النص المفهرس

صفحات 361-380

وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة
الرجال على خيل بلق، عليهم ثياب بيض، وعلى رؤوسهم عمائم
بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم،
وقال ابن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض،
ويوم حنين: عمائم خضر.
وعن علي: كانت سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض،
وكانت سيماهم أيضاً في نواصي خيلهم. رواه ابن أبي حاتم.
وروى ابن مردويه عن ابن عباس رفعه، في قوله تعالى:
﴿مسومين﴾ قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود
ويوم حنين عمائم خضر (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الزبير: أن الملائكة نزلت وعليهم
عمائم صفر.
[مشاركة الملائكة في القتال]
قيل: ولم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون
فيما سواه عدداً ومدداً، وبذلك صرح العماد بن كثير في تفسيره فقال:
المعروف من قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، ثم روى عن ابن عباس
قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر(٢).
وقال ابن مرزوق: ولم تكن تقاتل في غيرها بل يحضرون خاصة
على المختار من الأقوال عند بعضهم.
(١) في سنده عبد القدوس بن حبيب، وهو متروك.
(٢) تفسير ابن كثير عند الآية ١٢٤ من سورة آل عمران.
- ٣٦١ -

وفي نهاية البيان في تفسير القرآن عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويوم
حنين إذا أعجبتكم كثرتكم﴾ وهل قاتلت الملائكة يومئذ أم لا؟ فيه
قولان: أحدهما - وهو قول الجمهور - أنها لم تقاتل، انتهى.
وهذا يرده حديث مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص
أنه رأى عن يمين رسول الله وَلّ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما
ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد - يعني جبريل وميكائيل عليهما
الصلاة والسلام - يقاتلان كأشد القتال(١).
قال النووي: فيه بيان إكرامه وَلَه بإنزال الملائكة تقاتل معه،
وبيان أن قتالهم لم يختص بيوم بدر. قال: وهذا هو الصواب خلافاً لمن
زعم اختصاصه، فهذا صريح في الرد عليه. وفيه أن رؤية الملائكة لا
تختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل يراهم الصحابة والأولياء.
انتھی .
[قتلى الملائكة]
قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل
الآدميون، فعلمهم الله تعالى بقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ أي
الرؤوس ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ قال ابن عطية: كل مفصل.
قال السهيلي: جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلا في
رأس أو مفصل، وكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود في
الأعناق والبنان .
وعن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت
(١) رواه مسلم برقم ٤٧ من كتاب الفضائل.
- ٣٦٢ -

أنا وابن عم لي حتى صعدنا على جبل يشرف على بدر - ونحن
مشركان - ننظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننهب مع من ينهب،
فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلاً
يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه في
الحال. وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت. رواه البيهقي وأبو
نعيم(١).
والدبرة : - بسكون الموحدة - الهزيمة في القتال.
وحيزوم: اسم فرس جبريل. قاله في القاموس.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيتنا
يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده
قبل أن يصل إليه السيف. رواه الحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم.
[الحكمة في قتال الملائكة]
قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال
الملائكة / مع النبي وَ لّ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة ١/٤٤
من جناحه .
فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وَلّ وأصحابه،
وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش، رعاية لصور الأسباب
[وسنتها](٢) التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع انتهى.
[ولكن الله رمی]
ولما التقى الجمعان، تناول رسول الله - كفاً من الحصباء،
(١) وكذا ابن إسحاق .
(٢) في ش.
- ٣٦٣ -

فرمى به في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا دخل
في عينيه ومنخريه منها شيء فانهزموا وقتل الله من قتل من صنادید
قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ
رميت ولكن الله رمى﴾(١) قال: هذا يوم بدر، أخذ وَالر ثلاث
حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم،
وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه فانهزموا.
وقد روي عن غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رميه رَله يوم
بدر، وإن كان فعل ذلك يوم حنين أيضاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد اعتقد جماعة: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه،
وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلاً في الجبر، وإبطال نسبة
الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده !!
وهذا غلط منهم في فهم القرآن، ولو صح ذلك لوجب طرده،
فيقال: ما صليت إذا صليت، ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا
إذ فعلت ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد
طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق، وإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله
جميعها، أو برميه وحده ناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه
وَالر مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال،
(١) سورة الأنفال. الآية ١٧.
- ٣٦٤ -

فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال
الذي هو نهايته.
ونظير هذا في الآية نفسها قوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله
قتلهم﴾ ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ فأخبر أنه
تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن
برسوله وَير، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسباباً تظهر
للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتال والنصر مضافاً إليه وبه وهو
خير الناصرين.
[معجزتان]
قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر
بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله وَالر فأعطاه جذلاً من
حطب فقال له قاتل به، فهزه فعاد في يده سيفاً طويل القامة، شديد
المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان
ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع
رسول الله وَله حتى قتل وهو عنده.
وجاءه عليه الصلاة والسلام يومئذ - فيما ذكره القاضي عياض
عن ابن وهب(١) - معاذ بن عمرو(٢) يحمل يده، ضربه عكرمة عليها
فتعلقت بجلدة، فبصق وص لي عليها فلصقت. قال ابن إسحاق: ثم عاش
بعد ذلك حتی کان زمن عثمان.
(١) عبد الله بن وهب الفهري - مولاهم - الحافظ الإمام الزاهد، من أجلة
الناس وثقاتهم، ورجال الجميع، مات سنة سبع وتسعين ومائة.
(٢) الذي في ((الشفاء)): معوذ بن عفراء.
- ٣٦٥ -

[أمام القليب]
وعن عروة بن الزبير، عن عائشة: لما أمر و # بالقتلى أن
يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه
انتفخ في درعه فملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
وإنما ألقوا في القليب ولم يدفنوا، لأنه عليه الصلاة والسلام كره
٤٤/ب أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم، / فكان
جرهم إلى القليب أيسر عليهم(١).
وفي الطبراني عن أنس بن مالك قال: أنشأ [عمر بن الخطاب
يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله * كان يرينا مصارع أهل
بدر بالأمس من بدر،](٢) يقول: هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله،
قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حدها وَّر، حتى
انتهى إليهم فقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان
ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟! فإني وجدت ما
وعدني الله حقاً.
(١) جاء في (ط) وكذلك على هامش الأصل بعد هذه الفقرة ما يأتي: وفي
مختصر الروضة للحجازي: وتحرم الصلاة على الكافر ولا يجب على المسلم
غسله، ويجوز، وقريبه الكافر أولى، ويجب علينا تكفين الذمي ودفنه، لا
حربي ومرتد، بل يجوز إغراء الكلاب عليه، فإن دفن فلئلا يتأذى بريحه.
اهـ.
(٢) ما بين القوسين في ش، ومكانه في النسخ: [رسول الله وَ لقر يحدثنا عن أهل
بدر]. قال الشارح: في أكثر النسخ ما ظاهره أن الحديث من مسند أنس
والذي في الطبراني ما ذكرناه وتلك النسخ فيها سقط يدل عليه قوله: قال
عمر.
-٣٦٦ -

وفي رواية(١) فنادى: يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة، ويا
أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام .. ، وفي بعضه نظر، لأن أمية
ابن خلف لم يكن في القليب لأنه كان - كما تقدم - ضخماً وانتفخ فألقوا
عليه من الحجارة والتراب ما غيبه. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريباً من
القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم.
وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه وَالغير قال: يا
أهل القليب، بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس.
فقال عمر رضي الله عنه(٢): يا رسول الله، كيف تكلم أجساداً
لا روح فيها، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا
يستطيعون أن يردوا شيئاً.
[رأي عائشة في سماع أهل القليب]
وتأولت عائشة ذلك فقالت: إنما أراد النبي ◌َّ: إنهم الآن
ليعلمون أن الذي أقول لهم حق. ثم قرأت ﴿إنك لا تسمع الموق﴾
الآية(٣)، فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقاً، لقولها: إنهم
الآن ليعلمون.
وقال قتادة: أحياهم الله تعالى توبيخاً وتصغيراً، ونقمة وحسرة.
وفيه رد على من أنكر أنهم يسمعون، كما روي عن عائشة رضي
الله عنها.
(١) أخرجها ابن إسحاق وأحمد ومسلم وغيرهم عن أنس.
(٢) قول عمر هذا تتمة رواية الطبراني عن أنس، وقد جاءت رواية ابن إسحاق
والتي قبلها معترضة بين قسمي الحديث.
(٣) سورة النمل. الآية ٨٠ .
- ٣٦٧ -

ومن الغريب، أن في المغازي - لابن إسحاق - من رواية يونس
ابن بكير، بإسناد جيد عن عائشة حديثاً وفيه: ما أنتم بأسمع لما أقول
منهم. وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظاً فكأنها
رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها
لم تشهد القصة.
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة
الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل
إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو
استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن، لأن
قوله تعالى: ﴿إِنك لا تسمع الموق﴾ لا ينافي قوله عليه السلام: إنهم
الآن ليسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن
السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي مط#
بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت
ذلك فلا ینافي رواية يسمعون بل يؤيدها.
وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق
العادة بذلك لنبيه و﴿ لقول الصحابة له: أتخاطب أقواماً قد جيفوا؟!
فأجابهم بما أجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين
جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رؤوسهم إذا قلنا إن الروح
تعاد إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة، وهو قول أكثر أهل السنة،
وإما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى
الروح من غير رجوع إلى الجسد أو إلى بعضه.
قال: وقد روي عن عائشة أنها احتجت بقوله تعالى: ﴿وما أنت
- ٣٦٨ -

بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير﴾(١) وهذه الآية كقوله تعالى:
﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي﴾(٢) أي إن الله هو الذي يهدي
ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت. وجعل الكفار أمواتاً
وصماً على جهة التشبيه / بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم ١/٤٥
على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه ولا أحد، فإذاً لا تعلق بالآية من
وجهین :
أحدهما: أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.
الثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق
الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء
قدير. انتهى ولقد أحسن العلامة ابن جابر(٣) حيث قال:
كواكب في أفق الكواكب تنجلي
بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله
فلم تغن أعداد العدو المخذل
وجبريل في جند الملائك دونه
فشردهم مثل النعام المجفل (٤)
رمى بالحصى في أوجه القوم رمية
فجاد له بالنفس كل مجندل
وجاد لهم بالمشرفي فسلموا
حديثهم في ذلك اليوم من علي
عبيدة سل عنهم وحمزة واستمع
فذاق الوليد الموت ليس له ولي
فهم عتبوا بالسيف عتبة إذ غدا
وشيبة لما شاب خوفاً تبادرت
إليه العوالي بالخضاب المعجل
(١) سورة فاطر. الآية (٢٢).
(٢) سورة الزخرف. الآية (٤٠).
(٣) محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية. أبو
عبدالله الشهير بالأعمى والبصير.
(٤) كذا في (ط، د) وفي بقية النسخ: بمجهل.
- ٣٦٩ -

غداة تردى بالردى عن تذلل
وجال أبو جهل فحقق جهله
فأضحى قليباً في القليب وقومه
وجاء لهم خير الأنام موبخاً
وأخبرما أنتم بأسمع منهم
سلا عنهم يوم السلا إذا تضاحكوا
يؤمونه فيها إلى شر منهل
ففتح من أسماعهم كل مقفل
ولكنهم لا يهتدون لمقول
فعاد بكاء عاجلاً لم يؤجل
ولكنهم لا يرجعون لمعقل
ألم يعلموا علم اليقين بصدقه
وحبك ذخري في الحساب وموثلي
فيا خير خلق الله جاهك ملجئي
عليك صلاة يشمل الآل عرفها وأصحابك الأخيار أهل التفضل
[خبر وقصة]
وحكى العلامة ابن مرزوق أن ابن عمر رضي الله عنهما مر مرة
ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فلما اجتاز به ناداه: يا عبد الله، قال ابن
عمر، رضي الله عنهما: فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن
يجهل اسمه يا عبد الله، فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن
أفعل، فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من
المشركين الذين قتلهم رسول الله وَله ببدر. ورواه الطبراني في
الأوسط(١) .
قال: ومن آيات بدر الباقية، ما كنت أسمعه من غير واحد من
(١) هذه الجملة في (1) و(ط) قال الشارح: ورواه ابن أبي الدنيا وابن منده
وغيرهم عن ابن عمر .. وفيه: فأتيت النبي ◌َلّ مسرعاً فأخبرته بذلك فقال
لي قد رأيته قلت نعم قال: ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم
القيامة .
- ٣٧٠ -

الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون كهيئة طبل ملوك
الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك،
وربما تأولته بأن الموضع لعله صلب فتستجيب فيه حوافر الدواب،
فكان يقال لي: إنه دهس رمل غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل
وأخفافها لا تصوت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟ قال ثم لما منَّ
الله علي بالوصول إلى ذلك الموضع المشرف، نزلت عن الراحلة أمشي
وبيدي عود طويل من شجر السعدان المسمى بأم غيلان، وقد نسيت
ذلك الخبر الذي كنت أسمع، فما راعني وأنا أسير في الهاجرة إلا
وواحد من عبيد الأعراب الجمالين يقول: أتسمعون الطبل، فأخذتني -
لما سمعت كلامه - قشعريرة بينة وتذكرت ما كنت أخبرت به، وكان
في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل، وأنا دهش مما أصابني من
الفرح أو الهيبة، أو ما الله / أعلم به، فشككت، وقلت: لعل الريح ٤٥/ب
سكنت في هذا العود الذي في يدي وحدث مثل هذا الصوت، وأنا
حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من
يدي، وجلست على الأرض، أو وثبت قائماً، أو فعلت جميع ذلك،
فسمعت صوت الطبل سماعاً محققاً، أو صوتاً لا أشك فيه أنه صوت
طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرفة، ثم
نزلنا إلى بدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة.
قال: لقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس اهـ.
[أمر الأسرى]
وروى الطبراني من حديث أبي اليسر (١)، أنه أسر العباس، وقيل
(١) كعب بن عمرو الأنصاري السلمي، شهد العقبة وبدراً والمشاهد، ومات
سنة خمس وخمسين بالمدينة.
- ٣٧١ -

للعباس - وكان جسيماً - كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت
لجعلته في كفك، فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخدمة -
وهي بالخاء المعجمة - جبل من جبال مكة، قاله في القاموس.
ولما ولي عمر بن الخطاب وثاق الأسرى شد وثاق العباس،
فسمعه النبي ◌َّر وهو يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار، فأطلقوا
العباس، فكأن الأنصار فهموا رضى رسول الله وَله بفك وثاقه،
وسألوه أن يتركوا له الفداء طلباً لتمام رضاه فلم يجبهم.
وفي حديث أنس عند الإمام أحمد: استشار ◌َّر الناس في
الأسرى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن
الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه
السلام، ثم عاد ◌َلّ فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم.
فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه
السلام، فعل ذلك ثلاثاً، فقام أبو بكر فقال يا رسول الله، أرى أن
تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فذهب من وجه رسول الله وَالتر ما
كان فيه من الغم، فعفا وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله ﴿لولا
كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم
حلالاً طيباً) الآية. ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة
الشبهات من الآيات المشكلات من المقصد السادس إن شاء الله
تعالى.
وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس أنه ﴿ 18 قال: يا
عباس، افد نفسك وابني أخيك، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن
الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو. قال إني كنت مسلماً ولكن القوم
استكرهوني. قال: الله تعالى أعلم بما تقول، إن يكن ما تقول حقاً
- ٣٧٢ -

فإن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا.
وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم كان أربعين أوقية ذهباً.
وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس
أنه جعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس:
أللقرابة صنعت هذا؟ فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم
من الأسرى إن يعلم﴾(١) الآية. فقال العباس: وددت لو أخذ مني
أضعافها لقوله تعالى: ﴿يؤتكم خيراً مما أخذ منكم﴾.
[شهداء المسلمين]
وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلاً: ستة
من المهاجرين(٢)، وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج(٣)، واثنان من
الأوس (٤).
تنبيه: لا يقدح في وعد الله أن استشهد هؤلاء الصحابة رضي
الله عنهم، وإنما هذا الوعد كقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون
بالله﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٥)، فقد
(١) سورة الأنفال. الآية ٧٠ .
(٢) هم: عبيدة بن الحارث، ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقاص أخو
سعد بن أبي وقاص، وعاقل بن البكير الليثي، وصفوان بن بيضاء الفهري
وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.
(٣) وهم: عوف بن عفراء، وشقيقه معوذ بن عفراء، وحارثة بن سراقة، ويزيد
ابن الحارث ورافع بن المعلى، وعمير بن الحمام.
(٤) هما: سعد بن خيثمة أحد النقباء بالعقبة، ومبشر بن عبد المنذر.
(٥) سورة التوبة. الآية ٢٩.
- ٣٧٣ -

نجز الموعود وغلبوا كما وعدوا، فكان وعد الله مفعولاً ونصره للمؤمنين
ناجزاً والحمد لله .
[قتلى المشركين وأسراهم]
وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون(١)، وكان من أفضلهم
العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن
عبد المطلب، وكل أسلم.
[إسلام العباس]
وكان العباس رضي الله عنه - فيما قاله أهل العلم بالتاريخ - قد
أسلم قديماً، وكان يكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال
النبي ◌َّ: من لقي العباس فلا يقتله، فإنه خرج مستكرهاً، ففادى
نفسه ورجع إلى مكة.
وقيل إنه أسلم يوم بدر، فاستقبل النبي ◌َّر يوم الفتح بالأبواء،
وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة.
وقیل أسلم يوم فتح خيبر.
وقيل كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة (٢)، وكان إسلامه
قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى النبي بَّه، وكان يحب
القدوم على رسول الله وَله، فكتب إليه عليه الصلاة والسلام: إن
مقامك بمكة خير لك.
(١) في البخاري أنه ◌َ ◌ّ قال في أسرى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم
كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له).
(٢) قوله أظهره يوم فتح مكة فيه نظر، فقد اتجه العباس مهاجراً إلى المدينة قبل
فتح مكة، وهجرته إعلان عن إسلامه.
- ٣٧٤ -

وقيل إن سبب إسلامه، أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب
ليطعم بها المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي وَلّ أن
يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأبى وقال: أما شيء خرجت تستعين
به علينا فلا نتركه لك، فقال العباس تركتني أتكفف قريشاً، فقال له
وَالير: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من
مكة، فقال العباس: وما يدريك؟ فقال: أخبرني ربي، فقال: أشهد
أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه أحد إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله
إلا الله وأنك عبده ورسوله.
[بشارة النصر ودفن رقية]
ولما فرغ ◌َ من بدر في آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث
زيدبن حارثة بشيراً فوصل المدينة ضحى، وقد نفضوا أيديهم من
تراب رقية بنت رسول الله وَلتر، وهذا هو الصحيح في وفاة رقية.
وقد روي أنه ◌َّر شهد دفن بنته رقية، فقعد على قبرها ودمعت
عيناه، وقال: أيكم لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزلها
قبرها .
وأنكر البخاري هذه الرواية، وخرج الحديث في الصحيح فقال
فيه: عن أنس: شهدنا دفن بنت رسول الله و 18 وذكر الحديث ولم
يسم رقية ولا غيرها.
وذكر الطبراني(١) أنها أم كلثوم فحصل في حديث الطبراني
التبيين. ومن قال: كانت رقية فقد وهم.
(١) في ش: الطبري. وقال: وكذا الطحاوي والواقدي وابن سعد والدولابي.
- ٣٧٥ -

وكان عثمان قد تخلف لأجل رقية زوجته فضرب له رسول الله
وَل بسهمه وأجره.
[في الطريق إلى المدينة]
وأمر ◌َّ عند انصرافه عاصم بن ثابت - وهو جد عاصم بن
عمر بن الخطاب - بقتل عقبة بن أبي معيط، فقتله صبراً.
ثم أقبل عليه السلام قافلاً إلى المدينة ومعه الأسرى من
المشركين، واحتمل النفل الذي أصيب منهم، وجعل عليه عبد الله بن
كعب من بني مازن. فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين
المسلمين على السواء.
وأمر علياً بالصفراء بقتل النضر بن الحارث.
ثم مضى وقلة حتى قدم المدينة قبل الأسرى بيوم. فلما قدموا
فرقهم بين أصحابه وقال: استوصوا بهم خيراً.
[الحكم الفقهي في الأسرى]
وقد استقر الحكم في الأسرى عند الجمهور من العلماء: أن
الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل كما فعل وَلَّ ببني قريظة، وإن شاء
فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، وإن شاء استرق من أسر. هذا
مذهب الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف مقرر في كتب
الفقه والله أعلم.
[خبر النصر في مكة]
ولما قدم أبو سفيان بن الحارث من بدر لمكة، سأله أبو لهب عن
خبر قريش. فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا
- ٣٧٦ -

يقتلوننا کیف شاؤوا، ویأسروننا کیف شاؤوا، وأيم الله ـ مع ذلك - ما
لمت الناس. لقينا رجالٌ بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله
لا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع - مولى رسول الله وسلم- وكان غلاماً للعباس بن عبد
المطلب / قال: وكان الإسلام قد دخلنا - فقلت: والله تلك الملائكة. ٤٦/ب
فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة، فقامت أم الفضل إلى
عمود فضربت به في رأس أبي لهب وقالت: استضعفته أن غاب عنه
سیده .
قال: فوالله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله بالعدسة،
وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها. وقيل إنها تعدي أشد العدوى،
فتباعد عنه بنوه حتى قتله الله، وبقي بعد موته ثلاثاً لا تقرب جنازته
ولا يحاول دفنه. فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في
حفرته، وقذفوا بالحجارة من بعيد حتى واروه.
وقال ابن عقبة: أقام النوح على قتلى قريش شهراً.
- ٣٧٧ -

[ الأحداث بين بدر وأحد ]
[قتل عمير عصماء]
ثم سرية عمير بن عدي الخطمي، وكانت لخمس ليال بقين من
رمضان، على رأس تسعة عشر شهراً من الهجرة، إلى عصماء بنت
مروان(١) - زوج يزيد بن زيد الخطمي - وكانت تعيب الإسلام،
وتؤذي رسول الله وَ ل هر، فجاءها ليلاً، وكان أعمى، فدخل عليها
بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فجسها بيده،
ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنقذه من
ظهرها. ثم صلى الصبح معه ◌َّر بالمدينة وأخبره بذلك، فقال: لا
ينتطح فيها عنزان، أي لا يعارض فيها معارض ولا يسأل عنها فإنها هدر(٢).
قالوا: وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ، الذي لم يسبق إليه
وَر، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى.
[صلاة عيد الفطر]
وفي أول شوال صلى صلاة الفطر(٣).
(١) امرأة يهودية.
(٢) وسبب ذلك - كما ذكر ابن سعد - أنه لما كان ◌َ لهر في بدر قالت في الإسلام
وأهله أبياتاً فسمعها عمير بن عدي ،فنذر إذا رد الله رسوله من بدر سالماً ليقتلنها.
(٣) قال الشارح: وهذا يعطي مع ما مر، أنه صلاها ببدر.
-٣٧٨ -

[غزوة بني سليم بالكدر]
وفي أول شوال أيضاً - وقيل بعد بدر بسبعة أيام، وقيل في
نصف المحرم سنة ثلاث - خرج نَّه يريد بني سليم. فبلغ ماء يقال
له الكدر، وتعرف بغزوة قرقرة، وهي أرض ملساء.
والكدر: طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع.
فأقام بها عليه السلام ثلاثاً، وقيل عشراً، فلم يلق أحداً.
وكانت غيبته وَل خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن
عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم. وحمل اللواء علي بن أبي طالب.
وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق.
[قتل أبي عفك اليهودي]
ثم سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي - وكان شيخاً
كبيراً، قد بلغ عشرين ومائة سنة - وكان يحرض على النبي وَّ،
ويقول فيه الشعر، فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد
عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله أبو عفك، فثار(١) إليه
أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله فقتل(٢).
وكانت هذه السرية في شوال على رأس عشرين شهراً من
الهجرة .
(١) في (ط، د): ثاب.
(٢) أي مات، وسببها - كما عند ابن سعد وغيره - أنه كان يهجو النبي وَله،
فقال عليه السلام: من لي بهذا الخبيث، فقال سالم: علي نذر أن أقتل أبا
عفك أو أموت دونه.
- ٣٧٩ -

[ غزوة بني قينقاع]
ثم غزوة بني قينقاع - بتثليث النون، والضم أشهر - بطن من
يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر.
وكانت يوم السبت نصف شوال، على رأس عشرين شهراً من
الهجرة .
وقد كانت الكفار بعد الهجرة مع النبي وَير على ثلاثة أقسام:
• قسم وادعهم وَلّر على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه
وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبنو قينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.
• وقسم تاركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من
العرب. فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة. وبالعكس
كبني بكر. ومنهم من كان معه ظاهراً ومع عدوه باطناً، وهم
المنافقون .
وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم وَلـ
في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر.
وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير
١/٤٧ كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك، لأن إجلاء بني النضير/ كان
بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على
قول ابن إسحاق.
وكان من أمر بني قينقاع، أن امرأة من العرب جلست إلى
صائغ یهودي، فراودها علی کشف وجهها، فأبت فعمد إلى طرف ثوبها
- ٣٨٠ -