النص المفهرس

صفحات 321-340

وأربعون، على الحق والمواساة (١) والتوارث.
وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى
ببعض) الآية(٢).
[البناء بعائشة]
وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر. وقيل ثمانية (٣)، وقيل ثمانية
عشر شهراً في شوال.
والعشيرة، ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عز الإسلام .. أبطل المواريث
وجعل المؤمنين كلهم أخوة يعني في التوادد ..
(١) من أمثلة ذلك: ما جاء في الصحيح عن أنس قال: قدم علينا عبد الرحمن
= ابن عوف، وآخى النبي وَّل بينه وبين سعد بن الربيع - وكان كثير المال -
فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني
وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت
تزوجتها. فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك .. [البخاري ٣٧٨١]
[م].
(٢) سورة الأنفال. الآية ٧٥.
(٣) هذا القول سقط في ش.
- ٣٢١ -

[ خبر الأذان وزيادة الصلاة]
[الاجتماع للصلاة قبل الأذان]
وكان الناس - كما في السير وغيرها - إنما يجتمعون إلى الصلاة
لتحين مواقيتها، من غير دعوة،
وأخرج ابن سعد في الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب:
أن بلالاً كان ينادي للصلاة بقوله: الصلاة جامعة. الحديث(١).
١/٣٨
وشاور/ رسول الله وَلاَ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة -
وكان ذلك فيما قيل في السنة الثانية (٢) - فقال بعضهم: ناقوس
كناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، وقال بعضهم:
بل نوقد ناراً ونرفعها فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة.
[رؤيا عبد الله بن زيد]
فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه في منامه رجلاً
(١) أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: كان المسلمون لما قدموا المدينة
يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادي لها، فتكلموا يوماً في ذلك فقال
بعضهم نتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم بل بوقاً مثل
قرن اليهود، فقال عمر أولا تبعثون رجلاً منكم ينادي بالصلاة، فقال ويلات :
يا بلال قم فناد بالصلاة.
(٢) مرضه لقول الحافظ: الراجح أنه شرع في السنة الأولى من الهجرة.
- ٣٢٢ -

فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي وَلّ فأخبره بما رأى، وفي
رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد (١) قال: يا رسول الله إني رأيت
فيما يرى النائم - ولو قلت إني لم أكن نائماً لصدقت - رأيت: شخصاً
عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى
مثنى، حتى فرغ من الأذان. الحديث، فقال وَ له إنها لرؤيا حق إن
شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى
صوتاً منك(٢). قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه ويؤذن.
قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته،
فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت
مثل ما رأى.
ووقع في الأوسط للطبراني: أن أبا بكر أيضاً رأى الأذان.
وفي الوسيط للغزالي: أنه رآه بضعة عشر رجلاً.
وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر.
وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، وفي سيرة مغلطاي: أنه رآه
سبعة من الأنصار.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله: ولا يثبت شيء من
ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق.
انتهى .
(١) هذا من رواية الصحابي عن الصحابي، فليس معاذ رائياً ولا قائلاً.
(٢) أي أرفع وأعلى أو أحسن وأعذب. وفي هذا رد للحديث المشهور على
الألسنة: سين بلال عند الله شينا. وقد قال الحافظ المزي: لم نره في شيء
من الكتب.
- ٣٢٣ -

[حكمة ((رؤيا)) الأذان]
قال السهيلي: فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه
رجل من المسلمين في نومه. ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر
العبادات والأحكام الشرعية، وفي قوله بير له: ((إنها لرؤيا حق)). ثم
بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحي من الله له أم لا؟
وأجاب: بأنه وَ لّ قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن علي
قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاء جبريل عليه السلام
بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى بها الحجاب الذي يلي عرش(١)
الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب، فقال: يا جبريل
من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق، إني لأقرب الخلق مكاناً، وإن
هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله
أكبر، الله أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ أنا أكبر،
أنا أكبر .. وذكر بقية الأذان.
قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي، فلما تأخر فرض الأذان
إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى
عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى وسل# فلذلك قال: إنها لرؤيا حق إن
شاء الله تعالى، وعلم حينئذ أن مراد الله بما رآه في السماء أن يكون
سنة في الأرض وقوى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر الأنصاري.
انتھی(٢).
وتعقب: بأن حديث البزار في إسناده زياد بن المنذر أبو
الجارود، وهو متروك.
(١) كلمة (عرش) ليست في (ش، ب، د).
(٢) قال في الفتح تعليقاً على ذلك: تكلف وتعسف، والأخذ بما صح أولى.
- ٣٢٤ -

[إشكال وجواب]
وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا
عبد الله بن زيد، فإن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي:
وأجيب: باحتمال مقارنة الوحي لذلك. ويؤيده ما رواه عبد
الرزاق وأبو داود في المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثي - أحد
كبار التابعين - أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي وَّ فوجد
الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي مير:
سبقك بذلك الوحي .
وهذا أصح مما حكى الداودي(١) [عن ابن إسحاق](٢): أن
جبريل أتى النبي وَلقر بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر
بثمانية أيام .
[رواية ابن إسحاق]
وقد / عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق وغيره(٣): ٣٨/ب
وذلك أنه قال :
((طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت يا عبد
الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة،
(١) أحمد بن نصر اليشكري، أبو جعفر، العالم الفاضل، المالكي الفقيه، له
حظ من اللسان والحديث والنظر. ألف شرح الموطأ، والواعي في الفقه،
وشرح البخاري وسماه: النصيحة، وغير ذلك. توفي بتلمسان سنة ثلاثين
وأربعمائة .
(٢) في (ط، ش).
(٣) كأبي داود والترمذي وابن ماجه كلهم من طريقه.
- ٣٢٥ -

قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، قال:
تقول الله أكبر، الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم استأخر
عني غير بعيد ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، الله
أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة)). ورواه أبو داود بإسناد صحيح.
ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت
مثل الذي رأى.
[أحاديث ضعيفة]
وفي مسند الحارث: أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن في سماء
الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالاً إلى رسول الله وَ له فأخبره
بها، فقال عليه السلام لبلال سبقك بها عمر، وظاهره: أن عمر
وبلالاً سمعا ذلك في اليقظة(١).
وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة:
منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه
قال: لما أسري بالنبي ◌َّ ر أوحى الله إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا.
وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك.
ومنها: للدارقطني في ((الأفراد))، من حديث أنس أن جبريل أمر
النبي صَلّ بالأذان حين فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف.
ومنها: حديث البزار عن علي، المتقدم.
قال في فتح الباري: والحق أنه لا يصح شيء من هذه
الأحادیث.
(١) قال الشارح: مروي عن كثير الحضرمي بسند واهٍ.
- ٣٢٦ -

وقد جزم ابن المنذر بأنه ◌َ لّ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت
الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك.
والله سبحانه أعلم.
[هل أذن وَلّ أو اقتدى بغيره؟]
• فإن قلت: هل أذن وَ ل بنفسه قط؟
أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر
ابن الرماح، قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه مَ ر أذن في سفر
وصلى وهم على رواحلهم .. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا
الحديث إلى أنه وَّر أذن بنفسه. انتهى.
و(١) ليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث
يعلى بن مرة(٢).
وكذا جزم النووي بأنه عليه الصلاة والسلام أذن مرة في السفر،
وعزاه للترمذي وقواه.
ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل:
أذن. قال السهيلي: والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.
وفي مسند أحمد من الوجه الذي أخرج منه الترمذي هذا
الحديث: فأمر بلالاً فأذن(٣)، قال في فتح الباري فعرف أن في رواية
الترمذي اختصاراً، وأن قوله أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلاناً
(١) في (ط، د): لكن.
(٢) سنن الترمذي باب ما جاء في الصلاة على الدابة رقم الحديث ٤٠٩.
(٣) المسند ١٧٤/٤ .
- ٣٢٧ -

ألفاً، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى.
● [فإن قلت هل صلى النبي وَلّ خلف أحد من أصحابه؟
قلت](١):
نعم، ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه وَ لّ صلى خلف عبد
الرحمن بن عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله
وَ له تبوك، فتبرز رسول الله وَ الر قبل الغائط، فحمل معه إداوة قبل
صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس
قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله وَ له
إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد
الرحمن بن عوف قام رسول الله وَثير يتم صلاته، فأفزع ذلك
المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي ◌َّ صلاته أقبل عليهم
ثم قال: أحسنتم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها(٢).
ورواه أبو داود في السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد
ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله وَالر فصف مع
١/٣٩ المسلمين / فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم
عبد الرحمن، فقام رسول الله وَير في صلاته .. الحديث(٣).
قال النووي: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز اقتداء
النبي ◌َ ◌ّ خلف بعض أمته.
(١) هذه الزيادة في ش. وقال الشارح: كذا في نسخ وهو حسن. وفي أكثرها
إسقاط السؤال والاقتصار على نعم ..
(٢) رواه مسلم برقم ٢٧٤، المسند ٢٤٩/٤.
(٣) رواه أبو داود. باب المسح على الخفين برقم ١٤٩، وقد اختلفت بعض
الألفاظ في النسخ ونقلته من سنن أبي داود [م].
- ٣٢٨ -

قال: وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر رضي الله
عنه ليتقدم النبي ◌َّ ر، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع
ركعة، فترك النبي وقيم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف
صلاة أبي بكر.
نعم في السيرة الهشامية(١): أن أبا بكر كان الإمام وأن رسول
اللهِ وَله كان يأتم به. لكنه - كما قال السهيلي - حديث مرسل في
السيرة، والمعروف في الصحاح أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله
وَله، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
لكن قد روي عن أنس من طريق متصل: أن أبا بكر كان
الإمام يومئذ، واختلف فيه خبر عائشة رضي الله عنها. انتهى.
وفي الترمذي مصححاً من حديث جابر: أن آخر صلاة صلاها
رسول الله وَّيه في ثوب واحد متوشحاً به خلف أبي بكر.
قال ابن الملقن(٢): وقد نصر هذا القول غير واحد من الحفاظ:
منهم الضياء، وابن ناصر(٣)، وقال: صح وثبت أنه وَ لّ صلى خلف أبي
(١) في (ط، د): الهاشمية وهو خطأ، فهي نسبة إلى ابن هشام صاحب
السيرة .
(٢) ابن الملقن، عمر بن علي بن أبي أحمد الأنصاري، أبو حفص، سراج
الدين. الإمام الفقيه الحافظ، ذو التصانيف الكثيرة، أحد شيوخ الشافعية
وأئمة المحدثين ولد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ومات سنة أربع
وثمانمائة .
(٣) محمد بن ناصر السلامي الإمام الحافظ، محدث العراق، الشافعي ثم
الحنبلي، كان ثقة حافظاً ضابطاً من أهل السنة توفي سنة خمسين وخمسمائة . =
- ٣٢٩ -

بكر مقتدياً (١) به في مرضه الذي مات فيه ثلاث مرات، ولا ينكر
هذا إلا جاهل لا علم له بالرواية.
وقيل: إنه كان مرتين، جمعا بين الأحاديث، وبه جزم ابن
حبان.
وروى الدار قطني من طريق المغيرة بن شعبة أن رسول الله وعليه
قال: ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته .
[زيادة صلاة الحضر]
ولما كان بعد شهر من مقدمه عليه الصلاة والسلام لاثنتي
عشرة خلت من ربيع الآخر - قال الدولابي: يوم الثلاثاء، وقال
السهيلي: بعد الهجرة بعام أو نحوه - زيد في صلاة الحضر
ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة
المغرب لأنها وتر النهار، وأقرت صلاة السفر.
وفي البخاري عن عائشة (فرضت الصلاة ركعتين [ركعتين]
ثم هاجر النبي وَلجر [إلى المدينة] ففرضت أربعاً، وتركت صلاة
السفر على الفريضة الأولى)(٢).
= وليس هو الشمس بن ناصر الدمشقي لأن ابن الملقن ولد قبله بستين سنة
فلا ينقل عنه.
(١) في (ب، ش) مقتدياً، وفي باقي النسخ: مقتدٍ وهو خطأ.
(٢) رواه البخاري في مواضع والمذكور هنا هو لفظه في الهجرة برقم ٣٩٣٥،
وما بين القوسين ليس في نص البخاري ولكنه موجود في النسخ [م].
- ٣٣٠ -

وقيل: إنما فرضت أربعاً، ثم خفف عن المسافر. ويدل له
حديث: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة)(١).
وقيل: إنما فرضت في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين،
وهو قول ابن عباس، قال رضي الله عنه: (فرض الله الصلاة على
لسان نبيكم ◌ّيّ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين)(٢) رواه
مسلم وغيره.
وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في أول الصلاة من
مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام.
(١) رواه أبو داود: باب اختيار الفطر برقم ٢٤٠٨ وهو عند أحمد. المسند
٣٤٧/٤ وكذلك عند النسائي وابن ماجه.
(٢) رواه مسلم برقم ٦٨٧، وهو كذلك عند أبي داود والنسائي.
- ٣٣١ -

[ ظهور عداوة اليهود والمنافقين ]
قال ابن إسحاق وغيره: ونصبت أحبار يهود العداوة للنبي وَليت
بغيا وحسداً، وسحره لبيد بن الأعصم، وهو من يهود بني زريق،
فكان يخيل إليه أنه يفعل الفعل وهو لا يفعله، وجعل سحره في مشط
ومشاطة(١)، ودفنه في بئر ذي أروان - وأكثر أهل الحديث يقول:
ذروان - تحت راعوفة (٢) البئر، كما ثبت في الصحيح(٣).
وليس هذا بقادح في النبوة، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
يبتلون في أبدانهم بالجراحات والسموم والقتل غير ذلك مما جوزه
العلماء عليهم.
وانضاف إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج، منافقون، على
دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أنهم قهروا بظهور
الإسلام، [فأظهروه](٤) واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا في السر،
(١) ما يمشط من الشعر ويخرج من المشط.
(٢) هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت ليجلس عليها المستسقي عند
نزحها .
(٣) هو في الصحيحين وغيرهما، وذكره البخاري في مواضع أحدها برقم ٣١٧٥
وعند مسلم برقم ٢١٨٩ .
(٤) في ش.
- ٣٣٢ -

منهم عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأس المنافقين، وهو الذي قال:
﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾(١) كما سيأتي إن
شاء الله في غزوة بني المصطلق.
(١) سورة المنافقين. الآية ٨.
-٣٣٣ -

[ المغازي ]
[الإذن بالقتال]
وأذن الله تعالى لرسوله وَله بالقتال. قال الزهري: أول آية
نزلت في الإذن بالقتال ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على
نصرهم لقدير﴾(١) أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
،٣/ب
قال في / البحر (٢): والمأذون فيه - أي في الآية - محذوف، أي:
في القتال، لدلالة ((يقاتلون)) عليه، وعلل الإذن: بأنهم ظلموا، كانوا
يأتون رسول الله وَل من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم:
اصبروا، فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعدما نهي
عنه في نيف وسبعين آية. انتهى.
وقال غيره: وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت اللائق به،
لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون - وهم
قليلون - بقتال الباغين لشق عليهم، فلما بغى المشركون، وأخرجوه
من بين أظهرهم وهموا بقتله، واستقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة
واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة لهم دار إسلام،
(١) سورة الحج. الآية ٣٩.
(٢) أي التفسير الكبير لأبي حيان.
- ٣٣٤ -

ومعقلاً يلجؤون إليه، شرع الله تعالى جهاد الأعداء، فبعث وَله
البعوث والسرايا وغزا(١) وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين
الله أفواجاً أفواجاً.
[عدد الغزوات والسرايا]
وكان عدد مغازيه وَالر التي خرج فيها بنفسه، سبعاً وعشرين.
قاتل في تسع منها بنفسه الشريفة وَالر: بدر، وأحد، والمريسيع،
والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف(٢). وهذا
على قول من قال: فتحت مكة عنوة.
وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية. وقيل: إنه
قاتل في بني النضير.
[معنى سرية، ومصطلحات أخرى]
وأفاد في فتح الباري: أن السرية - بفتح المهملة وكسر الراء
وتشديد التحتانية - هي التي تخرج بالليل، والسارية: التي تخرج
بالنهار.
قال: وقيل سميت بذلك - يعني السرية - لأنّه يخفى ذهابها.
وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح، لاختلاف المادة.
(١) جرت عادة المحدثين وأهل السير غالباً أن يسموا كل عسكر حضره النبي
ول* بنفسه غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضاً من أصحابه إلى العدو:
سرية وبعثا.
(٢) قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أحد، ولم يقتل أحداً إلا
أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم قاتل في كذا أنه بنفسه كما فهمه
بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله عليه السلام. انتهى.
- ٣٣٥ -

وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى
خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له منسر - بالنون ثم المهملة - فإن
زاد على الثمانمائة سمي جيشاً، فإن زاد على أربعة آلاف سمي
جحفلاً، والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى
بعثاً، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى ملخصاً(١).
[سرية حمزة]
وكان أول بعوثه وَّر على رأس سبعة أشهر، في [شهر](٢)
رمضان، وقيل في ربيع الأول سنة اثنتين. بعث عمه حمزة، وأمره على
ثلاثين رجلاً من المهاجرين.
وقيل من الأنصار، وفيه نظر، لأنه لم يبعث أحداً من الأنصار
حتى غزا بهم بدرا، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه في دارهم.
فخرجوا يعترضون عيراً لقريش، فيها أبو جهل اللعين، فلقيه في
ثلاثمائة راكب فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فلما تصافوا حجز
بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان عليه السلام قد عقد له لواء
أبيض .
[اللواء والراية]
((واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع
صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم المعسكر،
وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، لكن
(١) فتح الباري ٥٦/٨ في شرح حديث ٤٣٣٨.
(٢) في (ط، ب، د).
-٣٣٦ -

روى أحمد والترمذي عن ابن عباس: كانت راية رسول الله وله
سوداء، ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة، وعند ابن
عدي(١) عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول
الله .
وهو ظاهر في التغاير، ولعل التفرقة بينهما عرفية.
وذكر ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود عن عروة: أن أول ما
حدثت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية))
(٢) .
انتھی
[سرية عبيدة بن الحارث]
ثم سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ، في شوال، على رأس
ثمانية أشهر، في ستين رجلاً، وعقد له لواء أبيض، حمله مسطح بن
أثاثة، يلقى أبا سفيان بن حرب. وكان على المشركين - وقيل مكرز بن
حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل - في مائتين/، ولم يكن بينهم ١/٤٠
قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم، فكان أول سهم رمي
في الإسلام.
وقال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية
عقدت في الإسلام، وبعض الناس يقول: راية حمزة. قال: وإنما
أشكل أمرهما لأنه عليه الصلاة والسلام بعثهما معاً، فاشتبه ذلك على
الناس. انتهى .
(١) الحافظ عبد الله بن أحمد الجرجاني، أحد الأعلام مات سنة خمس وستين
وثلاثمائة .
(٢) هذا كلام فتح الباري بدءاً من أول الفقرة ٤٧٧/٧ .
- ٣٣٧ -

وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر،
لكن يحتمل أن يكون وَ لهل عقد رايتيهما معاً، ثم تأخر خروج عبيدة إلى
رأس الثمانية، لأمر اقتضاه، والله أعلم.
[سرية سعد بن أبي وقاص]
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار - بخاء معجمة وراءين
مهملتين، وهو واد بالحجاز يصب في الجحفة - وكان ذلك في [ذي](١)
القعدة، على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواء أبيض، حمله المقداد بن
عمرو، في عشرين رجلاً، يعترض عيراً لقريش، فخرجوا على
أقدامهم، فصبحوها صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
[أول الغزوات: ودان]
ثم غزوة ودان، وهي الأبواء، وهي أول مغازيه، كما ذكره ابن
إسحاق وغيره. وفي البخاري: أن أولها الأبواء.
خرج 18َّ في صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة،
يريد قريشاً، في ستين رجلاً، وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب.
فكانت الموادعة - أي المصالحة - على أن بني ضمرة لا يغزونه ولا
يكثرون عليه جمعاً، ولا يعينون عليه عدواً.
واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
وليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق وبين ما نقله عنه
البخاري اختلاف، لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال
أو ثمانية.
(١) في: أ.
-٣٣٨ -

[غزوة بواط]
ثم غزوة بواط - بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره
مهملة - وهي الثانية، غزاها وَير في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة
عشر شهراً من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوى - بفتح الراء
وسكون المعجمة، مقصور - في مائتين من أصحابه، يعترض عيراً
لقريش فيهم أمية بن خلف الجمحي.
واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون(١).
فرجع ولم يلقَ كيداً، أي حرباً، قال ابن الأثير(٢): والكيد
الاحتيال والاجتهاد، وبه سميت الحرب كيداً.
[غزوة العشيرة]
ثم غزوة العشيرة - بالشين المعجمة، والتصغير، آخره هاء. لم
يختلف أهل المغازي في ذلك، وفي البخاري: العشيراء، أو: العسيرة،
والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية: بالمهملة وبالهاء - وأما غزوة العسرة
ـ بالمهملة بغير تصغير - فهي غزوة تبوك، وستأتي إن شاء الله تعالى.
ونسبت هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني
مدلج بينبع .
(١) السائب بن عثمان بن مظعون: أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، وشهد
بدراً، واستشهد يوم اليمامة .
(٢) الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكريم بن محمد الشيباني
الجزري، أبو السعادات، العالم النبيل، أحد الفضلاء، صاحب التصانيف
الشهيرة، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ومات بالموصل سنة ست
وستمائة .
- ٣٣٩ -

وخرج إليها وَّر في جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - على رأس
ستة عشر شهراً من الهجرة، في خمسين ومائة رجل - وقيل في مائتي
رجل - ومعهم ثلاثون بعيراً يعتقبونها، وحمل اللواء - وكان أبيض -
حمزة، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة.
فخرج إليها ليغنمها فوجدها قد مضت.
ووادع بني مدلج من كنانة.
وكانت نسخة الموادعة فيما ذكره غير ابن إسحاق(١):
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني
ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من
رامهم (٢) أن لا يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة، وأن النبي إذا
دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله ورسوله(٣).
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد.
[غزوة بدر الأولى]
ثم غزوة بدر الأولى. قال ابن إسحاق: ولما رجع عليه الصلاة
والسلام - أي: من غزوة العشيرة - لم يقم إلا ليالي، وقال ابن حزم:
٤٠/ب بعد العشيرة بعشرة أيام، حتى أغار/ كرز بن جابر الفهري على سرح
(١) كما قال السهيلي في الروض.
(٢) في(ط، ب، د): وراءهم.
(٣) قال الشارح: كانت هذه الموادعة في غزوة ودان، وكان الأولى تقديمها، أي
أن تذکر بعدها .
- ٣٤٠ -