النص المفهرس

صفحات 421-440

ركعتين - وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم
- وقال: اللهم أحصهم عدداً، ولا تبق منهم أحداً، واقتلهم بدداً -
يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي -.
وفي رواية(١) بريدة بن سفيان(٢)، فقال خبيب: اللهم إني لا
أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه.
وفي رواية [أبي](٣) الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي ◌َّل
فأخبره بذلك .. الحديث.
١/٥٤
ثم أنشأ يقول/:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع(٤)
والأوصال جمع: وصل، وهو العضو. والشلو - بكسر المعجمة -
الجسد ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع -
بالزاي، ثم المهملة - المقطع. ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع.
وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر:
لقد أجمع الأحزاب في وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وفيه أيضاً:
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
(١) عند سعيد بن منصور.
(٢) ليس بالقوي وفيه رفض روى له النسائي.
(٣) سقطت من النسخ وهي في ش.
(٤) البيتان في رواية البخاري.
- ٤٢١ -

وساق ابن إسحاق هذه الأبيات ثلاثة عشر بيتاً، قال ابن
هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب.
[ركعتان قبل القتل]
وكان خبيب أول من سن الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل
صبراً، كذا قال ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية.
وإنما صار فعل خبيب سنة - والسنة إنما هي أقوال رسول الله
وَ ل * وأفعاله وتقريره - لأنه فعله في حياته وَّلتر، فاستحسن ذلك من
فعله واستحسنها المسلمون. والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله وَلاته ،
وذلك في حياته عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي
بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكتری بغلاً
من رجل بالطائف، فاشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء. قال:
فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال
فلما أراد أن يقتله قال له دعني أصلي ركعتين، قال: صل فقد صلى
قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئاً، فلما صليت أتاني ليقتلني
فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتاً: لا تقتله، فهاب ذلك،
فخرج يطلبه(١) فلم ير شيئاً، فرجع إلي، فناديت: يا أرحم الراحمين،
فعل ذلك ثلاثاً، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها
شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتاً. ثم قال: لما دعوت
المرة الأولى: يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة، فلما دعوت
(١) كذا في ط، وفي النسخ: يطلب.
- ٤٢٢ -

المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في سماء الدنيا، فلما دعوت الثالثة
أتیتك. انتهى .
[تتمة خبر الرجيع]
ووقع في رواية أبي الأسود عن عروة: فلما وضعوا فيه السلاح
وهو مصلوب - يعني خبيباً - نادوه وناشدوه: أتحب أن محمداً مكانك؟
قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.
ويقال(١): إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة، وأن أبا سفيان
قال له: يا زيد، أنشدك الله أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك
تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في
مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني لجالس في أهلي. قال أبو
سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد
محمداً.
ثم قتله نسطاس - بكسر النون - .
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان
عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر، ولعل العظيم المذكور: عقبة
ابن أبي معيط، فإن عاصماً قتله صبراً بأمر النبي وَ له بعد أن انصرفوا
من بدر. ووقع عند ابن إسحاق وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن
عاصماً لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من / سلافة بنت ٥٤/ب
سعد(٢)، وهي أم مسافح وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم
(١) هو الذي عند ابن إسحاق .
(٢) كذا في ش: سعد وفي النسخ: سعيد وهو خطأ.
- ٤٢٣ -

قتلهما يوم أحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن
قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه - بكسر القاف، وهو
ما انفلق من الجمجمة فبان -.
قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة.
فمنعهم منه الدبر - بفتح المهملة وسكون الموحدة: الزنابير -
فلم يقدروا منه على شيء.
وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهداً أن لا يمسه مشرك
ولا يمس مشركاً. فكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد
المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته.
وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم
يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من
هتك حرمته بقطع لحمه.
- ٤٢٤ -

[ بئر معونة ]
[الموقع والتاريخ]
سرية المنذر بن عمرو(١) - بفتح العين المهملة - إلى بئر معونة -
بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون - موضع ببلاد هذيل
بين مكة وعسفان. في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من الهجرة،
على رأس أربعة أشهر من أحد.
بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق.
وكانت مع رعل - بكسر الراء وسكون العين المهملة - بطن من
بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك. وذكوان بطن من بني
سليم أيضاً ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها(٢).
[تفصيل الواقعة]
وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها - كما قاله ابن
إسحاق - أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب
الأسنة على رسول الله وَ لقر فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد
عن الإسلام. وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل
(١) المنذر بن عمرو الخزرجي العقبي البدري النقيب من أكابر الصحابة.
(٢) أي إلى بئر معونة لنزولهم بها.
- ٤٢٥ -

نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال ◌َله: إني أخشى
أهل نجد عليهم. قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم.
فبعث عليه الصلاة والسلام المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم
سبعون(١) - وقيل أربعون(٢) وقيل: ثلاثون -
وقد بين قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون
بالليل(٣). وفي رواية ثابت: يشترون به الطعام لأهل الصفة،
ويتدارسون القرآن بالليل (٤).
فساروا حتى نزلوا بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه وله
إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافراً - وليس هو عامر
ابن الطفيل الأسلمي الصحابي - فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على
الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجيبوه، وقالوا: لن
نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ عليهم قبائل
من سليم: عصية ورعلاً فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا
القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم
حتی قتلوا إلى آخرهم، إلا کعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق،
فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيداً.
وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه
عامر بن الطفيل وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.
(١) كما في البخاري ومسلم.
(٢) هذه رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة. قال الحافظ: قول الثلاثين وهم.
(٣) رواه البخاري برقم ٤٠٩٠ .
(٤) رواه مسلم برقم ١٤٧ من كتاب الإمارة، قال الشارح: قوله لأهل الصفة،
لا يفهم أنهم ليسوا من أهلها، فهم من أهلها يشتري بعضهم لبعض.
- ٤٢٦ -

فلما بلغ النبي ◌َ ﴿ خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت
لهذا كارهاً متخوفاً، فبلغ ذلك أبا براء فمات أسفاً على ما صنع عامر
ابن الطفيل.
وقتل عامر بن فهيرة يومئذ فلم يوجد جسده، دفنته الملائكة(١).
[حزن النبي {[*]
قال ابن سعد عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله وَله
وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة .
وفي صحيح مسلم عن أنس أيضاً: (دعا وَّر على الذين قتلوا
أصحاب بئر معونة ثلاثين / صباحاً، يدعو على رعل ولحيان وعصية ٥٥٪
عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة
قرآناً قرأناه ثم نسخ بعد - أي نسخت تلاوته - [أن](٢) بلغوا قومنا أنا
قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه)(٣).
کذا وقع في هذه الرواية(٤)، وهو یوهم أن بني حیان ممن أصاب
القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان
وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا
بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله وَلتر عنهم كلهم في وقت
واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحداً والله أعلم.
(١) رواه ابن المبارك عن عروة.
(٢) ليست في النسخ وهي في صحيح مسلم.
(٣) صحيح مسلم رقم ٦٧٧ .
(٤) أي يدعو على رعل ولحيان وعصية.
- ٤٢٧ -

غزوة بني النضير
[تاريخ الغزوة]
ثم غزوة بني النضير - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة - قبيلة
كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربع. وذكرها ابن إسحاق هنا.
قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل
ابن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس
ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد.
ورجح الداودي ما قاله ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير
بعد بئر معونة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل
الكتاب من صياصيهم﴾(١).
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واه، فإن الآية
نزلت في شأن بني قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو
النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في
جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤوسهم حيي بن
أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى
كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقاً. انتهى (٢).
(١) سورة الأحزاب. الآية ٢٦ .
(٢) ثم قال ابن حجر: وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير همهم بالفتك به، =
- ٤٢٨ -

[سبب الغزوة]
وقد تقدم قريباً أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل
أهل بئر معونة عن رقبة عن أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف
رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله وَطير لم يشعر به
عمرو، فقال لهما عمرو من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما
حتى ناما فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر
رسول الله # بذلك فقال: لقد قتلت قتيلین لأدینهما.
قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج ◌َّه إلى بني النضير ليستعين
بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للجوار الذي
كان وَلّ عقده لهما، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف.
فلما أتاهم بَله يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم نعينك
على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا:
إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان ◌َ ل ◌ّ إلى جنب جدار من
بيوتهم .
وقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه
فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال:
أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة ورسول الله وَّ في نفر من
أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.
قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن
بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه .
= وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمرو تعين ما قاله ابن
إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق.
- ٤٢٩ -

قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله و القول الخبر من السماء بما أراد
القوم، فقام وغير مظهراً أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم،
ورجع مسرعاً إلى المدينة.
c/ب
واستبطأ النبي وَل19 / أصحابه، فقاموا في طلبه حتى انتهوا إليه،
فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به.
قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾
الآية(١).
[حصار بني النضير]
قال ابن إسحاق: فأمر ◌َّ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
ثم سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال. قال ابن
إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون فقطع النخل وحرقها وخرب.
فنادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما
بال قطع النخل وتحريقها.
قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين
من هذا الكلام شيء حتى أنزل الله: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ إلى قوله:
﴿وليخزي الفاسقين﴾(٢) واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني.
ففي هذه الآية أنه وَلّ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت الناس،
(١) سورة المائدة. الآية ١١.
(٢) سورة الحشر. الآية ٥ .
- ٤٣٠ -

وكانوا يقتاتون العجوة، وفي الحديث (العجوة من الجنة وتمرها يغذو
أحسن غذاء)(١) والبرني أيضاً كذلك. ففي قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من
لينة﴾ ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات
ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين.
قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم
عبد الله بن أبي بن سلول بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا
لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم.
فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول
الله وَلّ أن يجليهم عن أرضهم ويكف عن دمائهم.
وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره ◌َّ وأعلمه الله بذلك،
بعث إليهم محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها،
وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشراً، فمن رؤي
منكم بعد ذلك ضربت عنقه.
فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع
إبلاً، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا
في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم
وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أبي،
فأرسل إلى رسول الله وَلهو، إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا
لك.
فأظهر وَله التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم مَّ في
(١) رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
- ٤٣١ -

أصحابه، فصلى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلما رأوا
رسول الله وَي قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم
ابن أبي ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان، فيئسوا من نصرهم،
فحاصرهم وَّ وقطع نخلهم، وقال لهم عليه الصلاة والسلام:
اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة . - وهي
بإسكان اللام قال في القاموس: الدرع - فنزلت يهود على ذلك
فحاصرهم خمسة عشر يوماً، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم.
ثم أجلاهم عن المدينة وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا
النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير فلحقوا بخيبر. وحزن
عليهم المنافقون حزناً شديداً(١).
[الغنائم]
وقبض * الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعاً وخمسين
بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفاً.
وكانت بنو النضير صفياً لرسول الله و الر حبساً لنوائبه، ولم يسهم
١/٥٦ منها لأحد، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها/ بخيل ولا ركاب، وإنما
قذف في قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك
عن قتال من المسلمين لهم، فقسمها وَلّ بين المهاجرين ليرفع بذلك
مؤنتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار، غير
أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفي الإكليل: وأعطى
سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفاً له ذكر عندهم.
(١) قال ابن اسحاق: ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها.
- ٤٣٢ -

[ غزوة ذات الرقاع ]
[القول في تاريخها]
واختلف فيها متى كانت:
فعند ابن إسحاق: بعد بني النضير سنة أربع، في شهر ربيع
الآخر، وبعض جمادى.
وعند ابن سعد وابن حبان: في المحرم سنة خمس.
وجزم أبو معشر: بأنها بعد بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس،
فتكون ذات الرقاع في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها.
قال في فتح الباري: قد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد
خيبر، واستدل لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري :
هل تعمد ذلك تسليماً لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك
من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسماً
لغزوتين مختلفتين كما أشار إليها البيهقي. على أن أصحاب المغازي مع
جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها. انتهى(١).
والذي جزم به ابن عقبة تقدمها، لكن تردد في وقتها فقال: لا
ندري كانت قبل بدر أو بعدها؟ أو قبل أحد أو بعدها؟
(١) لا حاجة لقوله: ((انتهى)) لأن الكلام التالي لابن حجر.
- ٤٣٣ -

قال الحافظ ابن حجر: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي
ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة، لأن صلاة الخوف في غزوة
الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات
الرقاع. فدل على تأخرها بعد الخندق.
ثم قال عند قول البخاري: ((وهي بعد خيبر)) لأن أبا موسى جاء
بعد خيبر، وإذا كان كذلك وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع
لزم أنها كانت بعد خيبر(١).
قال: وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري
حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن
خيبر. قال: وليس في خبر أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك،
انتهى كلام ابن سيد الناس.
قال: وهذا النفي مردود، والدلالة على ذلك واضحة كما قررته.
قال: وأما الدمياطي: فادعى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع
أهل السير على خلافه. وقد تقدم أنهم مختلفون في زمانها. فالأولى
الاعتماد على ما ثبت في الصحيح(٢).
وأما قول الغزالي: إنها آخر الغزوات. فهو غلط واضح، وقد
بالغ ابن الصلاح في إنكاره.
وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها
صلاة الخوف.
(١) فتح الباري ٤١٧/٧ .
(٢) فتح الباري ٤١٨/٧ .
- ٤٣٤ -

وهو انتصار مردود، بما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن
حبان من حديث أبي بكرة: أنه صلى مع النبي وَلّ صلاة الخوف.
وإنما أسلم أبو بكرة بعد غزوة الطائف بالاتفاق. انتهى(١).
[سبب تسميتها]
وأما تسميتها بذات الرقاع:
فلأنهم رقعوا فيها راياتهم، قاله ابن هشام.
وقيل: لشجرة 'في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع.
وقيل: الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود ويقع بيض، كأنها
مرقعة برقاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك.
وقيل: إن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبان.
وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع. قال الحافظ ابن
حجر: وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف عليه بخيل.
قال: وأغرب / الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة ٥٦/ب
الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. انتهى (٢).
قال السهيلي: وأصح من هذه الأقوال كلها، ما رواه البخاري
عن أبي موسى الأشعري قال: (خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة
ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي،
وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات
الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا)(٣).
(١) فتح الباري ٤٢٤/٧ .
(٢) هذه الأقوال كلها في فتح الباري ٤١٩/٧ .
(٣) رواه البخاري برقم ٤١٢٨.
- ٤٣٥ -

[أحداث الغزوة]
وكان من خبر هذه الغزوة، كما قاله ابن إسحاق: أنه وَلَّ غزا
نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة - بالمثلثة - من غطفان - بفتح الغين
المعجمة والمهملة - لأنه ◌َّجر بلغه أنهم جمعوا الجموع. فخرج في
أربعمائة من أصحابه - وقيل: سبعمائة - واستعمل على المدينة عثمان بن
عفان، وقيل أبا ذر. حتى نزل نخلاً - بالخاء المعجمة - موضعاً من
نجد من أراضي غطفان .
قال ابن سعد: فلم يجد في محالهم إلا نسوة فأخذهن.
وقال ابن إسحاق: فلقي جمعاً منهم فتقارب الناس، ولم يكن
بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضاً، حتى صلى رسول الله
وَ ﴿ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس.
قال ابن سعد: وكان ذلك أول ما صلاها.
وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة وسيأتي إن شاء الله
تعالى الكلام على ما تيسر منها في مقصد عباداته وله .
وكانت غيبته ◌َيهر في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة(١).
[من يمنعك مني؟]
وفي البخاري عن جابر قال: كنا مع النبي وَلّر بذات الرقاع،
فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي وَلّر، فجاء رجل من
المشركين وسيف النبي ◌َّ ر معلق بالشجرة فاخترطه - يعني سله من
غمده - فقال تخافني قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله (٢)
(١) قاله ابن سعد.
(٢) رواه البخاري برقم ٤١٣٦.
- ٤٣٦ -

وعند أبي عوانة: فسقط السيف من يده فأخذه وَله فقال: من
يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني
رسول الله؟ قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم
يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند
خير الناس(١).
وفي رواية عند البخاري: ولم يعاقبه(٢).
وإنما لم يؤاخذه وَل و بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته عليه
الصلاة والسلام في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام.
وفي رواية أبي اليمان عند البخاري(٣) - في الجهاد - قال: من
يمنعك مني ثلاث مرات. وهو استفهام إنكاري، أي لا يمنعك مني
أحد .
وقد كان الأعرابي قائماً على رأسه والسيف في يده والنبي
جالس لا سيف معه.
ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع
نبيه، وإلا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند
قومه بقتله. وفي قوله بَ ر في جوابه: الله، أي يمنعني منك، إشارة
إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي فلم يزده على ذلك الجواب، وفي
ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به .
وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه
(١) ذكره في فتح الباري ٤٢٨/٧ .
(٢) رواه البخاري برقم ٤١٣٥ و٢٩١٠ .
(٣) رواه البخاري برقم ٢٩١٠ .
- ٤٣٧ -

فاهتدى به خلق كثير. وقال فيه: إنه رمي بالزلخة حين هم بقتله وَلهر،
فندر السيف من يده وسقط إلى الأرض. والزلخة - بضم الزاي
وتشديد اللام - وجع يأخذ في الصلب.
وقال البخاري: قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم
١/٥٧ الرجل غورث بن الحارث(١)، / أي على وزن جعفر.
وحكى الخطابي فيه: غويرث، بالتصغير. وقد تقدم في غزوة
غطفان وهي غزوة ذي أمر بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه
دعثور، وأنه قام على رأسه * بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال
وَالرّ: الله، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده وأنه أسلم.
قال في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.
وقال غيره من المحققين(٢): الصواب أنهما قصتان في غزوتين.
وفي هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى،
وحلمه على الجهال صلى الله عليه وسلم.
[قصة جمل جابر]
وفي انصرافه ◌َلـ من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله
فنخسه * فانطلق متقدماً بين يدي الركاب، ثم قال: أتبيعنيه؟
فابتاعه منه وقال: لك ظهره إلى المدينة، فلما وصلها أعطاه الثمن
وأرجح، ووهب له الجمل. والحديث أصله في البخاري(٣).
(١) رواه البخاري برقم ٤١٣٦.
(٢) كابن كثير.
(٣) قال الشارح: في عشرين موضعاً. لكن لم يقع فيه أن ذلك في ذات الرقاع =
- ٤٣٨ -

ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب.
وقيل غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.
[ غزوة بدر الآخرة ]
وهي الصغرى، وتسمى: بدر الموعد.
وكانت في شعبان، بعد ذات الرقاع. قال ابن إسحاق: لما قدم
رسول الله ◌َ المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها جمادى الأولى إلى
آخر رجب، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. ويقال:
كانت في هلال ذي القعدة.
وميعاد أبي سفيان: هو ما سبق أن أبا سفيان قال يوم أحد:
الموعد بيننا وبينكم بدر العام القابل، فقال ◌َ له لرجل من أصحابه:
قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد.
فخرج ◌َّ ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وعشرة أفراس،
واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون
أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، ويقال:
عسفان، ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم
إلا عام خصيب، ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم
هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل
مكة: جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
= ولذا لم يذكره في غزاتها، بل في بعضها أنه في تبوك.
ومن هذه المواضع الحديث رقم ٢٠٩٧ .
- ٤٣٩ -

وأقام وَله ببدر ثمانية أيام، وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا
الدرهم درهمين. وأنزل الله في المؤمنين: ﴿الذين استجابوا لله
والرسول﴾ إلى قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم
سوء﴾(١) الآية.
والصحيح أن هذه الآية نزلت في شأن حمراء الأسد، كما نص
عليه العماد بن كثير.
غزوة دومة الجندل
وهي بضم الدال من ((دومة)) هي مدينة بينها وبين دمشق خمس
ليال، وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. قال أبو
عبيد البكري: سميت بدومي بن إسماعيل، كان نزلها.
وكانت في شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وأربعين شهراً من
الهجرة، وكان سببها أنه بلغه وَّ ر أن بها جمعاً كثيراً يظلمون من مر
بهم، فخرج عليه الصلاة والسلام لخمس ليال بقين من شهر ربيع،
في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل ويكمن النهار.
واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة.
فلما دنا منهم، لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم
ورعاتهم فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه. وجاء
الخبر أهل دومة فتفرقوا، ونزل وَل﴿ بساحتهم فلم يلق بها أحداً، فأقام
بها أياماً، وبث السرايا وفرقها، فرجعوا، ولم يصب منهم أحد. ودخل
٥٧/ب المدينة في العشرين / من ربيع الآخر.
(١) سورة آل عمران ١٧٢ .
- ٤٤٠ -