النص المفهرس

صفحات 341-360

المدينة، فخرج ◌َّهر في طلبه حتى بلغ سفوان - بفتح المهملة والفاء -
موضع من ناحية بدر، ففاته كرز بن جابر. وتسمى بدراً الأولى.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل
اللواء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
[سرية عبد الله بن جحش]
ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش(١) في رجب على رأس
سبعة عشر شهراً، وكان معه ثمانية - وقيل اثنا عشر - من المهاجرين،
إلى نخلة على ليلة من مكة، في رجب يترصد قريشاً، فمرت بهم
عيرهم تحمل زبيباً وأدماً من الطائف، فيها عمرو بن الحضرمي،
فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، فإن قتلناهم
هتكنا حرمة الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على
قتلهم فقتلوا عمراً واستأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان،
وهرب من هرب، واستاقوا العير، وكانت أول غنيمة في الإسلام،
فقسمها ابن جحش، وعزل الخمس من ذلك قبل أن يفرض، ويقال:
بل قدموا بالغنيمة كلها.
فقال النبي وَّر: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأخر
الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها.
وتكلمت قريش: إن محمداً سفك الدماء، وأخذ المال في الشهر
الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه .. ﴾
(١) قال اليعمري: سمي في هذه السرية أمير المؤمنين، وقال غيره: سماه وَّخـ
أمير المؤمنين فهو أول من تسمى به في الإسلام.
- ٣٤١ -

الآية(١). وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش:
تعدون قتلاً في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى ذاك راشد
وكفر به والله راء وشاهد
صدودكم عما يقول محمد
بنخلة لما أوقد الحرب واقد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا
وبعثت قريش إلى رسول الله وَ لير في فداء الأسيرين، وهما:
عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، ففاداهما رسول الله وَالت. فأما
الحكم فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله مَ ل حتى قتل يوم
بئر معونة شهيداً، وأما عثمان فلحق بمكة فمات بها كافراً.
(١) سورة البقرة. الآية ٢١٧ .
- ٣٤٢ -

[ تحويل القبلة ]
ثم حولت القبلة إلى الكعبة، وكان رسول الله وَيهر يصلي إلى
بيت المقدس بالمدينة ستة عشر شهراً(١).
وقيل سبعة عشر(٢)، وقيل ثمانية عشر شهراً(٣).
وقال الحربي: قدم وَلّ المدينة في ربيع الأول، فصلى إلى بيت
المقدس تمام السنة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر. ثم حولت القبلة.
وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في
نصف شعبان، وقيل يوم الإثنين نصف رجب.
وظاهر حديث البراء في البخاري: أنها كانت صلاة العصر.
ووقع عند النسائي من رواية سعيد بن المعلى: أنها الظهر.
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم
الثاني، كما في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في
صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله وَ لل قد أمر أن
(١) كما رواه مسلم برقم (٥٢٥) وكذا النسائي.
(٢) كما عند البزار والطبراني.
(٣) كما رواه ابن ماجه. قال الحافظ: وهو شاذ.
- ٣٤٣ -

يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى
الكعبة(١).
وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به،
وإن تقدم نزوله، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء والله
أعلم.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما هاجر رَلال إلى
المدينة، واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن
يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهراً،
١/٤١ وكان ◌َ﴿ يجب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر/ إلى
السماء فنزلت الآية.
قال في فتح الباري وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال
بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة. لكن أخرج أحمد من
وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ◌َيُ يصلي بمكة نحو
بيت المقدس، والكعبة بين يديه، قال: والجمع بينهما ممكن: بأن يكون
أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
وأخرج الطبري أيضاً من طريق ابن جريج قال: صلى النبي ◌َّ
أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى
ثلاث حجج، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر
شهراً، ثم وجهه الله إلى الكعبة.
وقوله في حديث ابن عباس الأول: ((أمره الله تعالى)) يرد قول من
قال: إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
(١) رواه البخاري برقم ٤٠٣ ومسلم برقم ٥٢٦.
- ٣٤٤ -

وعن أبي العالية: أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل
الكتاب. وهذا لا ينفي أن يكون بتوقيف.
[مسجد القبلتين]
واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه:
فعند ابن سعد في الطبقات: أنه صلى ركعتين من الظهر في
مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه
ودار معه المسلمون.
ويقال: إنه ◌َ*ل زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة،
فصنعت له طعاماً، وكانت الظهر، فصلى عليه الصلاة والسلام
بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار، إلى الكعبة، واستقبل الميزاب(١)،
فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد قال الواقدي: هذا عندنا
أثبت .
[موقف اليهود والمنافقين]
ولما حول الله تعالى القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين
والكفار واليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وشك، وقالوا: ما ولاهم عن
قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة
يستقبلون كذا، فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قل الله المشرق والمغرب﴾
أي الحكم والتصرف، والأمر كله لله، فحيثما توجهنا فالطاعة في امتثال
أمره، ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة فنحن عبيده، وفي
تصریفه وخدامہ حیثما وجهنا توجهنا.
(١) هذه الجملة ليست في ش.
- ٣٤٥ -

ولله تعالى بنبينا عليه السلام وبأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى
قبلة خليله، قال عليه السلام فيما رواه أحمد من حديث عائشة رضي
الله عنها: إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم
الجمعة، التي هدانا الله إليها وضلوا عنها. وعلى القبلة التي هدانا الله
إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين(١).
[أجوبة قرآنية]
وقال بعض المؤمنين: فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت
المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟
فأنزل الله ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(٢).
وقيل قال اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه، وهو يريد أن يرضي
قومه، ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن
يأتي. فأنزل الله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق
من ربهم﴾(٣) يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة
وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله سيوجهك إليها بما في
کتبهم عن أنبيائهم.
[فرض رمضان وزكاة الفطر]
ثم فرض صيام شهر رمضان، بعدما حولت القبلة إلى الكعبة
بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدمه والتر.
وزكاة الفطر قبل العيد بيومين: أن يخرج عن الصغير والكبير
(١) المسند ١٣٥/٦.
(٢) سورة البقرة ١٤٣ .
(٣) سورة البقرة ١٤٤.
- ٣٤٦ -

والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو
صاع من شعير أو صاع من بر، وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال.
وقيل إن زكاة الأموال فرضت فيها، وقيل: قبل الهجرة والله أعلم.
- ٣٤٧ -

[ غزوة بدر الكبرى ]
ثم غزوة بدر الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية، وبدر القتال.
/ب
وهي قرية مشهورة، نسبت إلى بدر بن يخلد(١) بن النضر / بن
كنانة، كان نزلها، وقيل: بدر بن الحارث، حافر بئرها، وقيل بدر
اسم البئر التي بها سميت لاستدارتها، أو لصفائها ورؤية البدر فيها.
[فضل غزوة بدر]
وقال ابن كثير: وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام
وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، وهذا مع قلة عدد المسلمين،
وكثرة العدو مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد، والعدة الكاملة،
والخيول المسومة، والخيلاء الزائدة، فأعز الله تعالى رسوله وأظهر وحيه
وتنزيله، وبيض وجه النبي وَ لاتر وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا
قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿ولقد نصركم الله
ببدر وأنتم أذلة﴾(٢) أي قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من
عند الله، لا بكثرة العدد والعدد. انتهى.
فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام، إذ منها كان
(١) في (ط، د): مخلد. وبين الشارح أن الصواب: يخلد.
(٢) سورة آل عمران. الآية ١٢٣.
- ٣٤٨ -

ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، ومن حين وقوعها أذل
الله الكفار، وأعز من حضرها من المسلمين، فهو عنده من الأبرار(١).
[معلومات عامة]
وكان خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، على
رأس تسعة عشر شهراً، ويقال: لثمان خلون منه. قاله ابن هشام.
واستخلف أبا لبابة الأنصاري(٢).
وخرج معه الأنصار، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه،
وكان عدة من خرج معه ثلاثمائة وخمسة، وثمانية لم يحضروها،
إنما ضرب لهم بسهمهم وأجرهم فكانوا كمن حضرها(٣).
وكان معهم ثلاثة أفراس: ((بعزجة)) فرس المقداد، و((العيسوب))
فرس الزبير وفرس لمرئد الغنوي، لم يكن لهم خيل يومئذ غير هذه،
وكان معهم سبعون بعيراً (٤).
(١) قال وَله: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت
لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم) رواه البخاري.
(٢) وقد رده من الروحاء.
(٣) وهم: عثمان بن عفان تخلف بسبب مرض زوجته رقية بنت رسول الله وَليه
وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد كانا في مهمة استطلاعية تتعلق بالغير
وأبو لبابة استخلفه ◌َّي على المدينة. وعاصم بن عدي على أهل العالية،
والحارث بن حاطب على بني عمرو بن عوف. والحارث بن الصمة وقع
أثناء الطريق فرد، وخوات بن جبير أصابه حجر في ساقه فرد من الصفراء.
(٤) روى ابن سعد عن ابن مسعود: كنا يوم بدر كل ثلاثة يعتقبون بعيراً.
وكان أبو لبابة - قبل رده إلى المدينة - وعلي مع رسول الله مصر فكان إذا =
- ٣٤٩ -

وكان المشركون ألفاً(١) ويقال: تسعمائة وخمسون رجلاً، معهم
مائة فرس، وسبعمائة بعير.
وكان قتالهم يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل
يوم الإثنين وقيل غير ذلك.
[سبب الغزوة]
وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال الله
تعالى: ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان
مفعولاً﴾ (٢).
وإنما قصد ◌َ﴿ والمسلمون التعرض لعير قريش. وذلك أن أبا
سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً منهم عمرو بن العاصي، فأقبلوا في
قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، حتى إذا كانوا قريباً من بدر، فبلغ
النبي ◌َ ◌ّ ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة
العدو، وقال: هذه عير لقريش فيها أموال فاخرجوا إليها، لعل الله أن
ینفلکموها.
فلما سمع أبو سفيان بسيره عليه السلام، استأجر ضمضم بن
عمرو الغفاري أن يأتي قريشاً بمكة، فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد
عرض لعيرهم في أصحابه.
فنهضوا في قريب من ألف ولم يتخلف أحد من أشراف قريش
= كانت عقبة النبي ◌َ* قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: ما أنتما بأقوى
مني على المشي وما أنا بأغنى عن الأجر منكما.
(١) كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس.
(٢) سورة الأنفال: الآية ٤٢.
- ٣٥٠ -

إلا أبا لهب، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة(١).
[الشورى]
وخرج رسول الله وَلي في أصحابه، حتى بلغ الروحاء، فأتاه
الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن غيرهم، فاستشار النبي وَيهو
الناس في طلب العير، أو حرب النفير، وقال: إن الله وعدكم إحدى
الطائفتين: إما العير وإما قريش. وكانت العير أحب إليهم.
فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن(٢).
ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أمرك
الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب
أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا
إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك الغماد - يعني
مدينة الحبشة - جالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له وَلجر: خيراً، ودعا له بخير. ثم قال ◌َطاهر: أيها الناس ١/٤٢
أشيروا علي، وإنما يريد الأنصار. لأنهم حين بايعوه / بالعقبة قالوا: يا
رسول الله إنا برآء من دمامك حتى تصل إلی دارنا، فإذا وصلت إلينا
فأنت في ذمامنا، منعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. وكان ◌َله
يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة
من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما
قال ذلك عليه الصلاة والسلام:
(١) هو أخو أبي جهل. كان عليه أربعة آلاف درهم لأبي لهب عجز عن أدائها
فاستأجره بها.
(٢) قال الشارح: لم أر من ذكر كلام أبي بكر، وذكر ابن عقبة وابن عائذ أن
عمر قال: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا =
- ٣٥١ -

قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال:
أجل .
قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق،
وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا
رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر
فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى
عدونا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك
منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى.
فسر عليه الصلاة والسلام بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال:
سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى
الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم. قال ثابت عن
أنس رضي الله عنه قال ◌َله: هذا مصرع فلان، ويضع يده على
الأرض، ها هنا وها هنا .. قال فما ماط أحدهم - أي ما تنحى - عن
موضع يده عليه الصلاة والسلام.
تنبيه: قال ابن سيد الناس في ((عيون الأثر)): روينا من طريق
مسلم أن الذي قال ذلك: سعد بن عبادة سيد الخزرج، وإنما يعرف
ذلك عن سعد بن معاذ، كذا رواه ابن إسحاق وغيره.
واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا، ولم يذكره ابن عقبة ولا
ابن إسحاق في البدريين، وذكره الواقدي والمدائني(١) وابن الكلبي
منهم انتهى.
= آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته.
(١) [المدائني] علي بن محمد، أبو الحسن، الأخباري، صاحب تصانيف، وثقة =
- ٣٥٢ -

[على أرض المعركة]
ثم ارتحل هل قريباً من بدر، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من
الوادي، ونزل المسلمون على كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر
الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه، وحفروا القلب
لأنفسهم(١).
وأصبح المسلمون بعضهم محدث وبعضهم جنب، وأصابهم
الظمأ، وهم لا يصلون إلى الماء، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال:
تزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله. وأنكم أولياء الله، وقد
غلبكم المشركون على الماء، وأنتم عطاش، وتصلون محدثين مجنبين،
وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ويذهب قواكم
فیتحکموا فیکم کیف شاؤوا.
فأرسل الله عليهم مطرأ سال منه الوادي، فشرب المسلمون
واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الركاب وملؤوا الأسقية، وأطفأ الغبار ولبد
الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام. وزالت عنهم وسوسة الشيطان،
وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء
ليطهركم به﴾ أي من الأحداث والجنابة ﴿ويذهب عنكم رجز
الشيطان﴾ أي وسوسته ﴿وليربط على قلوبكم) بالصبر ﴿ويثبت به
= ابن معين وقال ابن عدي ليس بالقوي. مات سنة أربع وخمسين ومائتين
عن ثلاث وتسعين سنة.
(١) القلب: جمع قليب، البئر قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها، فعلوا ذلك
ليجعلوا فيها الماء.
- ٣٥٣ -

الأقدام﴾(١) حتى لا تسوخ في الرمل، بتلبيد الأرض (٢).
وبني لرسول الله وَلقر عريش فكان فيه (٣).
[المبارزة قبل المعركة]
ثم خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن
عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج فتية من الأنصار وهم: عوف ومعاذ
ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وعبد الله بن رواحة. فقالوا من أنتم؟
فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا ما لنا بكم من حاجة.
ثم نادى منادیهم: يا محمد، أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال
(١) سورة الأنفال: الآية ١١.
(٢) قال ابن إسحاق: فخرج لي﴿ يبادرهم إلى الماء، حتى جاء أدنى ماء من بدر
فنزل به، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، هذا منزل أنزلكه الله لا
تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال: بل هو الرأي
والحرب والمكيدة، قال: فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي
أدنى ماء من القوم فتنزل فيه ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه
حوضاً فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون قال ◌َ له: أشرت بالرأي. وفعل عليه
السلام ما أشار به الحباب [سيرة ابن هشام ٦٢٠/١].
(٣) بني العريش بإشارة سعد بن معاذ إذ قال: يا رسول الله، ألا نبني لك
عريشاً، تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله
وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك
فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك
حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم
يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه و ﴿ خيراً ودعا له بخير. [سيرة
ابن هشام ٦٢٠/١].
والعريش شبه الخيمة يستظل به.
- ٣٥٤ -

*: قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي.
فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم؟ فتسموا لهم/، فقالوا: نعم ٤٢/ب
أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز
حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة.
فقتل علي الوليد. هكذا ذكره ابن إسحاق .
وعند موسى بن عقبة - كما نقله في فتح الباري - برز حمزة
لعتبة، وعبيدة لشيبة وعلي للوليد.
ثم اتفقا: فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختلف
عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال علي
وحمزة على الذي بارزه عبيدة فأعاناه على قتله.
وعند الحاكم، من طريق عبد خير عن علي: مثل قول موسى بن
عقبة .
وعند أبي الأسود عن عروة مثله.
وأورد ابن سعد من طريق عبيدة السلماني: أن شيبة لحمزة،
وعبيدة لعتبة، وعليا للوليد، ثم قال: الثبت أن عتبة لحمزة، وشيبة
لعبيدة .
وأخرج أبو داود عن علي قال: تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه،
فنادى: من يبارز فانتدب له شبان من الأنصار، فقال: من أنتم؟
فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول
الله ◌َله: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة، فأقبل حمزة إلى عتبة،
وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل
واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة.
- ٣٥٥ -

قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في
السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور هو اللائق بالمقام،
لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف علي والوليد فكانا
شابین.
وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: أعنت أنا وحمزة
عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي وَطّ علينا
ذلك. وهذا موافق لرواية أبي داود. والله أعلم. انتهى.
[استغاثة ودعاء]
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض.
ورسول الله و 18 في العريش ومعه أبو بكر، ليس معه فيه غيره،
وهو ◌َ* يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم إن تهلك هذه
العصابة من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبداً(١) .. وأبو بكر
يقول: يا رسول الله، خل بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك
ما وعدك.
وعند سعيد بن منصور (٢) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله وير إلى المشركين وتكاثرهم
(١) لفظ ابن إسحاق - الذي هو ناقل عنه - اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم
لا تعبد. وفي حديث عمر عند مسلم: اللهم إن تهلك هذه العصابة من
أهل الإسلام لا تعبد في الأرض وفي البخاري عن ابن عباس: اللهم إني
أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد.
(٢) الحافظ الثقة، أحد الأعلام، صاحب السنن، أخذ عن مالك والليث،
وعنه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات بمكة سنة سبع عشرين ومائتين.
- ٣٥٦ -

وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال
عليه السلام وهو في صلاته: اللهم لا تخذلني، اللهم أنشدك ما
وعدتني .
وروى النسائي والحاكم عن علي قال: قاتلت يوم بدر شيئاً من
قتال، ثم جئت فإذا رسول الله وَلقر يقول في سجوده: يا حي، يا
قیوم. فرجعت وقاتلت ثم جئت فوجدته كذلك.
وفي الصحيح: أن رسول الله وَ ل فر لما كان يوم بدر في العريش
مع الصديق، أخذت رسول الله وَّلل سنة من النوم ثم استيقظ متبسماً،
فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع ثم خرج من باب
العريش وهو يتلو ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾.
[أبو بكر والدعاء]
فإن قلت: كيف جعل أبو بكر يأمره عليه الصلاة والسلام
بالكف عن الاجتهاد في الدعاء ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول
** هو المقام الأحمد، ويقينه فوق يقين كل أحد؟
أجاب السهيلي نقلاً عن شيخه(١): بأن الصديق في تلك الساعة
كان في مقام الرجاء، / والنبي ◌ّلهم في مقام الخوف، لأن الله تعالى أن ١/٤٣
يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد الله في الأرض، فخوفه ذلك عبادة
انتھی .
وقال الخطابي: لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من
النبي ◌ّ في تلك الحالة، بل الحامل للنبي وَ لّ على ذلك شفقته على
(١) القاضي أبو بكر بن العربي.
- ٣٥٧ -

أصحابه وتقوية قلوبهم، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن
نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال
له أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو
بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقبه بقوله: سيهزم الجمع
[ويولون الدبر](١).
[وقال غيره](٢): وكان النبي وَّل في تلك الحالة في مقام
الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر
يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معيناً لتلك الواقعة، وإنما كان
مجملاً(٣). هذا هو الذي يظهر [من بادىء الرأي](٤).
وإنما قال ◌َله: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام
فلا تعبد بعد اليوم لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه
حينئذ، لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان.
وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه في الدعاء، فإنه
رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله
يخوضون غمرات الموت. والجهاد على ضربين جهاد بالسيف وجهاد
(١) زيادة في (د، ش).
(٢) في ش.
(٣) أقول: يمكن تفسير موقف أبي بكر: بأن شفقته على الرسول وَ القر حينما رآه
وقد انهمك في الدعاء حتى سقط الرداء عن منكبيه - كما في رواية مسلم
الآتية - هي التي دعته إلى قولته تلك التي تعني الرجاء والأمل .. وكذلك
كان موقف الصحابة رضي الله عنهم مثل قولهم: ((ليته سكت)) يوم كان
يحدثهم عن قول الزور، وإنما قالوا ذلك شفقة عليه وَله [المحقق].
(٤) في ش.
- ٣٥٨ -

بالدعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل معه، فكان
الكل في جهاد واجتهاد، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين
والجهادين(١) وأنصار الله وملائكته يجتهدون، ولا ليؤثر الدعة وحزب
الله مع أعدائه يجتلدون. انتهى (٢).
[شهود الملائكة غزوة بدر]
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب: (ما
كان يوم بدر نظر رسول الله بَيّ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه
ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً دخل العريش، فاستقبل القبلة ثم مد
يديه(٣)، وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني ... فما زال
يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه
فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك (٤)
مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذ
تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم﴾ مرسل إليكم مدداً لكم
﴿بألف من الملائكة مردفين﴾(٥) أي متتابعين بعضهم في إثر بعض.
(١) (والجهادين) لم ترد في (ط ش) .
(٢) قول السهيلي، وكلامه في الفقرة الأخيرة يسلم له لو بقي الرسول وصله طيلة
الوقت في الدعاء ولم يخرج لإدارة المعركة، ولكن النصوص تبين أنه لما رأى
جبريل على ثناياه النقع خرج من العريش وهو يتلو﴿سيهزم الجمع .. ﴾
ليقوم بإدارة المعركة .. فأمر أصحابه: علياً وحمزة والحارث بالخروج
للمبارزة .. ثم أوامره الأخرى .. وأدلة جهاده الأخرى تدل أنه ام لا يكون
في مقدمة الصفوف [المحقق].
(٣) كذا في مسلم وفي النسخ: ومد يده.
(٤) كذا في النسخ. والذي في مسلم ((كذاك)) وهي بمعناها .
(٥) رواه مسلم برقم ١٧٦٣ .
- ٣٥٩ -

وعلى قراءة فتح الدال معناه: أردف الله المسلمين وجاءهم بهم مدداً.
وفي الآية الأخرى ﴿بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ (١) فقيل
معناه: إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف. فكان الأكثر مدداً للأقل،
وكان الألف مردفين بمن وراءهم. والألف هم الذين قاتلوا مع
المؤمنين، وهم الذين قال لهم: ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ وكانوا في صور
الرجال، ويقولون للمؤمنين: اثبتوا فإن عدوكم قليل وإن الله معكم.
وقال الربيع بن أنس (٢): أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا
ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر
بخمسة آلاف.
وعن عامر الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن
جابر يمد المشركين فشق عليهم، فأنزل الله: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم
ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ إلى قوله: ﴿مسومين)، قال:
فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم تمد المسلمون بالخمسة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء إبليس يوم بدر في جند
من الشياطين، معه رايته، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال
٤٣/ب الشيطان / للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم،
فلما أقبل جبريل والملائكة كانت يده في يد رجل من المشركين فانتزع
يده ثم نكص على عقبيه، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك جار؟
فقال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب.
(١) سورة آل عمران. الآية ١٢٤.
(٢) الربيع بن أنس البكري، نزيل خراسان، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع
روى له أصحاب السنن الأربعة مات سنة أربعين ومائة.
- ٣٦٠ -