النص المفهرس

صفحات 301-320

يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:
رفيقين حلا خيمتي أم معبد
جزى الله رب الناس خير جزائه
فأفلح من أمسى رفيق محمد
هما نزلا بالبر ثم ترحلا
به من فعال لا تجارى وسؤدد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم
ومقعدها للمؤمنين بمرصد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
دعاها بشاة حائل فتحليت
له بصريح ضرة الشاة مزيد
فغادرها رهناً لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد
فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه صلى الله عليه وسلم.
[شرح كلمات حديث أم معبد]
وقوله: مرملين: أي نفدت أزوادهم.
ومسنتين: أي مجدبين، ويروى: مشتين: دخلوا الشتاء.
وكسر الخيمة : - بكسر الكاف وفتحها، وسكون السين - جانبها.
وتفاجت : - بتشديد الجيم - فتحت ما بين رجليها.
ويربض الرهط : - بضم المثناة التحتية، وكسر الموحدة - أي
يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من أربض في المكان
يربض: إذا لصق به وأقام.
والثج: السيلان. وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال -
بضم المثلثة - الرغوة واحده: ثمالة. والبهاء أي بهاء اللبن: وهو
وبیص رغوته.
وتساوكن هزالاً: أي تمايلن، ويروى: تشاركن من المشاركة،
- ٣٠١ -

أي تساوين في الهزال.
وغادره : - بالغين المعجمة - أبقاه والشاء عازب، أي بعيدة
المرعى .
والأبلج : - بالجيم - المشرق الوجه المضيئه.
والحيال : - بكسر الحاء المهملة - جمع حائل، وهي التي ليس بها
حمل.
والوضاءة: الحسن.
والثجلة : - بفتح الثاء المثلثة، وسكون الجيم - عظم البطن،
ويروى بالنون والحاء: أي نحول ودقة.
والصعلة : - بفتح الصاد - صغر الرأس، وهي أيضاً الدقة
والنحول في البدن.
والوسيم: الحسن، وكذلك: القسيم.
وفي عينيه دعج : أي سواد.
والوطف: قال في القاموس: محركة، كثرة شعر الحاجبين
والعينين.
وفي صوته صحل : - بالتحريك - وهو كالبحة - بضم الموحدة -
أن لا يكون حاد الصوت.
وأحور: قال في القاموس: الحور - بالتحريك - أن يشتد بياض
بیاض العین، وسواد سوادها.
والكحل : - بفتحتين - سواد في أجفان العين خلقة، والرجل:
أکحل وکحیل.
والأزج: الدقيق طرف الحاجبين وفي القاموس: والزجج - محركة
- دقة الحاجبين في طول.
- ٣٠٢ -

والأقرن: المقرون الحاجبين.
وفي عنقه سطع :- بفتحتين - أي ارتفاع وطول.
وفي لحيته كثاثة: الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا
طويلة، وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية - بالفتح - وقوم كث -
بالضم -.
وإذا تكلم سما وعلاه البهاء: أي ارتفع وعلا على جلسائه.
وفصل - بالصاد المهملة - ولا نزر - بسكون المعجمة - ولا
هذر - بفتحها -: أي بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل.
ولا تشنؤه من طول: كذا جاء في رواية، أي لا يبغض لفرط
طوله، ويروى: ولا يشنى من طول: أبدل من الهمزة ياء، يقال:
شنيته أشنؤه، شنا وشنآناً، قاله ابن الأثير.
ولا تقتحمه عين من قصر: أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقاراً،
وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته.
ومحفود: أي مخدوم.
٣٥/ب
والمحشود: الذي عنده حشد وهم الجماعة.
ولا عابس: من عبوس / الوجه.
والمفند: الذي يكثر اللوم وهو التفنيد.
والضرة: لحمة الضرع.
وغادرها: أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر، انتهى.
[شاة أم معبد]
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي: حدثني حزام
ابن هشام عن أبيه عن أم معبد قالت: بقيت الشاة التي لمس عليه
-٣٠٣ -

السلام ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمان عمر بن الخطاب،
وكنا نحلبها صبوحاً وغبوقاً (١) وما في الأرض قليل ولا كثير.
[قصة سراقة]
ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي (٢)،
فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: كلا، ودعا رسول الله
وَ الر بدعوات، فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان، فقال: أعلم أن
قد دعوتما علي، فادعوا لي ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما.
قال: فوقفا لي، فرکبت فرسي حتی جئتهما، قال: ووقع في نفسي حین
لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله وَ لير، فأخبرتهما أخبار(٣) ما
(١) الصبوح: ما يشرب بالغداة، والغبوق: الشرب بالعشي.
(٢) وسبب تعرضه لهما ما رواه البخاري عنه قال: جاءنا رسل قريش يجعلون في
رسول الله وَل وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا
جالس في مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا، ونحن
جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة بالسواحل، أراها محمداً
وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم،
ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت ساعة ثم قمت،
فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي،
وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت .. الحديث.
وفيه: أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه، واستقسم بالأزلام فخرج ما يكره
لا يضرهم، ثم ركبها ثانياً وقرب حتى سمع قراءة النبي صل وهو لا
يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسه في الأرض إلى
الركبتين فسقط عنها ثم خلصها واستقسم بالأزلام، فخرج الذي يكره،
فناداهم بالأمان ..
[رواه البخاري برقم ٣٩٠٦ وفي المسند ١٧٦/٤].
(٣) في ش: خبر، والذي في البخاري: أخبار.
- ٣٠٤ -

يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزاني.
[قصة العبد الراعي]
واجتاز ◌َيّ في وجهه ذلك بعبد يرعى غنماً، فكان من شأنه ما
رويناه من طريق البيهقي بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق
النبي صَلّ وأبو بكر مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنماً، فاستسقياه اللبن
فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا حملت عام أول، فما
بقي بها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها وَالر ومسح ضرعها، ودعا حتى
أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى
الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما
رأيت مثلك. فقال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال نعم، قال:
فإني رسول الله، فقال أنت الذي تزعم قريش أنك صابىء؟ قال: إنهم
ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأن ما جئت به حق، وأنه لا
يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك
يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فائتنا.
قال الحافظ مغلطاي - بعد ذكره لقصة أم معبد -: وفي الإكليل
قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدري أهي هي،
أم غيرها.
[الوصول إلى قباء]
ولما سمع المسلمون بالمدينة خروج رسول الله وَ ل﴿ من مكة،
فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة،
فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل
من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وليه
- ٣٠٥ -

وأصحابه [مبيضين](١) يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي نفسه
فنادى بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم - أي حظكم ومطلوبكم -
قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة - وهم الأوس والخزرج - سراعاً
بسلاحهم فتلقوه، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف .. الحديث رواه
البخاري(٢).
وفيه: أن أبا بكر قام للناس، وجلس رسول الله وَ ل صامتاً،
فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله وَله يحبي أبا بكر،
حتى أصابت الشمس رسول الله وَالر فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه
بردائه، فعرف الناس رسول الله وَ لقر عند ذلك.
وظاهر هذا أنه عليه السلام كانت الشمس تصيبه، وما تقدم
من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثته، كما هو صريح في موضعه.
(تحديد تاريخ الوصول إلى قباء]
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه عليه السلام
لهلال ربيع الأول، أي أول يوم منه.
وفي رواية جرير بن حازم(٣) عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين
خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي معشر، لكن قال: ليلة
الإثنين.
وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
(١) في ش، وهي في البخاري، ومعنى مبيضين: عليهم ثياب بيض.
(٢) رواه البخاري برقم ٣٩٠٦ .
(٣) ابن زيد بن عبدالله الأزدي البصري، الثقة، المتوفى سنة سبعين ومائة.
- ٣٠٦ -

وفي ((شرف المصطفى)) (١) من طريق أبي بكر بن حزم: قدم
لثلاث / عشرة من ربيع الأول.
١/٣٦
وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية
الهلال.
وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة
منه. وبه جزم النووي في كتاب السير من الروضة.
وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الإثنين أول يوم من ربيع
الأول ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة منه، وقيل لليلتين منه.
وعند البيهقي: اثنتين وعشرين ليلة.
وقال ابن حزم: خرجا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليال.
[وصول علي إلى قباء]
وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي وَّ ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء
يوم الإثنين سابع - وقيل: ثامن - عشر ربيع، وكانت مدة مقامه مع
النبي ◌َّ ليلة أو ليلتين.
[التأريخ بالهجرة]
وأمر ◌َلهم بالتاريخ فكتب من حين الهجرة(٢).
وقيل: إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم(٣).
(١) كتاب ((شرف المصطفى)) لأبي سعد النيسابوري.
(٢) رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري، وهو معضل والمشهور خلافه وأن
ذلك زمن عمر.
(٣) أخرج أبو نعيم: أن أبا موسى كتب إلى عمر: إنه يأتينا منك كتب ليس لها =
- ٣٠٧ -

[الإقامة في قباء]
وأقام وَّر بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة(١).
وفي صحيح مسلم(٢): أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
ويقال: إنه أقام يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس(٣).
وأسس مسجد قباء(٤)، الذي أسس على التقوى، على
الصحيح، وهو أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه ولايه
بأصحابه جماعة ظاهراً، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن
كان تقدم بناء غيره من المساجد لكن لخصوص الذي بناه.
[من قباء إلى المدينة]
ثم خرج ◌َّر من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته
الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم
مائة، في بطن وادي رانوناء - براء مهملة ونونين ممدوداً، كعاشوراء
= تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم
بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها، وبالمحرم
لأنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه، وذلك سنة سبع عشرة.
ورواه ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين بنحوه.
(١) حكاه الزبير بن بكار عن قوم من بني عمرو.
(٢) وكذا البخاري، كلاهما عن أنس.
(٣) قاله ابن إسحاق، وهو المشهور عند أصحاب المغازي.
(٤) أخرج الشيخان عن ابن عمر: كان ◌َ﴿ يزور قباء أو يأتي قباء راكباً أو
ماشياً. وأخرجا عنه أيضاً رفعه: (من صلى فيه كان كعدل عمرة).
وروى ابن ماجه رفعه: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه
صلاة كان كأجر عمرة).
- ٣٠٨ -

وتاسوعاء - واسم المسجد ((الغبيب)) - بضم الغين المعجمة، تصغير
غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة(١)، والوادي: ذي صلب -
ولذا سمي مسجد الجمعة، وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف
القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء.
وركب ◌َلّ على راحلته بعد الجمعة متوجهاً إلى المدينة.
وروى أنس بن مالك أنه ◌َّ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا
بكر، وأبو بكر شيخ (٢) يعرف، والنبي وَّ شاب لا يعرف، قال:
فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين
يديك، قال: فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب
أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، الحديث رواه
البخاري(٣).
وقد روى ابن سعد أنه وَلّ قال لأبي بكر: أله عني الناس،
فكان إذا سئل من أنت قال: باغي حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟
قال: هذا يهديني السبيل.
وفي حديث الطبراني، من رواية أسماء: فكان أبو بكر رجلاً
معروفاً في الناس، فإذا لقيه لاقٍ يقول لأبي بكر: من هذا معك؟
فيقول: هذا يهديني [السبيل](٤) يريد الهداية في الدين، ويحسبه الآخر
دليلاً(٥).
(١) كتاب (المغانم المطابة في فضائل طابة) للمجد الشيرازي صاحب القاموس.
(٢) قد أسرع إليه الشيب، والنبي ◌َّ لا شيب فيه.
(٣) رواه البخاري برقم ٣٩١١.
(٤) كذا في د، وفي ش: الطريق، ولم تذكر في النسخ الأخرى.
(٥) سياق هذا الحديث والذين قبله تشعر - كما أوردها المصنف - أن ذلك كان =
- ٣٠٩ -

وإنما كان أبو بكر معروفاً لأهل المدينة لأنه كان يمر عليهم في
سفره للتجارة، وكان وَله لم يشب، وكان ◌َّ أسن من أبي بكر. وفي
حديث أنس(١): لم يكن في الذين هاجروا أشمط(٢) غير أبي بكر.
[خلوا سبيلها فإنها مأمورة]
وكان ◌َّ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام
عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: خلوا سبيلها -
يعني ناقته - فإنها مأمورة. وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهي تنظر
يميناً وشمالاً، حتى إذا أتت دار مالك ابن النجار، بركت على باب
المسجد، وهو يومئذ مربد لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو، وهما
يتيمان في حجر معاذ بن عفراء - ويقال أسعد بن زرارة وهو المرجع(٣) -
ثم ثارت، وهو رَّ عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري،
ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض - يعني
٣٦/ب باطن عنقها / أو مقدمه من المذبح - وأزرمت - يعني صوتت من غير أن
تفتح فاها - ونزل عنها ◌َ ﴿ وقال: هذا المنزل إن شاء الله (٤).
[في منزل أبي أيوب]
واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله في بيته، ومعه زيد بن حارثة،
= بعد نزول قباء ولكن سياق البخاري برقم ٣٩١١ يبين أن هذا المسلك كان
بين مكة والمدينة حيث ساق قصة سراقة بعد ذلك [المحقق].
(١) رواه البخاري برقم ٣٩١١.
(٢) الذي خالط سواد شعره بياض.
(٣) إذ هو الثابت في البخاري وغيره.
(٤) قال ابن المنير: الحكمة البالغة في إحالة الأمر على الناقة أن يكون تخصيصه
عليه السلام لمن خصه الله بنزوله عنده آية معجزة تطيب بها النفوس، =
- ٣١٠ -

وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد
المطلب، جده عليه السلام.
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند أبي يوسف يعقوب(١) في
كتاب الذكر والدعاء له قال: نزل علي رسول الله وَلفر حين قدم المدينة
فكنت في العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: رسول الله واله
أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك
الليلة لا أنا ولا أم أيوب، فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله، ما
بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: لم يا أبا أيوب؟ قلت: كنت أحق
بالعلو منا تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، لا والذي بعثك
بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبداً. الحديث. ورواه الحاكم
أيضاً(٢).
وقد ذكر (٣) أن هذا البيت الذي لأبي أيوب، بناه له عليه السلام
تبع الأول لما مر بالمدينة وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتاباً للنبي وَليه
ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه للنبي وَلَّ، فتداول الدار الملاك
إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم. قال: وأهل
= وتذهب معها المنافسة ولا يحيك ذلك في صدر أحد منهم شيئاً.
(١) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الإمام العلامة الحافظ، فقيه العراق،
صاحب أبي حنيفة. قال ابن معين: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثاً ولا
أثبت من أبي يوسف، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، عن تسع وستين
سنة .
(٢) وعند ابن إسحاق :.. فقال يا أبا أيوب إن الأرفق بنا ومن يغشانا أن
نكون في سفل ..
(٣) في المبتدأ لابن إسحاق.
- ٣١١ -

المدينة الذين نصروه بَله من ولد أولئك العلماء. فعلى هذا: إنما نزل
في منزل نفسه، لا في منزل غيره. كذا حكاه في تحقيق النصرة (١).
[الفرح يعم المدينة]
وفرح أهل المدينة بقدومه وَله، وأشرقت المدينة بحلوله فيها،
وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي
دخل فيه رسول الله ويفر المدينة أضاء منها كل شيء، وصعدت ذوات
الخدور على الأجاجير عند قدومه يقلن:
من ثنيات الوداع
طلع البدر علينا
وجب الشكر علينا ما دعا الله داع
[التحقيق في زمن إنشاد هذين البيتين]
قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه * المدينة رواه البيهقي في
الدلائل، وأبو الحسن (٢) بن المقري في كتاب الشمائل له عن ابن
عائشة، وذكره الطبري في الرياض عن أبي الفضل بن الجمحي قال:
سمعت ابن عائشة يقول - أراه عن أبيه - فذكره. وقال خرجه الحلواني
على شرط الشيخين. انتهى.
وسميت ثنية الوداع لأنه ◌َالقر ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في
بعض أسفاره.
(١) تحقيق النصرة في تاريخ دار الهجرة، لقاضيها الشيخ زين الدين بن الحسين
المراغي. أقول: وهو خبر فيه نظر؟! [المحقق].
(٢) في (ب، ش) أبو بكر المقري.
الحافظ محمد ابراهيم الأصبهاني صاحب المعجم الكبير. مات سنة إحدى
وثمانين وثلاثمائة .
- ٣١٢ -

وقيل: لأنه عليه السلام شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها.
وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديماً.
وصحح القاضي عياض هذا الأخير، واستدل عليه بقول نسا.
الأنصار حين مقدمه صلى الله عليه وسلم:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
فدل على أنه اسم قدیم.
وقال ابن بطال: إنما سميت ثنية الوداع لأنهم كانوا يشيعون
الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند
التلقي. انتهى.
قال شيخ الإسلام الولي العراقي: وهذا كله مردود، ففي
صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد قال:
لما قدم رسول الله ◌َ من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع.
قال: وهذا صريح في أنها من جهة الشام، ولهذا لما نقل والدي رحمه
الله في شرح الترمذي كلام ابن بطال قال: إنه وهم، قال: وكلام ابن
عائشة معضل لا تقوم به حجة. انتهى .
وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي فقال: هذا وهم من
بعض الرواة، لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها
القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، / وإنما وقع ذلك ١/٣٧
عند قدومه من تبوك. انتهى.
لكن قال ابن العراقي أيضاً: ويحتمل أن تكون الثنية التي من
كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. انتهى.
- ٣١٣ -

[فرح الجواري والغلمان]
وفي ((شرف المصطفى)) وأخرجه البيهقي عن أنس: لما بركت
الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار بالدفوف يقلن
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال ◌َله: أتحبينني، قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في
الصغير فقال ◌َّ: الله يعلم أن قلبي يحبكم(١).
وقال الطبري: وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون جاء
محمد، جاء رسول الله.
[وباء المدينة]
(ووعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل يبدون لي شامة وطفيل
وهل أردن يوماً مياه مجنة
اللهم العن شيبة بن ربيعة (٢) وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا
إلى أرض الوباء.
ثم قال رسول الله وَليقول: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو
أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححها لنا وانقل حماها إلى
الجحفة .
قالت - يعني عائشة -: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان
(١) أي يا معشر الأنصار.
(٢) سقط من قلم المصنف: وعتبة بن ربيعة. وهو في البخاري.
- ٣١٤ -

بطحان يجري نجلا. تعني: ماء آجنا)(١).
وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد
رسولك. رواه البخاري (٢).
[شرح ألفاظ الحديث المتقدم]
وقوله: يرفع عقيرته: أي صوته، لأن العقيرة الساق، كأن الذي
قطعت رجله رفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك، حكاه
الجوهري .
وشامة وطفيل: عينان بقرب مكة، والمراد بالوادي وادي مكة.
وجليل: نبت ضعيف.
[مدة الإقامة في بيت أبي أيوب]
وأقام بَلّ عند أبي أيوب سبعة أشهر(٣). وقيل: إلى صفر من
السنة الثانية وقال الدولابي: شهراً.
(١) رواه البخاري برقم ١٨٨٩ ورواه أيضاً مسلم وأحمد.
(٢) رواه البخاري برقم ١٨٩٠ .
ولعل مناسبة ذكر المصنف له للدلالة على أن الله تعالى استجاب دعاء
رسوله وَل بشأن حب المدينة، وها هو عمر يطلب الشهادة ويرغب أن
يموت بها [م].
(٣) قاله ابن سعد، وجزم به في الفتح. وحكى الأقوال الثلاثة مغلطاي.
- ٣١٥ -

[ بناء المسجد النبوي ]
وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ولما أراد وسلّ بناء المسجد
الشريف، قال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، قالوا: لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله، فأبى ذلك وَله وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر
رضي الله عنه، وكان قد خرج من مكة بماله كله.
قال أنس(١): وكان في موضع المسجد نخل وخرب ومقابر
مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم
أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده
خشب النخل، وعمل فيه المسلمون، وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين
لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي وَ له فقال له عليه الصلاة والسلام:
للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك
الفئة الباغية.
وروينا أنه ◌َ* كان ينقل معهم اللبن ويقول وهو ينقل
[اللبن](٢):
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
فارحم الأنصار والمهاجرة
اللهم إن الأجر أجر الآخرة
(١) رواه البخاري برقم ٤٢٨ و٤٤٧ و٣٩٣٢ ومسلم برقم ٥٢٤.
(٢) سقطت من النسخ وهي في البخاري.
- ٣١٦ -

قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه * تمثل ببيت شعر تام غير
هذا(١). انتهى .
وقد قيل: إن الممتنع عليه وَلقر إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل
على منع إنشاده متمثلاً.
وقوله: هذا الحمال : - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم - أي
المحمول من اللبن أبر عند الله من / حمال خيبر، أي: التي تحمل منها ٣٧/ب
من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفي رواية المستملي بالجيم. انتهى.
وفي كتاب ((تحقيق النصرة)) قيل: ووضع عليه السلام رداءه
فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون:
لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذاً للعمل المضلل
وآخرون يقولون:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائماً وقاعدا
ومن یری عن التراب حائدا
[وصف المسجد]
وجعلت قبلة المسجد للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في
مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه.
وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين
مثل ذلك أو دونه.
وجعل أساسه قريباً من ثلاثة أذرع، وبنى بيوتاً(٢) إلى جنبه
(١) رواه البخاري برقم ٣٩٠٦.
(٢) أي بيتين فقط، كما صرح به غير واحد.
- ٣١٧ -

باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة
في البيت الذي يليه شارعاً إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في
البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان.
ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها.
وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما
بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرج
عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه.
[الصفة]
وكان في المسجد موضع مظلل، تأوي إليه المساكين، يسمى
الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة، وكان ◌َّر يدعوهم بالليل
فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد رأيت سبعين من
أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد
ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ
الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته(١).
وهذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو
هريرة غير السبعين الذين بعثهم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل
الصفة أيضاً، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة.
وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي(٢)
(١) رواه البخاري برقم ٤٤٢ .
(٢) ابن الأعرابي، أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري، الصوفي =
-٣١٨ -

والسلمي(١). والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر،
وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة، قاله في فتح الباري.
[المنبر]
وكان ◌َّ يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائماً، فقال:
إن القيام قد شق علي، فصنع له المنبر.
وكان عمله وحنين الجذع في السنة الثامنة - بالميم - من الهجرة،
وبه جزم ابن النجار(٢) وعورض: بما في حديث الإفك في
الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان - الأوس والخزرج - حتى كادوا
أن يقتتلوا ورسول الله متوفر على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا.
وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السنة السابعة.
وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في
آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع.
وعن بعض أهل السير: أنه عليه السلام كان يخطب على منبر
من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب. وعورض: بأن
الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد
المعجزات .
= الورع، الثقة الثبت، العابد الرباني صاحب التصانيف، ولد سنة ست
وأربعين ومائتين ومات سنة أربع وثلاثمائة.
(١) أبو عبد الرحمن، محمد بن موسى النيسابوري، الإمام الزاهد الرحال،
حدث أكثر من أربعين سنة، صنف نحو مائة، مات سنة اثنتي عشرة
وأربعمائة .
(٢) أبو عبد الله، محمد بن محمود بن الحسن البغدادي. الإمام الحافظ المؤرخ،
الثقة الدين الورع. ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي
وطبقته، وله تصانيف. ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
- ٣١٩ -

[ المؤاخاة بين المهاجرين(١) والأنصار]
ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى عليه السلام بين
المهاجرين والأنصار(٢)، وكانوا تسعين رجلاً، من كل طائفة خمسة
(١) قال الشارح: وكانت - كما قال ابن عبد البر وغيره - مرتين:
الأولى بمكة، قبل الهجرة، بين المهاجرين بعضهم بعضاً، على الحق
والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر، وطلحة والزبير وبين عثمان وعبد
الرحمن. رواه الحاكم وهكذا بين كل اثنين منهم إلى أن بقي علي فقال:
آخيت بين أصحابك، فمن أخي. قال: أنا أخوك. وجاءت أحاديث كثيرة
في مؤاخاة النبي 3َ﴾﴿ لعلي ...
وأنكر ابن تيمية هذه المؤاخاة بين المهاجرين، خصوصاً بين المصطفى وعلي.
وزعم أن ذلك من الأكاذيب، وأنه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري. قال:
لأنها شرعت لإرفاق بعضم بعضاً ولتتألف قلوب بعضهم على بعض فلا
معنى لمؤاخاته لأحد، ولا لمؤاخاة المهاجرين.
ورده الحافظ: بأنه رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن
بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى
والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة
مؤاخاته لعلي. لأنه هو الذي كان يقوم به من الصبا قبل البعثة واستمر،
وكذا مؤاخاة حمزة وزيد، لأن زيداً مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما وهما من
المهاجرين، وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيداً قال: إن بنت حمزة ابنة
أخي [البخاري ٤٢٥١].
والثانية: هي التي ذكرها المصنف.
(٢) قال السهيلي: ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل =
- ٣٢٠ -