النص المفهرس
صفحات 241-260
الله ◌ُّر، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله وَل خبرهما، فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط . فلما رأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصي، وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي - واسمه أصحمة - وكان معهما عمارة بن الوليد، ليردهم إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما خائبين بهديتهما. - ٢٤١ - [ اسلام عمر بن الخطاب ] وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة بثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم (١) بدعوته وَل: (اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب) (٢) وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلاً، وإحدى عشرة امرأة(٣). [سبب إسلامه] وكان سبب إسلامه - فيما ذكره أسامة بن زيد(٤) عن أبيه(٥) عن (١) وهذا موافق لما حكاه ابن سعد. وقال ابن إسحاق: أسلم عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة. (٢) رواه الترمذي عن ابن عباس، ورواه أحمد والترمذي - وقال حسن صحيح - وابن سعد والبيهقي عن ابن عمر رفعه بلفظ (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب) وصححه ابن حبان. وفي حديث خباب عن البزار مرفوعاً (اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب) . قال في الدر: اشتهر هذا الحديث على الألسنة بلفظ: بأحب العمرين. ولا أصل له في شيء من طرق الحديث بعد الفحص البالغ. (٣) في ش لم يذكر عدد النساء. (٤) اسامة بن زيد بن أسلم، العدوي - مولاهم - ضعيف من قبل حفظه. مات في خلافة المنصور . (٥) زيد بن أسلم: الفقية العالم المفسر الثقة الحافظ التابعي، روى له الستة. - ٢٤٢ - جده(١) عن عمر - أنه قال: بلغني إسلام أختي(٢)، فدخلت عليها، فقلت يا عدوة نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت، ثم ضربتها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل فقد أسلمت. قال: فدخلت وأنا مغضب، فإذا كتاب في ناحية البيت، فإذا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، قال: ثم رجعت إليها فإذا فيها ﴿سبح لله ما في السموات والأرض﴾ حتى بلغت ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾(٣) فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله . فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشاراً بما سمعوا مني، فجئت إلى رسول الله وَيول في بيت في أسفل الصفا، فدخلت وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي وسلم فقال أرسلوه، فأرسلوني فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع ثيابي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهد قلبه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة. وكان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت إلى رجل لم يكن (١) اسلم، مولى عمر، اشتراه عمر سنة إحدى عشرة، التابعي الكبير. مات سنة ثمانین. (٢) هي فاطمة عند الأكثر، وقيل أميمة، قال في الإصابة: فكأن اسمها فاطمة، ولقبها أميمة، وكنيتها أم جميل. وقيل: اسمها رملة. (٣) سورة الحديد. وفي رواية ابن عساكر وأبي نعيم عن ابن عباس والدارقطني عن أنس: كان فيها سورة ((طه)). - ٢٤٣ - يكتم السر(١)، فقلت له إني صبوت، قال فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي (٢): ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن اختي، فانكشف الناس عني، قال: فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام(٣). (١) هو جميل بن معمر بن حبيب، أسلم يوم الفتح وقد شاخ، وشهد حنينا وفتح مصر، ومات في خلافة عمر. فحزن عليه حزناً شديداً. (٢) يحتمل أنه أبو جهل، أو أخوه الحارث بن هشام، لأنهما خالاه مجازاً، لأن عصبة الأم أخوال الابن، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومي، وهاشم وهشام أخوان، فهما ابنا عم أمه. ويحتمل أنه أراد غيرهما من بني مخزوم. قال البرهان: فالجزم بأنه أبو جهل يحتاج إلى برهان. (٣) روى حديث أسلم عن عمر بطوله: البزار والطبراني، وأبو نعيم والبيهقي، ورواه الدراقطني من حديث أنس، وابن عساكر والبيهقي عن ابن عباس، وأبو نعيم عن طلحة وعائشة، كلهم عن عمر نحوه. فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً، فانجبر ما فيه من ضعف أسامة. وقد أورده المصنف مختصراً. وأوله :.. كنت من أشد الناس على رسول اللّه وَلّ فبينا أنا في يوم حار شديد بالهاجرة، في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تذهب، إنك تزعم أنك هكذا، وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد صبأت، فرجعت مغضباً، وقد كان وَيّ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معه، ويصيبان من طعامه، وقد ضم إلى زوج أختي رجلين، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل: من هذا؟ قلت ابن الخطاب. قال: وكان القوم جلوساً يقرؤون صحيفة معهم، فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم فقامت المرأة ففتحت لي .. وفيه: فقلت ما هذا الكتاب، أعطنيه، فقالت: لا أعطيكه، لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه. - ٢٤٤ - قال ابن عباس: لما أسلم عمر قال جبريل للنبي وَالر /: ٢٨/ب يا محمد، لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر (١). رواه ابن ماجه(٢)(٣) . (١) ورواه أيضاً الحاكم وصححه. ورده الذهبي: بأن فيه عبد الله بن حراش، ضعفه الدارقطني. انتهى. وضعفه أيضاً غيره، ورواه ابن سعد عن الزهري وداود بن الحصين مرسلاً، والله أعلم. (٢) أبو عبد الله، محمد بن يزيد القزويني، الثقة المتفق عليه، المحتج به، له معرفة بالحديث، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ. مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين. (٣) تتمات : [رواية أخرى في سبب إسلامه] في رواية عند ابن إسحاق: أنه دخل المسجد يريد الطواف، فرأى النبي وَلَه يصلي، فقال: لو سمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: إن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه - أي البيت - فجعلت أمشي حتى قمت في قبلته وسمعت قراءته، فرق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام فلم أزل قائماً في مكاني ذلك حتى انصرف فتبعته، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما تبعته لاؤذيه فنهمني - أي زجرني - ثم قال: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قلت جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. قال فحمد الله، ثم قال: قد هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري .. [سيرة ابن هشام ٣٤٣/١]. أقول وهناك - عند ابن إسحاق - رواية أخرى مطولة مفصلة، شبيهة بما ذكره المصنف [سيرة ابن هشام ٣٤٣/١] [رد جوار خاله] قال: رددت جوار خالي، كراهة أن لا أكون كالمسلمين، وقال خالي: لا تفعل يا ابن اختي، فقلت بل هو ذاك، قال: فما شئت. - كما في حديث أسلم الذي رواه المصنف - شرح الزرقاني ٢٧٦/١ = - ٢٤٥ - [خوف عمر] = روى البخاري عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال (بينما هو في الدار خائفاً إذ جاءه العاص بن وائل السهمي .. فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني أن أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قالها أمنت، فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي فقال أين تريدون، قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه، فكر الناس) وفي رواية أخرى: (فرأيت الناس تصدعوا عنه) [البخاري برقم ٣٨٦٤ و٣٨٦٥]. [المحقق]. - ٢٤٦ - [ دخول الشعب وخبر الصحيفة ] ولما رأت قريش عزة النبي وَّر بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي ◌َّ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله وَلير شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً حتى يسلموا رسول الله وَالهول للقتل. وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة - وقيل بغيض بن عامر - فشلت يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سراً. - ٢٤٧ - [ قصة الغرانيق ] [ملخص القصة] وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ وَلخر ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى بلغ ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان في أمنيته، أي في تلاوته: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد ◌َّلّ وسجد معه المشركون، لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك في الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه. وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه وَّل، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعاً من الحبشة(١). (١) لا خلاف بين العلماء على بطلان هذه القصة ومعارضتها للعقيدة الإسلامية. ولذا صرح أكثرهم ببطلانها ووضعها. وذهب بعضهم إلى وجود أصل لها بناء على تعدد الأسانيد، ثم ذهبوا يلتمسون تأويلاتها .. على الرغم من ضعف تلك الأسانيد وانقاطعها. وعلى الرغم من اتفاقهم مع الفريق الأول على بطلان متنها. وقد قام المحقق بدراستها دراسة وافيه وتوصل إلى إبطالها بدليل غير أدلة مناقشة المتن والسند، وهو أن سورة النجم - التي تزعم الروايات أن القصة حدثت أثناء تلاوتها - لم تكن نزلت في ذلك الوقت. وإنما نزلت بعد حادثة الإسراء، أي بعد خمس سنين من حادثة الهجرة الأولى إلى الحبشة. وهذا دليل قاطع على بطلانها لم أر من ذكره من قبل. وانظر تفصيل ذلك = - ٢٤٨ - [معنى: الغرانيق] والغرانيق في الأصل: الذكور من طير الماء، واحدها: غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه. وقيل: هو الكركي. والغرنوق أيضاً: الشاب الأبيض الناعم. وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلوا في السماء وترتفع. [توهم المشركين] ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه. [القائلون ببطلان القصة] • وقد تكلم القاضي عياض - رحمه الله - في ((الشفاء)) على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفي ويكفي، لكن تعقب في بعضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. • وقال الإمام فخر الدين الرازي - مما لخصته من تفسيره - هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾(١) وقال الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾(٢). = في كتابنا ((أضواء على دراسة السيرة)) وهو من مطبوعات المكتب الاسلامي. أما رجوع المهاجرين فيرجع إلى خبر كاذب روجته قريش بأن هدنة قامت بينهم وبين الرسول وَلَ [م] . (١) سورة النجم. الآية ٣ . (٢) سورة الأعلى. الآية ٦ . - ٢٤٩ - وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون. وأيضاً: فقد روى البخاري في صحيحه أنه وَّ قرأ سورة النجم وسجد، وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق(١). بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك. ويبطل قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾(٢) فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها. انتهى. [تخريج القصة] وليس كذلك. بل لها أصل. فقد خرجها: ابن أبي حاتم(٣)، والطبري، وابن المنذر (٤)، من (١) رواه البخاري برقم ٤٨٦٢. (٢) سورة المائدة. الآية ٦٧. (٣) الحافظ أبو محمد، عبد الرحمن بن محمد التميمي الرازي، صاحب التصانيف الكثيرة، الثقة، كان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وقد ناهز التسعين. (٤) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، نزيل مكة، صاحب التصانيف، = - ٢٥٠ - طرق عن شعبة (١) عن ابن بشر(٢)، عن سعيد بن جبير. وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة (٣) في المغازي (٤)، وأبو معشر(٥) في السيرة. كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا / ٢٩/ متعقب بما سيأتي: وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام الحافظ (٦) أبو الفضل العسقلاني فقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق = الحافظ، كان غاية في معرفة الخلاف والدليل، فقيهاً مجتهداً لا يقلد أحداً، مات سنة تسع وثلاثمائة . (١) شعبة بن الحجاج الواسطي، أمير المؤمنين في الحديث، كان من سادات زمانه حفظاً وإتقاناً، وورعاً وفضلاً. قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. ولد سنة اثنتين وثمانين ومات بالبصرة سنة ستين ومئة. (٢) جعفر بن أبي وحشية ـ اسمه إياس - الواسطي، الثقة من رجال الصحيح، توفي سنة أربع وعشرين ومائة. (٣) ابن أبي عياش القرشي - مولاهم - المدني، التابعي الصغير، الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة. (٤) قال مالك: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتاب موسى، مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره. (٥) نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي، مولاهم، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه. مات سنة سبعين ومائة . (٦) في (ط، ش): والحافظ، وفي (ب، د): والحفاظ. - ٢٥١ - عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله وعليه بمكة والنجم، فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾(١) الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلاً إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور. قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك(٣) لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس (٤) بسند آخر فيه الواقدي. (١) سورة الحج: الآية ٥٢. (٢) باذان، عن مولاته أم هانىء وعلي، وعنه السدي وغيره. أخرج له أصحاب السنن، قال أبو حاتم لا يحتج به، وفي التقريب: إنه مقبول. (٣) محمد بن السائب، قال ابن الجوزي: إنه من كبار الوضاعين. وقال ابن حبان: يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها، لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به؟! مات سنة ست وأربعين ومائة. (٤) الإمام الحافظ الصدوق: أبو العباس، أحمد بن محمد بن عيسى المصري، ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيدة، روى عنه الحاكم. مات سنة ست وسبعین وثلاثمائة، عن خمس وثمانين سنة. - ٢٥٢ - وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولاً، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك عن موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري . وكذا أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي(١) ومحمد بن قيس وأورده من طريق الطبري. وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب(٢) عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي (٣)، وأيوب (٤) عن عكرمة، وعن سليمان التيمي(٥) عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس. (١) محمد بن كعب القرظي، نسبة إلى قريظة، عالم ثقة. ولد سنة أربعين، نزل الكوفة، ومات سنة عشرين ومائة . (٢) عباد بن صهيب، قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك. وابن المديني: ذهب حديثه، وقال ابن حبان، يروي المناكير عن المشاهير، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب. (٣) قيل اسمه: سلمى، وقيل: روح، ابن عبد الله، الأخباري، متروك الحديث، كما في التقريب. مات سنة سبع وستين ومائة، روى له ابن ماجه . (٤) أيوب بن كيسان البصري. التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيوب سيد الفقهاء ما رأيت مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً حجة عدلاً جامعاً. ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة. (٥) سليمان بن بلال التيمي، مولاهم، أحد علماء البصرة. قال ابن سعد: كان بربرياً جميلاً حسن الهيئة، عاقلاً ثقة، كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. - ٢٥٣ - وأوردها الطبري أيضاً من طريق العوفي (١) عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد. [رأي ابن حجر في طرق القصة] وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً. مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد(٢) عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٣)، فذكر نحوه. والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان(٤)، وحماد (١) عطية بن سعد بن جنادة، الجدلي الكوفي، أبو الحسن، صدوق شيعي مدلس، يخطىء كثيراً. إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصاً مع الشاهد. مات سنة إحدى عشرة ومائة. أخرج له أبو داود والنسائي والترمذي. (٢) الحافظ، روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه: الليث وابن وهب وغيرهما مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة. روى له الجميع ووثقه الجمهور مطلقاً . (٣) أبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، الثقة، أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث، من سادات قريش. ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث وتسعين. (٤) ابن طرخان التيمي، الثقة الحافظ، البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستة. - ٢٥٤ - ابن سلمة(١) كلاهما عن داود بن أبي هند(٢)، عن أبي العالية(٣). قال الحافظ ابن حجر(٤): وقد تجرأ ابن العربي(٥) - كعادته - فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه . وكذا قول القاضي عياض: («هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع إسناده)) وكذا قوله: ((ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية)). قال:(( وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا (١) حماد بن سلمة بن دينار المصري، أحد الأئمة الأثبات، العابد الزاهد الحافظ، مجاب الدعوة، احتج به مسلم والأربعة، والبخاري في التاريخ. مات سنة سبع وستين ومائة . (٢) داود بن أبي هند القشيري، مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة. (٣) رفيع بن مهران الرياحي البصري، التابعي الكبير، أسلم بعد الوفاة النبوية بسنتين قيل فيه: ليس بعد الصحابة أعلم منه بالقرآن، مات سنة تسعين. (٤) ما زال الكلام لابن حجر، وقد استمر النقل عنه حتى نهاية بحث الغرانيق. فتح الباري ٤٣٩/٨. (٥) الحافظ المتبحر في العلوم، محمد بن عبد الله الاشبيلي المالكي، القاضي، أبو بكر، له التصانيف الحسنة والمناقب الجمة. توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة . - ٢٥٥ - طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه)). ((ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك)). انتهى (١). وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً. وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى . فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه وَلّ أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس فيه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته . [تأويل القصة] وقد سلك العلماء في ذلك مسالك: · فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، / وهو ٢٩/ب لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة . (١) انتهى كلام القاضي عياض كما نقله عنه فتح الباري. - ٢٥٦ - ورده القاضي: عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي ** ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. · وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورده ابن العربي بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ الآية(١)، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. • وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق بحفظه وَير فجرى ذلك على لسانه لما ذكرهم سهواً. وقد رد ذلك القاضي عياض فأجاد. • وقيل: لعله قال ذلك توبيخاً للكفار. قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت جائزاً في الصلاة. وإلى هذا نحا الباقلاني(٢). وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي ◌َّر على عادتهم في قولهم: (لا تسمعوا لهذا (١) سورة إبراهيم. الآية ٢٢. (٢) القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب الباقلاني البصري ثم البغداي، الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة، الأصولي الأشعري المالكي. انتهت إليه رياسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه عظيم الجدل. توفي سنة ثلاث وأربعمائة . - ٢٥٧ - القرآن والغوا فيه) ونسب ذلك إلى الشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: إنه عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ الله تينك الكلمتين وأحكم آياته. ● وقيل: كان النبي ◌َّل يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمة النبي وَله بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، وأشاعها . قال(١): وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير ((تمنى)) بـ ((تلا)). وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله: في أمنيته، أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن سنة الله في رسله، إذا قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي ◌َ ◌ّر، لا أن النبي ◌َّ قاله. وقد سبق إلى ذلك الطبري، مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى (٢). (١) أي القاضي عياض. (٢) انتهى كلام فتح الباري ٤٣٩/٨ - ٤٤٠. أقول: كل هذا لا حاجة له بعد أن أبطلنا أصل القصة. انظر تعليقنا في أول الموضوع [المحقق] . - ٢٥٨ - [ الهجرة الثانية الى الحبشة ] [عدد المهاجرين] ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة. وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلاً إن كان عمار بن ياسر فيهم، وثماني عشرة امرأة (١). (١) [رسولا قريش إلى النجاشي] روى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: بعثت قريش عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد بهدية، فقدما على النجاشي، فدخلا عليه وسجدا له، وابتدراه فقعد واحد عن يمينه والآخر عن شماله، فقالا: إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: وأين هم؟ قال: هم بأرضك. فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فدخل فسلم، فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ فقال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولاً، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه. قال: فما تقولون فيهما؟ قال: نقول كما قال الله: روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد. فرفع النجاشي عوداً من الأرض فقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيد على الذي نقول فيه ما يسوي هذا. مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل ... وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما. [المسند ٤٦١/١]. - ٢٥٩ - وكان معهم عبيد الله بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصر هناك ثم توفي على دين النصرانية. وتزوج رسول الله وَر أم حبيبة بنت أبي سفيان سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه [خروج أبي بكر مهاجراً] وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه مهاجراً إلى الحبشة حتى بلغ برك الغماد (١)، ورجع في جوار سيد القارة، مالك بن الدغنة - بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة، وتخفيف النون. وبضم الدال والغين وتشديد النون - يعبد ربه في داره، وابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف (٢) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه. وكان أبو بكر رجلاً بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا لابن الدغنة: إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك. فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله. الحديث رواه البخاري (٣). (١) بَرْك الغِماد: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. هذا ما رجحه ابن حجر. (٢) قال الحافظ وأطلق ((يتقصف)) مبالغة، يعني لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحالة. (٣) رواه البخاري برقم ٢٢٩٧ . - ٢٦٠ -