النص المفهرس

صفحات 181-200

بل بقي عمره على حين غفلة من هذا كله. وفي الجاهلية من كان على
ذلك.
وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح
تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرههم بما تعدوا به من الخبائث،
والله سبحانه وتعالى قد سمى جميع هذا القسم كفاراً ومشركين، فإنا
نجد القرآن كلما حكى حال أحد سجل عليهم بالكفر والشرك،
كقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾ ثم قال: ﴿ولكن
الذين كفروا) الآية(١).
والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين.
وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال عليه
السلام في كل منهما: (أنه يبعث أمة وحدة)(٢).
وأما عثمان بن الحويرث، وتَبَّع وقومه وأهل نجران، فحكمهم
حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام
الناسخ لكل دين. انتهى(٣) ملخصاً وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث
المبعث إن شاء الله تعالى.
(١) سورة المائدة. الآية ١٠٣.
(٢) أخرج الطيالسي عن سعيد بن زيد أنه قال للنبي وَّر: إن أبي كان كما رأيته،
وكما بلغك، فاستغفر له، قال: نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده
وروى اليعمري عن ابن عباس مرفوعاً: ((رحم الله قساً إني أرجو أن يبعثه
الله أمة وحده).
(٣) أي كلام الأبي.
- ١٨١ -

[رأي المصنف في المسألة]
فهذا ما تيسر في مسألة والديه وَله، وقد كان الأولى ترك ذلك،
وإنما جرَّنا إليه ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر،
ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي(١)
حيث قال:
على فضل وكان به رؤوفاً
حبا الله النبي مزيد فضل
الإيمان به فضلاً لطيفاً(٢)
فأحيا أمه وكذا أباه
وإن كان الحديث به ضعيفاً
فسلم فالقديم بذا قدير
فالحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي
النبي وَالر، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو
وصف بوصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له
عند المخاطبة. وقد قال عليه السلام: (لا تؤذوا الأحياء بسبٍّ
الأموات)(٣) رواه الطبراني في الصغير، ولا ريب أن أذاه عليه السلام
كفر يقتل فاعله - إن لم يتب - عندنا (٤). وستأتي مباحث ذلك إن شاء
الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات.
(١) محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وطلب
الحديث وصنف تصانيف حسنة وصار محدث البلاد الدمشقية، مات سنة
اثنتين وأربعين وثمانمائة :
(٢) في ط: منيفا.
(٣) رواه أحمد والترمذي عن المغيرة بن شعبة، رفعه بلفظ (لا تسبوا الأموات
فتؤذوا الأحياء) المسند ٢٥٢/٤ .
(٤) سئل القاضي أبو بكر أحد أئمة المالكية عن رجل قال: إن أبا النبي ◌َّ في
النار. فأجاب: بأنه ملعون لقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله
لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾.
- ١٨٢ -

وقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله تعالى يثيبه
على قصده الجميل (١).
قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه: والظن بآله - يعني الذين
ماتوا قبل البعثة - أنهم يطيعون عند الامتحان إكراماً له وَ ي لتقر عينه .
وقال في الأحكام(٢): ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة
في جملة من يدخلها طائعاً فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم
یؤمن.
(١) لعل المصنف يشير بكلامه إلى الإمام السيوطي، الذي ألف ست مؤلفات
في هذا الموضوع.
(٢) وكذا في الإصابة.
- ١٨٣ -

[ حياته
صَلى الله
وَسِلة
قبل البعثة ]
[كفالة جده ثم عمه]
وقد كانت أم أيمن، بركة، دايته وحاضنته بعد موت أمه
٢١/ب /، وكان عليه السلام يقول لها: أنت أمي بعد أمي.
ومات جده عبد المطلب كافله(١)، وله ثمان سنين - وقيل ثمان
سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل
ثلاث وفيه نظر - وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.
وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد
أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله.
وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة
وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب
العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس
دجن(٢)، تجلت عنه سحابة قتماء، حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب،
(١) روي أنه لما ماتت أمه، ضمه إليه جده، ورق عليه رقة لم يرقها على ولده،
وذكر ابن إسحاق: أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة،
وكان لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالاً له، وكان ◌َّ يأتي حتى يجلس
عليه، فتذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني، ويمسح
على ظهره بيده، ويقول: إن لابني هذا شأناً.
(٢) الدجن: الغيم المطبق، والمعنى: كأنه شمس في يوم غائم، والسحابة =
- ١٨٤ -

فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه، وما في السماء قزعة، فأقبل
السحاب من ها هنا وها هنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادي،
وأخصب النادي والبادي. وفي ذلك يقول أبو طالب :
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
فهم عنده في نعمة وفواضل (١)
يلوذ به الهلاك من آل هاشم
والثمال - بكسر المثلثة -: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في
الشدة .
وعصمة للأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل:
المساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على
انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخص، وأكثر استعمالاً، والواحد أرمل وأرملة .
وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب، ذكرها ابن إسحاق
بطولها، وهي أكثر من ثمانين بيتاً. قالها لما تمالأت قريش على النبي
وَّ، ونفروا عنه من يريد الإسلام، وأولها:
لما رأيت القوم لا ود عندهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل (٢)
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى
فلا تشركوا في أمركم كل واغل
أعبد مناف أنتم خير قومكم
= القتماء: التي يعلوها سواد غير شديد، وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس
يوم الغيم حين ينجلي سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس
ليست محرقة .
(١) هذا البيت لم يذكر في (ب) .
(٢) في ب: الوصائل .
- ١٨٥ -

تکونوا کما کانت أحادیث وائل
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم
علينا بسوء أو ملح بباطل
أعوذ برب الناس من كل طاعن
وراقٍ لبر في حراء ونازل
وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه
وتالله إن الله ليس بغافل
وبالبيت حق البيت في بطن مكة
ولمانطا عن دونه ونناضل
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً
ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع .
ونُبزي : - بضم النون وسكون الموحدة آخره زاي - أي نقهر
ونغلب عليه،
قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلاً على أنه كان
يعرف نبوة النبي وسلّر قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه.
وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحاق ذكر أن
إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد البعثة، ومعرفة أبي طالب بنبوته
عليه السلام جاءت في كثير من الأخبار.
وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلماً.
قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءاً جمع فيه شعر أبي
طالب، وزعم أنه كان مسلماً، وأنه مات على الإسلام، وأن
الحشوية (١) تزعم أنه مات كافراً، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى (٢).
(١) الحشوية: هم المنتمون للظاهر، قيل سموا بذلك لقول الحسن البصري لما
رأى سقوط كلامهم - وكانوا يجلسون في حلقته - ردوا هؤلاء إلى حشا
الحلقة، أي جانبها.
(٢) أي كلام الحافظ في كتاب الاستسقاء.
- ١٨٦ -

[السفر إلى الشام وقصة بحيرى]
ولما بلغ رسول الله وَلير اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي
طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب، واسمه
/ جرجيس، فعرفه بصفته فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد ١/٢٢
العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟
فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر
ساجداً، ولا يسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة، في أسفل من
غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن
يرده خوفاً عليه من اليهود.
والحديث رواه ابن أبي شيبة، وفيه: أنه وَّ أقبل وعليه غمامة
تظله .
و((بحيرى)) - بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية
آخره راء مقصورة - قال الذهبي - في تجريد الصحابة -: رأى رسول الله
5* قبل البعثة وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة.
وهذا ينبني على تعريفهم الصحابي: بمن رآه وَّل، هل المراد حال
النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها
على دين الحنيفية. وهو محل نظر، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله في
المقصد السابع.
وخرج الترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه - أن في هذه
السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله عليه السلام، فاستقبلهم
بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا
الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمراً أراد
الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال:
- ١٨٧ -

فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب. وبعث معه أبو بكر بلالاً.
قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. انتهى.
وضعف الذهبي الحديث لقوله في آخره: ((وبعث معه أبو بكر
بلالاً)) فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلاً، ولا اشترى بلالاً.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس
فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من
حديث آخر وهماً من أحد رواته.
وفي حديث عند البيهقي وأبي نعيم: أن بحيرى رآه - وهو في
صومعته - في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم،
ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريباً منه، فنظر إلى الغمامة حين
أظلت الشجرة، وتهصرت(١) أغصان الشجرة على رسول الله وَل حتى
استظل تحتها. الحديث.
وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء من
حاله: من نومه وهيئته وأموره. ويخبره رسول الله وَل فيوافق ذلك ما
عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من
صفته التي عنده.
وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة، وغمامة
تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن
عساكر. ولله در القائل:
إن قال(٢) يوماً ظللته غمامة هي في الحقيقة تحت ظل القائل
(١) أي مالت وتدلت.
(٢) المراد: إن دخل في وقت القيلولة.
- ١٨٨ -

ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه
وَ الر كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان
في ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل رحمه الله(١).
وأخرج ابن منده(٢)، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر
الصديق رضي الله عنه صحب النبي ◌ّر وهو ابن ثمان عشرة، والنبي
وَّ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزل منزلاً
فيه سدرة، فقعد في ظلها، ومضى(٣) أبو بكر إلى راهب يقال له
بحيرى، يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل
الشجرة، فقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله
نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى عليه السلام إلا محمد. ووقع في
قلب أبي بكر التصديق، فلما بعث النبي ◌َّ اتبعه.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة: إن صحت هذه
القصة / فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. انتهى.
٢٢/ب
(١) وهذا مخالف لما تشهد به الأحاديث من أنه عليه السلام كان يحس بالبرد
والحر، ففي حديث الهجرة عند البخاري: أن الشمس أصابته وَّله وظلله
أبو بكر بردائه.
وفي البخاري أيضاً: أنه كان بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، وروى
ابن منده والبيهقي مرفوعاً: لا نصبر على حر ولا برد، وروى أحمد بسند
جيد أنه وَل وضع يده على طعام حار فاحترقت أصابعه فقال: حس.
(٢) أبو عبد الله، محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني، الحافظ الجوال، ختام
الرحالين، وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف.
سمع ألفاً وسبعمائة وعاد من رحلته وكتبه أربعون جملاً، مات سنة خمس
وخمسين وثلاثمائة .
(٣) في (ط) و(ش): ذهب.
- ١٨٩ -
--

[التجارة بمال خديجة]
ثم خرج بَلٍ(١) أيضاً ومعه ميسرة (٢) غلام خديجة ابنة خويلد
ابن أسد، في تجارة لها حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة
بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من
ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل
تحت ظل هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية بعد عيسى. وكان ميسرة
يرى في الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في
ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، فرأت رسول الله وَلّر وهو على
بعيره وملكان يظلان عليه(٣). رواه أبو نعيم.
[زواجه ◌َ* من خديجة]
وتزوج ◌َ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوماً -
وقيل: كان سنه إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين - وكانت تدعى في
الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي(١)،
(١) وسبب ذلك كما رواه الواقدي وابن السكن :... أن خديجة أرسلت إليه
وقالت: دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك
وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك. فذكر ذلك
لعمه فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.
(٢) قال في النور: لا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه، وظاهر أنه توفي قبل
البعث، وفي الإصابة: لم أقف على رواية صحيحة صريحة في أنه بقي إلى
البعثة .
(٣) وهل كانت رؤية الملائكة ميسرة للناس بهذا الشكل؟! [م].
(٤) قال في فتح الباري: مات أبو هالة في الجاهلية.
- ١٩٠ -

فولدت له هندا (١) وهالة(٢)، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد
المخزومي فولدت له هنداً(٣).
وكان لها - حين تزويجها بالنبي وَلـ ـ من العمر أربعون سنة
وبعض أخرى.
وكانت عرضت نفسها عليه(٤)، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه
(١) الصحابي، راوي حديث صفة النبي وَله، شهد بدراً، وقيل أحداً، روى
عنه الحسين بن علي فقال: حدثني خالي، لأنه أخو فاطمة لأمها، وكان
فصيحاً بليغاً وصافاً. وكان يقول: أنا أكرم الناس أباً وأماً وأخاً وأختاً، أبي
رسول الله وَ﴿، وأخي القاسم، وأختي فاطمة، وأمي خديجة. رضي الله
عنهم، قتل يوم الجمل مع علي، قاله الزبير بن بكار.
(٢) قال أبو عمر: له صحبة، أخرج المستغفري عن عائشة: قدم ابن لخديجة
يقال له هالة، والنبي ◌َّ قائل، فسمعه فقال: هالة هالة هالة، وأخرج
الطبري عن هالة قريباً منه.
(٣) أسلمت وصحبت ولم ترو شيئاً. قال الدراقطني: فهي أنثى.
(٤) عن ابن إسحاق: فعرضت عليه نفسها فقالت: يا ابن عم: إني قد رغبت
فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك.
وروى ابن سعد من طريق الواقدي، عن نفيسة بنت منية قالت: كانت
خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير،
وهي يومئذ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً، وكل قومها
كان حريصاً على نكاحها، لوقدر على ذلك، طلبوها وبذلوا لها الأموال.
فأرسلتني دسيساً إلى محمد بَلّ بعد أن رجع في عيرها من الشام،
فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به، قلت:
فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ =
- ١٩١ -

منهم حمزة(١) حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.
فتزوجها عليه السلام، وأصدقها عشرين بكرة، وحضر أبو
[طالب (٢)] ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل،
وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه،
وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم
إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا رجح به،
فإن كان في المال قل ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن
قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من
الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو - والله - بعد هذا له نبأ
عظيم وخطر جليل، فزوجها(٣).
والضئضىء: الأصل.
وحضنة بيته: أي الكافلين له والقائمين بخدمته.
وسواس حرمه: أي: متولي أمره.
= قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ فذهبت فأخبرتها،
فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا ..
(١) كذا عند ابن إسحاق، وعند السهيلي: أن أبا طالب هو الذي نهض معه،
وهو الذي خطب خطبة النكاح. قال في النور: فلعلهما خرجا معه جميعاً.
(٢) في (أ، د، ط): أبو بكر .
قال الشارح: (وحضر أبو طالب) هذا هو الصواب، المذكور في الروض
وغيره وما في نسخ: أبو بكر، لا أصل له، وقد صرح المصنف نفسه
بالصواب في المقصد الثاني.
(٣) بالبناء للمفعول. وفي رواية: فتزوجها صلى الله عليه وسلم.
- ١٩٢ -

قال ابن إسحاق: وزوجه إياها خويلد.
وقد ذكر الدولابي وغيره: أن النبي ◌َّفي أصدق خديجة اثنتي عشرة
أوقية ذهباً ونشاً. قالوا: وكل أوقية أربعون درهماً، والنش: نصف أوقية.
[بناء الكعبة]
ولما بلغ ◌َليّ خمساً وثلاثين سنة (١)، خافت قريش أن تنهدم
الكعبة من السيول، فأمروا باقوم - بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو
ساكنة فميم - النجار النبطي (٢) مولى سعيد بن العاصي، وصانع المنبر
الشريف، بأن يبني الكعبة المعظمة.
وحضر ◌َّ وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم
على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك وَله فلبط به - بالموحدة،
کعنی أي سقط من قيامه كما في القاموس - ونودي: عورتك، فكان
ذلك أول ما نودي(٣). فقال له أبو طالب أو العباس: يا ابن أخي
اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابني ما أصابني إلا من
التعري (٤).
(١) هذا ما جزم به ابن إسحاق، وهو قول غير واحد من العلماء، وقال
الحافظ: هو الأشهر.
(٢) في (ط، ش، د) القبطي.
(٣) روى الشيخان عن جابر قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي وَلّ والعباس
ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ◌َله: اجعل إزارك على رقبتك يقيك
الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال:
إزاري إزاري، فشد عليه إزاره فما رؤي بعد ذلك عرياناً.
(٤) تتمة :
[الخصومة في وضع الحجر]
وروى ابن راهويه: في حديث عن علي: فلما أرادوا أن يضعوا الحجر =
- ١٩٣ -

٠ ٠٠٠
٠٠٠
= الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة،
فكان ◌َّ أول من خرج فحكم بينهم: أن يجعله في ثوب ثم يرفعه من كل
قبيلة رجل.
وذكر الطيالسي: أنهم قالوا: نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة،
فكان أول من دخل منه، فأخبروه، فأمر بثوب فوضع الحجر في
وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه. ثم أخذه
فوضعه بیده.
وذكر الفاكهي وابن إسحاق أن الذي أشار عليهم أن يحكموا أول
داخل: أبو أمية المخزومي أخو الوليد. وعند موسى بن عقبة: أن المشير:
أخوه الوليد.
- ١٩٤ -

[ مبعث النبي
[
صلى الله
وَس
[ذكر وقت المبعث]
ولما بلغ رسول الله وَ ل ل أربعين سنة وقيل: وأربعين يوماً، وقيل:
وعشرة أيام، وقيل: وشهرين ، يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من
رمضان - وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة -.
وقال ابن عبد البر: يوم الإثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى
وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع:
بعثه الله رحمة للعالمين، ورسولاً إلى كافة الثقلين أجمعين.
ويشهد لبعثه يوم الإثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه وَله
سئل عن صوم الإثنين فقال: ((فيه ولدت وفيه أنزل علي))(١).
وقال ابن القيم في ((الهدي النبوي)): واحتج القائلون بأنه كان
في رمضان بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾(٢).
قالوا: أول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن.
وقال الآخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى
(١) رواه مسلم، كتاب الصيام، برقم ١٩٨ .
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٥.
- ١٩٥ -

١/٢٣ بيت العزة، ثم نزل نجوماً بحسب / الوقائع في ثلاث وعشرين
سنة .
وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب.
[حديث بدء الوحي]
وروى البخاري في ((التعبير) (١) من حديث عائشة: ((أول ما
بدىء به رسول الله ◌ّير من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا
يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان يأتي حراء فيتحنث فيه
- وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى
خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأة الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء، فأخذني
فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ ، فقلت: ما أنا
بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني،
فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ
مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ - حتى
بلغ - ﴿ما لم يعلم﴾.
فرجع بها رسول الله وَلجر يرجف فؤاده، حتى دخل على خديجة،
فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا
خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي.
(١) رواه البخاري في كتاب التعبير، وفي التفسير، وفي بدء الوحي، والإيمان،
لكنه اختار ما في التعبير لأن سياقه فيه أتم، فذكر الحزن والتردي إلى آخر
الحديث إنما هو فيه دون تلك المواضع، ودون كتاب مسلم، ولذا لم يعزه
لهما .
- ١٩٦ -

فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل
الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على
نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن
عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها - وكان امرءاً
تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعربية من
الإنجيل ما شاء الله أن يكتب - وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له
خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ماذا
ترى؟ فأخبره النبي وَلّ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي
أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً حين يخرجك
قومك. فقال رسول الله وَله: أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم
يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك
نصراً مؤزراً.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي
محلّ فيما بلغنا (١) حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق
(١) جاء في فتح الباري: ((ثم إن القائل: فيما بلغنا، هو الزهري. ومعنى
الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صل# في هذه القصة،
وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً، وقال الكرماني، هذا هو الظاهر،
ويحتمل أن يكون بالاسناد المذكور)) ٣٥٩/١٢ [م] .
وقال الشارح: وهذا البلاغ ليس بضعيف، كما ادعى عياض متمسكاً
بأنه لم يسنده، لأن عدم إسناده لا يقدح في صحته، بل الغالب على الظن
أنه بلغه من الثقات لأنه ثقة. ثم إن معمراً لم ينفرد به عن الزهري، بل
تابعه عليه يونس بن يزيد - عند الدولابي - ورواه ابن سعد من حديث ابن
عباس بنحوه.
- ١٩٧ -

الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدی له جبريل
فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه
فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة
جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك))(١).
[بيان بعض معاني الحديث]
• وقد تكلم العلماء في معنى قوله ◌َله لخديجة: ((قد خشيت على
نفسي)) فذهب الإسماعيلي(٢) إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن
يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله. وكان
أشق شيء عليه أن يقال عليه مجنون.
وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو(٣)، فإنه
بشر يخشى من القتل والأذية، كما يخشى البشر(٤).
• وقوله: ((ما أنا بقارىء)) أي: أنا أمي فلا أقرأ الكتب.
• وقال القاضي عياض: إنما ابتدىء ◌َلّر بالرؤيا، لئلا يفجأه
الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدىء بأوائل
خصال النبوة وتباشير الكرامة. انتهى.
(١) رواه البخاري في كتاب التعبير، الباب الأول رقم الحديث ٦٩٨٢ .
(٢) الإمام الحافظ الثبت، أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس
الإسماعيلي الجرجاني، قال الحاكم: كان واحد عصره، وشيخ المحدثين
والفقهاء وأجلهم رئاسة ومروءة وسخاء، علا إسناده، وتفرد ببلاد العجم،
مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة .
(٣) أي: لا عجب،
(٤) أعتقد أن المعنى القريب المفهوم من الحديث: أن الخشية على نفسه إنما كان
مصدرها شدة الجهد الذي تحمله عند غط جبريل له. ولا حاجة لهذه
التعليلات البعيدة عن مفهوم النص. [المحقق] .
١٩٨ -

فإن قلت: فلم كرر قوله ((ما أنا بقارىء)) ثلاثاً؟
أجاب أبو شامة(١) كما في فتح الباري: بأن يحمل قوله أولاً ((ما
أنا بقارىء)) على الامتناع، وثانياً: على الإخبار بالنفي المحض، وثالثاً:
على الاستفهام.
• والحكمة من الغط ثلاثاً، شغله عن الالتفات لشيء آخر،
وإظهاراً للشدة والجد في الأمر، تنبيهاً على ثقل القول الذي سيلقى
علیه (٢).
وقيل: إبعاداً لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات
الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
• فإن قلت: من أين عرف ◌َ ليل أن جبريل ملك من عند الله،
وليس من الجن؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل / عليه ٢٣/ب
السلام معجزات عرفه بها. كما أظهر الله تعالى على يد محمد واله
معجزات عرفناه بها.
وثانيهما: إن الله تعالى خلق في محمد رَليّ علماً ضرورياً بأن
جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق
في جبريل علماً ضرورياً بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له
ربه تعالى لا غير.
(١) الإمام الحافظ العلامة، أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم
المقدسي ثم الدمشقي الشافعي، المقري النحوي، المتوفى سنة خمس وستين
وستمائة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
(٢) قاله البيضاوي.
- ١٩٩ -

• وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعاً. الضمير للنبوة، أي: ليتني
كنت شاباً عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع:
من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شاباً فتياً.
[سلام الشجر والحجر]
وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية الثقفي عن بعض
أهل العلم أن(١) رسول الله وَّر حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة
كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول
الله خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من
الحجارة. وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله .
الحديث.
[رواية أخرى لبدء الوحي]
وعن جابر: أن رسول الله وَ له قال: (جاورت بحراء شهراً،
فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً
ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت
رأسي فرأيت شيئاً فلم أثبت له، فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني
وصبوا على ماء بارداً فنزلت: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر﴾
الآية وذلك قبل أن تفرض الصلاة) رواه البخاري ومسلم والترمذي(٢).
(١) في ش: عن بعض أهل رسول ...
(٢) وكذا النسائي.
أخرجه البخاري برقم ٤٩٢٢ ومسلم في كتاب الإيمان برقم ٢٥٧
والمسند ٣٠٦/٣.
- ٢٠٠ -