النص المفهرس
صفحات 381-400
فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها
فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود
على المسلم فقتلوه، ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع(١).
فسار إليهم النبي ◌َ ر بعد أن استخلف أبا لبابة بن عبد المنذر.
فحاصرهم أشد الحصار، خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة،
وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فقذف الله في
قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله وَلّة، على أن لهم
أموالهم، وأن لهم النساء والذرية.
فأمر عليه الصلاة والسلام المنذر بن قدامة بتكتيفهم.
وكلم عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله صلفر فيهم، وألح
عليه من أجلهم. فأمر ◌َّر أن يجلوا، وتركهم من القتل، وأمر أن
يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات. فما كان أقل بقاءهم فيها. وأخذ
من حصنهم سلاحاً وآلة كثيرة.
وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت،
(١) علق الأستاذ محمد رضا على هذه الحادثة بقوله: ولم يرو هذه الحادثة ابن
إسحاق وكذا لم يذكرها الطبري في تاريخه ولا ابن سعد في طبقاته، وإن
ذكرها ابن هشام . وليس في هذه القصة ذكر لاسم المرأة ولا اسم
الصائغ .. ولا اسم القاتل المسلم .. لذلك نشك في صحة هذه القصة ..
(كتاب: محمد رسول الله ص ١٨٢).
أقول: يؤيد هذا الشك: أن الحجاب لم يكن قد فرض، ولذا فالسبب هو
نقضهم للعهد الذي ظهر من قولهم للرسول وَل *.. لو قاتلناك لعرفت أنا
الرجال. وذلك بعد أن جمعهم في السوق .. كما ذكر ذلك ابن إسحاق.
[المحقق].
- ٣٨١ -
فتبرأ عبادة من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله
من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار
وولايتهم. ففيه وفي عبد الله أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله: ﴿فإن
حزب الله هم الغالبون﴾(١).
[غزوة السويق]
ثم غزوة السويق في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها،
على رأس اثنين وعشرين شهراً من الهجرة، وقال ابن إسحاق في
صفر.
وسميت: غزوة السويق، لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه
المسلمون .
واستخلف أبا لبابة.
وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان حين رجع بالعير من بدر
إلى مكة نذر أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمداً - عليه
السلام - فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، حتى أتوا
العريض - ناحية من المدينة على ثلاثة أميال ـ فحرقوا نخلاً وقتلوا
رجلاً من الأنصار. فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه، فانصرف
بقومه راجعين.
وخرج و 18 في طلبهم، في مائتين من المهاجرين والأنصار،
وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق - وهي عامة أزوادهم
(١) سورة المائدة. الآية ٥٦.
- ٣٨٢ -
- يتخففون للهرب، فيأخذها المسلمون، ولم يلحقهم عليه الصلاة
والسلام، فرجع إلى المدينة.
وكانت غيبته خمسة أيام.
[من أحداث السنة الثانية]
وفي ذي الحجة صلى رسول الله وَ ط فيه صلاة العيد وأمر
بالأضحية .
وفيه مات عثمان بن مظعون.
وفي شوال ولد عبد الله بن الزبير.
[زواج علي من فاطمة]
وفي هذه السنة تزوج علي فاطمة رضي الله عنهما، كما قاله
الحافظ مغلطاي .
وقال الطبري(١) في كتابه ((ذخائر العقبى في مناقب ذوي
القربى)): تزوجها في صفر في السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة على
رأس اثنين وعشرين شهراً من التاريخ.
وقال أبو عمر بعد وقعة أحد،
وقال غيره: بعد بنائه وَّرَ بعائشة رضي الله عنها بأربعة أشهر
ونصف، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف.
وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر - أو ستة
ونصف - وسنه يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة / أشهر. ولم يتزوج ٤٧/ب
عليها حتى ماتت.
(١) أحمد بن عبد الله، الحافظ محب الدين، المكي.
- ٣٨٣ -
وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى النبي
وَل فسكت ولم يرجع إليهما شيئاً، فانطلقا إلى علي يأمرانه بطلب
ذلك. قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي وَله
فقلت: تزوجني فاطمة؟ قال: وعندك شيء؟ قلت: فرسي وبدني(١)،
فقال: أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها، فبعتها بأربعمائة
[درهم](٢) وثمانين(٣)، فجئته بها، فوضعها في حجره، فقبض منها
قبضة وقال: أي بلال: ابتع لنا بها طيباً. وأمرهم أن يجهزوها، فجعل
لها سرير مشرَّط(٤)، ووسادة من أدم حشوها ليف. وقال لعلي: إذا
أتتك فلا تحدث شيئاً حتى آتيك.
فجاءت أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب،
وجاء رسول الله وَلقر فقال: ها هنا أخي، قالت أم أيمن: أخوك وقد
زوجته ابنتك؟ قال: نعم. ودخل وَّ فقال لفاطمة ائتني بماء، فقامت
إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم قال لها: تقدمي،
فتقدمت، فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك
وذريتها من الشيطان الرجيم. ثم قال لها أدبري فأدبرت فصب بين
كتفيها. ثم فعل مثل ذلك بعلي. ثم قال ادخل بأهلك بسم الله
والبركة. أخرجه أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه.
وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي
بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر فقال ◌َله: قد أمرني ربي بذلك.
(١) أي: درعي.
(٢) في ط.
(٣) وقد اشترى عثمان الدرع ثم أهداها لعلي.
(٤) أي فيه شرائط. والشريط خوص مفتول.
- ٣٨٤ -
قال أنس: ثم دعاني عليه السلام بعد أيام فقال لي يا أنس:
ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدة من الأنصار، فلما
اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائباً فقال صلى الله عليه وسلم:
الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه،
المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق
الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد
5 1. إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سبباً لاحقاً،
وأمراً مفترضاً، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام، فقال عز من قائل
﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك
قديراً﴾ (١) فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره،
ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما
يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. ثم إن الله عز وجل أمرني أن أزوج
فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة
مثقال فضة إن رضي بذلك علي.
ثم دعا ◌َّر بطبق من بسر ثم قال: انتهبوا، فانتهبنا(٢).
ودخل علي فتبسم النبي ◌َّر في وجهه ثم قال: إن الله عز وجل
أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك؟
فقال قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال عليه السلام: جمع الله
شملكما وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيراً طيباً.
قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب.
(١) سورة الفرقان: الآية ٥٤.
(٢) الانتهاب: هو أخذ الجماعة الشيء على غير اعتدال.
- ٣٨٥ -
والعقد لعلي وهو غائب محمول على أنه كان له وكيل حاضر، أو
على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك، ثم عقد معه لما حضر، أو
على تخصيصه بذلك، جمعا بينه وبين ما ورد، مما يدل على شرط
القبول على الفور.
وأخرج الدولابي، عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة،
فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن درعه عند
١/٤٨ يهودي / بشطر شعير، وكانت وليمته آصعاً من شعير وتمر وحيس.
والحيس: التمر والأقط.
وأخرج أحمد في المناقب عن علي: كان جهاز فاطمة خميلة وقربة
ووسادة من أدم حشوها ليف.
[قتل كعب بن الأشرف]
ثم سرية محمد بن مسلمة وأربعة معه إلى كعب بن الأشرف
اليهودي، لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، على رأس خمسة
وعشرين شهراً من الهجرة.
روى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن كعب(١) بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان
شاعراً، وكان يهجو رسول الله وَله ويحرض عليه كفار قريش. وكان
الني وَّل ﴿ قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد استصلاحهم، وكان اليهود
والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر رسول الله وَظاهر بالصبر.
فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه، أمر رسول الله
(١) كذا في (ب، ش) وكذلك في سنن أبي داود. وفي بقية النسخ: وهب.
- ٣٨٦ -
* سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه (١).
وفي رواية قال ◌َله: من لنا بابن الأشرف(٢)؟ - وفي أخرى:
((من لكعب بن الأشرف))(٣) أي من ينتدب لقتله - فقد استعلن
بعداوتنا وهجانا، وقد خرج إلى قريش فجمعهم إلى قتالنا. وقد
أخبرني الله بذلك. ثم قرأ على المسلمين (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً
من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء
أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أولئك الذين لعنهم الله﴾ (٤).
وفي الإكليل: فقد آذانا بشعره، وقوى المشركين.
وفي رواية ابن إسحاق: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد
الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت
على ذلك. قال: يا رسول الله إنه لا بد لنا أن نقول، قال: قولوا ما
بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.
فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وأبو نائلة - بنون وبعد الألف
تحتانية - سلكان بن سلامة - وكان أخا كعب من الرضاعة - وعباد بن
بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وهؤلاء
الخمسة من الأوس.
وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد
(١) رواه أبو داود في كتاب الإمارة برقم (٣٠٠٠).
(٢) عند ابن عائذ.
(٣) ما بين المعترضتين رواية البخاري برقم ٤٠٣٧ وشرحها من الفتح. وما
بعده تتمة الرواية قبلها. رواية ابن عائذ.
(٤) سورة النساء، الآية ٥١ .
- ٣٨٧ -
قام عليه السلام تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن
قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه. قالوا: أفلح وجهك
يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.
وفي كتاب ((شرف المصطفى)) أن الذين قتلوا كعباً حملوا رأسه في
محلاة إلى المدينة، فقيل إنه أول رأس حمل في الإسلام.
وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس فجرح ونزف الدم فتفل
عليه السلام على جرحه فلم يؤذه بعد.
[غزوة غطفان]
غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر - بفتح الهمزة والميم - وسماها
الحاكم غزوة أنمار. وهي بناحية نجد.
وكانت لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول على رأس خمس
وعشرين شهراً من الهجرة.
وسببها: أن جمعاً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة،
جمعهم دعثور بن الحارث المحاربي - وسماه الخطيب: غورث، وغيره:
غورك - وكان شجاعاً.
فندب ◌ّل المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين فارساً،
واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. فلما سمعوا بمهبطه وَلات عليهم
هربوا في رؤوس الجبال، فأصابوا رجلاً منهم يقال له: حبان من بني
ثعلبة، فأدخل على رسول الله وَلتر فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه
إلى بلال(١) .
(١) وذلك ليعلمه الشرائع.
- ٣٨٨ -
وأصاب النبي عليه مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا،
واضطجع تحتها، وهم ينظرون، فقالوا/ لدعثور: قد انفرد محمد ٤٨/ب
فعليك به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه وَّ ه فقال: من
يمنعك مني اليوم؟ فقال ◌َّير: الله. فدفع جبريل في صدره، فوقع
السيف من يده، فأخذه النبي ◌َّر فقال: من يمنعك مني؟ فقال: لا
أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم أتى قومه
فدعاهم إلى الإسلام. وأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله
عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) الآية(١).
ويقال كان ذلك في ذات الرقاع.
ثم رجع ◌َله ولم يلق كيداً، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
[غزوة بحران]
غزوة بحران وتسمى غزوة بني سليم، من ناحية الفرع - بفتح
الفاء والراء - كما قيده السهيلي، وقال في القاموس: وبحران موضع
بناحية الفرع، كذا رأيته بخطه بضم الفاء لا غير.
وسببها: أنه بلغه ◌َل ◌ّ أن بها جمعاً كبيراً من بني سليم، فخرج
في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع
ولم يلق كيداً.
وكان قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، كما قاله ابن
هشام، وكانت غيبته عشر لیال.
(١) سورة المائدة. الآية ١١.
- ٣٨٩ -
[سرية زيد بن حارثة إلى القردة]
سرية زيد بن حارثة إلى القردة - بالقاف المفتوحة وسكون الراء،
وقيل بالفاء وكسر الراء، كما ضبطه ابن الفرات(١) - اسم ماء من مياه
نجد .
وسببها : - كما قال ابن إسحاق - أن قريشاً خافوا من طرقهم
التي يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا
طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعهم
فضة كثيرة.
وعند ابن سعد: بعثه رَلر الهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية
وعشرين شهراً من الهجرة، في مائة راكب يعترض عيراً لقريش فيها
صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، ومعهم مال كثير وآنية
فضة. فأصابوها وقدموا بالعير على رسول الله وَله، وخمسها فبلغ
الخمس قيمة عشرين ألف درهم.
وعند مغلطاي: خمسة وعشرين ألف درهم.
وذكرها ابن إسحاق قبل قتل ابن الأشرف.
(١) محمد بن العباس بن محمد بن الفرات، الحافظ البارع، أبو الحسن، سمع
ابن مخلد وطبقته وجمع فأوعى، قال الخطيب، كان غاية في ضبطه، حجة
في نقله، مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
- ٣٩٠ -
[ غزوة أحد ]
[أحد]
وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.
وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، ويقال له:
ذو عينين، قال في القاموس: بكسر العين وبفتحها مثنى، جبل بأحد.
انتهى .
وهو الذي قال فيه وَ له: ((أحد جبل يحبنا ونحبه))(١).
وقيل: وفيه قبر هارون، أخي موسى، عليهما السلام.
[تاريخ الغزوة]
وكانت عنده الوقعة المشهورة، في شوال سنة ثلاث بالاتفاق،
يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه - وقيل لسبع ليال خلون منه،
وقيل في نصفه -.
وعن مالك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضاً: كانت على أحد
وثلاثين شهراً من الهجرة.
[سببها : ]
وكان سببها، كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن
(١) متفق عليه.
- ٣٩١ -
عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة، وابن سعد، قالوا - أو
من قال منهم - ما حاصله:
إن قريشاً لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب
القليب، ورجع أبو سفيان بعيره، قال عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة
ابن أبي جهل، في جماعة ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم
بدر: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا
بهذا المال على حربه - يعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في تلك
العير تجارة - لعلنا أن ندرك به ثأرنا. فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت
ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار.
وفيهم - كما قال ابن إسحاق وغيره - أنزل الله ﴿إن الذين
١/٤٩ كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فيسنفقونها / ثم تكون
عليهم حسرة ثم يغلبون﴾(١).
[خروج قریش]
واجتمعت قريش لحرب رسول الله وَله. وكتب العباس بن عبد
المطلب كتاباً يخبر رسول الله وَلقر بخبرهم، وسار بهم أبو سفيان حتى
نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة.
[رؤيا النبي ◌ُلٌ]
وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر.
وأري وَله ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: إني والله قد رأيت
خيراً، رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني
(١) سورة الأنفال. الآية ٣٦.
- ٣٩٢ -
أدخلت يدي في درع حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون،
وأما الثلم الذي أريت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل.
وقال ابن عقبة، ويقول رجال: كان الذي بسيفه ما قد أصاب
وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف وَ ل# يومئذ، وكسروا رباعيته،
وجرحوا شفته.
وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: وأولت الدرع الحصينة
بالمدينة فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم، ورموا من فوق
البيوت.
[رغبة بعض الصحابة في الخروج]
فقال أولئك القوم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج
بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.
فصلى وَّ بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد
والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ماصبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم،
ففرح الناس بذلك.
ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم
دخل 19َّ بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه
وألبساه .
وصف الناس ينتظرون خروجه عليه السلام، فقال سعد بن
معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله وَهر على الخروج، فردوا
الأمر إليه، فخرج وَّر وقد لبس لأمته - وهي بالهمزة وقد يترك تخفيفاً:
الدرع - وتقلد سيفه، فندموا جميعاً على ما صنعوا، فقالوا: ما كان لنا
أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن
- ٣٩٣ -
يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه
الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبي وَ لّ إليهم أن لا
يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه للأمته،
وندامتهم على ذلك وقوله وَلقول: لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن
يضعها حتى يقاتل، وفيه: إني رأيت أني في درع حصينة. الحديث.
[عقد الألوية والمسير إلى أحد]
وعقد عليه السلام ثلاثة ألوية :
- لواء بيد أسيد بن حضير(١).
ـ ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن
عمير(٢).
ـ ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة.
وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد
ابن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة
محمد بن مسلمة.
وأدلج عليه السلام في السحر، وكان قد رد جماعة من المسلمين
(١) وهو لواء الأوس.
(٢) كان اللواء بيد علي ثم بيد مصعب لأنه وَلقر قال: من يحمل لواء المشركين؟
فقيل طلحة بن أبي طلحة، فقال: نحن أحق بالوفاء منهم فأخذه من علي
ودفعه إلى مصعب لأنه من بني عبد الدار.
- ٣٩٤ -
لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد
الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر (١).
وكان المسلمون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة
آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس
عشرة امرأة .
ونزل عليه السلام بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة
ممن تبعه من قومه من أهل النفاق. ويقال: إن النبي ◌َّ أمرهم
بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط، / وقيل بأحد.
٤٩/ب
[وصف المعسكرين]
ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة.
قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد،
وعلى میسرتها عكرمة بن أبي جهل.
وجعل وَلّر على الرماة - وهم خمسون رجلاً - عبد الله بن جبير،
وقال: إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى
أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى
أرسل إليكم. كذا في البخاري من حديث البراء.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أنه مَّ
أقامه في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا
وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا.
(١) أي النعمان بن بشير لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة.
- ٣٩٥ -
[أبو دجانة]
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله وَله: من يأخذ هذا السيف
بحقه، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة
سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في وجه
العدو حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه،
وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فلما رآه وَلهو يتبختر قال: إنها
لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
قال الزبير بن العوام(١) - فيما قاله ابن هشام(٢) - فقلت والله
لأنظرن ما يصنع أبو دجانة. فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء فعصب بها
رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول:
ونحن بالسفح لدى النخيل
أنا الذي عاهدني خليلي
ألا أقوم الدهر في الكيّول أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحداً من المشركين إلى قتله.
وقوله: في الكيول - بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية - مؤخر
الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلاً إذا كبا ولم يخرج
ناراً، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو
عبيدة(٣): ولم يسمع إلا في هذا الحديث.
(١) طلب الزبير هذا السيف ثلاث مرات فأمسكه وهلتر عنه .. كما عند ابن
راهويه، ولذلك أحب أن يعرف صنع أبي دجانة .
(٢) عبد الملك بن هشام الحميري، وأصله من البصرة، العلامة في النسب
والنحو، المشهور بحمل العلم، مهذب سيرة ابن إسحاق التي رواها عن
زياد البكائي عنه. المتوفى بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين.
(٣) في (أ، د): أبو عبيد وهو خطأ.
=
- ٣٩٦ -
[انتصار المسلمين]
وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن
هاشم بن عبد مناف.
والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله
فقال ◌َله: إن حنظلة لتغسله الملائكة، فسألوا امرأته جميلة أخت عبدالله
ابن أبي فقالت: خرج وهو جنب فقال عليه السلام: لذلك غسلته
الملائكة .
وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان
جنباً .
وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين، ثم حمل
لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه ..
ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى
كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شيء،
ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا
ينهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم.
[نزول الرماة وتغير الموقف].
وفي البخاري: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أي
قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير:
أنسيتم ما قال لكم رسول الله وَله؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن
= وأبو عبيدة هو: معمر بن المثنى، ولد سنة اثنتي عشرة ومائة، ومات سنة
تسع ومائتين.
- ٣٩٧ -
من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين.
وفي حديث عائشة عند البخاري أيضاً: لما كان يوم أحد هزم
المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم، فرجعت
أولاهم فاجتلدت مع أخراهم.
وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا
١/٥٠ اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل / في
المسلمين بعضهم في بعض.
وفي رواية غيرهما (١): ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة
أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من
النفر الرماة فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير.
وفي البخاري: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل
من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فشد عليه فكان كأمس
الدابر، وكان وحشي كامناً تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحربته حتى
خرجت من بين وركيه فكان آخر العهد به. انتهى.
وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله وَلقر حتى قتل،
وكان الذي قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله وير فصاح ابن قمئة
إن محمداً قتل. ويقال كان ذلك أزب العقبة، ويقال: بل هو إبليس
لعنه الله تصور في صورة جعال.
وقال قائل: أي عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة
أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضاً وهم لا يشعرون،
(١) أي رواية ابن سعد.
- ٣٩٨ -
وانهزمت طائفة منهم جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل.
قال موسى بن عقبة: ولما فقد عليه السلام، قال رجل منهم: إن
رسول الله وَلير قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم
فيقتلوكم، فإنهم داخلو البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله
وَ لي قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا
الله عز وجل شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند
رسول الله وَلقر سعد بن معاذ.
قال في ((عيون الأثر)): كذا وقع في هذا الخبر: أنس بن مالك،
وإنما هو أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى(١).
وثبت رسول الله وَلقر حتى انكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه
أربعة عشر رجلاً، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق،
وسبعة من الأنصار.
وفي البخاري: لم يبق معه عليه الصلاة والسلام إلا اثنا عشر
رجلاً. فأصابوا منا سبعين، وكان بَّ وأصحابه أصاب من المشركين
يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً.
[جراح النبي {َلِ*]
فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبي
وَ﴿ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم
(١) كان عمر أنس بن مالك يوم أحد ثلاث عشرة سنة، وإن صح أنه حضر
فإنما حضر لخدمة النبي وَلهر. فالكلمة من قول أنس بن النضر رضي الله
عنهم جميعا.
- ٣٩٩ -
قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال:
أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله،
إن الذين عددت لأحياء كلهم، وبقي لك ما يسوؤك، قال: يوم
بيوم، والحرب سجال(١).
وتوجه وَل﴾ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه
فأدموه وكسروا رباعيته، والذي جرح وجهه عبد الله بن قمئة، وعتبة
ابن أبي وقاص أخو سعد هو الذي كسر رباعيته، ومن ثم لم يولد من
نسله ولد يبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهثم - أي مكسور الثنايا من
أصلها - يعرف ذلك في عقبه(٢).
وقال ابن هشام؛ في حديث أبي سعيد الخدري: إن عتبة بن أبي
وقاص رمى رسول الله وَلقر يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح
شفته السفلى، وأن عبدالله بن هشام الزهري شجه في جبهته، وأن
ابن قمئة جرح وجنته فدخلت خلقتان من المغفر في وجنته، ووقع وَّ
٥٠/ب في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق / يكيد بها المسلمين.
وفي رواية: وهشموا البيضة على رأسه - أي كسروا الخوذة -
ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو
عامر، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى
قائماً، ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن
(١) قال الحافظ ابن حجر: في الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي واله
وخصوصيتهما به، بحيث كان أعداؤهم لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو
سفيان عن غيرهما، ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أن
قيام الإسلام بهم.
(٢) ذكره السهيلي في الروض.
- ٤٠٠ -