الدارقطني وغيره، كان ثقة عالماً فاضلاً، ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ومات بالموصل - وهو قاض بها - سنة أربع وأربعين وأربعمائة. (١) في ش، وهو في فتح الباري. (٢) نقلاً عن فتح الباري ٥٠٣/٧ - ٥٠٤، وذلك كامل هذه الفقرة. (٣) كذا في النسخ وفي ط: الرحمن الرحيم. - ٥٠١ - وليس في ترك وصف الله تعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه وسليل هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظیم آلهتهم ونحو ذلك. انتهى. [كتابة الشروط] (قال في رواية البخاري: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقال ◌َله: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة. ولكن ذلك في العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمً؟)(١) والضغطة: بالضم، قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتھی . [حكمة الموافقة على الشروط] فإن قلت: ما الحكمة في كونه وَ له وافق سهيلاً على أنه لا يأتيه منهم رجل وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين. (١) من رواية البخاري برقم ٢٧٣١ . - ٥٠٢ - فالجواب: إن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي ◌َّير كما هي، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاؤوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي وَلقر ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا/ ٦٨/ب بأنفسهم كثيراً من ذلك، فالت نفوسهم إلى الإيمان، حتی بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام. فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من المیل. وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال الله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾ فالله ورسوله أعلم. انتهى . [قصة أبي جندل] قال في رواية البخاري: (فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو یرسف في قیوده، قد خرج من أسفل مكة، حتی رمی بنفسه بين أظهر المسلمين. - ٥٠٣ - فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال رسول الله وَله: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً. قال النبي وَعليه: فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيز ذلك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى، قد أجزناه لك(١). قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً)(٢) زاد ابن إسحاق: فقال وَل ◌َو: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً. ووثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر إنما هم المشركون، وإن دم أحدهم كدم كلب. [من فقه قصة أبي جندل] قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجھین : أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاماً لأبي جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. (١) لم يلب سهيل طلب مكرز، وربما كانت إجازة مكرز المقصود بها تأمينه من التعذيب . (٢) من رواية البخاري برقم ٢٧٣١ . - ٥٠٤ - والوجه الثاني: إنما رده لأبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك. وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضاً. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلي به صبر عباده المؤمنين. واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلماً من عندهم، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير. وقيل: لا، وإن الذي وقع في القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث (أنا بريء من مسلم بين مشركين)(١) وهو قول الحنفية. وعند الشافعية: نفصيل بين العاقل والمجنون والصبي، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله في فتح الباري(٢) . [موقف عمر يوم الحديبية] قال في رواية البخاري: (فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي وَل* فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلمَ نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه الضياء عن جرير مرفوعاً. (٢) فتح الباري ٥/ ٣٤٥. - ٥٠٥ _ قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه(١)، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ١/٦٩ ومطوف / به.)(٢). قال العلماء: لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه المذكور شكاً، بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في ذلك على غيره. [مدة الصلح وشروطه] وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبي نعيم في مسند عبيد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا (١) الغرز للإبل بمنزل الركب للفرس، والمراد به: التمسك بأمره وترك المخالفة له. (٢) من رواية البخاري برقم ٢٧٣ . - ٥٠٦ - أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك. والأول أشهر(١). وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم عن بعض، وأن لا يدخل البيت إلا العام القابل ثلاثة أيام. ولا يدخلوها إلا بجلبان(٢) السلاح، وهو القراب بما فيه. والجلبان - بضم الجيم وسكون اللام - شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغموداً. ورواه القتيبي(٣): بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما فيها. وفي بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس. وإنما اشترطوا ذلك ليكون علماً وأمارة للسلم، إذ كان دخولهم صلحاً. [بيعة الرضوان] وقال مكي بن أبي طالب القيرواني (٤) في تفسيره: (١) بل هو المعتمد الصحيح. والقول الآخر مع ضعف إسناده فهو منكر مخالف للصحیح . (٢) في ط: بجلباب وهو خطأ. (٣) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري مؤلف غريب الحديث وأدب الكاتب. (٤) مكي بن أبي طالب القيرواني، أبو محمد القيسي المالكي، الفقيه الأديب المقرىء، صنف كثيراً في علوم القرآن وغيره مات سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . - ٥٠٧ - وبعث عليه الصلاة والسلام بالكتاب(١) إليهم مع عثمان بن عفان. وأمسك سهيل بن عمرو عنده، فأمسك المشركون عثمان فغضب المسلمون(٢). وقال مغلطاي: فاحتبسته قريش عندها. فبلغ النبي وَلّ أن عثمان قد قتل، فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل على أن لا يفروا، انتهى . ووضع النبي ◌َّير شماله في يمينه وقال: هذه عن عثمان. وفي البخاري: (فقال ◌َ له بيده اليمنى هذه بيعة عثمان، فضرب بها على يده (١) ليس المراد كتاب الصلح كما يوهم سياق المصنف. بل هذا الكتاب أرسله الأشراف قريش، كما أخرجه البيهقي والحاكم في الإكليل عن عروة، وابن إسحاق من وجه آخر وابن سعد والواقدي قالوا ما محصله: لما نزل واله الحديبية أحب أن يبعث إلى قريش يعلمهم أنه إنما قدم معتمراً فبعث خراش بن أمية .. فعقروا جمله وأرادوا قتله .. ثم دعا عمر .. فاعتذر بأنه ليس له من يحميه وأشار بإرسال عثمان، فدعاه وكتب له كتاباً إلى قريش وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريباً .. فقرأ عليهم عثمان الكتاب واحداً واحداً، فما أجابوا، وقالوا لعثمان إن شئت أن تطوف فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله وَله . (٢) يوهم الكلام هنا أن الرسول فر هو الذي أمسك سهيل بن عمرو فقابله المشركون بإمساك عثمان وليس الأمر كذلك. ففي تفسير ابن كثير: أن قريشاً بعثوا - وعندهم عثمان - سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص إلى رسول الله ** فبينما هم عنده إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين وتراموا بالنبل والحجارة .. وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل. - في تفسير سورة الفتح - [م]. - ٥٠٨ - اليسرى(١))(٢) . ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين. وفي هذه البيعة نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ (٤) . [التحلل والعودة] وحلق الناس مع النبي بَّرَ، ونحروا هداياهم بالحديبية(٥)، قال مغلطاي: وأرسل الله ريحاً حملت شعورهم فألقتها في الحرم(٦). وأقام بَير بالحديبية بضعة عشر يوماً، وقيل عشرين يوماً، ثم قفل وفي نفوس بعضهم شيء، فأنزل الله سورة الفتح يسليهم بها (١) الذي في البخاري (فقال ◌َ له بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان). (٢) رواه البخاري برقم ٣٦٩٨ و٤٠٦٦. (٣) سورة الفتح. الآية ١٠. (٤) سورة الفتح. الآية ١٨. (٥) جاء في البخاري (فلما فرغ من قضية الكتاب قال رَلهم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً .. ) الحديث رقم ٢٧٣١ (٦) رواه ابن سعد مرسلاً . - ٥٠٩ - ويذكرهم نعمه، فقال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾. قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم. وأما قوله تعالى: ﴿وأثابهم فتحاً قريباً﴾(١) فالمراد فتح خيبر على الصحيح، لأنها وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال: (شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا رسول الله وعليه واقفاً عند كراع الغميم، وقد جمع الناس فقرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ الآية فقال رجل: يا رسول الله، أو فتح هو؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إنه لفتح.)(٢). وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي (إنا فتحنا لك فتحا مبيناً) الحديبية، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله. / ٦٢/ب وأما قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح) وقوله اَلر: (لا هجرة بعد الفتح) فالمراد فتح مكة باتفاق. قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم. ثم رجع ﴿ إلى المدينة. (١) سورة الفتح. الآية ١٨. (٢) المسند ٤٢٠/٣. - ٥١٠ - [ أحداث وقعت في السنة السادسة ] وفي هذه السنة كسفت الشمس. وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة. وفي هذه السنة أيضاً استسقى في رمضان ومطر الناس، فقال النبي صلى: أصبح الناس مؤمناً بالله وكافراً بالكواكب(١). [ تحريم الخمر والمفترات ] [تاريخ تحريم الخمر] قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته: بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية. وذكر ابن إسحاق: أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح . وفيه نظر: لأن أنساً كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك. (١) جاء في حديث البخاري رقم ٤١٤٧ (قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي). - ٥١١ - وأخرج النسائي والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخي فلان - وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن - فيقول: والله لو كان بي رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى ﴿منتهون﴾. فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ إلى ﴿المحسنين﴾ . وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح . والخمر في الأصل مصدر خمره: إذا ستره، سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما يسمى مسكراً لأنه يسكره، أي يحجره. وهي حرام مطلقاً، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر انتهى. [المخدرات وحكمها] وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة وأول السابعة. واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل - ٥١٢ - فيجب التعزير، والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا نعرف فيه خلافاً عندنا. ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج وغيره فإنه لا ینشي ولا یشتھی. قال الزركشي: ولم أر من خالف في هذا إلا القرافي في قواعده فقال: نص العلماء بالنبات في كتبهم أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة .. في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره. وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففي صحيح مسلم (كل مسكر حرام) وقد قال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث) وأي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن متناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام الفعل والقول المستمد كماله من نور العقل. وقد روى أبو داود - بإسناد حسن - عن ديلم الحميري قال: (سألت رسول الله (وَ لفيروس فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: فهل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم.)(١). وهذا/ منه وَلهر تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر (٢). ١/٧٠ (١) رواه أبو داود برقم ٣٦٨٣. (٢) المزر: نبيذ الذرة والشعير، كما في القاموس. - ٥١٣ - فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه . وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: (نهى رسول الله وَلول عن كل مسكر ومفتر). (١). قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر(٢) في الأطراف. وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن، مسكرة كانت مفترة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ. وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، منهم القرافي وابن تيمية وقال: إن من استحلها فقد كفر. وتعقبه الزركشي: بأن تحريمها ليس معلوماً من الدين بالضرورة، سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعياً على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب في وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه. واختلف: هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر؟ فقال النووي في شرح المهذب إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة . وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: ما أسكر كثيره فقليله (١) المسند ٣٠٩/٦ وعند أبي داود برقم ٣٦٨٦. (٤) الخدَر: الاسترخاء. - ٥١٤ - حرام، قال: والمتجه أنه لا يجوز من الحشيش لا قليل ولا كثير(١). وأما قول النووي: إنها طاهرة وليست بنجسة، فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه. قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش، أقوى فعلاً من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جداً، وكذلك السيكران(٢) وجوز الطيب مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى. [مضار الحشيش] وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، حتى قال بعضهم كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة. فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن(٣). وضررها فیھما . فمن ذلك: فساد العقل، وعدم المروءة، وكشف العورة، وترك الصلوات، والوقوع في المحرمات، وقطع النسل، والبرص والجذام والأسقام والرعشة والأبنة (٤)، ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان، وحفر الأسنان وتسويدها، وتضييق النفس وتصفير الألوان، وتنقيب الكبد، وتجعل الأسد كالجعل، وتورث الكسل والفشل، وتعيد العزيز ذليلاً، والصحيح عليلاً، والفصيح أبكماً، والصحيح(٥) أبلماً(٦). وتذهب (١) في ش جاءت هذه الفقرة من قوله واختلف .. قبل قوله: وقد نقل الإجماع، وما في النسخ الأخرى هو الصواب لترابط الموضوع بعضه ببعض . (٢) نبت دائم الخضرة يؤكل حبه. (٣) قد ثبت من مضار الخمر على البدن الشيء الكثير [م]. (٤) الأبنة: العيب في الكلام - كما في لسان العرب - [م]. (٥) في (ط، ش): الذكي. (٦) أبلم الرجل: سكت، كما في المعجم الوسيط [م]. - ٥١٥ - السعادة وتنسي الشهادة، فصاحبها بعيد عن السنة طريد عن الجنة، موعود من الله باللعنة إلا أن يقرع من الندم سنه ويحسن بالله ظنه. ولقد أحسن القائل: قل لمن يأكل الحشيشة جهلاً يا خسيساً (١) قد عشت شر معيشة دية العقل بدرة فلماذا يا سفيهاً قدبعتها بحشيشة (١) في ط: يا خبيثاً. - ٥١٦ - [ غزوة خيبر ] [مكانها وتاريخها] وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام. قال ابن إسحاق: خرج النبي ◌َّ في بقية شهر المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها. وقيل: كانت في آخر سنة ست، وهو منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. ٧٠/ ب قال الحافظ ابن حجر: والراجح ما ذكره ابن إسحاق/، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناء على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول. وأغرب ابن سعد وابن أبي شيبة فرويا من حديث أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله وخلفه إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، وإسناده حسن، لكنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت. وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج فيها و ◌ّ في رمضان جزماً. قال: وذكر الشيخ أبو حامد في التعليقة: أنها كانت سنة خمس، - ٥١٧ - وهو وهم، ولعلها انتقال من الخندق إلى خيبر(١). [عدد الصحابة فيها] وكان معه وَلّ ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس، ومعه أم سلمة زوجته. [حداء في الطريق إلى خيبر] وفي البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك(٢) وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اتقينا(٣) وثبت الأقدام إن لاقينا إنا إذا صيحَ بنا أتينا وألقين سكينة علينا وبالصياح عولوا علينا (٤) وفي رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة : إن الذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا(٥) (١) فتح الباري ٤٦٤/٧ - ٤٦٥. (٢) أي: أراجيزك. (٣) معناه: ما تركنا من الأوامر. وفي رواية: ما أبقينا: أي ما أبقيناه من الذنوب. (٤) أي قصدونا بالدعاء بالصوت العالي واستعانوا علينا. (٥) المسند ٥٢/٤. - ٥١٨ - فقال رسول الله وَلير - كما في رواية البخاري - من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه الله. قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به. الحديث(١). وفي رواية أحمد: فجعل عامر يرتجز ويسوق الركاب، وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل في السير ينزل بعضهم فيسوقها، ويحدو في تلك الحال. وقوله: ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا)) كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: لا هم، أو: تالله، كما في الحديث الآخر. وقوله: ((فداء لك)) قال المازري(٢): هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال للباري سبحانه: فديتك، لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه. قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاتله الله، ولا يريد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله عليه السلام: تربت يداك، وتربت يمينك، وفيه كله ضرب من الاستعارة لأن المفادي مبالغ في طلب رضا المفدى حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر: أي أبذل نفسي في رضاك. وعلى كل حال فإن المعنى وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز فيه يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فیه. (١) هو تتمة الحديث الوارد في بدء الفقرة وهو عند البخاري برقم ٤١٩٦ و٦١٤٨. (٢) المازري: محمد بن علي بن عمر التميمي، الإمام الفقيه الأصولي ذو الفنون في علوم عديدة. مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة وله ثلاث وثمانون سنة. والمازري: نسبة إلى مازر: بليدة بجزيرة صقلية. - ٥١٩ - قال: وقد يكون المراد بقوله: (فداء لك» رجلاً يخاطبه، وفصل بين الكلام بذلك، ثم عاد إلى الأول فقال: ما اتقينا. وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى لولا أن فيه تعسفاً اضطرنا إليه تصحيح الكلام. انتهى . وقيل: إنه يخاطب بهذا الشعر النبي وَلقر. والمعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك. وعلى هذا فقوله: ((اللهم)) لم يقصد بها الدعاء وإنما افتتح بها الكلام. والمخاطب بقول الشاعر: ((لولا أنت)) النبي، لكن يعكر عليه بعد ذلك: فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا فإنه دعاء لله تعالى. ١/٧١ ويحتمل / أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت والله أعلم . وقوله: (إذا صيح بنا أتينا)) أي إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكاره أتينا ولم نتأخر عنه. وفي رواية أيضاً بالموحدة بدل المثناة، أي أبينا الفرار. وقوله: ((وبالصياح عولوا علينا)) أي استعانوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هو من التعويل على الشيء وهو الاعتماد عليه، وقيل: هو من العويل، وهو الصوت. وقوله: ((من هذا السائق؟ قالوا: عامر، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم وجبت)): أي ثبتت له الشهادة وستقع قريباً، وكان معلوماً عندهم أن من دعا له النبي ◌َّ هذا الدعاء في هذا الموطن استشهد، فقالوا: هلا أمتعتنا به؟ أي: وددنا أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة. - ٥٢٠ -