النص المفهرس

صفحات 481-500

[ سرية زيد إلى أم قرفة ]
ثم سرية زيد بن حارثة / إلى أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن ٦٤/ب
بدر (١) الفزارية، بناحية وادي القرى، على سبع ليال من المدينة في
رمضان سنة ست من الهجرة.
وكان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام. ومعه
بضائع لأصحاب النبي وَلّر، فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من
فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم.
وقدم على رسول الله وَالر فأخبره، فبعثه عليه السلام إليهم،
فکمن هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل، ثم صبحهم زيد وأصحابه،
فكبروا وأحاطوا بالحاضر، وأخذوا أم قرفة - وكانت ملكة رئيسة -
وأخذوا ابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر.
وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة - وهي عجوز كبيرة - فقتلها
قتلاً عنيفاً، وربط بين رجليها حبلاً ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما
فذهبا فقطعاها(٢).
(١) في (ب، ش) وكذا عند ابن هشام. وفي النسخ: ابن زيد.
(٢) وسبب ذلك هو سبها لرسول الله وَ لفيه. وقال بعضهم: إن هذا الخبر منكر.
وفي صحيح مسلم برقم ١٧٧٥ حديث فيه سبي امرأة وابنتها وأنهما سيقا
إلى أبي بكر الذي كان قائد تلك السرية. قال الزرقاني هي أم قرفة
وابنتها، وليس فيه ما يشير إلى قتل أم قرفة. انظر شرح الزرقاني ٢/ ١٦٤
أقول: لا شك بأن هذا الخبر عن قتل أم قرفة خبر منكر، ولو وقع شيء
من هذا لبلغ الرسول وَ له ولكان له فيه رأي، ولم ينقل عنه ◌َّر شيء ثم
إن تربية زيد في بيت رسول الله وَي تمنعه من مثل هذا التصرف الذي =
- ٤٨١ -

وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي ◌َّ،
فقام إليه عرياناً يجر ثوبه، حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما أظفره الله به.
[ قتل أبي رافع ]
ثم سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع، عبد الله - ويقال
سلام - بن أبي الحقيق اليهودي، وهو الذي حزب الأحزاب يوم
الخندق.
وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست، كذا ذكره ابن
سعد هاهنا وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك: أنه بعثه في ذي الحجة
إلى أبي رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة. وقيل في جمادى الآخرة
سنة ثلاث.
وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف.
وأرسل معه أربعة(١): عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس،
وأبا قتادة والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرهم بقتله.
فذهبوا إلى خيبر، فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله
فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن
باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته،
فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشار إليها بالسيف فسكتت،
فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه، فعلوه بأسيافهم.
= ينهى عنه الإسلام ففي الحديث الشريف: (وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)
[المحقق] .
(١) أي فصار المجموع خمسة.
- ٤٨٢ -

وفي البخاري: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله وَّه ويعين
عليه، وكان في حصن له .. فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح
الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني
منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم
تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف البواب: يا
عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب،
فدخلت، فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على
وتد، قال: فقمت إلى الأغاليق فأخذتها ففتحت الباب.
وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه
أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من
داخل، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين
هو من البيت، فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو
الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئاً،
وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه
فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلاً في
البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم
وضعت ضبيب(١) السيف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني
قتلته .
وفي رواية له(٢): ثم جئت كأني أغيثه فقلت: مالك يا أبا رافع؟
- وغيرت الصوت - فقال/: لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني، ٦٥/ب
(١) قال في الفتح: قال الخطابي هكذا يروى وما أراه محفوظاً إنما هو ظبة
السيف، وهو حده ٣٤٤/٧ .
(٢) رواه البخاري برقم ٤٠٤٠ .
- ٤٨٣ -

قال: فعمدت له أيضاً فأضربه أخرى، فلم تغن شيئاً، فصاح وقام
أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي، كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق
على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفىء عليه، فسمعت
صوت العظم.
فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت
رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة
فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فلما صاح الديك قام الناعي على
السور، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع.
فانتهيت إلى رسول الله والفر فحدثته فقال: أبسط رجلك،
فمسحها النبي ◌َّ، فكأنما لم أشتكها قط. هذا لفظ رواية
البخاري(١).
وفي رواية محمد بن سعد: أن الذي قتله عبد الله بن أنيس.
والصواب: أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما
في البخاري .
[ سرية ابن رواحة إلى ابن رزام ]
وكان سببها أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت
يهود عليها أسيراً، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحربه وَطاهر .
وبلغه ذلك فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر
رمضان سراً، فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول
الله وَالتّ فأخبره.
(١) رواه البخاري برقم ٤٠٣٩.
- ٤٨٤ -

فندب عليه السلام الناس، فانتدب له ثلاثون رجلاً، فبعث
عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا عليه وقالوا: إن رسول الله وله
بعثنا إليك لتخرج إليه، يستعملك على خيبر ويحسن إليك، فطمع في
ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلاً من اليهود، مع كل رجل رديف
من المسلمين، حتى إذا كانوا بقرقرة ضربه عبد الله بن أنيس - وكان
في السرية - بالسيف فسقط عن بعيره ومالوا على أصحابه فقتلوهم غير
رجل، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم قدموا على رسول الله اله
فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين(١).
[ قصة عكل وعرينة ]
سرية كرز - بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي - ابن جابر
الفهري، إلى العرنيين - بضم العين وفتح الراء المهملتين - حي من
قضاعة، وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره ابن عقبة في
المغازي .
وذكر ابن اسحاق: أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت
في جمادى الآخرة سنة ست.
وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها.
وعند الواقدي : في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان.
وفي البخاري - في كتاب المغازي - عن أنس أن ناساً من عكل
(١) في رواية ابن إسحاق وغيره بيان سبب ذلك قال: حتى إذا كانوا بالقرقرة ..
ندم أسير على مسيره إلى رسول الله وَلتر ففطن له عبد الله بن أنيس وهو
يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف. سيرة ابن هشام ٦١٨/٢ وعند
ابن سعد: أهوى أسير بيده إلى سيفي ففطنت له، فدفعت بعيري وقلت:
غدراً أي عدو الله مرتين .. [م].
- ٤٨٥ -

- يعني بضم العين وسكون الكاف - وعرينة قدموا على رسول الله وَليفه
وتكلموا بالإسلام، فقالوا يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن
أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله وَير بذود(١) وراع،
وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها.
فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم،
وقتلوا راعي النبي وَير واستاقوا الذود. فبلغ النبي وَ لّ فبعث الطلب
في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في
ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم(٢).
وفي لفظ: وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.
وفي لفظ: ولم يحسمهم، أي لم يكو مواضع القطع فينحسم
الدم.
وقال أنس: إنما سمل رسول الله وَ لقر أعينهم لأنهم سملوا أعين
الرعاة رواه مسلم. فيكون ما فعل بهم قصاصاً.
٦٥/ب
وفي رواية / أنهم كانوا ثمانية.
وعند البخاري أيضاً - في المحاربين - أنهم كانوا في الصفة قبل
أن يطلبوا الخروج إلى الإبل (٣)
وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه
حتى مات.
وعند الدمياطي - كابن سعد (٤) - أن اللقاح كانت خمسة عشر (٥)
(١) من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة.
(٢) رواه البخاري برقم ٤١٩٢.
(٣) قوله: إلى الإبل سقط من ط.
(٤) سقط من (ط، ب، د) .
(٥) الأولى: خمس عشرة لقحة.
- ٤٨٦ -

لقحة - بكسر اللام وسكون القاف - ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر.
وفي صحيح مسلم: أن السرية كانت قريباً من (١) عشرين فارساً
من الأنصار.
وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي وَلـ
مولى يقال له: يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له
بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاؤوا -
وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم - وعدوا على يسار فذبحوه
وجعلوا الشوك في عينيه، ثم طردوا الإبل، فبعث النبي ◌َّر في آثارهم
خيلاً من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم
إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال ابن كثير: غريب
جداً.
وروى ابن جرير عن محمد بن إبراهيم عن جرير بن عبد الله
البجلي قال: قدم على رسول الله وَله قوم من عرينة الحديث .. وفيه
قال جرير: فبعثني رسول الله وَ لهل ونفراً من المسلمين حتى أدركناهم،
فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون:
الماء، ورسول الله وَلقر يقول: النار، حتى هلكوا. قال: وكره الله عز
وجل سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون
الله ورسوله) إلى آخر الآية. وهو حديث غريب ضعيف. وفيه: أن
أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي. قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن
إسلام جرير كان بعد هذه بنحو أربع سنين.
وفي مغازي ابن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا
عنده - بزيادة ياء - وعند غيره: أنه سعد - بسكون العين - ابن زيد
(١) قوله: قريباً من. سقط من ط.
- ٤٨٧ -

الأشهلي، وهذا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز
أمير الجماعة .
وأما قوله: فكره الله سمل الأعين فأنزل الله هذه الآية، فإنه
منكر. فقد تقدم أن في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاة، فكان
ما فعل بهم قصاصاً والله أعلم.
تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعاً للداودي أن
عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من
عدنان، وعرينة من قحطان.
[ بعث عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان ]
ثم سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب
بمكة، لأنه أرسل للنبي وَل﴿ من يقتله غدراً، فأقبل الرجل ومعه خنجر
ليغتاله، فلما رآه النبي وَ لير قال: إن هذا يريد غدراً. فجذبه أسيد بن
حضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر، فسقط في يده. فقال ◌َله: أصدقني
ما أنت؟ قال: وأنا آمن؟ قال: نعم، فأخبره بخبره فخلى عنه وَله .
وبعث عمرو بن أمية الضمري ومعه سلمة بن أسلم، ويقال:
جبار بن صخر إلى أبي سفيان وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه،
ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلاً، فرآه معاوية بن أبي
سفيان، فأخبر قريشاً بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكاً في الجاهلية،
فحشد له أهل مكة وتجمعوا له.
فهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك التيمي
فقتله، وقتل آخر، ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر،
فقتل أحدهما وأسر الآخر، فقدم به المدينة. فجعل عمرو يخبر رسول
١/٦٦ اللّه وَلّ خبره، وهو عليه السلام/ يضحك.
- ٤٨٨ -

صلح الحديبية
ثم الحديبية - بتخفيف الياء وتشديدها - وهي بئر سمي المكان
بها، وقيل شجرة، وقال المحب الطبري قرية قريبة من مكة أكثرها في
الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة.
[عدد أصحاب الحديبية]
خرج ◌َّة يوم الإثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة
للعمرة، وأخرج معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة. ويقال ألف
وخمسمائة وقيل ألف وثلاثمائة(١).
والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة،
فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه،
ويؤيده رواية البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر.
واعتمد على هذا الجمع النووي. وأما رواية ألف وثلاثمائة
فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة مائتين لم
يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة.
وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافقه أحد
عليه، لأنه قاله استنباطاً من قول جابر: نحرنا البدنة عن عشرة،
وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير
(١) جميع هذه الروايات في البخاري.
- ٤٨٩ -

البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلاً.
وجزم موسى بن عقبة: بأنهم كانوا ألفاً وستمائة.
وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع: ألف وسبعمائة .
وحكى ابن سعد: ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين.
[في الطريق إلى مكة]
واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ولم يخرج معه بسلاح إلا
سلاح المسافر السيوف في القرب.
وفي البخاري - في المغازي - عن المسور بن مخرمة ومروان بن
الحكم، قالا: خرج رسول الله ويلتر عام الحديبية في بضع عشرة مائة
من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعر وأحرم منها -
وفي رواية: أحرم منها بعمرة - وبعث عيناً له من خزاعة. وسار النبي
45* حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشاً جمعوا لك
جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت
ومانعوك.
فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس، أترون أن أميل إلى عيالهم
وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت ..
وفيه: قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت لا
تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه،
قال: امضوا على اسم الله(١).
وزاد أحمد: كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قط كان أكثر
مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(١) رواه البخاري برقم ٤١٧٨ .
- ٤٩٠ -

وفي رواية للبخاري: (حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي
*: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات
اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق
يركض نذيراً لقريش).
(وسار النبي ◌َّز، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها
بركت راحلته، فقال الناس: حل حل (١) فألحت - يعني تمادت على
عدم القيام - فقالوا: خلأت القصواء(٢) خلأت القصواء. فقال النبي
وَ لّ ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس
الفيل).
أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها،
ومناسبة ذلك أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم
قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما
لو قدر دخول الفيل، لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام / ٠/٦٦
منهم خلق، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. انتهى
(ثم قال ◌َّر: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون
فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
(ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية
على ثمد قليل الماء - يعني حفرة فيها ماء قليل - يتبرضه الناس تبرضاً -
أي يأخذونه قليلاً قليلاً - فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى
رسول الله ﴿ العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه
فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه).
(١) كلمة تقال للناقة إذا تركت السير .
(٢) الخلاء للإبل كالحران للخيل.
- ٤٩١ -

[مع بديل بن ورقاء]
(فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من
قومه من خزاعة . - وكانوا عيبة نصح رسول الله وَلقر من أهل تهامة -
فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه
الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت).
والعوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ - وهي الناقة ذات اللبن.
والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها.
يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا
بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن
الأطفال. والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام
ليكون أدعى إلى عدم الفرار.
(فقال رسول الله وَليقول: إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنا جئنا
معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا
ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس [إن شاؤوا]، (١) فإن أظهر فإن
شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا - يعني
استراحوا - وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا
حتى تنفرد سالفتي - أي صفحة العنق، كنى بذلك عن القتل -
ولينفذن الله أمره).
(فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشاً فقال:
إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم
(١) كذا في النسخ وليست في البخاري. قال الشارح: كذا عزاه المصنف لأبي
ذر عن المستملي والكشميهني، وسقط للباقين، فكان ذكرها مجرد تأكید.
- ٤٩٢ -

أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه
بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال سمعته
يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي (وَّر).
[مع عروة بن مسعود]
(فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا:
بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا:
لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي -
وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة - جئتكم بأهلي وولدي ومن
أطاعني؟ قالوا بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد - أي
خصلة خير وصلاح - اقبلوها، ودعوني آته، قالوا ائته).
(فأتاه، فجعل يكلم النبي وَ له فقال النبي ◌َّر نحواً من قوله
البديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر
قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن
الأخرى، فإني والله لا أرى(١) وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس
خليقاً أن يفروا ويدعوك).
(فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه
وندعه؟) .
قال العلماء: وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة، فإنه أقام
معبود عروة، وهو صنمه مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من
نسبته إلى الفرار.
(١) في النسخ لأرى: بالإثبات. وفي البخاري: لا أرى، والمعنى أنه لا يرى
بين أصحابه رجالاً عظاماً يمكن الاعتماد عليهم وإنما هم أشواب أي =
- ٤٩٣ -

والبظر : - بالباء الموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة - قطعة
تبقى بعد الختان في فرج المرأة. واللات: اسم صنم. والعرب تطلق
هذا اللفظ في معرض الذم. انتهى.
(فقال - أي عروة - : من هذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما
١/٦١ والذي نفسي بيده لولا يد كانت/ لك عندي لم أجزك بها لأجبتك).
(قال: وجعل يكلم النبي بَيّ، فكلما تكلم أخذ بلحيته،
والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي وَل﴿ ومعه السيف وعليه المغفر،
فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي وَّه ضرب يده بنعل السيف
وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله وَلات).
قال العلماء: وقد كانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من
يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير
بالنظير، لكن كان ◌َله يغضي لعروة استمالة له وتأليفاً. والمغيرة يمنعه
إجلالاً للنبي وَ لهير وتعظيماً. انتهى
قال (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوماً
في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي مدير:
أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.) .
(ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي وَلّ بعينيه، قال:
فوالله ما تنخم رسول الله وَل نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم
فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا
= أخلاط. قال في القاموس: الوجه سيد القوم. والملاحظ أن الزرقاني أكد ما
في النسخ فقال: هكذا هو في البخاري بالإثبات. وفي قوله نظر [م].
- ٤٩٤ -

يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون
إليه النظر تعظيماً له).
قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد على ما خشيه من
فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من يحبه هذه المحبة ويعظمه هذا
التعظيم كيف يظن أنه يفر عنه ويسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطاً به
وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله
أعلم. انتهى(١).
قال: (فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت
على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت
ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن
يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده،
وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا
تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. وإنه
قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.).
فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا ائته، فلما أشرف
على النبي وَ له وأصحابه، قال رسول الله وَله: هذا فلان، وهو من
قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون،
فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن
البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت،
فما أرى أن يصدوا عن البيت).
(١) فتح الباري ٣٤١/٥.
- ٤٩٥ -

[ سهيل وعقد الصلح]
(فقام رجل منهم يقال له مكرز(١) بن حفص، فقال دعوني
آته .. فلما أشرف عليهم قال النبي وَل و: هذا مكرز، وهو رجل
فاجر. فجعل يكلم النبي (وَ ل18).
(فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر فأخبر
أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي ◌َّ قد سهل لكم من
أمركم).
وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالت:
اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال النبي وَلهو: قد أرادت قريش
الصلح حين بعثت هذا، فلما انتهى إلى النبي وَله جرى بينهما القول
حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين / وأن
يأمن بعضهم بعضاً، وأن يرجع عنهم عامهم هذا.
/ ب
(وقال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو
فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابً. فدعا النبي وَلقول الكاتب. فقال
له النبي ﴿ اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما
الرحمن الرحيم(٢) فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم،
كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن
(١) في الأصل هنا بعد مكرز: بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها
زاي .
(٢) كذا في النسخ: الرحمن الرحيم. والذي في البخاري: الرحمن.
- ٤٩٦ -

الرحيم، فقال النبي وَليقول: اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما
قاضى عليه محمد رسول الله - وفي حديث عبد الله بن مغفل عند
الحاكم: هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة. الحديث - فقال
سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا
قاتلناك. ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي ◌َّ: والله إني
لرسول الله وإن كذبتموني)(١)
وفي رواية له - يعني البخاري - ولمسلم: فقال النبي ◌َّ لعلي:
امحه، فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه(٢).
قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب،
لأنه لم يفهم من النبي ◌ّ تحتم محو علي نفسه، ولهذا لم ينكر عليه،
ولو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه انتهى.
ثم قال و الفر أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله.
وفي رواية البخاري - في المغازي - فأخذ رسول الله (وَله الكتاب
- وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد
الله (٣) .
وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب - وليس
يحسن أن يكتب - فكتب مكان رسول الله: هذا ما قاضى عليه محمد
ابن عبد الله.
(١) كل ما سبق من الفقرات التي بين قوسين هي من رواية البخاري برقم
٢٧٣١ .
(٢) رواه البخاري برقم ٢٦٩٨ .
(٣) رواه البخاري برقم ٤٢٥١.
- ٤٩٧ -

[أمية الرسول { اليوم]
قال في فتح الباري: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد
الباجي(١) فادعى أن النبي وَ ل# كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن
یکتب.
فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي
قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا
فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال
[للأمير]: (٢)
هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد
النفي بما قبل ورود القرآن، قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من
كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ (٣) وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك
معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد
ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى.
وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك،
(١) سليمان بن خلف بن سعد، أبو الوليد الباجي نسبة إلى باجة مدينة
بالأندلس. العلامة الحافظ ذو الفنون، ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وأخذ عن
جمع جم، وسمع بمصر والشام والعراق والحجاز وبرع في الحديث وعلله
وصنف في الجرح والتعديل والتفسير والفقه والأصول. أجر نفسه ببغداد
لحراسة دربه فكان يستعين بالأجرة على نفقته، ثم رجع إلى الأندلس ففشا
علمه واشتهرت تأليفه. مات سنة أربع وسبعين واربعمائة.
(٢) في ش وهي في فتح الباري.
(٣) سورة العنكبوت. الآية ٤٨.
- ٤٩٨ -

منهم شيخه أبو ذر الهروي(١) وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء
إفريقية .
واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة [وعمر بن
شبة(٢)](٣) من طريق مجالد(٤) عن عون بن عبد الله قال: ما مات
رسول الله وَلقر حتى كتب وقرأ.
قال مجالد: فذكرته للشعبي فقال صدق، قد سمعت من يذكر
ذلك.
وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط
وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك،
وقوله لمعاوية: ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم إلى
غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم
وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء (٥).
(١) أبو ذر الهروي، عبد بن أحمد بن محمد الأنصاري، العلامة الإمام الحافظ،
المالكي شيخ الحرم صاحب التصانيف، الزاهد الورع العابد مات سنة
أربع وثلاثين وأربعمائة.
(٢) عمر بن شبة بن عبيدة النميري، نزيل بغداد، صدوق له تصانيف، مات
سنة اثنتين وستين ومائتين، وقد جاوز التسعين.
(٣) ذكره في (ش. ب) وهو في فتح الباري.
(٤) كذا في جميع النسخ مجالد. وفي فتح الباري: مجاهد.
قال الشارح: مجالد بن سعد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي. ليس
بالقوي وتغير في آخر عمره، مات سنة أربع وأربعين ومائتين.
(٥) إن مثل هذا التجاوز في الألفاظ يخالف ما عليه أهل التحقيق من علماء
الأمة والرسول ◌َ أوتي من العلم ما أوحى به الله إليه، فالتعميم بأنه
أوتي علم كل شيء تجاوز واضح [المحقق).
- ٤٩٩ -

وأجاب الجمهور.
بضعف هذه الأحاديث.
وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكاتب فيها علي بن
أبي طالب، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن علياً هو الذي
كتب فيحمل على أن النكتة في قوله ((فأخذ الكتاب، وليس يحسن
يكتب)) لبيان أن قوله ((أرني إياها)) أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع
١/٦٨ الكلمة التي / امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة.
وعلى أن قوله بعد ذلك ((فكتب)) فيه حذف تقديره: فمحاها
فأعادها لعلي فكتب:
أو أطلق ((كتب)) بمعنى: أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب
إلی کسری وقيصر.
وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف
في ذلك اليوم - وهو لا يحسن الكتابة - أن يصير عالماً بالكتابة، ويخرج
عن كونه أمياً، فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض
الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصاً الأسماء، ولا يخرج بذلك
عن كونه أمياً ككثير من الملوك.
ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها،
فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت
خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً. وبهذا أجاب أبو جعفر
السمناني(١) أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي.
وتعقب ذلك السهيلي وغيره:
(١) أبو جعفر السمناني، محمد بن أحمد بن محمد، الفقيه الحنفي سكن بغداد =
- ٥٠٠ -