النص المفهرس

صفحات 281-300

أسلم، حاشا الأصيرم، وهو عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر
بإسلامه إلى يوم أحد، فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة واحدة،
وأخبر رسول الله وَ ر أنه من أهل الجنة(١). ولم يكن في بني عبد
الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين رضي الله
عنهم .
[بيعة العقبة الثانية]
ثم قدم على النبي بَّر في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي
الحجة، أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلاً - وقال ابن سعد:
يزيدون رجلاً أو رجلين - وامرأتان.
وقال ابن إسحاق: ثلاثة وسبعون وامرأتان(٢).
وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفساً.
فكان أول من ضرب على يده الشريفة عليه السلام البراء بن
معرور. ويقال: أبو الهيثم (٣)، ويقال أسعد بن زرارة، على أنهم
يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر
والأسود (٤).
(١) رواه ابن إسحاق بإسناد حسن
(٢) هما: نسيبة بنت كعب المازنية، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، كما
قال ابن إسحاق.
(٣) لم یذکر في ش.
(٤) لم يرد ذكر حرب الأحمر والأسود في نص البيعة، ولم تكن الآيات قد نزلت
بالإذن بالقتال. وإنما كانت البيعة كما وردت في حديث جابر (وعلى أن
تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم
وأبناكم ولكم الجنة) كما في المسند ٣٢٢/٣ ولذا أطال وير الشورى يوم بدر =
- ٢٨١ -

وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال ﴿أذن للذين يقاتلون﴾
٣٢/ب الآية(١) وفي الإكليل ﴿إن الله اشترى من المؤمنين﴾(٢) الآية. (٣)/
ونقب عليهم اثني عشر نقيباً (٤).
وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم وابن
حبان: مكث ﴿ عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم في المواسم بمنى
وغيرها، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله
الجنة؟ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فذكر الحديث. وفيه: وعلى أن
تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم
= وكان إنما يريد رأي الأنصار، لأن البيعة كانت على أن يمنعوه لا أن يخرج
بهم إلى القتال.
ولعل المصنف وغيره ممن ذكروا أن البيعة كانت على حرب الأحمر
والأسود .. لعلهم فهموا ذلك من أقوال بعض الصحابة يوم البيعة من مثل
قول أسعد بن زرارة: إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم
وأن تعضكم السيوف. [المحقق].
(١) سورة الحج. الآية ٣٩.
(٢) سورة التوبة. الآية ١١١.
(٣) ذكر الآيتين استطراداً لمناسبة المبايعة.
(٤) قال ابن إسحاق.
تسعة من الخزرج هم: أسعد بن زرارة، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن
الربيع. ورافع بن مالك، وأبو جابر عبد الله بن عمرو، والبراء بن
معرور، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبادة بن الصامت.
وثلاثة من الأوس هم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن
عبد المنذر.
وقال ◌َّ للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن
مريم .
- ٢٨٢ -

وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. الحديث(١).
وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقاً لرسول الله وَ له،
ومؤكداً على أهل يثرب، وكان يومئذ على دين قومه(٢).
(١) المسند ٣٢٢/٣.
(٢) وكان أول متكلم فقال: إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من
قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه
قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما
دعوتهوه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم
مسلموه وخاذلوه بعد الخروج فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه
وبلده .
فقالوا: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لربك ولنفسك ما
أحببت الحديث - ذكره ابن إسحاق.
- ٢٨٣ -

[ الهجرة الى المدينة]
[الإذن بالهجرة للصحابة]
قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله وَلفيه ليلة
العقبة، وكانت سراً عن كفار قريش(١)، أمر رسول الله وَ ل من كان
معه بالهجرة إلى المدينة.
فخرجوا أرسالاً، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج،
فكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، قبل
بيعة العقبة بسنة، قدم من الحبشة لمكة، فآذاه أهلها، وبلغه إسلام
من أسلم من الأنصار(٢) فخرج إليهم.
ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى، ثم عبد الله بن جحش. ثم
المسلمون أرسالاً، ثم عمر بن الخطاب وأخوه زيد وعياش بن أبي
ربيعة في عشرين راكباً، فقدموا المدينة فنزلوا في العوالي.
ثم خرج عثمان بن عفان، حتى لم يبقَ معه وَّ إلا علي بن أبي
طالب وأبو بكر. كذا قاله ابن إسحاق، قال مغلطاي وفيه نظر لما يأتي
بعده(٣).
(١) وكذلك عن الكفار من الأوس والخزرج.
(٢) أي الاثنا عشر أصحاب بيعة العقبة الأولى.
(٣) المقصود: لم يبق ممن قدر على الخروج ولم يكن ممن حبس وفتن.
- ٢٨٤ -

وكان الصديق كثيراً ما يستأذن رسول الله وعليه في الهجرة فيقول:
لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحباً، فيطمع أبو بكر أن يكون
هو.
[شوری قریش]
ثم اجتمع قريش ومعهم إبليس، في صورة شيخ نجدي، في
دار الندوة، دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمراً إلا
فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام، فاجتمع
رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك(١).
فإن قيل: لم تمثل الشيطان في صورة نجدي؟
فالجواب (٢): لأنهم قالوا - كما ذكره بعض أهل السير - لا
يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد،
فلذلك تمثل في صورة نجدي. انتهى .
[علي في الفراش]
ثم أتى جبريل النبي وَ ل فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك
الذي كنت تبيت عليه، فلما كان الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه
حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر وَ لّ عليا فنام مكانه(٣)، وغطى ببرد
(١) كان رأي أبي البختري بن هشام: أن يحبسوه ويغلقوا عليه الأبواب وكان
رأي أبي الأسود ربيعة بن عمرو العامري: أن ينفوه من مكة. ثم كان رأي
أبي جهل أن يقتلوه. وأمن على هذا الرأي إبليس. [هذا ملخص رواية ابن
إسحاق].
(٢) قاله السهيلي في الروض.
(٣) جاء في الإحياء: إن الله أوحى إلى جبريل وميكائيل: إني آخيت بينكما، =
- ٢٨٥ -

أخضر، فكان أول من شرى نفسه [في الله ووقى بها رسول الله](١)
وفي ذلك يقول [علي](٢):
وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكر
[المشركون حول بيته و النور]
ثم خرج ◌َّ، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد
منهم، ونثر على رؤوسهم كلهم تراباً كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى:
﴿يس) إلى قوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. ثم انصرف
عليه السلام حيث أراد.
= وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بحياة؟
فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي
طالب، آخيت بينه وبين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره
بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان جبريل عند رأسه
وميكائيل عند رجليه ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي
الله بك الملائكة، وفيه نزل (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)
الآية .
قال الحافظ ابن تيمية: إنه كذب باتفاق علماء الحديث والسير.
وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: رواه أحمد مختصراً عن ابن عباس
(شرى علي نفسه فلبس ثوب النبي ويلي ثم نام مكانه .. الحديث، وليس
فيه ذكر جبريل وميكائيل، ولم أقف لهذه الزيادة على أصل، والحديث
منكر.
ورد أيضاً: بأن الآية في البقرة وهي مدنية اتفاقاً، وقد صحح الحاكم نزولها
في صھیب.
(١، ٢) في ش.
- ٢٨٦ -

فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟
قالوا: محمداً، قال: قد خيبكم الله، قد والله خرج محمد عليكم، ثم
ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته، أفما
ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب.
وفي رواية أبي حاتم، مما صححه الحاكم من حديث ابن
عباس: فما أصاب رجلاً منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافراً.
وفي هذه نزل قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
يقتلوك أو يخرجوك﴾(١) الآية.
[الحكمة من هجرته { [ *]
ثم أذن الله تعالى لنبيه ◌َّ﴿ في الهجرة. قال ابن عباس: بقوله
تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق
واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾(٢) أخرجه الترمذي وصححه
الحاكم .
فإن قلت ما الحكمة في هجرته/#18 إلى المدينة وإقامته بها إلى ١/٣٣
أن انتقل إلى ربه عز وجل؟
أجيب: بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام
تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة
إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بمكة، إذ أن شرفها قد
سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه عليه السلام
(١) سورة الأنفال الآية ٣٠.
(٢) سورة الإسراء. الآية ٨٠ .
- ٢٨٧ -

فأمره بالهجرة إلى المدينة، فلما هاجر إليها تشرفت به، حتى وقع
الإجماع على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة
صلوات الله وسلامه عليه.
[تحديد يوم الهجرة]
وذكر الحاكم أن خروجه عليه السلام كان بعد بيعة العقبة بثلاثة
أشهر أو قريباً منها.
وجزم ابن إسحاق: بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول. فعلى
هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوماً، وكذا جزم
الأموي (١) - في المغازي - عن ابن إسحاق فقال: كان مخرجه من مكة
بعد العقبة بشهرين وليال. قال: وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة
لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
قال في فتح الباري: وعلى هذا خرج يوم الخميس. وقال
الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الإثنين، ودخوله المدينة
كان يوم الإثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من
مكة يوم الخميس. ويجمع بينهما: بأن خروجه من مكة كان يوم
الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الإثنين، لأنه أقام فيه ثلاث
ليال: ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الإثنين.
وكانت مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع
(١) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي الأموي، أبو أيوب الكوفي،
نزيل بغداد صدوق يضطرب من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين
ومائتين .
- ٢٨٨ -

عشرة سنة، ويدل عليه قول صرمة (١):
ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقاً مواتيا(٢)
وقيل غير ذلك.
[في بيت أبي بكر]
وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر.
وأخبر عليه السلام علياً بمخرجه وأمره أن يتخلف بعده حتى
يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس.
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن جلوس يوماً
في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله
وَلَّه متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبي
وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول
الله ﴿﴿ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال ◌َلهر لأبي بكر: أخرج من
عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
قال السهيلي: وذلك أن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه واله
قبل ذلك.
فقال ◌َله: إنه قد أذن لي في الخروج.
فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
قال ◌َالثور: نعم.
(١) صرمة بن أنس الأنصاري البخاري، صحابي له أشعار حسان، فيها حكم
ووصايا، وكان قوالاً بالحق، معظماً في قومه، أدرك الإسلام شيخاً كبيراً،
عاش عشرين ومائة سنة.
(٢) في ط موافياً.
- ٢٨٩ -

فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي
[ هاتين](١).
قال رسول الله وَالر: بل بالثمن.
[الراحلة بالثمن]
فإن قلت: لم لم يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من
ماله ما هو أكثر من هذا فقبل؟
أجيب: بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله
رغبة منه عليه السلام في استكمال فضل الهجرة إلى الله، وأن يكون
على أتم الأحوال. انتهى.
[ذات النطاقين]
قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من
جراب(٢) فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على
فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين.
[وداع مكة]
قالت: ثم لحق رسول الله رجل وأبو بكر بغار ثور - جبل بأسفل
مكة -.
وكان من قوله وَلّ حين خرج من مكة، لما وقف على
الحزورة(٣)، ونظر إلى البيت فقال: والله إنك لأحب أرض الله إلي،
(١) في ش.
(٢) كذا في جميع النسخ والذي في البخاري: في جراب.
(٣) سوق كان بمكة أدخل في المسجد.
- ٢٩٠ -

وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما
خرجت(١).
وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة.
[إلى الغار]
ولم يعلم بخروجه عليه السلام إلا علي وآل أبي بكر.
وروي أنهما خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ليلاً إلى
الغار(٢).
ولما فقدت/ قريش رسول الله و الر طلبوه بمكة، أعلاها ٣٣/ب
وأسفلها، وبعثوا القافة أثره في كل وجه، فوجد الذي ذهب قبل ثور
أثره هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور.
وشق على قريش خروجه وجزعوا لذلك، وجعلوا مائة ناقة لمن
رده .
ولله در الشيخ شرف الدين الأبوصيري(٣) حيث قال:
ويح قوم جفوا نبيا بأرض ألفته ضبابها والظباء
الغرباء
ووده
وسلوه وحن جذع إليه وقلوه
(١) أخرجه أحمد والترمذي وصححه. بلفظ قريب [المسند ٣٠٥/٤].
(٢) من رواية الواقدي.
(٣) محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي المولد، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ.
ولد سنة ثمان وستمائة، وبرع في النظم، قال فيه الحافظ ابن سيد الناس:
هو أحسن من الجزار والوراق. مات سنة خمس وتسعين وستمائة. ذكره
السيوطي .
- ٢٩١ -

أخرجوه منها وآواه غار وحمته حمامة ورقاء
ما كفته الحمامة الحصداء
وكفته بنسجها عنكبوت
يقال شجرة حصداء: أي كثيرة الورق، فكأنه استعاره للحمامة
لكثرة ریشها.
وفي حديث مروي في الهجرة(١)، أنه عليه السلام ناداه ثبير:
اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه حراء:
إلي يا رسول الله (٢).
[عند باب الغار]
وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل(٣) أن رسول الله وَليل لما دخل
الغار وأبو بكر معه، أنبت الله على بابه الراءة. قال قاسم: وهي
شجرة معروفة، وهي أم غيلان. وعن أبي حنيفة (٤): تكون مثل قامة
الإنسان لها خيطان وزهر أبيض تحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته
ولينه، لأنه كالقطن، فحجبت عن الغار أعين الكفار(٥).
وفي مسند البزار: أن الله عز وجل أمر العنكبوت فنسجت على
(١) ذكره القاضي عياض في الشفاء. وهذا الخبر ليس في: د.
(٢) الذي في الحديث الصحيح: أنهما وعدا الدليل غار ثور بعد ثلاث ليال.
وهذا يقتضي أنهما ما خرجا إلا قاصدين إليه.
(٣) كتاب ((الدلائل في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث))
مات قاسم ولم يكمله، فأتمه أبوه ثابت، الحافظ المشهور.
(٤) الدينوري، لا الإمام.
(٥) جاء في كتاب أسنى المطالب للحوت ص ٣٠٤ طبعة إدارة إحياء التراث
بقطر: أحاديث الشجرة على الغار لا أصل لها [م].
- ٢٩٢ -

وجه الغار(١) وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار، وأن
ذلك مما صد المشركين عنه، وأن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين.
ثم أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم،
فجعل بعضهم ينظر في الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار،
فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين
فعرفت أنه ليس فيه أحد. وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن
خلف: ما أربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتاً أقدم من ميلاد محمد.
وقد روي أن الحمامتين باضتا في أسفل النقب ونسج العنكبوت،
فقالوا: لو دخلا لتكسر البيض وتفسخ نسج العنكبوت. وهذا أبلغ في
الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود.
[عبرة]
فتأمل كيف أظلت الشجرة المطلوب وأضلت الطالب،
وجاءت العنكبوت فسدت باب الطلب، وحاكت وجه المكان
فحاكت ثوب نسجها، فحاكت ستراً حتى عمي على القائف
الطلب [ولله در القائل](٢):
والعنكبوت أجادت حوك حلتها فما تخال خلال النسج من خلل
(١) ذكر العنكبوت ورد عن ابن عباس عند أحمد ٣٤٨/١، ولكن أخبار
العنكبوت والحمامتين لا تقف أمام الصحيح الآتي: وهو وقوفهم أمام الغار
وقول أبي بكر لو نظر أحدهم مكان قدميه لرآنا [م].
(٢) في ط .
- ٢٩٣ -

ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك، وما أحسن قول ابن
النقيب(١):
ودود القز إن نسجت حريرا يجمل لبسه في كل شي
فإن العنكبوت أجل منها بما نسجت على رأس النبي
وروي أنه وَلّر قال: اللهم أعم أبصارهم، فعميت عن دخوله،
وجعلوا يضربون يميناً وشمالاً حول الغار. وهذا يشير إليه قول صاحب
البردة :
أقسمت بالقمر المنشق إن له من قلبه نسبة مبرورة القسم
وكل طرف من الكفار عنه عم
وما حوى الغار من خير ومن كرم
وهم يقولون ما بالغار من أَرٍم
فالصدق في الغار والصديق لم ير ما
خير البرية لم تنسج ولم تحم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على
من الدروع وعن عال من الأطم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
أي عموا عما في الغار مع خلق الله ذلك فيهم، لأنهم ظنوا أن
الحمام لا يحوم حوله وَليل وأن العنكبوت لا تنسج عليه لما جرت العادة
أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معموراً، فمهما أحسا بالإنسان
فرا منه، وما علموا أن الله تعالى يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من
١/٣٤ عباده، وأن وقاية عبده بما شاء/ تغني عبده عن التحصن بمضاعفة من
الدروع، وعن التحصن بالعالي من الأطم، وهي الحصون، فلله در
الأبو صيري شاعراً، وما أحسن قوله في قصيدته اللامية حيث قال:
واغيرتا حين أضحى الغار وهو به كمثل قلبي معمور ومأهول
(١) محمد بن الحسن الكناني، من مشاهير الشعراء، مات سنة سبع وثمانين
وستمائة .
- ٢٩٤ -

كأنما المصطفى فيه وصاحبه الـ ـصديق ليثان قد آواهما غيل
وهن فياحبذا نسج وتجليل
وجلل الغار نسج العنكبوت على
عناية ضل كيد المشركين بها
وما مكائدهم إلا الأضاليل
كأن أبصارهم من زيغها حول
إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما
[في الغار]
وفي الصحيح عن أنس قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن
أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال له رسول الله وَله: ما ظنك باثنين
الله ثالثهما (١).
وروي أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله وَّر في
الغار وقد تفطرتا دماً فاستبكيت وعلمت أنه وَ لّ لم يكن تعود الحفا
والجفوة .
وروي أيضاً أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله وَله ليقيه
بنفسه، وأنه رأى جحراً فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي
رسول الله وَل﴿ فجعلت الحيات والأفاعي يضربنه ويلسعنه، فجعلت
دموعه تتحدر. وفي رواية: فدخل رسول الله وَليّ ووضع رأسه في
حجر أبي بكر فنام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك
فسقطت دموعه على وجه رسول الله وَله، فقال: مالك يا أبا بكر؟ فقال
(١) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد. [البخاري ٣٩٢٢ ومسلم
٢٣٨١ ].
- ٢٩٥ -

لدغت فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله وَ الر فذهب ما يجده(١). رواه
رزین(٢).
وروي أيضاً: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول
الله وَّل وقال إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت
هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله وَله: لا تحزن إن الله معنا،
يعني بالمعونة والنصر، فأنزل الله سكينته - وهي أمنة تسكن عندها
القلوب - على أبي بكر لأنه كان منزعجاً(٣)، وأيده - يعني النبي ◌َل ـ
بجنود لم تروها من الملائكة ليحرسوه في الغار، أو ليصرفوا وجوه
الكفار وأبصارهم عن رؤيته .
[تعليق على موقف أبي بكر]
انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على
نفسه، قوي قلبه ببشارة ((لا تحزن إن الله معنا)) وكانت تحفة ((ثاني
اثنين)) مدخرة له دون الجميع، فهو الثاني في الإسلام والثاني في بذل
النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول وَالقر بماله ونفسه وجوزي
(١) قال في أسنى المطالب: ما يذكر أن الحية لدغت أبا بكر في الغار. باطل لا
أصل له ص ٣٠٤ [م].
(٢) رزين بن معاوية، أبو الحسن العبدري الأندلسي المالكي، مؤلف تجريد
الصحاح جمع فيه الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي.
قال ابن بشكوال: كان صالحاً فاضلاً عالماً بالحديث وغيره، جاور بمكة
أعواماً، وبها مات سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
(٣) الضمير في الآية عائد على صاحبه في قول الأكثر، قال البيضاوي: وهو
الأظهر، لأن النبي وَّ لم تزل السكينة معه. قاله ابن عباس كما رواه ابن
مردويه والبيهقي وغيرهما.
- ٢٩٦ -
٠

بمواراته معه في رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار
((ثاني اثنين إذ هما في الغار)) ولقد أحسن حسان حيث قال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدوبه إذ صاعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا من الخلائق لم يعدل به بدلا
وتأمل قول موسى عليه السلام لبني إسرائيل: ﴿كلا إن معي ربي
سيهدين﴾ (١) وقول نبينا وَ لا للصديق: ((إن الله معنا)) فموسى خص
بشهود المعية ولم يتعد منه إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم
يقل ((معي)) لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر
السكينة على أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود،
وأين معية الربوبية في قصة موسى عليه السلام من معية الإلهية في قصة
نبينا وَر. قاله العارف شمس الدين بن اللبان(٢).
[تكرر نسج العنكبوت في التاريخ]
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة(٣)، قال:
نسجت العنكبوت مرتين، مرة على داود حين كان طالوت / يطلبه، ٣٤/ب
ومرة على النبي ◌َّ في الغار.
وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه
(١) سورة الشعراء. الآية ٦٢.
(٢) ابن اللبان، محمد بن أحمد الدمشقي ثم المصري. الشافعي الفقيه الأصولي
النحوي الأديب الشاعر. اختصر الروضة ورتب الأم. مات بالطاعون سنة
تسع وأربعين وسبعمائة.
(٣) عطاء بن ميسرة، الخراساني: صدوق يهم، ويرسل كثيراً، روى له مسلم
والأربعة مات سنة خمس وثلاثين ومائة.
- ٢٩٧ -

ول* لقتل خالد بن نبيح الهذلي بعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل في
غار فنسجت عليه العنكبوت، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا
راجعین.
وفي تاريخ ابن عساكر: أن العنكبوت نسجت أيضاً على عورة
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما صلب عرياناً في سنة
إحدى وعشرين ومائة.
[مدة المكث في الغار وما حصل فيها]
وكان مكثه وَال وأبو بكر في الغار ثلاث ليال(١)، وقيل بضعة
عشر يوماً. والأول هو المشهور.
وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف -
أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن(٢) - فيدلج من عندهما بسحر،
فيصبح مع قريش بمكة كبائت معهم، فلا يسمع أمراً يكادان به إلا
وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم،
فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل(٣)، وهو
لبن منحتهما، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله وَله وأبو بكر، عبد الله بن الأريقط دليلاً -
(١) وهو القول الوارد في الصحيح.
(٢) لقن : - بفتح اللام وكسر القاف ــ أي سريع الفهم.
(٣) لبن طري (أي طازج).
- ٢٩٨ -

وهو على دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام - فدفعا إليه راحلتيهما
وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.
[إلى خيمة أم معبد]
فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة
والدليل، فأخذ بهم على طريق السواحل، فمروا بقديد على أم معبد -
عاتكة بنت خالد الخزاعية - وكانت برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم
تسقي وتطعم.
وكان القوم مرملين مسنتين، فطلبوا لبناً ولحماً يشترونه منها، فلم
يجدوا عندها شيئاً، فنظر رسول الله وَله إلى شاة في كسر الخيمة،
خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله وَ لّ هل بها من لبن؟
فقالت: لهي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ فقالت:
نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها
ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض
الرهط - أي يشبع الجماعة حتى يربضوا - فحلب فيه ثجا وسقى القوم
حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل،
ثم غادره عندها وذهبوا.
فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد - قال السهيلي: لا يعرف
اسمه، وقال العسكري: أكثم بن أبي الجون، ويقال: ابن الجون -
يسوق أعنزاً عجافاً، يتساوكن هزالاً، مخهن قليل.
فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى
لك هذا والشاء عازب حيال، ولا حلوب في البيت؟ فقالت: لا والله،
- ٢٩٩ -

إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. فقال: صفيه يا أم
معبد .
فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة. مليح الوجه حسن الخلق،
لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي
أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن، شديد
سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه
الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم(١)
يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من
بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا
تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة
وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر
تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته.
[أبو جهل على باب أبي بكر]
قالت أسماء بنت أبي بكر: ولما خفي علينا أمر رسول الله وَلفتره
١/٣٥ أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، /
فقال: أين أبوك؟ فقلت: والله لا أدري أين أبي، قالت: فرفع أبو
جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدي لطمة خرج منها قرطي،
قالت: ثم انصرفوا.
ولما لم ندر أين توجه رسول الله وص له، أتى رجل من الجن
(١) في ط: نظمن وفي ش: نظم طوال.
- ٣٠٠ -